تفسير سورة المزّمل - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة المزّمل

 د . أحم بن محمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴿٥﴾ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴿٦﴾ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴿٧﴾ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ﴿٨﴾ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴿٩﴾ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴿١٠﴾ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ﴿١١﴾ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا ﴿١٤﴾)

يقول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)) من هذا النداء أُخذ اسم هذه السورة سورة "المزمل" وهي سورة مكية واختُلِف في بعض آياتها كما سيأتي والصحيح أنها نزلت بمكة كاملة. (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)) نداء لِمَن؟ نداء للمزّمل ومن هو المزّمل؟ هو النبي e. ومعنى المزّمل أصلها المُتزمِّل فأُدغمت التاء في الزاي والتزمُّل هو التلفّف في الثوب. قال السعدي رحمه الله "المزمل المتغطي بثيابه كالمدثر وهذا الوصف حصل من رسول الله e حينما أكرمه الله برسالته وابتدأه بإنزال وحيه بإرسال جبريل إليه" إلى أن قال "فخاطبه الله بهذا الوصف الذي وُجِدَ منه في أول أمره e ثم أمره ببقية العبادات المتعلقة من الصلاة والصبر على أذية الأعداء وغير ذلك. إذاً نودي النبي e بوصف حاله ولم يقل الله U له يا أيها النبي أو يا أيها الرسول أو يا محمد وإنما نودي بوصف حاله، قال القرطبي رحمة الله لفائدتين:

1.  الأولى "الملاطفة" أراد الله I في بداية إرساله رسوله أن يلاطفه، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سمّوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها. ففيه تأنيس للنبي e وملاطفة ليستشعر أن الله I غيرُ عاتبٍ عليه كما قال النبي e لعليّ: يا أبا تراب وكما قال له: قُم يا نومان، فوصفه بحاله فهذا من باب الملاطفة.

2.  الأمر الثاني "التنبيه لكل متزمِّل راقدٍ ليله أن يتنبّه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى" فإن غالب من ينام يتزمّل بثيابه فهذا تذكيرٌ له بما أُمِر به النبي e. ومثل ذلك كما سيأتي قول الله U(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)). (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) أمر من الله I لنبيه e بقيام الليل وقد امتثل ما أُمر به فكان يقوم e حتى تتورم قدماه وتصوروا أنه قد أُمر بذلك في بداية دعوته e ومات وهو ممتثل بهذا الأمر حتى أشفقت عليه عائشة وكانت تقول له: تفعل كل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكورًا».

(قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) تفسير هذا القليل هو الآية التي بعدها (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)) أي قُم نصف الليل أو قُم أقل من نصف الليل. (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) أو قُم أكثر من نصف الليل، زِد على نصف الليل فهذه الحالات التي أمر الله U نبيّه e أن يقوم: نصف الليل، أقل منه، أن يزيد عليه. (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)) أي اقرأه على تمهّل. وفائدة ترتيل القرآن هو العَوِن على فهمه وتدبّره ولذا كان النبي e يقرأ السورة فيرتِّلها حتى تكون أطول من أطول منها. وعن أنس أنه سُئل عن قراءة النبي e فقال: كانت مدّاً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ بسم الله ويمدّ الرحمن ويمدّ الرحيم. وسُئلت أم سلمة عن قراءة النبي e فقالت: كان يقطع قراءته آية، آية (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)) ولذلك الوقوف على رؤوس الآي هو من سُنّة النبي e ولذا يستحبّ ترتيل القرآن وتحسين الصوت فيه وقد جاء رجلٌ لابن مسعود فقال: قرأت المفصّل الليلة في ركعة - يقول قرأت المفصل الذي هو من سورة "ق" إلى آخره في ركعة واحدة فقال ابن مسعود هذّاً كهذّ الشِعر؟! لقد عرفتُ النظائر التي كان رسول الله e يقرِن بينهنّ فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في ركعة أنت قرأت المفصّل كله في ركعة والنبي e كان يقرن كل سورتين في ركعة واحدة لكن كان يرتّل eيرتّل القرآن يقرأه قراءة تدبرٍ وتمعُّن.

ثم قال الله I(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)) اختلفت عبارات السلف في تفسير هذه الآية وخلاصة ذلك يرجع إلى أمرين:

1.  الأول: أن الثُقل المذكور في هذه الآية هو ثقل معنوي أي سنلقي عليك قولاً. والقول هنا "القرآن" بإجماع أهل التفسير كما قال الله (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13))[الطارق]. ومعنى الثُقل هنا ثُقل الفرائض والتكاليف لكن هذا الثُقل يخفّ على المؤمنين كما قال الله I عن الصلاة (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45))[البقرة]. وقيل ثقل ثوابه أي أن ثوابه ثقيل إذاً هذا هو القول الأول وأن المراد بالثقل هو ثقلٌ معنوي.

2.  القول الثاني أن الثقل ثقلٌ حسّي وهو ما كان يعانيه النبي e حال نزول القرآن كما قال زيد بن ثابت: أُنزلِ على رسول الله e وفخذه على فخذي فكادت ترضّ فخذي من ثقل الوحي. وقال النبي e: «ما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيض» وقالت عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله e: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «يأتيني أحياناً في مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيُفصَم عني وقد وعيت عنه ما أقول». تقول عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيُفصَم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عَرَقاً e. تصوروا هذه المعاناة الشديدة التي كان النبي e يعانيها وقد أُنزل القرآن كاملاً بهذه الطريقة لأنه على القول الصحيح أن القرآن نزل كله في اليقظة ولم ينزل شيئاً منه مناماً e وكان يعاني شدّة e وذلك رفعة لدرجاته ومصداقاً لقوله I(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)). وفي سياق الآيات نفهم هذا لأن الله U أمره بالصلاة والصلاة تعين على تحمّل الأمور الثقيلة وكان رسول الله e إذا حزبه أمر فزع للصلاة وهذا سرُّ قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) أي أننا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً لن تستطيع تحمله إلا إذا داومت على قيام الليل إلا القليل منه لراحتك. أيهما أرجح؟ القول الأول أو الثاني؟ الاثنين، وهذا رأي ابن جرير رحمه الله إمام المفسرين.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) اختلفت عبارات السلف في تفسير الناشئة هنا وخلاصة ذلك يعود إلى أمرين:

1.  الأول: تفسير الناشئة باعتبار الفعل فناشئة الليل هي قيام الليل. ويقولون إن ناشئة بالحبشية معناها بالعربية قيام، ناشئة الليل قيام الليل وعلى هذا التفسير (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) أي قيام الليل أشد وطأً.

2.  الوجه الثاني: تفسير ذلك بالزمان، تفسير الناشئة بالزمان وقد اختلف السلف في تحديده. فقيل الناشئة هو أول الليل قاله الجوهري، وقيل بل الليل كله ناشئة وهو رأي أبو عبيدة والزجّاج ورجّحه ابن القيم وهو قول عامة السلف وهو الصحيح من أقوال أهل العلم أن الناشئة تصدّق على ساعات الليل كله من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر. ومن العلماء من جعل كذلك الصلاة بين المغرب والعشاء داخل في ناشئة الليل. وقالت عائشة: ناشئة الليل القيام بعد النوم فلا يسمى ناشئة إلا إن كان بعد نوم وهو قول ابن الأعرابي والصحيح قول عامة السلف أن الناشئة هو ساعات الليل كلها من غروب الشمس إلى صلاة الفجر.

(هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) قرأ الجمهور "وَطْأً" بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة. والمعنى صلاة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار من قولك "اللهم اشدُد وطأتك على مُضر" وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة "وِطَاءً" والمعنى مواطأة أي موافقة من قوله (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)[التوبة:37] أي ليوافقوا عدة ما حرّم الله، وهذا يسمى عند العلماء "توجيه القراءات". وهناك كتب متخصصة في توجيه القراءات المتواترة وهناك كتب متخصصة في توجيه القراءات الشاذّة وبعض المفسّرين له عناية بتوجيه القراءات فلا يكاد يذكر قراءة إلا ويذكر لها توجيهاً كأبي حيّان في البحر المحيط وكلها قراءات متواترة، كل ما ذكرنا قراءات متواترة. القراءة الثانية بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة والمعنى أي أشد موافقة للسمع والبصر أي أن قلبك وسمعك وبصرك يكون أشد موافقة في صلاة الليل من صلاة النهار لأن صلاة النهار فيها مشاغل كثيرة ولذلك قال الله U(إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا). فإذاً على القراءة الأولى "أَشَدُّ وَطْئًا" معناها أثقل عليك، وعلى القراءة الثانية أشد موافقة. قال ابن كثير عن هذه (أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)) أجمعُ للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار; لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش، وقلنا أن هذا على القراءة الثانية.

ثم قال I(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)) أي قُم الليل يا محمد ولك في النهار فراغاً طويلاً تستطيع به أن تنام وتستطيع به أن تقضي حاجاتك فاجعل الليل لربِّك والنهار لنفسك. سُئلت عائشة رضي الله عنها عن قيام رسول الله e فقيل لها: أنبئينا عن قيام رسول الله e، قالت: ألست تقرأ هذه السورة (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله e وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأَمْسَك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد الفريضة. وهذا الحديث في صحيح مسلم وهو يدلّ على مكيّة سورة المزمل على خلاف من قال أن آخر السورة مدنية. لماذا قالوا إن آخر سورة المزمل مدنية؟ لذكر القتال فيها لأن الله I قال في آخرها (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والقتال إنما فُرِضَ في المدينة لكن ابن كثير أجاب عن هذا بقوله: إن هذا من أكبر دلائل النبوة لأنه من باب الإخبار بالمغيِّبات المستقبلية أي سيكون هناك قتالٌ بينك وبين أعدائك يا محمد وبالتالي فهذه السورة سورة مكيّة بكاملها. وقالت عائشة " واصفة قيام النبي e: ولا أعلم نبيّ الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى أصبح.

ثم قال سبحانه وتعالى (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) قال السعدي: (اسم ربك) شامل لأنواع الذِكر كلها أي أكثر من ذكره وانقطع إليه. (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) أي انقطع لعبادة الله U وتفرّغ له. قال السعدي: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ) انقطع إليه، انقطع إلى الله I فإن الانقطاع إلى الله والإنابة إليه هو الانفصال بالخَلْق عن الخلائق والاتّصاف بمحبة الله وكل ما يقرب إليه ويدني من رضاه كما قال الله سبحانه وتعالى (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7))[الشرح] أي إذا فرغت من مهامك فانصب في طاعته وعبادته لتكون فارغ البال ولذلك ينبغي أن يأتي الإنسان الصلاة وهو فارغ البال كما أنه ينبغي للإنسان أن يصلّي قيام الليل فإذا نَعَس فلينم وليرتاح فإذا ارتاح فليعاود صلاته.

ثم قال سبحانه وتعالى (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)) أي هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب لا إله إلا هو. وكما أفردته بالعبادة فأفرِده بالتوكل كما قال سبحانه في آية أخرى (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)[هود:123]، وقال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) وكثيرٌ من الآيات فيها الأمر بالعبادة والطاعة وتخصيصه بالتوكل عليه.

ثم قال I(وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)) مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الله لما أمره بالصلاة خصوصاً وبالذِكر عموماً وذلك يحصل للعبد مَلَكَة في تحمِّل الأثقال وفعلها حينها أمره بالصبر على ما يقوله المعاندون له وأن يهجرهم هجراً جميلا والهجر الجميل هو الهجر الذي لا أذيّة فيه وهذا كان في بداية الإسلام وفي بداية الدعوة فإن الله U لم يأمر نبيه e ولم يكلِّف عباده بمجاهدتهم ومقاتلهم وإنما بالصبر عليهم والاعراض عنهم.

ثم قال الله I(وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ)، (أُولِي النَّعْمَةِ) أي أولي غضارة العيش وكثرة المال أي المنعَّمين في الدنيا. (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) ماذا نفهم من هذه الآية؟ نفهم شيئاً عظيماً أن الله I قال لنبيه عليك الدعوة ولا يعنيك ما يصدُّك هؤلاء وما يُعرِضون عنك وما يقولونه عنك أنت مطالب بالدعوة وبالصبر وبالهجر الجميل فقط، لكن معاقبتهم وإهلاكهم -اُنظروا التعبير بـ"ذرني"- (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) أي أنا خصمهم أنا أكفيك همهم ولا شك أن هذه الآية تحمل بشارة عظيمة للنبي e. (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) أي رويداً كما قال I(نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ)[لقمان].

(إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا) أي قيوداً والأنكال جمع نَكْلٍ وهو القيد من الحديد. (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12)) أي سعيراً مضطرماً. (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ) الطعام هو طعام الزَّقوم كما أخبر الله عز وجل أنه طعام أهل النار وزيادة على ذلك هل هو طعام مستساغ؟ لا، بل هو ذا غُصّة ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج نعوذ بالله! (وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ) أي تزلزل الأرض والجبال (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14)) الله أكبر! الجبال العظيمة هذه الصخرة الصماء تكون مثل الرمل الذي تذروه الرياح، أي تصير هذه الجبال ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء فينسفها الله عز وجل نسفاً فلا ترى فيها عِوَجاً أي وادياً ولا أمْتاً أي رابية، أي لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع، وهذا إنذارٌ بأهوال يوم القيامة. متى سيكون هذا؟ سيكون يوم القيامة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى لرسوله e مخاطِباً كفار قريش والمراد به سائر الناس (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) أي يشهد على أعمالكم (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16)) أي أخذاً شديدًا. ماذا نفهم من هذه الآية؟ التحذير الشديد، أي أنكم إن لم تطيعوا هذا الرسول سيأتيكم مثل ما أتى قوم موسى.

ثم قال I(فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا) (يوماً) معمول لـ(تتقون) أي فكيف تخافون أيها الناس يوماً يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم بالله ولم تصدِّقوا به؟ ويحتمل أن يكون معمولاً لـ (كَفَرْتُمْ) أي كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟. (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17)) الولدان من صفات الولدان سواد الشعر لكن من هول يوم القيامة يشيبون ومتى هذا؟ حينما يقول الله U لآدم إِبعث بَعْثَ النار عندما يجتمع الناس في صعيد واحد ينادي الله I آدم أبو البشر فيقول له: إِبعث بَعْثَ النار - أي أخرج أهل النار - فيسأل آدم ربه: وما بعث النار؟ من هم أهل النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين. الله أكبر! نعوذ بالله من النار!. يعني أن الناجي واحد بالألف من النار، من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين وصدق الله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)[الأنعام:116] فذلك حينما يشيب الولدان وذلك كما أخبر الله عنه في مطلع سورة الحج (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)).

(السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ) أي السماء العظيمة هذه من شدّة ذلك اليوم متشققة متفجّرة منفطرة من هوله وشدّته. (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18)) أي واقعاً لا محالة، كائناً لا محيد عنه أي سيأتيكم هذا اليوم. وقال الله عز وجل هنا (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ) بالتذكير ولم يقل منفطرة بالتأنيث قال الفرّاء: لأن السماء تُذَكّر وتؤنَّث.

ثم قال I(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ)، (إِنَّ هَذِهِ) أي هذه السورة وقيل جميع آيات القرآن وقيل الأنكال والجحيم والأخذ الوبيل. (تَذْكِرَةٌ) أي تذكرة لأولي الألباب. (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19))، (فَمَنْ شَاءَ) أي شاء الله U كما قُيّد في آية أخرى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)[الإنسان:30].

ثم ختم الله I سورة المزمل بالتخفيف فقال (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) أي تارة هكذا وتارة هكذا وكل هذا على غير قصد منكم لأن الليل يختلف طولاً وقِصَراً لأن الليل يختلف وبالتالي اختلفت صلاتكم فمرة تصلون ثلثي الليل ومرة نصفه ومرة ثلثه وكل ذلك من غير قصد منكم ولا تقصير وقلنا أن هذه الآية إنما نزلت بعد كم شهر؟ بعد اثني عشر شهرًا، بعد حَوْل، بعد سنة كاملة. (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) أي يعتدلان مرة ومرة يزيد الليل ومرة يزيد النهار. (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) علِم أن لن تطيقوه، علِم أن لن تطيقوا قيام الليل على الدوام. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) وهذا هو التخفيف، أي من غير تحديد وقت فمن صلّى ركعة واحدة صَدَقَ عليه قيام الليل وهذا من رحمة الله I بعباده لأن الله I قال (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) وهذا من التخفيف عن أمة محمد e. ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله عز وجل فذهب قوم إلى أن وجوب قيام الليل نُسِخَ في حقّه e وفي حقّ أمته حيث كان واجباً في بداية الدعوة في بداية الإسلام. ومن الناس من قال نُسِخَ في حق الأمة وبقي فرضاً في حقه e ورجّح الشوكاني القول الأول وأن فرض قيام الليل قد نُسِخَ على النبي e وعلى أمته بهذه الآية. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) استدلّ الأحناف بقوله تعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) على أن الفاتحة لا تتعيّن للصلاة وإنما يقرأ الانسان ما يتيسر لكن هذا قول ضعيف لأن سياق الآية لا يقتضيه كما أن قول النبي e «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وكل صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج، فهي خِداج، فهي خِداج» غير تمام، يردّ هذا القول ويضعفه. ثم قال I(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) هذا أسباب التخفيف أي علم الله I أن منكم من لن يستطيع أن يقوم قيام الليل بالصورة التي أمرها الله في بداية الإسلام لمرضه وهو معذور. كما أن هناك معذور آخر وهو من يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله يبحث عن رزقه ورزق أهله وآخرون مشغولون بما هو أهمّ من ذلك وهو القتال في سبيل الله (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).

ثم قال الله U تأكيداً (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) وهذا يدلّنا على أنه ينبغي للإنسان أن يكون له حظٌّ من قيام الليل ولو كان قليلاً فإن الله Iلمّا عَذَر نبيه وأمته عن قيام الليل أمرهم بقراءة ما تيسّر. ثم قال سبحانه وتعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم وآتوا الزكاة المفروضة عليكم وهذه الآية تدلّ على من قال إن الزكاة فُرِضت في مكة لكن عُينت المقادير والأنصبة في المدينة، والله أعلم. ثم قال سبحانه وتعالى (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أي أنفِقوا وتصدّقوا وعلى الله جزاءه وإخلافه عليكم الحسنة بعشر أمثالها ولهذا نُزِّلت الصدقة منزلة القَرْض كما قررنا ذلك في تفسير سورة التغابن. ثم قال I(وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)) أي أكثروا من ذكره واستغفاره قال ابن عطية رحمه الله: الاستغفار بعد الصلاة مستنبَطٌ من هذه الآية ومن قوله تعالى (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18))[الذاريات] وكان النبي e إذا فرغ من صلاته قال: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله». وهذا الاستغفار المأمور به في نهاية قيام الليل لا لذنب حصل وإنما الاستغفار من النقص وتقلِّب الفِكْر أثناء الصلاة.

 

وأنا أسألكم من منكم يستطيع أن يأتينا بمناسبة فاتحة سورة المزّمّل وخاتمتها؟ الله عزّ وجل ذكر صلاة الليل في أول السورة وذكر الاستغفار في آخرها وهذه حال المُصلّي أن يصلي ليله ثم يختم صلاته يفتتح ليله بالصلاة ثم يختم ذلك بالاستغفار بالأسحار كما افتتحت هذه السورة بالقيام بقيام الليل وختمت بالاستغفار. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل