تدبر آية - (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) - د. رقية العلواني

تدبر آية

(قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠٠﴾ المائدة)

د. رقية العلواني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يقول الله عز وجلّ في سورة المائدة (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٠٠﴾ المائدة) حديثنا اليوم عن الكثرة، الخبيث طبعًا بمفهوم الآية هو الرديء وليس الشيء الجيد، بشكل عام الرديء في النوع، الرديء في الكيفية، الرديء في العدد، الرديء في المستوى ولنا أن نتخيل بما أن كلمة الخبيث أي الرديء جاءت بشكل عام وكلمة الطيب أيضًا أي الجيّد جاءت بشكل عام فإذن يمكن لكلمة الخبيث والطيب أن تغطي عشرات الأصناف والأنشطة المختلفة في حياتنا، تدخل في كل كبير وصغير ولا تنحصر في مال حلال ومال حرام فحسب، لا، الطيب والخبيث يمكن أن يكون متعددً في مجالات متنوعة وربي سبحانه وتعالى يعطينا في هذه الآية قاعدة أن الخبيث أي الرديء لا يستوي أبدًا مع الطيب الجيد ولو أعجبك كثرة الخبيث بمعنى ولو أن كثرة الرديء هي السائدة سواء كانت في العدد أو النوع. فلو قنا أن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يحدثنا عن المال فقطعًا المال الحرا لا يستوي كما هو المال الطيب الحلال، يمكن أن يكون المال الحرام الذي جاء بطرق غير مشروعة يساوي عشرات الآلآف ويمكن أن يساوي ملايين، كثير، ويمكن أن يكون الطيب الحلال لا يتجاوز العشرات أو المئات من الدنانير، ولكن ربي سبحانه وتعالى يعدّل لدى الإنسان الميزان: المسألة ليست كثرة، المسألة ليست عدد، المسألة ليست مسألة أرقام، المهم المقايس الحقيقي الذي يضعه القرآن أمامي هنا هو النوعية هل النوعية جيدة أم رديئة وليس العدد وليست الكثرة. عشرات الآلآف أو الملايين من الحرام لا تساوي مئات من الحلال الطيب! ذاك خبيث وإن كثُر وهذا طيب وإن نقص أو قلّ. ولذلك القرآن العظيم حين يلفت ويعدّل انتباهنا وطريقة المقياس والنظر للأمور من هذه الزاوية يجعلني أدرك قضية أكبر من قضية أرقام أو قضية إحصائيات أو قضية كثرة أو قلّة، المفعول، التأثير في حياتي، الأموال على سبيل المثال الخبيثة لا يمكن أن تكون حقيقة مصدر إسعاد لأصحابها أو لمقتنيها بل هي مصدر قلق، مصدر خوف، أحيانًا هي مصدر مرض ليس المال في نفسه هو وإنما ذلك الخبث الذي علق به الخبث الناجم عن الوسائل غير المشروعة التي قد حُصّل أو اكتُسب منها. والملف للنظر كذلك أن كثيرًا من الناس هذه الأيام يعتقدون أن الخبيث ينحصر في المال الذي يأتي من خلال رشوة أو اختلاس أو سرقة أو ما شابه – وبالتأكيد هو هذا - ولكنهم يغفلون جانبًا آخر مهمًا أن المال الذي يأخذه الإنسان دون أن يكون قد دفع مقابلا له من عمل أو جهد أو تحصيل علمي أو معرفي أو ما شابه هذا يدخل كذلك في دائرة الخبيث بمعنى محاولتي أنا لأخذ أجر على عمل لم أقم به هذا يمكن أن يكون داخلًا في إطار الخبيث. ولذلك القرآن العظيم حين جاء بكلمة الخبيث مقابل الطيب جاء بها ليحقق مقاصد بالفعل تؤدي إلى أغراضها ومعانيها، تبين للإنسان كيف يكون ناظرا في أحواله متأملا في مكتسباته متأكدا من نقاوة وصفاء وزكاة ما يأتي به على نفسه وعلى غيره من أموال.

ولنا أن ننظر إلى جانب آخر في حياتنا ومجتمعنا من قضايا متعلقة بالخبيث والطيب: نوعية العمل. العمل الخبيث حتى وإن زاد عددًا وكميّة لا يستوي مع ذلك العمل الجيد الذي يفوقه نوعًا وأصالة وكيفية. ملفت للنظر جدًا أننا في الآونة الأخيرة أصبحنا نركز على العدد على الكمّ أكثر بكثير من الكيف دون توجه أو التفات إلى النوعية، إلى الكيفية. نركز على سبيل المثال على عدد الإنتاجات التي حصّلناها في سنة ما، عدد المُخرجات التي حصلناها، عدد المباني الي أنشأناها، عدد الكتب التي ألّفنا، عدد القضايا التي نشرنا دون الالتفات والبحث في النوعية. القرآن كتاب يرقّي الإنتاج الإنساني يدفع به إلى الحرص الشديد على إتقان النوعية لأن قضية الجودة والرداءة لا تنحصر في عدد أو كمّ بل هي تركز على النوع والكيف أكثر بكثير من التركيز على العدد ولذا النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ما كان يركز على عدد الداخلين في الإسلام قدر ما كان يركز على كيفية تربيتهم وتشربهم لمبادئ القرآن العظيم وقيَمه، التركيز على النوع، التركيز على الكيف هو ما نحتاج إليه اليوم في واقعنا ليأتي بتلك الجودة التي نتمناها ذلك الاتقان الذي يدعو القرآن العظيم الإنسان إلى تحصيله في كل عمل في كل ما يزاوله من أنشطة مختلفة، التركيز على النوع هو ما نحتاج إليه في واقعنا.

 

https://soundcloud.com/aldu3at/pchpopo4ea3a



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل