قلبي مشغول بمن - الموسم 1 - الحلقة 23 - د. رقية العلواني

قلبي مشغول بمن؟ 23

د. رقية العلواني

تفريغ سمر الأرناؤوط لموقع إسلاميات حصريًا

 

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اليوم استوقفني حديث للنبي صلى الله عليه وسلم "من لم يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم ومن لم يُصبح ويُمسي ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامّة المسلمين فليس منهم". استوقفتني في هذا الحديث على وجه التحديد بعض الكلمات، الكلمة الأولى "من لم يهتمّ" ومعنى كلمة "يهتمّ" أي يجعل الموضوع من اهتماماته الشخصية أي يجعل الموضوع في حسابه، أي يجعل الموضوع من أولوياته، أي ينام حين يريد أن ينام والموضوع قد شغل عليه باله أي الموضوع قد احتلّ حيّزاً من تفكيره ومشاعره وعواطفه ويصبح حين يصبح في الصباح وأول ما يخطر بباله ويطرأ عليه هو ذلك الموضوع المتعلق بالمسلمين. الكلمة الأخرى "من لم يُصبح ويُمسي ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم" هذه الكلمات وغير هذه الكلمات إستوقفتني كثيراً وأنا أتأمل ما يدور حولنا وما يحدث حولنا من مصائب وابتلاءات وامتحانات قد بُلي فيها إخوان لنا في الدين بعض المسلمين صغاراً وكباراً، نساء ورجالاً، شباباً وفتية. الآن في هذه الساعة التي نتحدث فيها في كل لحظة ونحن نأكل أو نشرب أو ننام أو يغمض لنا جفن يتعرضون لأشكال متعددة من المحن والابتلاء قتل وضرب وسفك وترويع وتجويع وأشياء أخرى ربما لا نعلمها ولكن الله سبحانه وتعالى المطّلع على الغيب يعلمها، لا يعلمها فقط ولكن هنام مشؤولية سنساءل نحن كمسلمين عنها. قد يقول البعض ويبادر بالقول "ليس باليد حيلة" هذه الكلمة العوجاء العرجاء الشوهاء التي أصابت إسلامنا وإيماننا في مقتل، التي حوّلت جموع وآلآف من المسلمين إلى قطعان تُساق، إلى قطعان تلبّدت فيها مشاعر الإحساس والأرجل -المعذرة منكم جميعاً- قد يقول البعض لِم كل هذا الحماس؟ ولم كل هذه المشاعر؟ ما يحدث اليوم ولك لكي تتعرف على ما يحدث لك أن تأخذ بعض الدقائق من وقتك وتفتح على القنوات الإخبارية في التلفاز وستعلم ماذا يحدث من حولنا، أصبحنا تلبدت فينا مشاعر الإحساس والشعور بالأخوة والشعور بالتعاطف مع الغير ومع المسلمين بشكل خاص إلى الحدّ الذي بتنا نتفرج على صور الدم والسحل والقتل والسحل والتعذيب ونحن نحتسي كوباً من الشاي أو كوباً من القهوة! أين مشاعر الأخوّة؟ أين مشاعر المحبة؟ أين نحن من هذا الحديث حين أقف بين يدي الله عز وجل ويسألني ويقول كيف كان اهتمامك بأمر المسلمين؟ كيف كانت تصوراتك ومشاعرك وعواطفك لما يحدث للمسلمين؟ وكلمة "يهتم" لا تعني فقط مجرد أن أقوم بأعمال محسوسة معينة أو خطوات معينة وإن كان هذا جزء منها ولكن يهتم معناها أن تبدأ من البداية من القلب من المشاعر أن تؤرقني الأحداث التي تدور من حولي ويتعرض لها المسلمون من حولي حتى وإن لم تكن هناك صلة وثيقة تربط بيني وبينهم، ربما تفصل بيننا الحدود المصطنعة، ربما تفصل بيننا البلاد والأسماء والأشياء المختلفة ولكن تجمعنا عشرات المشاعر الإنسانية، عشرات الأشياء التي نتقاسمها وأولها وعلى رأسها شهادة أن لا إله إلا الله. الرب الذي نعبده واحد، الرب الذي نخاطبه واحد، الرب الذي نتوجه إلينا في صلاتنا ودعائنا واحد، الرب الذي نحبه واحد، فكيف يكون هذا القاسم المشترك من الإيمان والشعور بأني أحب الله وأننا جميعاً لله وأننا جميعاً نعبد الله لا يكون كافياً ليحرّك مشاعري وعواطفي لكي أنتفض ونقول بصوت واحد أن ما يحدث لإخوتي في بلد ما يؤرقني سواء كان ذلك البلد في المشرق أو في المغرب، ما يحدث من ألم أو يقع على أخي في المشرق يحرّك عشرات بل ملايين من إخوته في المغرب ألماً وحزناً وشعوراً واستنكاراً لما يحدث وشعوراً بالرغبة في دفع الأذى والألم عنهم. الإسلام لا يريد مني مشاعر سلبية، الإيمان في حياتنا وفي ديننا ليس بالإيمان السلبي، ليس بالإيمان الذي كما ذكرت منذ قليل في المثل الشعبي "العين بصيرة واليد قصيرة" اليد حين تصبح قصيرة عن رد الباطل عن أهلي وإخوتي، عن الإنسانية، عن رد الباطل، عن وقف الباطل والظلم والعدوان والقتل والسفك والدمار، المسألة ليست بهذا الحدّ المسألة هي تبدأ عندما أبدأ أحرّك مشاعري وعواطفي، المشاعر الموجودة في قلبي. أحتاج وأنا في هذا اليوم العظيم يوم الجمعة اليوم الذي تفتح فيه أبواب السماء اليوم الذي تستجاب وترفع فيه الدعوات أحتاج أن يتحرك قلبي ومشاعري بدعاء خالص، دعاء خالص لله أولاً أن يرزقني قلباً حيّاً قد أحيته المشاعر الإنسانية قلباً أحيته وحركته العواطف البشرية، قلب يحس قلب حيّ قلب ينبض بالحياة قلب يصبح ويمسي شبابنا اليوم بناتنا اليوم فتياتنا اليوم، نساءنا بل حتى الأطفال منا أحتاج أن نوقظهم، أحتاج أن أشعر لبعض الوقت بحزن أو بألم أو أسرح بذهني بعيداً فيسألني من حولي فأقول: سرحت بما يحدث لإخواني في سوريا على سبيل المثال لما تتعرض له النساء من كوارث لما يتعرض له الأطفال من قتل فتتحرك المشاعر في البيوت تتحرك على الأقل لترفع الأيدي بالدعاء، لتبرّئ الذمم أمام الله سبحانه وتعالى الذي سيسأل يوم القيامة كل واحد منا عمّا كان همه وأين كانت تسرح همومي؟ في أي وديان الحياة كانت تتيه؟ البعض خاصة في هذه الأيام التي تزامنت مع دوري الألعاب وكرة القدم البعض يمسي ويصبح ويقضي ساعات الليل الطويل ليراقب أو ليتأمل أو ليهتم هذا الفريق كم حصل من أهداف وهذا الفريق الآخر كم سُدِّد في مرماه، أهذه هي همومنا؟ أهذه هي المشاكل التي أصبحت تؤرقنا؟! ثم ينام ملء جفونه دون أن يحرّك ساكناً لعِرض يُنتهك أو لطفل يُضرب أو لرجل يُقتل ولامرأة يُنتهك عرضها؟ أين الإيمان؟! وأي نوع من الإيمان والإحساس أستطيع أن أُطلق على هذا الإيمان السلبي؟! أيّ نوع؟ الإيمان إذا لم تتحرك فيه العواطف الإنسانية، الإيمان إذا لم يجعلك قوة إيجابية دافعة لرفع الظلم وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، هذا أي نوع من الإيمان؟ أي إيمان هذا؟ تأمل معي ما حدث في التاريخ الإسلامي منذ أن نادى المسلمون بلا إله إلا الله في أرجاء مكة ودوّت إلى يومنا هذا أُنظر إلى المسلمين في تكاتفهم، أُنظر لهم في تراحمهم أُنظر لهم في تعاطفهم أُنظر لهم كيف ربط النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بقوله "لا يؤمن من بات وجاره جوعان" نفى الإيمان تماماً، ليس المقصود به أصل الإيمان ولكن الترقي في درجة الإيمان لكي أصبح مؤمناً حقيقة لا تتم وأنا أنام ملء جفني ولا أعلم عن جاري ماذا يحدث له؟ هل فعلاً جاري جائع أم قد تناول الطعام؟ هذه المشاعر آن لها أن تتّقد فينا من جديد آن لي أن أتخلص من هذه السلبية وأن أتوقف عن عمليات الفصل التي نالت إيماننا وأصابته في مقتل، أن أعتقد أن الإيمان مجرد حياة شخصية لا تتعلق بإحساسي بالآخرين، إرفع يدك بالدعاء واليوم يوم جمعة إرفع يدك بالدعاء ولكن حاول أن تنسى همومك الشخصية بعض الشيء، نحّي همومك العائلية ونحّي أفكارك ونحّي مشاعرك الشخصية وطلباتك الشخصية نحّيها على الأقل ساعة من الزمان وتوجه بقلب خالص صادق ودعاء لله سبحانه وتعالى أن يرفع عن إخواننا المظلومين الظلم، أن يعجّل بفرجهم، أن يعجّل برحمة واسعة من عنده أن يشافي المريض منهم، أن يداوي الجريح منهم، أن يرحم شهيدهم، أن يحفظ أعراض أخواتنا في كل مكان من المسلمات أن يرفع عنهم الظلم، أن يقصم الظالم، أن يعيد الحق إلى نصابه، أن يعجل بفرج ورحمة واسعة. أناديه باسمائه الحسنى كلها أناديه بأنه الرحمن الرحيم يا من وسعت رحمته كل شيء سعهم برحمتك سعهم بعفوك سعهم يا الله بكرمك وجودك فرج عنهم يا رب العالمين نصرك الذي وعدت أُنصر الحق وأصحاب الحق والعدل فأنت أعلم بهم واقصم الظالم وكل من كان عوناً له في ظلمه يا رب العالمين، يا رب يا أرحم الراحمين. اللهم إنك قوي عزيز ذو انتقام إرحمنا برحمتك إرحمنا وأعد الإحساس والإيمان إلى قلوبنا، جدّد الإيمان في قلوبنا جدّد ثوب الإيمان في قلوبنا بالإحساس بالآخرين والاهتمام بأمور المسلمين والإسهام في رفع الظلم عنهم برحمتك يا أرحم الراحمين. وألقاكم في اللقاء القادم بإذن الله، أستودعكم الله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل