تفسير سورة المرسلات - د. صالح بن عبد الرحمن الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

سورة المرسلات

د. صالح عبد الرحمن الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ﴿١﴾ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ﴿٢﴾ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ﴿٣﴾ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ﴿٤﴾ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿٦﴾ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴿٨﴾ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ﴿٩﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴿١٠﴾ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴿١١﴾ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴿١٢﴾ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿١٣﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿١٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٥﴾ أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ ﴿١٧﴾ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿١٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٩﴾)

سورة المرسلات هي من السور المكية وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود t قال: بينما نحن مع رسول الله e، في غارٍ بمِنى، إذ نزلت عليه: (وَالْمُرْسَلَاتِ) فإنه ليتلوها وإني لأتلقّاها من فِيه، وإن فاهُ لرطبٌ بها، إذ وثبت علينا حيّة، فقال النبي e: «اقتلوها، فابتدرناها فذهبت، فقال النبي e: وقيَتْ شرّكم كما وقيتُم شرَّها». فهذا الحديث يبيّن أن سورة المرسلات نزلت على النبي e في غارٍ بمنى. وجاء في حديث ابن عباس كما في الصحيحين أيضًا أن النبي e قرأ بها في صلاة المغرب، فقد قال ابن عباس عن أمّه أم الفضل أنها سمعت النبي e يقرأ بالمغرب بالمرسلات فقالت: يا بُنيّ، لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله e يقرأ بها في صلاة المغرب.

ابتدأت السورة الكريمة بقول الله تعالى (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1)) وهذا قَسَمٌ بالمُرسلات وهم الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقلنا إن القسم بالشيء دليلٌ على تشريفه فأقسم الله تعالى بالملائكة (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1)) الملائكة عليهم الصلاة والسلام يُرسَلون بأمر الله تبارك وتعالى. وقيل الملائكة تُرسَل وقيل المراد القسم بالرياح في قوله (وَالْمُرْسَلَاتِ) ولهذا جاء أن المرسلات والناشرات والفارقات والملقيات أنها الملائكة. قال الله تعالى (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1)) أي الملائكة إذا أرسلت بالعُرْف وقوله (عُرْفًا) كعُرْفِ الفرس يعني يتبع بعضها بعضاً إذا أُرسلت بأمر الله يتبع بعضها بعضاً. (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2)) هي الرياح كما قاله ابن مسعود وغيره. وقال ابن كثير: والأظهر أن المرسلات هي الرياح، كما قال تعالى (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) [الحجر:22]، وقال (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)[الأعراف:57] وهكذا العاصفات هي الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هبّت بتصويت، وكذلك الناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء بأمر الله U.

(فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)) كما قال الله تعالى في آية أخرى يعني هنا الملائكة. (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5)) - (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)) هذا هو جواب القسم. فقوله هنا (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6)) يعني الملائكة عليهم الصلاة والسلام فإنها تتنزل بأمر الله U بالحق الذي يفرُق بين الحق والباطل، تتنزل بالحق الذي يفرِّق بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال والحلال والحرام تُلقي إلى الرسل وحياً فيه إعذارٌ إلى الخلق وإنذارٌ لهم عقاب الله إن هم خالفوا أمره (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7)) هذا هو المُقسَم عليه بهذه الأقسام أي إن ما وعِدتم به من قيام الساعة والنفخ في الصور وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ومجازاة كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشرّ كل هذا لواقعٌ وكائنٌ لا محالة.

ثم قال تعالى (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8)) أي ذهب ضوؤها كما قال تعالى (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2))[التكوير] وكما قال تعالى (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2))[الانفطار]. (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9)) أي انفطرت وانشقّت وتدلّت أرجاؤها ووَهَتْ أطرافها كما قال تعالى (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1))[الانشقاق] وقال (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1))[الانفطار]. (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)) كل هذا تصوير لما يقع في يوم القيامة. (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)) أي ذُهِبَ بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كما قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107))[طه] وقال تعالى (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47))[الكهف].

ثم قال تعالى (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11)) أي جُمِعَت كما قال تعالى (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ)[المائدة:109] وقال مجاهد: (أُقِّتَتْ) أي أُجِّلَتْ أو (أُقِّتَتْ) أَوْعِدَت كما قال تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69))[الزمر]. (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)) وهنا يقول الله تعالى لأيّ يوم أُجِّلَت الرسل وأُرجئ أمرها؟ يوم تقوم الساعة في هذا اليوم العظيم كما قال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42))[إبراهيم] إلى قوله (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) الآيات. فهذا هو يوم الفصل كما قال تعالى (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13)) ويوم الفصل اسم من أسماء يوم القيامة لأن الله تبارك وتعالى يفصل بين العباد ويقضي بينهم كما قال تعالى (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ)[الدخان] وقال تعالى (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ) والقرآن يوضِّح بعضه بعضاً ولهذا أعلى أنواع التفسير أن يفسَّر القرآن بالقرآن.

ثم قال سبحانه مُعظِّماً لشأنه (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15)) يعني ويلٌ لهم من عذاب الله. وويل جاء فيها حديث لم يصحّ عن النبي e أنه وادٍ في جهنم يعني لم يصح مرفوعاً. وقد تكررت (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) في السورة كم؟ عشر مرات، تكررت عشر مرات وكل مرة تتكرر فيه (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) فهي في أحسن المواقع وأجمل الأماكن. فإنه هنا تهديد لمن؟ للمكذِّبين بيوم القيامة قال الله (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) الذين يكذِّبون بيوم القيامة. ثم قال تعالى (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)) يعني من المكذبين للرسل الذين خالفوا ما جاؤوهم به من الحق (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17)) أي ممن أشبههم ولهذا قال تعالى (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19)).

ثم قال ممتناً على خَلْقِه ومُحتجّاً على الإعادة بالبَداءة كما قال تعالى في سورة القيامة قبل ذلك (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37)) هنا قال (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20)) ضعيفٌ حقيرٌ بالنسبة إلى قدرة الباري جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه قال تعالى في سورة يس (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)) وقد مرّ بنا حديث «ابن آدم أَنَّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه». (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21)) جمعناه في الرحِم وهو قرار الماء من الرجل ومن المرأة والرحم وعاء هذا الجنين يُحفَظ فيه (إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22)). ما هو هذا القدر المعلوم؟ مدة الحَمْل التي كتبها الله تسعة أشهر أو ستة أشهر قد تزيد عن التسعة وقد تنقص إلى ستة أشهر بحسب ما يشاء الله I. ولهذا قال (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21)) في هذا الرحم القرار المكين وإذا تم أربعة أشهر يكون كما قال النبي عليه الصلاة والسلام «إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك (هذه كم؟ مئة وعشرين يوماً) ثم يُرسَل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكَتْب رزقه وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيد» فسبحان من أدخل المَلَك على الرَحِم بدون أن يشعر أحد! (قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22)).

(فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24)) تهديدٌ لهم أيضاً لأن الذي فعل هذا سبحانه وتعالى وبدأ الإنسان بدأ خلقه من سلالة من ماء مهين ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه، الذي جعله في هذه البداية الضعيفة قادرٌ أن يعيده مرة أخرى وهو على كل شيء قدير.

ثم قال تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)) كفاتاً يُكفَت فيها الناس والكِفات من الكَفْت، كفاتاً يعني وعاء للناس وهذا من إكرام الله I للآدمي. قال الله (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)) كِفاتاً يُكْفَتُ الميّت فلا يُرى منه شيء. فبطنُها لأمواتكم وظهرُها لأحيائكم كما قال الشعبي، قال: بطنها لأمواتكم وظهرها لأحيائكم وقال تعالى (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21))[عبس] وهذا من إكرام الله للآدمي إذا خرجت روح الآدمي تتغير معالم جسمه، وتنتن رائحته، وإذا رآه أهله وأقاربه ومحبّوه أنكروه إنكاراً عجيباً بعد موته بمدّة، فمن إكرام الله للآدمي أن يُدفَن في هذه الأرض قال تعالى (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) ولهذا قال الله I هنا (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) جعلنا فيها الجبال الرواسي التي تُثبِّت الأرض لئلا تميد وتضطرب. (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27)) عذباً زُلالاً من السحاب ومما أنبته الله عز وجل من عيون الأرض. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)) الذي يكذّبون بقدرة الله، يكذّبون بالبعث، يكذّبون بإعادة الأجساد، يكذّبون بالرسول، يكذّبون بالقرآن، يكذّبون بما أمر الله تعالى به، تهديد! ولاحظ أن السورة مكية فهي تخاطب المشركين وتقرع أسماعهم بهذا التهديد العجيب (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)).

(انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29)) وهذا يقال عن الكفار المكذبين بالجنة والنار والبعث وأنهم يقال لهم يوم القيامة (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29)) من باب السخرية بهم. (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30)) يعني لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان فمن شدّته وقوته أنه له ثلاث شُعَب. (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31)) يعني ظلّ الدخان المقابل للّهب ليس في نفسه هو ظلّ (وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ) يعني لا يقي من حرّ اللهب. (لَا ظَلِيلٍ) هو ارتفاع دخان كأنه سحاب لكنه لا يقي الحرارة والعياذ بالله ولا يغني من لهب النار. ثم قال تعالى (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32)) أي يتطاير الشرر من لهب النار والعياذ بالله (كَالْقَصْرِ) قال ابن مسعود: كالحصون. (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32)) يعني كالحصون. وقال ابن عباس وغير واحد: يعني كأصول الشجر (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32)) يعني كأصول الشجر العظيمة، شرر النار والعياذ بالله كأنه أصول شجر عظيم أو على قول ابن مسعود وابن عباس كأنه حصون. (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)) وهي الإبل السُّود وقيل (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)) حبال السفن وقيل (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)) قِطَع النحاس وهذا وصفٌ لشرر النار والعياذ بالله. إنها ترمي بشرر عظيم كالحصون أو كأصول الشجر (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)) كأنه حبال السفن أو كأنه الإبل السُّود أو كأنه قطع النحاس. قال ابن عباس كما في صحيح البخاري (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32)) قال: "كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك، فنرفعه للبناء، فنسميه القصر" يعني كأنها البناية لعظمة هذا الشرع. (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)) حبال السفن، تُجمَع حتى تكون كأوساط الرجال (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34)).

ثم قال تعالى (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35)) لا يتكلمون (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36)) لكن الله قال عنهم (قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23))[الأنعام] وهنا قال (لَا يَنْطِقُونَ) وهناك نطقوا. مواقف القيامة لها أحوال تختلف أحياناً يأتي من مواقف القيامة أنه لا يؤذن لهم فيتكلمون ولا يؤذن لهم فينطقون كما قال تعالى (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36)) وفي بعض أحوال يوم القيامة يُخلّى بينهم وبين الكلام فيقولون: يا ليتنا نرد إلى الدنيا فنعمل صالحاً، يا ليتنا لم نشرك بالله، وأحياناً يعتذرون ولكنه لا يُقبَل عُذرُهم كما قال الله U هنا (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36)) ما يقدرون على الكلام ولا يؤذن لهم أيضاً فيعتذرون لأنه أصلاً قامت عليهم الحجة وحقّ عليهم القول بما ظلموا فهم لا ينطقون. إذاً عرصات القيامة حالات، وربنا تبارك وتعالى يُخبر عن هذه الحالة تارة وعن هذه الحالة تارة ليدلّ على شدة الأهوال والزلازل يومئذ. ولهذا يقول الله U بعد كل فصل من هذا الكلام (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) وقد سبق أنها تكررت عشر مرات في هذه السورة الكريمة.

(هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39)) وهذه مخاطبة من الخالق U لعباده يقول الله U لهم (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ) بقدرتنا بعد أن متم وصرتم رميماً أنشأناكم خلقاً آخر ورجعتم إلى الدنيا مرة واحدة في صعيد واحد يُسْمِعُكُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُكُمُ الْبَصَرُ. (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39)) وهذا تهديدٌ شديد أيضاً ووعيد أكيد يعني إن قدرتم أن تتخلصوا من قبضتي وتنجو من حكمي فافعلوا ما تستطيعون. قال تعالى (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33))[الرحمن] فهم لا يستطيعون يوم القيامة أن يفعلوا شيئاً. (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39)) وقد جاء في حديث أبي ذر في صحيح مسلم أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» وهنا يقول الله تبارك وتعالى (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40)).

ثم قال تعالى مبيّناً نعيم أهل الجنة وما يعطيهم I من الكرامة (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41)) هؤلاء المؤمنون الذين آمنوا بالبعث وأدّوا الواجبات وانتهوا عن المحرَّمات يقابلون أولئك الكفار الذين أنكروا البعث وفعلوا الشرك وكذّبوا الرسول وما أُرسِل به فقال الله عن هؤلاء (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41)) يقابل ما فيه أولئك الأشقياء من ظلّ اليحموم والدخان الأسود المُنتِن والعذاب الذي يعايشونه في نار جهنم، هؤلاء عكسهم. (وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42)) يعني من سائر أنواع الثمار مما طلبوه ووجدوا كما قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)) [البقرة].

(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) أي يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم كما قال تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24))[الحاقة]. (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) هل الجنة بجزاء العمل؟ لا، لأني النبي e قال كما في الصحيحين: «لن يدخل أحدكم منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله برحمته». إذاً قال هنا (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) ما هو الجواب؟ قال العلماء: دخول الجنة برحمة الله لكن التوفيق للعمل، التوفيق للعمل والجنة والعمل والتوفيق للعمل كله برحمة الله فقوله (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) أي بسبب عملكم ومن هو الذي وفّق للعمل؟ هو الله تبارك وتعالى والدليل قوله عليه الصلاة والسلام عن الله تبارك وتعالى أنه قال للجنة: «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» وبعض العلماء قال: هم يدخلون الجنة برحمة الله ويتقاسمون المنازل بأعمالهم. المهم أن قوله (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)) أن هذا من باب التوفيق للعمل هو برحمة الله تبارك وتعالى وإلا ليس هناك أحد يستحق الجنة استحقاقاً بمحض عمله، لا، إنما يستحق الجنة برحمة الله تبارك وتعالى ثم إن التوفيق للعمل وقبول العمل إنما هو أيضاً برحمة الله تبارك وتعالى.

(هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)) وهناك قال في أول السورة (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)) هنا قال (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)) كما قال تعالى (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60))[الرحمن] أي هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل فإن الله I اقتضت حكمته ومشيئته I أنه يجزي عباده المحسنين كما قال تعالى (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31))[النجم] فالإنسان الذي يريد أن يُحسِن الله إليه عليه أن يُحسِن العمل في هذه الدار الدنيا. (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45)).

ثم قال تعالى (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46)) وهذا خطابٌ للمكذّبين بيوم القيامة والأمر هنا على سبيل التهديد والوعيد والتهكّم بهم (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46)) يعني مدة قليلة قصيرة في هذه الحياة الدنيا كما قال تعالى (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197))[آل عمران] وقال عز وجل (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3))[الحجر] وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12))[محمد] فهذه الحياة الدنيا مدة أصلاً قصيرة يسيرة قال النبي u: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أُصبعه في اليم فلينظر بِمَ يرجع» والله تعالى يقول (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38))[التوبة] ويقول النبي e :«الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر».

(قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46)) ثم يساقون بعد ذلك إلى جهنم كما قال I(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86))[مريم]. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47)) كما قال تعالى (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24))[لقمان] وقال أيضاً (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70))[يونس].

ثم قال I(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)) وهناك قال تعالى (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43))[البقرة] وقال (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42))[القلم]. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)) يعني إذا أمر الرسول u هؤلاء الجَهَلة من الكفار أن يكونوا مع المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه، قال تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43))[المدثر] ولهذا قال النبي u: «بين الرجل وبين الشرك والكفر تَرْكُ الصلاة» وقال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» فهنا يقول الله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)) فهم يستكبرون عن الصلاة والمؤمن يضع أشرف ما فيه وهو جبينه يضعه على الأرض تواضعاً لله وخضوعاً لربه تبارك وتعالى وتعظيماً له. لكن الصلاة هي عنوان الإسلام ولهذا قال النبي e: «أول ما يُحاسَب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلَحَت فقد أفلح وأنجح وإن فسَدَت فقد خاب وخسر» فصارت الصلاة هي عنوان الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» فهي عمود الإسلام فإذا رأيت شخصاً يصلّي علِمت أنه مسلم وإذا رأيت شخصاً لا يصلّي علمت أنه غير مسلم وهذا قد يُضَمّ إلى أدلة من قال بأن تارك الصلاة تكاسلاً وتهاوناً أنه كافر لأن الله قال هنا (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)) فهذا قد يُضمُّ إلى أدلة من يرى كُفْرَ تارك الصلاة ولو كان غير جاحد لوجوبها. وهذه المسألة مسألة طويلة ولهذا قال عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل قال: كان أصحاب النبي e لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)).

 

ثم قال I(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)) أي إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن العظيم فبأيّ كلام يؤمنون به؟! كما قال تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6))[الجاثية] القرآن الكريم الذي اشتمل على الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وذكر عظمة الربّ U وأسمائه وصفاته وأمره ونهيه وماذا فعل بالأمم السابقة وبيّن نعيم الجنة وعذاب النار وبيّن البعث وبيّن الساعة وبيّن الرسول e وصِدْقُه إذا لم يؤمن هؤلاء القوم بهذا الحديث العظيم بهذا القرآن (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6))[الجاثية] وهذا دليلٌ على أن من أسماء القرآن "الحديث" قال تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ)[الزمر:23]. وأيضاً قال الله U عن هؤلاء القوم (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97))[يونس] لكن هل إذا غلب على ظنّنا أو إذا علمنا أن هناك كافر أو مٌبتدِع أو أيّاً ما كان عنده ضلالات هل معنى هذا أننا لا نجادله ولا ندلّه؟ لا، نقيم عليه الحجة ونذكر له الأدلة من القرآن والسُنّة ولا مانع من الأدلة العقلية نقيم عليه الحجة وإذا كتب الله I له الهداية فهو سيهتدي وإذا لم يرد الله هدايته فكما قال الله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)[الأنعام:125]) وأيضاً قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97))[يونس] وأيضاً قال تعالى (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6))[الجاثية] فأنت أيها المبارك وأنت أيها المباركة إذا رأيتَ شخصاً ضالاًّ عن الحق زائغًا عنه فعليك أن تحتسب الأجر من الله I وأن تقيم عليه الحجة وأن تبيّن له المَحَّة وتذكر له الأدلة من الكتاب والأدلة من السنة ولا تقل يعني يكن في قرارة نفسك تقول فلان لن يهتدي، لا تدري عن هذا، أنت واجب عليك أو مهمتك هي تبليغ الحق وإيصال الحق للناس ودعوة الناس إلى دين الله U أما الهداية فبيد الله I ولهذا قال النبي e «من يهدي الله فلا مُضِلّ له ومن يُضلل فلا هادي له» وقال U(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17))[الكهف] في غير ما آية من كتاب الله I. فعلى الإنسان أن يبحث عن الحق وعن أسباب الحق وأن يبيّنه وأن يوضّحه فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها وقد ذكر ابن أبي حاتم حديث أبي هريرة أنه إذا قرئت (وَالْمُرْسَلَاتِ) وقيل (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)) فليقل: آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدّم هذا في سورة القيامة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل