تفسير سورة المدثر - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

سورة المدثر

د. محمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

 (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿٨﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾)

يقول الله I بسم الله الرحمن الرحيم (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)) مطلع هذه السورة يشبه مطلع سورة المزمل وأيهما نزلت أولاً؟ المدثر ولذلك سورة المدثر مكية.

قال الله U(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)) قال القرطبي (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبّر عنه بصفته ولم يقل يا محمد ويا فلان ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما قررنا ذلك في أول سورة المزّمل. والمدثِّر هو الذي تدثّر بثيابه أي تغشّى بها وأصله المتدثر فأُدغِمت التاء في الدال لتجانسهما والدِثار هو ما يُلبَس فوق الشِعار والشِعار هو الذي يلي الجسد. وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله أيّ سورةٍ أُنزِلت أولاً سورة إقرأ أو سورة المدثر؟

·       فقال بعض أهل العلم: أول سورة نزلت على النبي e صدر سورة اقرأ

·       وقال بعضهم أول سورة نزلت على النبي e صدر سورة المدثر وقال بذلك جابر بن عبد الله حيث سئل أيُّ القرآن أُنزِل قَبْلُ؟ فقال (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، قلت: يقولون (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1))[العلق] قال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك فقال جابر: لا أحدِّثكم إلا ما حدّثنا رسول الله e قال: «جاورت بحراء; فلما قضيت جواري...» إلى آخر الحديث. ولذا استدل بعض أهل العلم بحديث جابر هذا وهو في الصحيح على أن أول سورة نزلت هي سورة المدثر.

والصحيح أن السورة الأولى التي نزلت هي سورة اقرأ أما قوله أول سورة نزلت فهو يقصد ماذا؟ بعد فترة الوحي ويدل على ذلك بعض الروايات منها قوله: "فإذا الملك الذي جاءني في حِراء قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض"، الذي جاءني في حراء وأنزل سورة اقرأ.

(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)) الإنذار إعلامٌ بتخويف فهو أخصُّ من الإعلام. ما هو سبب هذا التدثّر؟ هو سماع صوت جبريل عليه السلام فإنه لما سمع صوت جبريل أتى إلى أهله فقال: «دثّروني، دثّروني» فناداه الله U ولاطفه فقال (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)) وتأملتُ الآيات السبع فوجدت أنها خارطة طريق للنبي e بدعوته وللدُعاة من بعده وسأثبت لكم ذلك. الله I لاطف نبيه فقال (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)) أي أنذر من؟ أنذر الناس. (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)) لماذا قال (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3))؟ ما معنى (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3))؟ أي كبِّر الله U لماذا قال له (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)) هنا؟ تثبيت للنبي e أي لا تخشى الناس فالله أكبر منهم وأكبر مما سيواجهونك به ولذلك افتُتحت الصلاة بقوله "الله أكبر" أي الله أكبر من هذه الدنيا كلها، أقبِل على الله، ولذلك افتتحت الصلاة بالله أكبر كما افتتحت الرسالة بماذا؟ بالتكبير (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)) أي كبِّر الله U لا تخشى الناس ستلاقي من الناس، عنتاً سيقاتلونك، سيتهمونك لكن ربك فكبِّر. ثم قال (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)) وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على قولين:

·       القول الأول: أن المراد بالثياب الثياب الحقيقة أي وثيابك فطهٍّرها من الأنجاس وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله.

·       وقال جمهور المفسرين أن المراد (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)) أي عملك ونفسك وقلبك طهِّرها وهو رأي ابن القيم رحمه الله وجمع من المحققين.

أيهما أرجح؟ الراجح كِلا القولين حقيقة فأحدهما أصالة والآخر بطريق اللزوم.

ثم قال I(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) الرجز هي الأصنام وسُميت رجزاً لأنها سبب للرجز. وقيل الرجز أعمال الشر كلها، وسواء قلنا بهذا أو هذا فلا يلزم تلبُّس النبي e بشيء من ذلك يعني أن أمر الله U لنبيه بترك الأصنام لا يعني أن النبي e قد تلبَّس بها كما قال I(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) ، وكما قال الله I في آية أخرى (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142))[الأعراف] فالأمر بترك الشيء ليس معناه أنك متلبِّسٌ به.

ثم قال الله I(وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)) أي لا تعطي العطيّة تلتمس أكثر منها. أي كأنه أمره بأن تكون عطاياه لله U لا لارتقاب ثواب. وعلى هذا التفسير وهذا هو رأي ابن كثير والقرطبي فهي خاصة للنبي e. وهناك معنى آخر وهو (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)) أي لا تضعف أن تستكثر من الخير أي لا تستكثر العمل الذي تعمله لله I، ما فائدة هذه الدعوة من الله؟ قلت لكم هذه رسمت معالم دعوة النبي e، كيف (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6))؟ قلنا أن معناها أي لا تستكثر من الخير الذي عملته بل استمر على ذلك وقد فعل النبي e فلم يستكثر على ربه أيُّ عمل عمله حتى وهو في سكرات الموت e كان يقول يدعو ويذكِّر ويأمر ويقول: «الصلاة، الصلاة وما ملكت أيمانكم». أي لا تستكثر خيراً فعلته في سبيل دعوتك وهذا خارطة طريق قلت لكم للنبي e وللدعاة من بعده. كم رأينا من كثير من الدعاة يدعون خمس سنوات، عشر سنوات فنراهم يضعفون، نقول لهم (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)). كم رأينا من الإخوة الشباب الذين وفقهم الله U لتعليم القرآن زماناً فلما وسّع الله I عليهم تركوا تعليم القرآن أو انشغلوا بالدنيا، نقول لهم (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)). نقول للدعاة الذين ينشغلون بطباعة الكتب والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضعفوا (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)).إاحفظ هذه الآية لأن إمامك ونبيك وقدوتك حفظها قيلت له في أول دعوته لا تمنن تستكثر، لا تستكثر عملاً فعلته يا محمد فما استكثر e، أُدميت عقبه، طورد، اتُهِم في عقله، حوصِر في الشِعَب ثلاث سنوات، تؤومِر على قتله، ترك وطنه، حارب، هاجر، كُسِرت رباعيته، تحزّب الأحزاب حوله، هل استكثر؟ لا، مات e وهو يدعو ويذكِّر ويقول: «الصلاةَ، الصلاةَ وما ملكت أيمانكم». إن قول الله تبارك وتعالى (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)) دعوةٌ لأتباع النبي e المشتغلين بالدعوة وبالعلم وبالتعليم وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر أن لا يضعفوا وأن يكون ذلك ديدنهم في حياتهم كلها إلى أن يتوفّاهم ربهم U وليتذكروا دوماً وأبداً (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)). إحفظوا هذه الآية كما حفظها النبي e وطبِّقوها كما طبَّقها النبي e فلا تستكثروا خيراً فعلتموه لله تبارك وتعالى، لا تمنن تستكثر، إذا هدى الله U على يديك شخصاً أو شخصين أو ثلاثة أو أربعة لا تستكثر ذلك على ربك، إستمر في دعوتك. إذا علّمت وحفّظت رجلاً أو رجلين أو ثلاثة أو عشرة القرآن فلا تمنن تستكثر استمر في تحفيظك وتعليمك. فهذه الآيات السبع خارطة طريق (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)) قُم الآن ادعُ إلى الله U، (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)) لا تخشى الناس الله أكبر من كل شيء، (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)) أي قلبك وعملك طهرها من الرياء وكل ما يشوبه بلإخلاص وتجنّب كل أنواع الشرور (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)) هذه خارطة طريق الدعاة إلى الله تبارك وتعالى (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)) فإن هذا الطريق ليس طريقاً قد فرش بالورود بل هو طريق صبر ومصابرة ومجاهدة وستجد يا محمد عنتاً. تصوروا أن ذلك النبي الآن سمع الوحي، الآن يقال له هذا الكلام، معناه أن المهمة شاقة، قال (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)) فإنك ستجد من هؤلاء العتاة من هؤلاء الكفار عنتاً شديداً لكن لربك فاصبر أمره الله U بالصبر، أمره الله U بالمصابرة فإنه ليس هناك أنجح في الدعوة إلى الله U من الصبر والمصابرة (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)).

ثم قال I(فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)) الناقور هو الصور. قال مجاهد: وهو كهيئة القَرْن، وقال النبي e «كيف أَنْعَم وصاحِبُ القرن قد التقم القرن وَحَنَى جبهته ينتظر متى يؤمَر فَيَنْفُخ؟ فقال أصحاب رسول الله e: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8)) أي نفخ النفخ والنفخة هنا قيل النفخة الأولى نفخة الصعق وقيل النفخة الثانية وهي نفخة البعث. (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)) أي شديد (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)) أي غير سهل عليهم كما قال الله I في سورة أخرى (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8))[القمر]. وقوله (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)) تأكيدٌ لعُسْرِه عليهم لأنه قد تقدّم قوله (يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)). وقد روي عن قاضي البصرة أنه صلّى بهم الصبح فقرأ هذه السورة فلما وصل إلى قوله تعالى (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)) شهِق شهقة ثم خرّ ميتاً رحمه الله. إذا كان المصطفى e يقول «كيف أَنْعَم وصاحب القرن قد التقم قرنه وَحَنَى جبهته» مستعدٌ ينتظر فقط الأوامر بالنفخ.

ثم قال I(ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)) دعني، وهذه كذلك بشارة للنبي e كما قلت لكم في سورة المزمل (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) يعني أنا خصمهم يقول الله U(ذَرْنِي) يا محمد (وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)) أنا خصمهم أنا الذي سأنتقم منه، أنا سأكفيك إياه. (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)) وهذا الرجل هو الوليد ابن المغيرة وهو لكل من شابَهَ حال الوليد -فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب- أي خرج من بطن أمه وحيداً لا مال له ولا ولد فرزقتُهُ (مَالًا مَمْدُودًا (12)) أي واسعاً كثيرًا وقد اشتهر الوليد بكثرة المال على اختلاف أنواعه (وَبَنِينَ شُهُودًا (13)) ما معنى بنين شهودًا؟ أي حضور، لأن من النعمة أن يكون لك بنين ومن تمامها أن يكونوا حاضرين حولك يعني لا يَغابون. (وَبَنِينَ شُهُودًا (13)) أي حاضرون على الدوام عندك، قيل حاضرون لكثرة مال أبيهم فلا يحتاجون إلى السفر للتجارات ولذلك يجد الوالدين عنتًا شديدًا عندما يكون لهم ابن في الصين وابن في الغرب وابن في الشرق، ولذلك قال الله عز وجل (وَبَنِينَ شُهُودًا (13)) ما جعل له بنين، لا، بنيه كلهم حوله حتى قيل له اثنا عشر ولد (وَبَنِينَ شُهُودًا (13)) لا يغيبون أبداً عنه يأتمرون بأمره. (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14)) أي مكنته من صنوف المال والأثاث، وقيل بسطت له العيش وطول العمر والرياسة في قريش والتمهيدُ عند العرب هو التوطئة. (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)) أي يطمع أن أزيده مع هذا كله لحرصه وشدة طمعه مع كفرانه لنِعَم الله U. (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)) (كلا) كلمة ردع وردٌ لما قبلها هنا في هذا الموضع ولذلك يقول العلماء إن الوليد بعد نزول هذه الآية ما زال في نقصان في ماله وولده حتى هلك، الجزاء من جنس العمل. (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)) قال الله (كَلَّا) أعطيناك هذا كله الآن بدأ النقصان لماذا؟ (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16)) أي معانداً وهو الكفر كفر النعم بعد وجودها لأن النِعَم إذا شُكِرَت قَرَّت وإذا كُفِرَت فَرَّت وهذا إنذار لأصحاب الأموال أن يقوموا بشكرها وأداء ما أوجب الله U عليهم من زكوات وصدقات وصلات لأن هذا هو الواجب عليهم وليكن لهم في الوليد عبرة وعظة حينما لم يتّعظ بل طلب المزيد وكفر وعاند آيات الله U.

(سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17)) الارهاق في كلام العرب أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل. والصعود قال ابن عباس صخرة في جهنم عظيمة يُسحَب عليها الكافر على وجهه، لماذا؟ قال (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)) أي إنما أرهقناه صعوداً، وقرّبناه من العذاب الشديد لبُعْدِه عن الإيمان، لأنه فكر وقدر، أي تروّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن. الوليد سمع القرآن وأُعجِب بالقرآن والقرآن لبلاغته وفصاحته أخذ بألباب أهل الفصاحة في ذلك الزمان. بل وصف القرآن بوصفٍ بقي إلى الآن يقول: لقد سمعت منه كلاماً -يقصد النبي e ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمُغدِق وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه وما يقول هذا بشر. وصف القرآن بهذا الوصف الرائع لكن صاحبه أبو جهل ماذا فعل؟ دخل عليه قال: نحن سنجمع لك بعض المال يا الوليد، قال لماذا؟ قال: إنك تدخل إلى محمد وتأخذ منه وتأكل عنده وتشرب عنده وتسمع القرآن، قال: كيف تقول هذا وأنا صاحب الأموال؟! قال: إذاً لا بد أن تقول شيئاً في القرآن، ولذلك قال الله U(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)) أي تروّى، أراد أن يأتي بقول يزيل هذا القول الذي قاله ويمحو أثره. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)) أي تروّى لم يستعجل أراد أن يأتي بشيء فعلاً يصف به القرآن ويردّ به الناس عن هذا القرآن. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ) أي دعاء عليه بالقتل على هذا التروي وهذا التفكير في سبيل الشرّ. ونحن نقول لأهل الأفكار الهدامة قُتِلوا كيف قدّروا وكيف فكّروا كما قيل للوليد بن المغيرة إمامهم حينما قال هؤلاء الذي يريدون أن يشككوا في القرآن إمامهم الوليد بن المغيرة ولهم نصيب من دعوة الله تبارك وتعالى عليه (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21)) لماذا كل هذا يا الوليد؟! أراد فقط أن يأتي بعبارة تمحو أثر ذلك المدح أراد بعبارة يكفّر بها عن مدحه للقرآن. (ثُمَّ عَبَسَ) يعني قبض ما بين عينيه وقَطَّب (وَبَسَرَ (22)) أي كلّح وكرَّه يعني جمع كل العبارات من التفكير والتروي والتقدير والعبوس. والعبوس هو تقطيب الوجه والبُسور كُلوحُه وتغيره ولذلك قيل إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة وظهور البُسور في الوجه قبلها كل هذا لماذا؟ أخرج كلمة واحدة (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)) ما قال سحر فقط وإنما سحر يؤثَر عن غيره يعني حتى ما أراد يقول إنه سحر من عنده قال سحر مأثور مأخوذ من غيره. (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24)) أي سحر ينقله محمد عن غيره (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)) لأنه قال في وصفه: "وما هو بكلام بشر". هذا التفكير كله ليكفِّر عن تلك المقولة أي ليس بكلام الله (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)). النتيجة: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)) أي سأغمره في جميع جهات جهنم وسقر من أسماء جهنم (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27)) تهويل وهذا الأسلوب يستعمله القرآن كثيراً حينما قال (الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)) وغير ذلك من الآيات (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2)) إلى آخره. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27)) ثم فسّر ذلك بقوله (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)) أي تأكل اللحوم والعروق والعصب والجلود ثم تبدّل غير ذلك وهم في ذلك لا يموتون.

(لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)) والبشر إما المقصود بها البشرة يعني جلدة الإنسان الظاهرة كما قاله أكثر المفسرين وهذا سرّ قول الله U(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)[النساء:56]. (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)) أي حَرَّاقَة للجلد وقد اكتشف الطب الحديث أن مركز الإحساس في الجلد. مركز الإحساس ليس اللحم وإنما في الجلد ولذلك (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)[النساء:56]. هذا قول الأكثرين أن البشر هنا (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)) أي البشرة ومن العلماء من قال (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)) أي المقصود بها الناس، المقصود أهل النار من الإنس أي البشرية، قال ابن عباس تُحرِق بَشَرة الإنسان. (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)) من مقدمي الزبانية لما نزلت (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)) ماذا قال العُتاة؟ قال واحد منهم يقال له أبو الأشدّين قال: تسعة عشر ملك على النار؟! بيميني عشرة وبيساري تسعة وأكفيكم خلاص النار تنطفئ نعوذ بالله! وأبو جهل ماذا كان يقول؟ يقول تسعة عشر كل واحد يقوم عليه مئة منكم ويكفينا إياه. ولذلك ماذا ردّ الله عز وجل عليهم؟ يعني هذه عليها أي زبانية النار (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)) وإلا ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عؤلاء لهم عمل معين محدد هم زبانية النار وإلا ثبت في الحديث الصحيح النبي e قال «يؤتى بجهنم يوم القيامة معها سبعون ألف ملك لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها». لكن التسعة عشر هنا لماذا أتى العدد تسعة؟ لخمس حِكَم، ما هي؟ كما أخبر الله في الآية التي بعدها: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً) أول رد عليهم أي هؤلاء ملائكة ما هم بشر مثلكم إذا كان الناس يُصعقون بنفخة من ملك واحد الذي هو إسرافيل عليه السلام كيف تستهزئون بالتسعة عشر؟!. (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)

1.  أول حكمة: فتنة (فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وقد افتتنوا وإلا ما افتتنوا؟ (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)،

2.  الحكمة الثانية (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يقين أهل الكتاب هذه الحكمة الثانية لجعلهم تسعة عشر لماذا؟ لأنه قد أخبر في كتبهم أن مسؤولي زبانية النار كم عددهم؟ تسعة عشر.

3.  الحكمة الثالثة (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) يؤمنون بهذا،

4.  الحكمة الرابعة (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) انتفاء الريب عن المؤمنين وعن أهل الكتاب،

5.  الخامسة (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) الحكمة الخامسة حيرة الكافر ومن في قلبه مرض عن المراد بذلك. لماذا الله جعلهم تسعة عشر؟ لماذا ما كانوا ثمانية عشر؟ لماذا لم يكونوا عشرين؟ جعله الله U حيرة لمن؟ للمؤمنين؟ لا، إنما للكافر ومن في قلبه مرض. ومن هو الذي في قلبه مرض؟ ليس المنافق على الصحيح لأنه ليس في مكة نفاق ولذلك بعض المفسرين فسرها بالمنافق وهو ضعيف لماذا؟ لأنه ليس في مكة نفاق. وإنما المقصود في قلبه شك وريب.

 (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) هذه الآية لو تفكر فيها كفار قريش ما قالوا والله نجتمع تسعة عشر وأنا علي تسعة بيميني عشرة وبيساري تسعة وأكفيكم إياهم! أو قالوا نبعث مئة! لأن الله رد عليهم في أول الآية وفي آخرها قال (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً) أولاً أصلاً هؤلاء التسعة عشر ليسوا من الإنس حتى يكون هناك مقارنة بينك وبينهم وإلا تحط عشرة وإلا عشرين وإلا مئة وإلا ألف. ثم قال I(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) "وأطّت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا وفيها ملك قائم أو ساجد أو قاعد" (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) والبيت المعمور يطوف فيه كل يوم سبعين ألف ملك لا يعودون إليه. (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)) أي هذا من باب التذكير لهم أي وما هي هذه النار التي وُصِفَت إلا ذكرى للبشر.

ثم قال I(كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)) (كلا) هنا بمعنى حقًا أي حقاً والقمر. أقسم الله U بالقمر الذي هو آية الليل ثم أقسم بالليل نفسه حال إدباره (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)) وقرئت (إِذْ أَدْبَرَ) وقرئت (إذا أدبر) والفرق بين القراءتين (إِذْ أَدْبَرَ) للمستقبل (وإذا أدبر) لما مضى. وكل هذه القراءات متواترة. (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)) أي أشرق (إِنَّهَا) ما هي؟ النار (لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)) وهذا جواب القسم (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)) جواب القسم أي إنها لإحدى العظائم. والكُبَر جمع كُبرى أي هي إحدى الدواهي العظيمة يا من تستهزئون بالنار (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ) فيقبل النذارة ويرعوي إلى ربه ويهتدي للحق (أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)) عنها ويولّي دُبره ويردُّها فيهلَك ويكون من أهل النار.

ثم قال الله I(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)) أي كلُّ نفس مأخوذة بعملها مرتهنة به معتقلة به يوم القيامة إلا صنفٌ واحد والاستثناء يقول العلماء معيار العموم. (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) بما عملت مرتهنة أي مرهونة به لن تستطيع أن تنفك عنه. والرهن هو الإغلاق إلا صنف واحد من هم؟ أصحاب اليمين فإنهم غير مرتهنين بما كسبوا (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)) لماذا غير مرتهنين؟ لأنهم (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)) أي يسألون عن المجرمين وهم في الغُرُفات، هناك مجرمون كانوا معهم في هذه الدنيا أجرموا وأوغلوا في الإجرام فأرادوا أن يسألوا عن هؤلاء، ما مصيرهم؟ أين ذهبوا؟ فيتساءلون عنهم فيُطْلعون عليهم كما ثبت ذلك في أحاديث أخرى يطَّلِعون وهذا من تمام النعيم أنك ترى مقعدك لو كنت ضالاً، من تمام نعيم أهل الجنة أنه يُرى مقعده في النار لو لم يهتدي، ومن زيادة عذاب أهل النار أنه يُرى مقعده في الجنة لو كان مهتدياً فيطّلِعون على المجرمين فيرونهم في الدركات، في النار فيسألون (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)) ولاحظوا الآية ماذا قال؟ ما قال ما سلككم في النار؟ لأنه قال في وسطها (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)) استعمل نفس الاسم (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)) يعني لم نكن نصلي لله تبارك وتعالى (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)) أي لم نُحسن إلى خلقه كما أحسن علينا (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)) أي نتكلم فيما لا نعلم كما تكلم هؤلاء أبو الأشدين وأبو جهل. (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)) أي بيوم القيامة. والله سبحانه وتعالى مالك ليوم الدين ومالك لغيره لكن لماذا خصّ يوم الدين بالمُلك هنا؟ كما قال الله في سورة الفاتحة (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لأنه لا أحد في ذلك اليوم يدّعي الملك (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16))[غافر] فاجتمع فيهم أربع صفات أخرجتهم من زمرة المفلحين وأدخلتهم في جملة الهالكين: الأولى: ترك الصلاة، الثانية: ترك إطعام المساكين، الثالثة: الخوض بالباطل، الرابعة: التكذيب بالحق وهو يوم الدين. (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)) ما هو اليقين؟ قال بعض المفسرين: الموت. وابن عطية رحمه الله يرى أن تفسيره في هذا الموضع ليس الموت وإنما يقول: ما كانوا يكذِّبون به من الرجوع إلى الله والدار الآخرة. يقول إن اليقين هنا ما كانوا يكذِّبون عندما كان الله U يعدهم بالجنة ويتوعّدهم بالنار. وأما ابن كثير فقد فسّر اليقين هنا بالموت، لكن ابن عطية يقول: إن تفسيره بما كانوا يكذّبون به أولى في هذا الموضع. (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)) أي من كان متّصفاً بهذه الصفات فلا تنفعه شفاعة شافع لأن الشفاعة لها محل ولها قابلية وهؤلاء لا تُقبَل فيهم الشفاعة لأنه ليس عندهم أيّ مقومات الشفاعة. (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)) أي فما لهؤلاء الكَفَرة الذين قبلك مما تدعوهم إليه وتذكِّرهم به معرضين. (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)) أي كأن هؤلاء حُمُر، حمير جمع حمار وهي الحُمُر الوحشية (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)) القسورة فُسِّر بالأسد وفُسِّر بالرامي بالصياد وكل التفاسير صحيحة ولا تعارض بينها. فالحُمُر تفرّ من الأسد كما تفرّ من الصياد من الرامي بنبله بصيدها فهي تريد أن تنجو بحياتها. (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52)) يعني من عتوّهم يريد كل واحد منهم يقول حتى أهتدي ينزّل عليّ كتاب مستقل خاص بي، سبحان الله! طلبات تعجيزية كما أنزل عليك يا محمد كتاب تريد نهتدي؟ ينزل علي كتاب مستقل لوحدي يخاطبني أنا خاص بي. (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52)) كما قال الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)[الأنعام:124] يعني يرسل إلينا، ينزّل إلينا كتب، يوحى إلينا. (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)) إنما أفسدهم عدم إيمانهم بهذا اليوم عدم إيمانهم بالآخرة هو الذي أوصلهم إلى هذا المصير (كَلَّا إِنَّهُ) إنه أي القرآن ولذلك ذكّر الضمير هنا (إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55))، (فَمَنْ شَاءَ) يعني هذا القرآن يا محمد ويا أيها المخاطَبون به تذكرة لمن شاء أن يتذكّر، لمن أراد أن يتذكّر، لمن بحث عن التذكّر، لمن بحث عن الهداية فهو تذكرة (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ) أي لا يتذكرون ولن ينتفعوا إلا أن يشاء الله U هدايتهم فهو أعلم بمن يصلح للهداية وهو أعلم بمن لا يصلح للهداية. (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) كقوله سبحانه وتعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)[الإنسان:30]. (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) سبحانه وتعالى هو أهل أن يُخاف منه سبحانه ويُتّقى عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه. (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)) وهو أهلٌ أن يغفر ذنب من تاب إليه ففيه دعوة ترهيبٌ وترغيب هو أهلٌ أن يٌتّقى وهو أهلٌ أن يغفر إذا تبت.

من يعطينا مناسبة خاتمة السورة لفاتحتها؟ مناسبة خاتمة السورة لفاتحتها أن الله I لما أمره بالنذارة في أول هذه السورة أخبره أن منهم من لا يستجيب وأن ذلك راجع إلى مشيئة الله I وحكمته وفي هذا رفقٌ بالنبي e وأنه ليس مطالبًا بالاستجابة، ليس مطالبًا أن يستجيبوا وإنما مطالبٌ فقط بالنذارة وهذا من رفق الله U بنبيه e في بداية دعوته.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل