تفسير سورة الإنسان- د. صالح بن عبد الرحمن الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

سورة الإنسان

د. صالح الخضيري- دورة الأترجة القرآنية

 (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٢﴾ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴿٤﴾)

قال الله U في سورة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) وتسمى "سورة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ)ّ وتسمى "سورة الدهر" وتسمى "سورة الإنسان" وهي سورة مكية بالاتفاق نزلت قبل الهجرة. (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)) وقد ثبت في الصحيحين «أن النبي e كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة في الركعة الأولى (الم (1) تَنْزِيلُ) السجدة وفي الركعة الثانية - يعني بعد الفاتحة - يقرأ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)». وهذه السورة على طريقة السور المكية في تقرير أصول الدين المشتركة بين الأنبياء كالإيمان بالله U والإيمان باليوم الآخر وذِكْر الخلق والبعث ونعيم الجنة وعذاب أهل النار. يقول ابن تيمية سورة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) سورة عجيبة الشأن من سور القرآن على اختصارها فإن الله U ابتدأها بذِكر كيفية خَلْق الإنسان ثم بيّن I بعد ذلك أن الإنسان إما أن يسلك طريق الخير وإما أن يسلك طريق الشر ثم بيّن بعد ذلك عاقبة الذي سلك طريق الشر وعاقبة وجزاء هذا الذي سلك طريق الخير. ثم بعد ذلك ختم السورة بالأمر بالصبر لأن الحياة حياة الإنسان لا بد ما يناله من خير وإيمان ونعيم في الآخرة لا يمكن أن يحصل له لولا أنه صبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله. ثم بيّن I في ختام السورة أيضاً أن العبد يفعل الخير ولكنه لا حول له ولا قوة إلا بالله فهو يشاء الخير ويريد الخير ولكن إشاءته وإرادته تحت مشيئة اللهI. هذا إجمالاً ما تعرضت له هذه السورة الكريمة.

يقول الله I(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)) هنا خبر من الله I عن هذا الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يُذْكَر لحقارته وضعفه فقال هنا (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) و(هل) هنا بمعنى "قد" يعني قد جاء يوم على الإنسان وهو لم يكن شيئاً مذكورًا لم يوجَد أصلاً وإنما أوجده الله U بعد ذلك وخلقه. (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) أمشاج يعني أخلاط والمَشْجُ والمشيج الشيء المختلِط بعضه ببعض. قال ابن عباس (مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) يعني من ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ثم ينتقل بعد ذلك من طور إلى طور وحال إلى حال ولون إلى لون، فإذاً الله U خلق الإنسان من نطفة، صِفة هذه النطفة أنها (أَمْشَاجٍ) يعني أنها مختلطة. ثم قال تعالى (نَبْتَلِيهِ) كما قال I في سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) فهو خُلِق للابتلاء نختبره (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)) جعلناه سميعاً بصيراً يتمكن بهما من طاعة الله U ومن معصيته. (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) وضّحنا له وبيّنا له وبصّرناه بطريق الخير وطريق الشرّ كما قال تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)[فصلت:17] وقال تعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10))[البلد] وهما طريق الخير وطريق الشرّ يعني بيّنا له طريق الخير وطريق الشر. (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)) يعني فهو على تقدير ذلك إما شقيٌ وإما سعيد كما قال النبي u في الحديث الذي رواه مسلم «كل الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمُعتِقُها أو موبِقُها» كل الناس يغدو كل يخرج من بيته فإما إنسان يسعى في فَكاك رقبته واعتقاها من النار وإما شخص يسعى في إباقِها وإهلاكها وطغيانها. (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)) وطبعاً كما قال عليه الصلاة والسلام «كل مولودٌ يولَد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه» (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)[الروم:30]. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة عن النبي eأنه قال: «ما من خارج يخرج إلا ببابه رايتان رايةٌ بِيَد مَلَك ورايةٌ بِيَد شيطان فإن خرج لما يحبّه الله اتّبعه الملك برايته فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته وإن خرج لما يُسخِط الله U اتُبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته».

ثم قال تعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4)) يخبر عز وجل عما أرصده للكافر من العقوبة والنكال والسلاسل والأغلال والسعير والحريق والغسّاق في نار جهنم كما قال تعالى (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72))[غافر] ولما ذكر ما أعدّه لهؤلاء الأشقياء من السعير والنَّكال والعذاب ذكر ما أعده للأبرار كما في آيات القرآن أنه مثاني يذكر الأبرار ثم الأشرار، يذكر أهل الجنة ثم أهل النار، يذكر أهل الخير ثم يذكر أهل الشر، فقال (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)). يعني هؤلاء الأبرار هؤلاء الأخيار يشربون من كأس في الجنة (كَانَ مِزَاجُهَا) يعني خَلْطُها وما تُخْلَط به هو من الكافور وهو الشراب الطيب في الجنة. (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)) أي يشربون ويروون ولهذا قال (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا) لماذا ما قال: عينا يشرب منها؟ قال (يَشْرَبُ بِهَا) هل مرّ بكم ما يسمى بالتضمين؟ التضمين مرّ بكم؟ هذا هو التضمين، الشارب قد يشرب ولكنه لا يروى فإذا قيل "يشرب منها" لم يدل على الريّ وإذا ضُمِّن معنى الريّ قيل (يشرب بها) وصار دليلاً على الشرب الذي يحصل به الريّ وهذا شرب خاص دل عليه لفظ الباء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية. ولهذا قال الله (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) أي يشربون ويروون قال (يَشْرَبُ بِهَا) ولم يقل منها لأن الفعل يشرب ضُمِّن معنى يروى فهو أبلغ مما لو قال "يشرب منها" قال (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا) يعني يشربون ومع الشُرب يحصل لهم كمال الريّ، هذا شرب خاص. قال (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)) يصرِّفون هذه الأعين كما يشاؤون وأين شاؤوا في قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم فالتفجير هنا الاتباع يعني يجعلونها تتبع ما شاؤوا كما قال تعالى (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90))[الإسراء] وقال تعالى (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33))[الكهف]. (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)) فهم كما قال مجاهد يقودونها حيث شاؤوا يقودون هذه الأعين حيث شاؤوا هذه العيون الجارية (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)) يصرِّفونها كما يشاؤون.

ثم قال تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)) فهم يتعبّدون لله عز وجل فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وكذلك ما أوجبوه على أنفسهم من النذور كما قال النبي عليه الصلاة والسلام «من نذر أن يطيع الله فليُطِعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». فهم يقومون بعبادة الله وما أوجبه الله عليهم وإذا نذروا يوفون بالنذر قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ)[البقرة:270]. (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)) شرّه منتشرٌ عامٌّ على الناس إلا من رحم الله U فهو يوم شرّه ممتد ومنتشر وفاشٍ على الناس إلا من شاء الله. فهم يخافون مما يحصل في هذا اليوم فلما خافوا في الدنيا أمّن الله خوفهم يوم القيامة لأن من خاف مقام ربه خاف الله I في هذه الحياة الدنيا فإن الله يؤمِّنه يوم القيامة والجزاء من جنس العمل أما الكافر فإنه لما أمِن يوم القيامة صار أشدّ الأيام عليه، قال الحسن: ما يجمع الله على العبد خوفين - يعني إنه يخاف في الدنيا ويخاف في الآخرة - كما أن الله ما يجمع للكافر أمنين يأمن في الدنيا ويأمن في الآخرة.

ذكر الله من صفات الأبرار قال (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) مع أنهم يحبون الطعام لأنه أفضل الشيء أنك تعطي الشيء وأنت تُحبّه كما قال الله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)[آل عمران:92]. فهم يُطعِمون الطعام ولا شك أن إطعام الطعام من أسباب دخول الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» وقال عليه الصلاة والسلام «لما سئل أيُّ الاسلام خير؟ قال: تُطعْم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». لكن من يُطعِمون مع أنهم يحبون الطعام؟ (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا) وهو الذي أسكنه الفقر وأذلّته الحاجة مأخوذ من المُسْكَنة وهي الذلّ والانكسار فهو مسكين لأنها أسكنه الفقر وأذلته الحاجة. (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا) وهو الذي مات أبوه وهو دون البلوغ. (وَأَسِيرًا (8)) والأسير هو المسجون المحبوس أو الذي أُسِر في الحرب فهم يُطعِمونه ويُفدونه حتى يخلِّصوه مما وقع فيه. وهم مع ذلك، مع إطعامهم لهؤلاء يقولون بلسان الحال (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم ولكن عَلِم الله به من قلوبهم فأثنى عليهم به ليَرغب في ذلك راغِب. حتى هم لو فُرِض أنهم قالوه بألسنتهم فهذا لا يليق بحالهم لأن الإنسان الذي هو مخلص في عمله لا يقول عن نفسه أنه مخلص وهذا مما يؤيد ما قاله مجاهد وسعيد بن جبير رحمهم الله: "أما والله ما قالوه بألسنتهم ولكن علِم الله به من قلوبهم فأثنى عليهم به ليَرغب في ذلك راغب". (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) وأفضل العمل أن تعطي وأنت لا تريد من إعطائك الناس جزاءً ولا شكورًا فأفضل ما يكون أنك تعطي لوجه الله سبحانه وتعالى تعطي وأنت لا تريد جزاء ولا شكورًا. وأيضاً يدخل في هذا في قوله تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)) يدخل في هذا الإحسان إلى الخادم وإلى الرقيق المملوك فهو يدخل في هذا الأمر (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) يعني رجاء ثواب الله عز وجل ورضاه (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)) نحن لا نريد منكم تثنون علينا بألسنتكم ولا تكافئوننا على ذلك فهم يريدون أن يكون أجرهم خالصاً لله. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: إذا أعطيت المسكين فقال لك جزاك الله خيراً فقُل له وجزاك الله خيراً حتى تخلُص لك صدقتك. ومن هنا ننبّه أن من الناس من إذا أعطى المسكين والفقير يقول ادعُ لي والأحسن أن لا يقول ذلك، بل إذا دعا لك رُدَّ الدعاء بمثله حتى تخلُص لك صدقتك، فإذا قال لك المسكين والفقير جزاك الله خيراً قل وجزاك خيراً حتى تكون ممن قال الله فيهم (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)) عكس (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى)[البقرة:264] فهؤلاء عكس من وصفوا بأنهم يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى ويريدون من الناس يطلبون من الناس أن يثنوا عليهم بذلك. (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا) إنما نفعل هذا ونطعم الطعام لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه في ذلك اليوم العبوس القمطرير هذا اليوم الطويل الشديد الضيّق العظيم فهو يوم عظيم جدًا تعبس فيه الوجوه من هوله وشدّته ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى (يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)) قال: ضيقاً قمطريراً طويلًا كما قال عز وجل (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4))[المعارج].

ما هو جزاؤهم بعد ذلك؟ قال الله (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ) وهذا من باب التجانس البليغ (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)) بدل (عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا)، (نَضْرَةً وَسُرُورًا) أمّنهم الله مما خافوا ولقّاهم نضرة في وجوههم (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24))[المطففين] وسروراً في قلوبهم قال تعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)) [عبس] لأن القلب إذا سُرّ استنار الوجه. ولهذا قال كعب بن مالك في حديثه الطويل عن الرسول عليه الصلاة والسلام: وكان إذا سُر استنار وجهه حتى كأنه فِلْقَة قمر عليه الصلاة والسلام. (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا) بسبب صبرهم وإطعامهم رجاء ثواب الله (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)) لأن الجنة فيها كل شيء والحرير لباس الظاهر بأنواعه كما سيأتي تفصيله. في قوله تعالى (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ) يعني في الجنة متكئين مع ما هم فيه من النعيم المقيم وما أسبغ الله عليهم من الفضل والخير والسرور (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ) وقد مضى في سورة الصافّات ما يتعلق بالتفصيل بهذه الآيات الكريمة الاتكاء هل هو الاضطجاع أو هو التربّع أو التمكّن من الجلوس؟ والأرائك هي السرر تحت الحِجال (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13)) ما عندهم في الجنة حرٌ مزعج ولا بردٌ مؤلم بل هي مزاج واحد دائم سرمدي لا يجدون فيها حراً ولا برداً ولا يبغون عنها حولًا. (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا) قريبة إليهم أغصانها. (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)) فهي دانية عليهم الأغصان ومع ذلك مُذَلّلة عليهم، قال قتادة: مذللة يعني لا يردّ أيدهم عنها شوك ولا بُعد فهي لا تزعجهم ولا تؤلمهم ولا تؤذيهم (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14)).

ثم قال تبارك وتعالى (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)) فالقوارير هي الزجاج أخبر الله U عن مادة تلك الآنية أنها من الفضة وأنها بصفة الزجاج وشفافيته. قال ابن القيم: وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها. الآن الآنية مخلوقة من ماذا؟ من فضة وبصفة الزجاج وشفافيته، يقول ابن القيم: هذا من أحسن الأشياء وأعجبها. وقطع سبحانه توهّم كون تلك القوارير من زجاج لأن بعض الناس يمكن يفهم القوارير إنها من زجاج ما يعرف القوارير إلا من زجاج فقال (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) يعني مع حسنها وكون مادتها من فضة وشفافيتها فهي أيضاً هي قوارير من فضة وليست من زجاج لأن الناس اعتدوا إنهم ما يرون القوارير شفافة إلا إذا كانت من زجاج فأخبر الله أنها شفافة وأنها أيضاً من فضة وليست من فضة الدنيا بل هي من فضة الجنة. قوارير الجنة من الفضة اجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير. يقول ابن قتيبة: كل ما في الجنة من الأنهار وسُرُرها وفرشها وأكوابها مخالفٌ لما في الدنيا من صَنْعة العِباد. ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء كما قال ابن عباس. (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)) يعني جعل الشيء بقدر مخصوص محدد لا يُزاد فيه ولا يُنقص وهذا أبلغ في لذّة الشارب أنت الآن لو شربت بالكأس ماءً هل يستوي في اللذة شُربك بالكأس أو شُربك بقِدر كبير؟ أكيد شربك بالكأس ما يساوي شربك بقِدر كبير وإن كان الماء الذي بالقِدر الكبير ماء بارد وهذا ماء بارد بالكأس لا يستويان، ولهذا الله I قال (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)) هي على قَدْر الشارب الكأس هذا لو كان كبيراً يسع مثلاً خمسة لترات من الماء ما كانت لذته مثل لذة ما يحمله هذا الكأس في الشرب ولهذا الله سبحانه وتعالى قال (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)) جُعِل الشيء بقدر مخصوص بحيث يكون أبلغ في لذّة الشارب لأنه لو نقص عن لذته لنقصت اللذة ولهذا أنت لو شربت بـ"البيالة" كأس الشاي ماء ما يكون لذته مثل لو شربت بالكأس لأن كأس الشاي أو البيالة بيالة الشاي ما تكفيك والقِدْر فوق حاجتك فأفضل وألذّ ما يكون الشرب أن يكون بقَدْر يكون بإناء قدر ما ترتوي ولهذا قال (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)) أي قدر رِيِّهِم لا تزيد ولا تنقص، بل هي مُعدّة لذلك بحسب رِيِّ صاحبها، وهذا أبلغ في الاعتناء والكرامة والشرف أنت لو جاءك ضيف أعددت له ماء بقدره لا شك أن هذا زيادة في الاعتناء وزيادة في النعيم.

(وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17)) يعني يسقى الأبرار في هذه الأكواب كأس من خمر، من خمر الجنة كما قال الله تعالى (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ)[محمد:15]. (كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا) تارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد وتارة مرة بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأمر هؤلاء وهؤلاء من يُمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة. أما المقرّبون فإنهم يشربون من كلٍّ منهما صِرْفاً كما قال قتادة وغير واحد من المفسرين. هؤلاء يُمزَج لهم وهؤلاء يشربون صِرْفاً وقد تقدم قوله تعالى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) وقال هنا (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18)). أي الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلًا وهي اسم عين في الجنة سميت سلسبيلًا لسلاسة مسيرها ووحدة جريها. وقال قتادة: (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا) عينٌ سلِسة مستقيد ماؤها. المهم أن هذا نوع ولون من نعيم أهل الجنة ولهذا قال الله عز وجل (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19)) هذه صفة الخَدَم فكيف بصفة المخدومين؟! الله أكبر!. (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ) يدور على أهل الجنة، يخدمهم (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ) حسبتهم من جمالهم وبهائهم وصفاء وجوههم ووسامتهم وحسنهم (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا) أفضل ما يكون التشبيه لأن اللؤلؤ المنثور على المكان من أفضل ما يكون من الأشياء. ثم قال تعالى مبيناً زيادة نعيم أهل الجنة (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ) يعني هناك (رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح «إن من أهل الجنة من ينظر في ملكه ألفي سنة ما ينقطع نظره» ألفي سنة. وجاء في صحيح مسلم عن النبي e أنه قال: «يأتي رجلٌ بعد ما دخل أهل الجنة الجنة فيقول الله: يا ابن آدم ادخل الجنة. فيقول: يا ربي كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقول الله: يا ابن آدم ألا ترضى أن يكون لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، خمس مرات. فيقول: رضيت رب. فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك». الله أكبر هذا أدنى أهل الجنة منزلة!. جاء في صحيح مسلم أيضاً أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه عن أدنى أهل الجنة منزلة، فقال الله: هو رجل يجيء بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة، الحديث، قال: يا ربي فأعلاهم منزلة - هذا أدنى أعلاهم-. قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر. يعني ما يمكن يوصف نعيمهم، ولهذا الله سبحانه وتعالى قال (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71))[الزخرف] نسأل الله الكريم أننا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا والمسلمين هذا النعيم الكريم.

ثم لما ذكر الله ما يأكلون وما يشربون قال الله (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ) لباس أهل الجنة الحرير كما قال تعالى (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23))[الحج] السندس الذي هو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم والاستبرق مما فيه بريق ولمعان وهو ما يلي الظهر وزيادة على ذلك (مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)) قال في سورة فاطر (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)) وقال في سورة الكهف(يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ)[الكهف:31] ولما ذكر سبحانه زينة الظاهر بالحرير والحُليّ قال بعد ذلك (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)) يعني يطهّر بواطنهم من جميع الشوائب، من الحسد والحقد والغلّ والأذى وسائر الأخلاق الرديئة كما قال علي رضي الله عنه: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وجدوا هنالك عينين فكأنهم أُلهموا ذلك فيشربون من إحداهما فيُذهِب الله ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فأخبر سبحانه بحالهم الظاهر وبجمالهم الباطن فقال (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)) يعني يقال لهم هذا من باب التكريم لهم ومن باب الجزاء والإحسان إليهم كما قال تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24))[الحاقة]. وقال (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43))[الأعراف]. قال (وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)) جازاكم ربكم جل وعلا على القليل بالكثير لأنه سبحانه من أسمائه الشكور والشكور هو الذي يضاعف القليل من العمل حتى يكون كثيراً ويجزي عباده المؤمنين.

ثم توجّه الخطاب بعد ذلك في ختام السورة إلى القرآن الكريم، إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بيّن الله تعالى منّته وفضله وآلائه على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام فيما أنزله من هذا الذكر الحكيم والقرآن العظيم فقال (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) اصبر لحكم الله U بما أكرمك بهذا القرآن واصبر على قضائه وقدره وعلى طاعته (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24)) لا تطع منهم آثماً من هؤلاء منافقاً ولا كافراً (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24)). قال بعض المفسرين: (أو) بمعنى (الواو) يعني ولا تطع منهم آثماً وكفورًا. (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25)) أول النهار وآخر النهار كما قال تعالى (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39))[سورة ق] وقال (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ)[النور]. وقال سبحانه وتعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26)) كما قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79))[الإسراء] وكقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4))[المزمل] ويدخل في قوله تعالى (وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26)) يدخل في هذا صلاة العشاء والوتر وصلاة الليل.

ثم أنكر جل وعلا على الكفار ومن أشبههم في حب الدنيا والإقبال على الدنيا والانصباب إليها وترك الآخرة والإعراض عنها وجعلها وراء الظهر فقال (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27)) الذي هو يوم القيامة (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) يعني شددنا خَلْقَهم (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28)) إذا شئنا بعثناهم يوم القيامة وبدّلناهم أعدناهم خلقاً جديدًا وهذا استدلال بالبَداءة على الرجعة (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28)) أو وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم كما قال تعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ)[النساء:133] وقال (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17))[فاطر].

 

(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ) هذه السورة (تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29)) يعني طريقاً ومسلكاً يهتدي به إلى الله سبحانه وتعالى (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[النساء:39]. ثم قال تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) يعني لا يقدر أحد أن يهدي نفسه، وفي هذه الآية رد على طائفة يسمون بالقَدَريّة الذين يرون أن العبد يخلق فِعْلَ نفسه فالله تعالى قال (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)) فهو عليمٌ I بمن يستحق الهداية فييسر له أسبابها وعليمٌ بمن لا يستحق ذلك فيُغلَق عنه أبواب التوفيق (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)). ثم قال (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) فهو يهدي من يشاء ويُضلّ من يشاء فمن يهديه الله عز وجل فلا مُضِلّ له ومن يضلل فلا هادي له وبهذا قال عز وجل (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)). نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المهتدين وأن يعيذنا وإياكم من طريق الضالين وأن يرزقنا وإياكم فهماً في كتابه وفي سُنّة نبيه محمد e .



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل