في رحاب سورة المؤمنون - 3 - إجابات على أسئلة المشاهدين - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة - د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ - تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة المؤمنون - 3

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

إجابة على أسئلة المشاهدين:

سؤال من الأخت عبير الحلّاق: ما المقصود بالآية الكريمة (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١١٣﴾ البقرة) ومن هم الذين هادوا والنصارى والصابئين؟

ما المقصود بالآية (إني متوفيك)؟ وقوله تعالى (فلما توفيتني) كيف توفى الله عز وجلّ سيدنا عيسى عليه السلام ونحن نعلم أن الله لم يتوفى عيسى بل رفعه الله إلى السماء وسيبعث؟

د. المستغانمي: السؤال الأول المتعلق بقوله تبارك وتعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ) من سورة البقرة هذا ذكر لما بين النِحل والمِلل المختلفة من تنازع فاليهود يضللون النصارى والنصارى يضللون اليهود، فالآية معناها قالت اليهود ليست النصارى على شيء حق يُعتدّ به ويُعترف به والنصارى ردوا عليهم بالمثل وقالت النصارى ليست اليهود على شيء يعتد به وليسوا من أمر الديانة من شيء صحيح وكذلك قالوا عن الإسلام لكن الحق أبلج كما يقول العلماء، فهذا التنازع بين الملل موجود.

المقدم: تأكيدًا لهذا التفسير قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)[المائدة:18] (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)[التوبة:30]

د. المستغانمي: وردّ عليهم القرآن كثيرًا خصوصًا في سورة آل عمران وسورة المائدة بشكل تفصيلي.

السؤال الثاني حول الذين هادوا هم اليهود، هادوا بمعنى تابوا إلى الله، (إنا هدنا إليك) تبنا إليك، هم في عهدهم تابوا إلى الله عز وجلّ مع موسى عليه السلام، النصارى هم أتباع عيسى عليه السلام، الصابئة تحدثنا عنهم في سورة الحج (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١٧﴾) الصابئة هم فرقة يدّعون أن دينهم سماوي ويؤمنون بأبناء آدم، بشيث وبنوح عليه السلام وببعض الأنبياء ويؤمنون بيحيى عليه السلام ولكن الحقيقة دينهم ليس صحيحًا وهم يعبدون الكواكب ويقولون نحن لسنا في محل نستطيع أن نعبد الله فنستطيع أن نعبده عن طريق وسيلة فيعبدون الكواكب لتقربهم إلى الله زلفى وفي الوقت نفسه هم يوجدون في جنوب العراق خصوصًا وفي كثير من الدول وفيهم خلاف، بعضهم يقول هم فرقة من النصارى وبعضهم يقول هم قبل النصارى ويدّعون أن لديهم دينًا سماويًا وورد في الآثار أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب" يعني اعتبروهم في بعض الأمور لكن في الحقيقة حكم القرآن بضلالهم في الاعتقاد وبطلان دينهم.

السؤال الثالث: ما المقصود بـ(إني متوفيك) ونحن نعلم أن الله لم يتوفى عيسى بل رفعه؟

د. المستغانمي: هنا الآية تحتاج إلى تفصيل دقيق وأنا بحثت فيها عند جملة من العلماء ووصلت إلى ما يلي: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾ آل عمران) (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) ثمة طائفة من العلماء يقولون توفاه الله وفاة حقيقية ومن بينهم ابن عباس رضي الله عنه (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي إني مميتك، من الوفاة لأن التوفّي هو أن يقبض الله الروح، والتوفي لغة هو قبض الشيء مستوفًى، لما تذهب عند تاجر تقول وفّاني حقي، بلغ توفية الشيء حقّه ونصابه ثم اختار الله هذا الفعل وخصّصه في القرآن بالتوفّي بمعنى أن يأخذ روح الميت (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)[الزمر:42] (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴿١١﴾ السجدة) فعل التوفّي في القرآن مستعمل في هذا المجال، فقال العلماء لماذا نخرجه من سياقه؟ فالله توفى عيسى عليه السلام قبض روحه ورفعه وعندما يحين وقته ينزله والأحاديث في ذلك صحيحة والقرآن الكريم يقول (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ)[الزخرف:61] أي إنه لعلامة للساعة وورد (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)[النساء:159[ قبل موته المرة الثانية، هذا تأويل.

الرأي الثاني أن كثيرًا من العلماء يقول أنه رفعه وقبضه إليه دون موت وهو عنده جلّ جلاله وسيُنزله قبيل نهاية مدة الدنيا ويصلي وراء إمام المسلمين ويقتل الدجّال كما ثبتت الأحاديث الصحيحة ويوفِّقون بين هذا وذاك.

المقدم: هل هناك أقوال معتبرة في علماء المسلمين أن عيسى عليه السلام توفّاه الله؟

د. المستغانمي: نعم موجود، الإمام الحسن البصري وابن جريج يقولون متوفيك أي قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت، ابن زيد يقول: متوفيك وقابضك ومتوفيك ورافعك نفس الشيء، الربيع عن ابن أنس: وهي وفاة نوم (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ)[الأنعام:60] النوم وفاة قصيرة، الإمام القرطبي يعلق قائلًا: والصحيح أن الله رفعه إلى السماء من غير موت ولا نوم وهو قول الحسن البصري وابن زيد، صاحب التحرير والتنوير الطاهر بن عاشور يقول: إني متوفيك أي إني مميتك، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله في القرآن كله بالاستقراء، ويستدل أيضًا بقول الله تعالى على لسان عيسى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)[المائدة:117] لأنه لا يدري فالوفاة تقطعه عن الدنيا فهو لا يعلم ما وقع بعده، فالقضية خلافية بين العلماء وابن عباس يقول مات موتًا حقيقيًا وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، والحديث في صحيح مسلم "يبعث الله عيسى" كلمة "يبعث" يعني بعد موته. فثمة أدلة متنوعة في هذه القضية والدقيق أن الله سيبعثه وسيصلي خلف إمام المسلمين ويُحق الحق ويصلي وراء جنازته المسلمون.

المقدم: عيسى عليه السلام ليس موجودًا بيننا الآن وسوف يعود بإذن الله كما تدل النصوص والأحاديث الواضحة في هذا الشأن، لكن الآن هل هو متوفى أو عند الله فهذا علمه عند ربي

د. المستغانمي: نحن ذكرنا أقوال العلماء ومن شاء مزيدًا من التفاصيل يمكن الذهاب إلى مفاتيح الغيب للرازي والجامع لأحكام القرآن للقرطبي.

سؤال من الأخ أحمد الشرفات من الأردن: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴿١٠٦﴾ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿١٠٧﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴿١٠٨﴾ هود) هل يُفهم من هذا أنه من دخل الجنة يخرج منها إن شاء الله وهل نسخت هاتان الآيتان بشيء من القرآن إذ أنهما وردتا في سورة مكية؟

د. المستغانمي: سؤال وجيه جدًا ويلفت كل قارئ متدبر والآية لا بد أن نحملها على عادات العرب في كلامهم. كلام العرب عندما يقول (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴿١٠٥﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴿١٠٦﴾ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) ليس معنى ذلك إذا انقضت السموات والأرض يخرجون، هذا المعنى غير مقصود.(ما دامت) على لسان العرب يقولون: سأدعو الله ما لاح برقٌ وما لاح كوكب، العرب يقولون في كلامهم هذا للدلالة على الديمومة وعدم الانقطاع، وهذا الرأي الراجح عند المفسرين (ما دامت السموت والأرض) تفيد التأبيد على لسان العرب أي كأنه يقول خالدين فيها أبدًا لأن العرب يقولون: والله سأفعل ذلك الأمر ما لاح قمر، وما لاح كوكب، ما دام الليل والنهار.

المقدم: هنا لفتة لغوية أسأل عنها (ما دامت السموات والأرض) أين خبرها؟

د. المستغانمي: باقيتين، لم يذكره، الحذف موجود في اللغة العربية ما دامت السموت والأرض مستمرتين باقيتين لكن نحن نعرف في القرآن الكريم (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات) لو ربطناها بوجود السموات والأرض معنى ذلك لا يدومون، لا. هو في الحقيقة تفيد الدوام والتأبيد. الإشكال يقع في قوله (إلا ما شاء ربك) الاستثناء سواء في حق أهل النار أو في حق أهل الجنة، الاستثناء هنا ليثبت عقيدة المشيئة المطلقة عند الله سبحانه وتعالى وهذا كلام الإمام القرطبي، كلام الإمام الرازي، كلام صاحب تفسير المنار محمد رشيد رضا وصاحب محاسن التأويل جمال الدين القاسمي يقول (إلا ما شاء ربك) يعني الله سيخلِّد الكافرين المشركين في جهنم ولكن تبقى المشيئة مطلقة، خلودهم ليس طبيعيًا إنما هو خلود بمشيئة الله سبحانه وتعالى لو شاء أن يغيّر النظام لفعل لكن شاءت قدرته ومشيئته أن يخلد الكافر في النار، فهي من باب فتح باب المشيئة المطلقة دائمًا الله تعالى مشيئته مطلقة. في القرآن الكريم سيدنا شعيب عليه السلام قال له قومه (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴿٨٨﴾ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا)[الأعراف] شعيب متأكد وموقن، هو نبي ومع ذلك ترك استثناء المشيئة بيد الله (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴿٧﴾ الأعلى) فتح باب المشيئة هذا شيء عظيم. الدليل على أن عذاب الكافرين ثابت وخالدين في النار ونعيم المؤمنين الصادقين الموحّدين ثابت نعيم في الجنة أن الله تعالى لما علق على المؤمنين قال (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي غير مقطوع، الجذاذ هو القطع (جعلهم جذاذا) أي قطعًا، عطاء غير منقطع هذا دليل على الاستمرار، ذكرها في الجنة ولم يذكرها في النار لأنه في الجنة فيها امتنان وإحسان فيحسن تذييل الآية (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) لو قال لأصحاب النار "عذابا غير مجذوذ" ليس فيها تفضّل، أنهى آية النار بقوله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) وهذا فعله العدل وأنهى آية الجنة (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) هذا الخلود في الجنة دليل على الخلود في النار، إنما جاءت الآية على وفق لسان العرب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل