قلبي مشغول بمن - الموسم 1 - الحلقة 29 - د. رقية العلواني

قلبي مشغول بمن؟

د. رقية العلواني

الحج – لبّيك الله قلباً

تفريغ سمر الأرناؤوط لموقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسعد الله أيامكم بكل خير وطاعة. "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك". بدأت أصوات الملبين والحجيج تعالى في الآفاق وبدأت القلوب والمشاعر تهتز وتطير شوقاً لذاك البيت العظيم الذي دعا الرب سبحانه وتعالى عباده لزيارته ولحجّه ولقصده سواء منا من عزم على الحج هذا العام ومن لم يكتب له الله الحج في هذا العام ولكنه بيّت النية بصدق وبعزم شديد على تلبية نداء ربه.

استوقفتني كثيراً كلمات التلبية حرّكت مشاعري، حرّكت عواطفي فقلت في نفسي أتأمل معكم في التلبية في هذه الدقائق. صحيح أن هذه التلبية "لبيك اللهم لبيك" نداء يقوله الحجيج تلبية لدعوة ربهم حين قال (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ (27) الحج) ولكن التلبية هي شعار المؤمن في كل وقت شعار المؤمن الذي تحركت مشاعره لكل نداء يصدر من خالقه سبحانه أمراً أو نهياً في كل شأن من شؤون الحياة. ففي كل شأن هناك دعوة وهناك أمر وهناك قول من الله سبحانه وتعالى عليّ كمؤمن أن ألبّي النداء أن أقول لبيك اللهم لبيك بقلبي قبل كل شيء آخر. "لبيك اللهم لبيك" شعار التوحيد، شعار القلب الصادق الذي أخلص في التوجّه لخالقه سبحانه واستجاب لأمره ووقف عند حدود نهيه فلا يتجاوز ولا قدر شعرة. هذا النداء وهذه التلبية هي ما نحتاج اليوم لإحيائها وتجديدها في حياتنا من جديد. "لبيك اللهم لبيك" في توحيدي، في توجّهي إليك، في حسن ظني بك، في صدقي ويقيني بأنك أنت الله الرزّاق ذو القوة المتين. لبيك اللهم لبيك حمداً وشكراً وإحساساً وتقديراً للنعم التي أنعمت بها عليّ في كل نَفَس من أنفاس الحياة.

وهنا تستوقفني قصة: أحد الأشخاص يعمل في مستشفى يقول ذات يوم جاءني شخص مسؤول في المستشفى الخاص فقال لي جهّز الأوراق هناك أحد الكبراء من الناس سيأتي بعض قليل فنريد كل الأوراق جاهزة. يقول فقلت يا الله! وقفت أنتظر الشخص المعني عند باب المستشفى فإذا بسيارة طويلة عريضة فخمة في كل شيء – متاع الدنيا – وقفت وفُتح الباب وخرج منها رجل ثم نزل آخر ليأتي بكرسي متحرك نزل عليه رجل مسنّ إحدى ساقيه مبتورة وسار على الطريق وأدركت بأن الرجل المعني الكبير هذا هو ذاك الرجل الذي قد بترت ساقه. يقول: استقبلته وذهبت معه وإذا بالرجل تظهر على وجهه علامات الألم التعب فسألته قلت: ما الأمر؟ قال لي: أنا مصاب في ساقي الثانية مرض السكري وأعراضه – نسأل الله لجميع المسلمين العفو والعافية – وأنا الآن قد جئت لتبتر ساقي الأخرى. الرجل الذي استقبل المسنّ يقول: وقفت صامتاً كأن شيئاً قد وقع على رأسي، لماذا؟ كنت في قلبي وأنا أنظر إلى السيارة الفخمة والاستقبال وكل شيء من مظاهر الدنيا المعتادة والبهرجة التي تأخذنا أحياناً كثيرة بعيداً عن خالقنا سبحانه وتعالى وعن حكمته في كل شيء، يقول أنا كانت تختلج نفسي مشاعر متعددة منها: يا سبحان الله! ناس تركب سيارات آخر موديل وأنا سيارتي اليوم في التصليح!! هذا ما كان يجول بخاطر الموظف البسيط صاحب المرتَّب المتواضع وهو يمشي على قدميه بصحة وعافية ونعمة وينظر إلى سيارة يمتلكها شخص بساقين مبتورتين!. يقول: هزّت مشاعري تلك المواقف، غيّرت من حياتي.

وأنا أقول وأنا أتأمل معكم هذه القصة: يا ترى كم من نعمة أنا عجزت عن أن أستشعر بمعنى الحمد والشعور بعظمتها وأنا أمتلكها؟! وهي من خالقي سبحانه دون مقابل، ربي لا يطلب منا مقابلاً. أعطانا كل ما أعطانا من نعم، نحن نتقلب في نعمه دون مقابل ولكن أنا كعبد كمسلم كمؤمن أحتاج أن أستشعر عظمة هذه النعم التي أملك، أحتاج أن أجدد إحساسي فيها لأستشعر معنى التلبية وأنا أقول مع الحجيج لبيك اللهم لبيك. أجبت دعوتك في كل ما تدعوني إليه، أجبت دعوتك ونداءك في كل ما تطلب مني الحمد والشكر فأنا أقول لبيك اللهم لبيك، لبيك قلباً يلهج بالحمد والشكر على نعمك وعطائك التي لا تعد ولا تحصى. لبيك اللهم لبيك حين أقول وأكرر الحمد لله رب العالمين. لبيك اللهم لبيك قلباً مفعماً بالحب والحمد والشكر لخالقه سبحانه يقف عاجزاً أمام كل النعم التي أتقلب فيها، لبيك اللهم لبيك قلباً صابراً محتسباً متأكداً واثقاً متيقناً بأن ما قسمته لي هو خير لي في ديني ودنياي، الرضا. لبيك اللهم لبيك قلباً راضياً قانعاً قنوعاً بما قسمت لي من متاع الحياة الدنيا وبما زويت عني ومنعت عني لأني واثق ومتيقن أنك سبحانك ما زويت عني شيئاً من متاعها فهو خير لي. لبيك اللهم لبيك قلباً قد رضي بقضائك رضي بنعمك رضي بعطائك رضي بمنعك رضي بما قدّمت رضي بما أخّرت. لبيك اللهم لبيك لبيك قلباً ما عاد يهمه في الكون إلا أن يرضيك ربي. لبيك اللهم لبيك لبيك قلباً يثق أن بقاءه في النيا محدود مسافر حمل معه أمتعة السفر ولكنه مدرك ومتيقن وخاضع لقوله سبحانه (وَتَزَوَّدُوا) في سياق آيات الحج (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ (197) البقرة) لبيك اللهم لبيك قلباً لا يريد شيئاً سوى أن يتقيك سوى أن يقف عند أمرك ونهيك، لبيك اللهم لبيك. بعض الناس يستخدم كلمة لبيك حتى مع البشر فتقول له يا فلان فيقول لك لبيك، أجبت. أتساءل متى نحن البشر نحن اليوم متى نقول لبيك بصدق، بحب لله بحب لأوامره لأن التلبية فيها حب، التلبية لا تقال بدون حب. أنا يمكن أن أنفذ أمر رئيسي مسؤولي في العمل بدون حب لأنه فقط رئيسي، مسؤولي، وحين تتفرغ الأشياء والأوامر والعلاقة مع الله وله المثل الأعلى من الحب لا يعود لها معنى، ولهذا نحن نقف نصلي في بعض الأحيان وكأننا ما صلينا! وقد نذهب للبيت ونحج البيت وما حججنا!. لبيك اللهم لبيك لبيك قلباً يحبك، لبيك قلباً يحب أوامرك لبيك قلباً يحب أن يقف عند ما نهيت، لبيك قلباً قبل أن يكون فعلاً وعملاً، لبيك؟

دعونا نتفق ونحن في أيام العشر من ذي الحجة أفضل أيام الدنيا على الإطلاق وما من شيء أحبُّ إلى الله من عمل صالح في مثل هذه الأيام. دعونا نؤكد ونذكِّر بعضنا البعض بالنيّة والصدق مع الله عز وجل، دعونا نجعل التلبية شعاراً في حياتنا شعاراً في نهارنا شعاراً في ليلنا، شعاراً في تعاملنا، شعاراً في عملنا، اتقِن العمل، أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخُن من خانك، كل ما تحت أيدينا من أعمال من أمور أمانات سنُسأل عنها والذي سيسألنا عنها هو ربي سبحانه وتعالى فقل له لبيك يا من قلت وقولك الحق (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا (58) النساء) لبيك اللهم قلباً أميناً، لبيك نفساً أمينة لا تقبل بالخيانة ولو حتى مع من خان، لبيك قلباً مؤمناً بأوامرك، لبيك قلباً خاضعاً مخبتاً لكل ما أمرت به سبحانك. دعونا نتفق أن تكون التلبية شعاراً لنا في هذه الأيام العظيمة، شعار فعلي، شعار عملي، دعونا نتفق على أن نكبّر ونحيي سنة التكبير اتباعاً لسنة حبيبنا صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك. ودعونا نتأمل في التكبيرات ونحن نردد الله أكبر الله أكبر الله أكبر دعونا نجعل حقاً الله أكبر من كل أحد في حياتنا، في قلوبنا، في توجهنا، في توحيدنا في اِخلاصنا بالنية لله عز وجل. كن واثقاً كن متأكداً أن لا أحد أكبر منه سبحانه وتعالى فلا تكبِّر أحداً سواه في قلبك لا تكبر أحداً حين تستعين به دون الله، لا تكبر أحداً سواه حين تتوجه بإرضاء فلان وعلان دون أن تتوجه بقلبك لإرضاء خالقك سبحانه وتعالى. الله أكبر الله أكبر اجعل الله أكبر من كل أحد في تفكيرك وفي همّك فيما يشغلك من أمور الحياة من مشاغل الحياة المختلفة من الاهتمامات المتعددة في حياتنا، الله أكبر، اجعلها شعاراً تلبية وتكبير. أعجبني موقف من إحدى الصديقات قالت لي سجلت على اشرطة كاسيت –انظروا إلى الصدقة قد تكوت صدقة بشيء بسيط، بكلمة واحدة تنشرها – تقول: فقمت بتسجيل على أشرطة كاسيت تكبيرات العيد الله أكبر الله أكبر قبل أن نبدأ العشر الأوائل من ذي الحجة، تقول قمت بتوزيعها كهدية على كل بيوت الجيران في المكان الذي أعيش فيه فبدأ الجيران فعلاً غيّروا رنّات الهواتف فأصبحت رنّات الهواتف كلها تكبيرات. تقول كلما دخلت الحيّ كلما دخلت الشارع أسمع صوت التكبيرات ينبعث من ذاك البيت أو بيت جارتي، ما أجمل وما أعظم العمل الصالح نقوم بنشره ولو كان "الله أكبر" لفظ، كلمة. ساهم في الخير ساهم بالعمل الصالح تزود منه بكل ما لديك فأنت في سباق وقد شمّر المتسابقون عن سواعد الجدّ فتسابق معهم، اركب معهم اِلحق معهم في ركب السباق واجعل شعارك والنية الصادقة وصدقك مع الله عز وجل في التلبية وفي (الله أكبر) هي التي يمكن أن تكون خير وقود وخير زاد لذاك السباق (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك).

وأود أن أزف إليكم جميعاً على الرغم من المسافات المتباعدة وعدم المعرفة السابقة بيننا سوى ما تعارفنا عليه من التدبر والتفكر في كتاب الله وما اجتمعنا عليه من ذكر الله أني قد نويت الحج وأني سأسافر للحج هذا العام ولكل واحد منكم مني دعوة في بيت الله الحرام وفي كل مشعر من المشاعر المقدسة أدعو الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا له كما يحب سبحانه ويرضى يجعلنا من الصادقين يجعلنا من الأمناء يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه على وعد بإذن الله إن تيسر لي أن يكون لي بعض الأحاديث هناك من المشاعر المقدسة أنقلها إليكم. إلى أن ألقاكم على خير أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 



التعليقات

  1. randaabdelaziz علق :

    شكرا جزيلا وجزاكم الله خيرا والحمد لله على معرفتي بكم

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل