تفسير سورة الجنّ - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

سورة الجنّ

د. محمد بن عبد الله الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا ﴿١﴾ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿٢﴾ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ﴿٣﴾ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ﴿٤﴾ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿٥﴾ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿٦﴾ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ﴿٧﴾)

هذه السورة العظيمة سورة الجن، سميت بالجن لما تضمنته من الحديث عن الجن ومقصدها والله أعلم هو إبراز نموذج من غير البشر آمن بهذا الرسول عليه الصلاة والسلام وآمن بوحي الله الذي يدعى إليه كأن الله تعالى يقول انظروا إلى هؤلاء الذين ليسوا من الإنس وإنما من الجن قد آمنوا بمحمد e وفي السورة دلالة إلى أن هؤلاء الذين يزعم قريش أنهم بينهم وبين الله نسباً (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) الصافات) فقريش كانت تعتقد اعتقادات في الجن حتى أنهم كانوا يستغيثون بهم ويتعوذون بهم كما سيأتي أراد فالله عز وجل أراد أن يبطل اعتقاداتهم في الجن وأن هؤلاء الجنّ خيرٌ منكم في سماع كلام الله والإيمان به. فالسورة مقصدها هو إظهار هذا النموذج تعريضاً بقريش الذين كذّبوا وابطالًا لاعتقاداتهم في أمر الجنّ ولهذا ستأتي عدة أمور تدل على ذلك.

قال الله عز وجل (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ) ما هي القصة التي نزلت بها السورة؟

·       قيل أن النبي e ذهب هو وأصحابه إلى سوق عكاظ فصلّى في الطريق صلّى الفجر بأصحابه فكان الجن حضورًا بين يديه وقد كانوا يسترقون السمع فرأوا كما قال الله عنهم (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) فقالوا أنها ما ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا إلا لأمر وقع في الأرض فانظروا فساح الجن في الأرض يبحثون عن أمر حدث في الأرض فجاؤوا فوجدوا النبي e يصلي صلاة الفجر في قومه فلما سمعوا هذا القرآن قالوا (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ (2)) فآمنوا به، دخل قلوبهم ورأوا عظمة هذا القرآن فانبعثوا إلى قومهم منذرين وداعين إلى هذا الدين، هذه رواية.

·       والرواية الثانية التي هي ألصق بسورة الأحقاف في قوله (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29)) بأن النبي e قال لأصحابه: إني ذاهب إلى الجنّ أدعوهم إلى الله من يذهب معي؟ فلم يخرج أحد منهم ثم قال الثانية فلم يخرج أجد ثم قال الثالثة فخرج معه عبد الله بن مسعود فذهب إلى موطن الآن يسمى "محبس الجن" في مكة هو الموضع الذي لقي النبي e الجن تحت شجرة فأبقى ابن مسعود قال ابقِ هنا ثم ذهب النبي e فيقول ابن مسعود t إنني رأيت تحادرهم من الجبال فاجتمعوا إليه ثم استمعوا إليه ثم دعاهم إلى الاسلام وقرأ عليهم القرآن فآمنوا، هذه رواية أخرى لعلها ألصق بسورة الأحقاف أما هنا فالله U يقول (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) الله عز وجل أوحى إلى نبيه e أن نفرًا من الجن قد جاؤوا واستمعوا إلى القرآن في صلاة الفجر ولم يجلسوا مع النبي e ولم يرهم النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الرواية تدل على عدم رؤية النبي لهم إنما تدل على أنهم استمعوا ولهذا قال (قل) يا محمد (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) ولم يقل إن نفرًا من الجن جاؤوا إلي واستمعوا للقرآن، هذا والله تعالى أعلم.

قال الله U(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) والله إن هذا لمشهد عجيب! سمعوا القرآن مرة واحدة! فما قالوا إنا سمعنا قرآناً إنما قالوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) تعجبوا منه من بلاغته وفصاحته وما فيه من الهدى والدعوة والإيمان ولهذا قالوا (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) أي كمال العقل عرفوا أن القرآن يهدي إلى كمال العقل من سماعهم أول مرة كما قال الله عز وجل (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (9) الإسراء) نأخذ من هذه الآيات أن الجنّ مخاطبون وأن الجن يستمعون إلى حديثنا ويفهمون حديثنا وأن الجن يتلون القرآن وأن الجنّ مكلّفون بهذه الشريعة كما أن الإنس مكلّفون، نأخذها كلها من هذه الآية (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا). قال الله عنهم (فَآمَنَّا بِهِ) وهذا نأخذ منه أيضاً أهمية إسماع القرآن للعالم، أهمية إسماع القرآن لغير المسلمين، إسماع القرآن فقط له أثر عظيم في تأثير القرآن بلفظه لمن لا يعرف اللغة العربية. هناك شخص في أميركا جعل له مشروعاً أنه جمع مقاطع صوتية مؤثّرة في مسجّل وجعل معه سماعات فيذهب إلى المقاهي التي يجلسون فيها ويقول عن إذنك أريد أن أجلس معك أريد أن أُسمعك مقطعًا، هم يظنون أنه مقطع موسيقي أو أغنية يستمتع بها، يقول والله ما إن أضع السماعة على أذنه ويستمع القرآن إلا وتجد التأثير قد بدأ عليه حتى يقول بعضهم يستند على كرسي قد غاب عني في ذهنه، ويقول والله إن بعضهم يجهش بالبكاء لا يعرفون معنى القرآن لكن هذا القرآن دخل قلوبهم وافق فطرتهم الفطرة التي كانوا عليها، لماذا؟ أقبلوا فكان للقرآن أثر فيهم من أقبل على القرآن كان للقرآن أثر فيه وهذا معنى قوله (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (1) البقرة) أي هدى للذين اتقوا الإعراض والتكذيب وأقبَلوا. يقول فكنت بعد أن يستمعوا لهذا المقطع أريد أن آخذ شعورهم، يقول وصف للقرآن شيء لا أصدّق، أحدهم يقول هذا ليس كلام بشر، والثاني يقول هزّ كياني والثالث يقول وجدت من الأُنس ما لم أجده في غيره من المقاطع هم لا يعرفون أن هذا كلام الله! فكيف لو عرفوا أن هذا كلام الله! نحن بحاجة أن نقول للعالم هذه رسالة الله فاسمعوها ونترجمها لهم وندعوهم لها والحمد لله الأمة فيها خير كما قال الله عز وجل (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ (6) التوبة) ما قال تدعوه فقط يسمع كلام الله فإن من سمع كلام الله عرف أنه هو الحق. قال الله تعالى عنهم (وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) بسماع الآيات فقط عرفوا أن الله هو الواحد وتبرأوا من الشرك الذي كانوا عليه ولذلك يدل على أن الجن كانوا على شرك كما كان الإنس على شرك (وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)

ثم قال (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) الجدّ هو الغنى أو العظمة العظيم (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) عظُم الله في نفوسهم ومن هذا نأخذ أن أعظم ما يعرِّف الانسان بالله ويملأ قلبك تعظيمًا لله ومعرفة هو كتابه الكريم، إن كنت تريد أن تعرف ربك فعليك بالقرآن، يقول أحد السلف تجلى الله عز وجل في كتابه لكنهم لا يبصرون، لماذا لا يبصرون؟ لأنهم لا يتدبرون لا يتأملون لا يقفون مع الآيات حتى يعرفوا وصف ربهم وأسماءه وصفاته ويعرفوا أوامره ونواهيه وشرعه فيمتثلوا ذلك كله فيعرفوا ربهم عز وجل من خلال القرآن. قال الله (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) عرفوا أن ما كانوا عليه هم هذا يظهر من هذه الآية أن قوم منهم نصارى ومنهم يهود أو أن هؤلاء كانوا نصارى ويهود قال (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) مما يدل على أن فيهم نصارى يزعموا أن عيسى ابن الله قوله (وَلَا وَلَدًا) ما اتخذ صاحبة يستعين بها يستخدمها ولا ولداً يستغني به ويستكثر به. فسماعهم القرآن بعثهم على معرفة الألوهية الحقّة لله عز وجل. قال الله جل وعلا (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا) من هو سفيههم؟ ابليس الذي أغواهم وأضلهم وبين لهم طرق الشر وطرق الشرك وأوقعهم في الضلال فهو السفيه بل هو كبير السفهاء. (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) الشطط الخروج عن الحدّ، شطّ عن ذلك يعني خرج عنه فهم يقولون سفيهنا قد شطّ بنا عن الطريق الحق. ثم قال الله  (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ما كنا نظن أن أحدًا من البشر سيكذب على الله ويزعم وينسب إليه ما ليس له لسلامة فطرتهم وأنهم عباد لله. قالوا (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) وتقديم الإنس هنا دليل على أنهم أعظم كفرًا وتكذيباً من الجن لأن الرسل في الأصل بُعثوا إلى الإنس والجن تبعاً لذلك. قال الله I (وأنه)، في قرآءات في هذه السورة قرآءة ورش عن نافع (وإنه) (وإنه كان رجال) وقرآءة حفص (وأنه) (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) هنا يبينون صورة العرب وفي هذه الآية تعريض بالمشركين وأنكم يا مشركون، يا قريش، أنتم على ضلالة حينما تستعينون بالجنّ، الذي يخاطبهم بذلك هم الجنّ والذي يعلن ذلك هم الجنّ، يقولون يا أيها العرب، يا معشر قريش يا أيها الانس أنتم تعوذون بالجن وأنتم على ضلال وإنما يزيدونكم رهقاً وخساراً وإثماً وإرهاقاً ورهقاً في أنفسكم. قال الله I(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) كان العرب إذا نزلوا منزلًا يقولون نعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، ثم يأمنون فينامون حتى يصبحون. فكانوا يستعيذون بزعماء الجن من سفهائهم فرأت الجن أن لهم سطوة على الإنس فطاوعوهم ولهذا قال (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) إما زادوهم تخويفاً منهم وخوفاً أو زادوهم رهقاً هنا إثماً وكفراً واشراكاً بالله عز وجل والتعبير بالرهق دون الإثم ودون الإرهاق ودون الكفر ودون الخوف دال على أن هذه الكلمة تجمع كما ورد عن السلف معاني كثيرة.

قال الله عز وجل (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا) ظنّ الإنس كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً فكأنهم يقولون يا قريش ظنكم بأن لن يبعث الله أحداً ظنٌ كاذب، ظنٌ غير صحيح كما ظننتم أنتم قبل ذلك، فهذه الآية فيها درس لقريش إشارة هذا نموذج من الجن قد آمنوا وكذبوا بما أنتم عليه من اعتقادات فاسدة. قال الله عز وجل عنهم (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء) تحسسنا السماء وتتبعنا السماء (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) وقد كانوا قبل بعثة النبي e يسترقون السمع ويسمعون من أهل السماء فينقلونه ويزيدون عليه كذباً ففي قرب بعثة النبي e حجبت السماء عنهم وملئت حرسًا من الملائكة وشهبًا يُقذفون بها لمن أراد أن يسترق السمع، لماذا؟ تعظيماً لمقام الوحي الذي سينزل حتى لا يصل إليه أحد كما قال الله U في آخر السورة. قال الله عز وجل (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) كنا نقعد نستمع ونأخذ ما نسمع من كلام أهل السماء ثم ننقله من أخبار الغيب ونحو ذلك. (فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) ما الفرق بين الشهاب والرصد؟ الشهاب قيل أنه شهاب النجوم والرصد رصد الملائكة والله تعالى أعلم أو شهباً ترصدهم فتقتلهم. قال الله (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) ما هو مرادهم؟ يقولون أن هذا الرصد لأمر يريده الله في الأرض، فما هو؟ هل هو خير أم شر؟ (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ) بسبب هذا الحَجْب في السماء (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) أم أراد الله عز وجل أن يحفظ السماء من استراق السمع لأجل الوحي الذي سينزل؟ فهم تصوروا أن يكون ذلك بسبب أمر أراده الله خيراً للبشر. (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) يدل على أن الجن كان فيهم مؤمنون من أهل الكتاب وهم درجات، صالحون وغير صالحين، إما أن يكون المقصود هنا صالحون وما دون ذلك في الصلاح وإما أن يكون صلاح وغير صلاح وهو الكفر. لكن يظهر والله تعالى أعلم أنه يبين هنا درجاتهم في الإيمان، درجاتهم في الصلاح، ليس المقصود هنا اسلام وكفر لأن الآية التي بعدها يبين أنهما طائفتان وإنما هنا أراد أن فيهم صلاح بين صالح ودون ذلك ولهذا ما قال (منا الصالحون وغير الصالحين) إنما قال (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) يعني طرائق مختلفة، أنهم درجات في الإيمان. يقول الله I عن الجن (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا) يعني هنا في إيمانهم بالله عز وجل وبيان أنهم يعرفون قدر الله تعالى في الأرض أنهم لن يعجزوا الله I ولن يعجزوه هربًا، أين يذهبون؟! وفي هذا تعريض بهؤلاء المشركين الذين لم يقدّروا الله حق قدره. قال الله I(وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) فقط سماع آمنوا به، فأين أنتم أيها العرب، أيها الإنس من سماع هذا القرآن الذي أُنزل من أجلكم؟! هنا قال (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى) يعني عرفوا أن هذا القرآن لم يُنزَل إلا للهدى، لهداية البشر، عرفوا أن هذا القرآن هو هدايتهم ولم يقولوا سمعنا قرآنًا هنا للدلالة على إيمانهم بأن هذا هدى وهذا نأخذ منه أن الانسان يستمع القرآن للهدى، يستمع القرآن ليهتدي، والله من استمع القرآن وأخد القرآن وتدبر القرآن ليهتدي فسيجد حلاوة وأثرًا وسيجد ويتذوق هذا الطعم الذي ذاقه هؤلاء الجن حينما قالوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا). إذا أردت أن تجد لذة القرآن والأُنس به وتستمتع به إقرأه للهدى إقرأه للاهتداء والانتفاع والإيمان والعمل بذلك ستجد أثرًا عظيمًا. قال الله عز وجل (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) أخذوا هذا من آيات فقط، عرفوا أنه من يؤمن بربه فلن يبخس حقه عند الله ولن يعيش إلا سعادة وطمأنينة لأنه مع هدي الله عز وجل لن يرهق في هذه الحياة لن يجد رهقاً وخوفًا وتشعبًا ومشقة فإن هذا الدين سيبعث على الخير والسعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة.

(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) هنا بينوا الفرق أن منهم المسلمين ومنهم القاسطون في الآية السابقة (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) الأولى دليل على بيان طرقهم في الصلاح وهذه بيان أنهم طائفتان في الايمان والكفر ولهذا قال مسلمون وقاسطون (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ) الذين أسلموا واستجابوا لدعوة الرسل من أنبياء بني إسرائيل هذا يدل على أن الجن كانوا على دين وكانوا ممن يتبع الرسل ثم قالوا (وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ) القاسط هو الجائر. أين القسط وهو العدل؟ المُقسِط.  في الجَوْر يقال قاسط وفي العدل يقول مُقسِط. يقال أن سعيد بن جبير لما أتى به الحجاج ليقتله قال ما تقول فيّ؟ قال أنت قاسطٌ عادل، فتعجب أصحابه كيف تقول ذلك؟ فقال الحجاج ما أجهلكم! إنه يقول أنت ظالمٌ كافر. كيف عرف هذا الحجاج وهو يحفظ القرآن؟ فقال ألا تقرأون (وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ) أي الجائرون الظالمون وتقرأون (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ (1) الأنعام) أي يعدلون عن عبادته إلى الكفر فانظر إلى دقة استنباط سعيد بن جبير وفهم الحجاج.

قال (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) ما قال فمن أسلم فأولئك رشدوا، ما الفائدة التي نأخذها من "تحروا رشدا"؟ أنك تُسلم لتجد الرشد والكمال والعقل والإيمان والهدى، تتحرى في هذا الاسلام الخير والعقل والهدى والإيمان والكمال فالإنسان يتحرّى الرشد بهذا الدين من خلال تتبعه لمحاسن هذا الدين والطاعات التي تهدي إلى الرشد والكمال. فالانسان يتحرى ويطلب ويطمع إلى كمال دينه من خلال تتبع أمر الله عز وجل ورسوله وامتثال أمرهما. قال (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) لم يذكر فيمن أسلم وعد الجنة لأن هذا معلوم بقولهم (تَحَرَّوْا رَشَدًا) أنهم إذا رشدوا وكملوا فبهذا لهم الجزاء الأوفى. وقال (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) أورد بعض المفسرين إشكال هنا قالوا أن الجن مخلوقة من النار فكيف يقول (فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا)؟ أن الله عز وجل يجعلها عليهم نار محرقة في الآخرة ولهذا لما قال الله عز وجل في شأن ابليس في النار في سورة () ما ورد في القرآن من الجن وكونهم في النار وابليس أبوهم هذا لا ينفي أن الله يجعل النار في الآخرة عذابًا عليهم. قال الله I(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) أشكلت هذه الآية على المفسرين من حيث هل هي خطاب من الجن أو هي خطاب من الله عز وجل لقريش؟ أبدع ابن عطية والواحدي في أنهما سلكا المعنيين في هذه الآية أنها خطابٌ من النبي e لقريش وهي خطاب من الجن لقومهم (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ) (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) هي معطوفة على أول السورة أو هي من تمام حديث الجن. ابن عطية نظم المعنيين جميعاً في أن هذا من بديع القرآن وأسلوبه وعرضه. قال (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) الطريقة هي الاسلام ولذلك الاسلام يسمى طريقة بل هو الطريقة الحق. (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) أي قاموا بها حق القيام. (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) هذا يبين أن الاستقامة سبب للخير كله كما قال الله عز وجل في سورة نوح (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11)) وقال هنا (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) ولاحظوا أن الله يعدهم بالإيمان بمصالحهم الدنيوية (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (96) الأعراف) فهذا الدين يأتي ببركات الدنيا والآخرة فأين الناس عنه؟ الذين يريدون الغنى ويريدون الدنيا هذا الدين سبيل لذلك بإذن الله تعالى. قال الله I(لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) هذه آية أشكلت على المفسرين (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) لكنها يظهر أن فيها درساً وفيها فائدة عظيمة وهي أن ما يؤتيه الله عز وجل من المؤمنين والكافرين من أمور الدنيا من المال والزينة هو فتنة لهم كما قال عز وجل في سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)) ففي ما يعطي الله عز وجل المؤمنين هو نعمة بإيمانهم تقواهم لكنه فتنة قد يصرفهم ذلك عن دين الله. فكأن الله I يحذّر الإنسان أن يكون ما يعطيه الله عز وجل سبباً لصرفه عن دين الله. قال (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) عياذاً بالله وفي آية أخرى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا (124) طه) وفي هذه الآية (وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) وقد ورد في بعض الآثار أن الكافر في النار يُجعل له جبلاً يؤمر بصعوده ويُجرّ بالسلاسل ويُقرع بالمقارِع من خلفه حتى إذا بلغ نهايته أُسقط وخرّ على وجهه في أسفل الجبل عياذاً بالله ثم يؤمر مرة أخرى فيصعد به ثم يصعد به مرة أخرى ثم يهودى به وهكذا هو عذابه لا يفتر عنه وهذا معنى قوله (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) المدثر) والله تعالى أعلم.

قال الله I هنا (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) أي أن المساجد هي لعبادة الله فلا تصرفوها لغير الله U ويدخل في هذا إذا كان الخطاب لأهل الكتاب الصوامع والبِيَع التي خُصت لعبادة الله U لكن المقصود بها اليوم بيوت الله تعالى التي يعبد الله تعالى فيها. (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) كأن يؤخذ من هذه الآية عدم جواز وضع القبور في المساجد فيطاف على القبر ويُسأل صاحب القبر.

 

قال الله (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) ما معنى هذه الآية؟ معنيين: لما قام محمد e يصلي الفجر في أصحابه قام الجن كادوا يكونون عليه لبداً أي اجتمعوا عليه تلبدوا عليه (لِبَدًا) تلبّد يعني اجتمع، تراصّوا عليه. وإن كان في شأن الكافرين لما قام النبي e يدعوهم تجمعوا عليه في أذيته واجتمعوا وتآمروا عليه في صدّ الناس عنه والمعنيان تحتملهم الآية. قال الله عز وجل (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) ليس في شأني إلا أن أدعو الله عز وجل ولا أشرك به أحدًا. (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) ليس بيدي نفع ولا ضر (قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا) لن ينفعني أحد من دون الله ولن أجد من دونه ملتحداً أي ملجأ ومنجى (إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ) أي ليس لي ملجأ إلا أن أبلغ رسالة الله U فينجيني الله U بها ولذلك فإن إبلاغ رسالة الله تعالى من أعظم أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة. قال الله (إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ) ما هي رسالاته؟ هي آيات القرآن إذن القرآن رسائل كما قال الحسن: "إن من كان قبلكم رأوا هذا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار". والله لو أخذنا هذا المنهج الذي كان عليه السلف بأن أخذنا هذا القرآن رسائل ربانية تهدينا إلى الحق والخير والاستقامة والسعادة لوجدنا فيها خيراً عظيماً وهي سبيل سعادتنا وكمالنا. قال الله I(وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) من يعصيه بكفر وإشراك فهو خالد مخلد في النار فالمقصود والله تعالى أعلم هنا الكفر والإشراك لأنه لا يخلد في النار إلا المشرك. قال الله I(حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) أخذ المفسرون بعضهم في هذه الآية دليلاً على غزوة بدر أنه ما يوعدون في الدنيا وقد يكون ذلك في الآخرة وهو الأصل (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ) من عذاب الله U بكفرهم (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) في الوقت الذي كانوا في الدنيا فيه في اغتناء وتكثّر بالأموال والأنصار. قال الله I عن نبيه (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) لما نزلت الآية التي قبلها قال أحد المشركين أين ما تعدنا به يا محمد؟ فأنزل الله (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) أي وقتاً محدداً. (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ (27)) المراد بالغيب هنا الساعة وغيرها من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وما يُطلِعه على عباده ورسله. قال الله (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) أن الله U يُطلع رسله من غيبه كما أطلع النبي e عن الغيب الذي كان في الدنيا أو ما أخبره مما سيكون في الآخرة وما أخبره عن النار وحال أهلها والجنة كل ذلك من الغيب. (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) أي أن الله يحيط هذا الرسول الذي بعثه الله تعالى بوحيه حتى لا يكون للشيطان سبيل في وسوسة أو إدخال عليه أو غير ذلك فإن الله يحيطه إحاطة لوحيه حفظاً له من أن يكون في وحيه لبسٌ أو تلبيس. قال الله U(فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)) إما أن يكون المقصود ليعلم النبي eأن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم فيكون مبلغاً لرسالات الله تعالى كما بلّغ أو ليعلم الله U أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم I من العلم وهذا دليل على أن الوحي محاط من الله تعالى كل إحاطة فلا يكون له مدخل من البشر ودليل على كمال الوحي وصدق ما ينطق به إن هو إلا وحي. ثم ختم الله السورة بقوله (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) فهو دال على كمال علمه I وإحصائه للبشر وإحصائه لما كان عليه أنبياؤه. هذه السورة الكريمة سورة الجن هي سورة تخبرنا بخبر الجن وعن حالهم مع القرآن فهي والله خير موعظة لنا فيما يكون لنا مع كتاب ربنا أن نستجيب له وأن نؤمن مستمعين لهديه وأن نكون كما قالوا (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ (2))



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل