تفسير سورة التحريم - المجلس الأول - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

سورة التحريم - المجلس الأول

د. محمد بن عبد الله الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

سورة التحريم وما أدراك ما سورة التحريم سورة البيت النبوي هذه السورة التي عنت عناية ربانية كريمة بالنبي e وببيته ليكون ذلك البيت بيت قدوة للمسلمين للأمة جميعاً فغرضها ومقصدها هو إعداد وتربية البيت النبوي وتكميله ليكون أسوة وقدوة للمسلمين ولبيوت الأمة كلها. ما أعظم هذه السورة بهذا الغرض! ولو أن الأسرة المسلمة عنت بدروس هذه السورة والله لبُنيت على خير ما تبنى عليه الأسرة. فلاحظوا معي والوقت ضيق لا نستطيع معه أن نفصل وندقق لكن سنحاول بإذن الله U أن نأتي بما يسر الله سبحانه وتعالى. هذه السورة سبب نزولها قصتان مشهورتان:

القصة الأولى في تحريم النبي e أمته مارية القبطية عليه.

والقصة الثانية في تحريم النبي e العسل على نفسه في قصة نقرؤها كما رواها ابن عباس. يقول ابن عباس t في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين وكانتا زَوْجَتَيْ النبي e فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده فأرسل النبي e إلى جاريته مارية فظلّت معه في بيت حفصة كان اليوم الذي يأتي فيه عائشة فرجعت حفصة إلى بيتها فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجهما وغارت غيرة شديدة فأخرج النبي e جاريته ودخلت حفصة فقالت قد رأيت من كان عندك والله لقد سؤتني فقال النبي e «والله لأرضينّك فإني مُسِرٌّ إليك سراً فاحفظيه. قالت: ما هو؟ قال: إني أشهدك أن سُرَيتي هذه عليّ حرام رضى لك» كانت حفصة وعائشة تظاهران على نساء النبي e فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرّت إليها أن ابشري إن النبي e قد حرّم عليه فتاته فلما أخبرت بسرّ النبي e أظهر الله تعالى لنبيه الأمر فأنزل الله على رسوله هذه الآيات العظيمة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)) إلى قوله (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أي عائشة (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أي بالوحي (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)) هذه القصة هي قصة تحريم مارية.

القصة الثانية قصة تحريم العسل كما أخرجها البخاري عن عائشة قالت: كان رسول الله e يحب الحلوى والعسل وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه -وهذه نأخذ منها سنة أن النبي e كان يجلس بعد العصر مع أهله فهو وقت جلوسه مع أهله- قال فيدنو من إحداهن فدخل -كل يوم- فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر مما كان يحتبس، فغِرْتُ أي تقول عائشة: فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكّة عسل فسقت النبي e منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالنّ له، تقول عائشة: أما والله لنحتالنّ له، فقلت -أي عائشة تقول- فقلتُ لسودة بنت زمعة وكانت من حزبها إنه سيدنو منك إذا جاءك سيدنو منك فإذا دنا منك، فقولي: أكلت مغافير، فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُط، وسأقول ذلك -هذه عائشة رضي الله عنها بلطافتها وهي صغيرة السن وحنكتها وأيضاً أسلوبها مع النبي e قالت: وأنا سأقول ذلك وقولي أنت له يا صفية ذلك، قالت: -تقول سودة- والله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أنا أناديه بما أمرتني أو أمرتني فرقًا منك - خوفاً من عائشة رضي الله تعالى عنها، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. قالت: جرست نحله العرفط، فلما دار إلي - أي عائشة تقول - قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك عسلاً؟ قال: لا حاجة لي فيه. قالت: تقول سودة والله لقد حَرْمناه أو حَرَمناه، قالت: قلت لها  تقول عائشة – اسكتي. هذا لفظ البخاري. ما أعظم هذا الحديث الذي يبين ما يدور في بيت النبي e هذا نبي الله وصفوته وخليله وخيرة خلقه هكذا تتعامل أزواجه معه! وهكذا لو تتبعنا سيرته معهن لوجدنا شيئاً عجباً لا يصبر فيه الإنسان منا معه مع النساء. والمغافير شبيه بالصمغ يكون في الرمث وفيه حلاوة، والعرفط شجر من العضاة ينضح برائحة. هذه الحقيقة القصة تبين لنا سبب نزول هذه السورة وأنها نزلت في شأن قضية حصلت وقعت أو قضيتان والمفسرون اختلفوا في نزولهما اختلفوا في أيهما القصة التي نزلت فيها الآيات؟ والظاهر والله أعلم أن الآيات نازلة فيهما جميعاً إذ أن في الآية أو في السورة ما يدل على ذلك. إسرار النبي لحفصة هذا يدل على قصة تحريم مارية، وقصة العسل قوله (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) وأيضاً (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) والله أعلم أن السورة دالّة على القصتين جميعاً.

يقول الله I(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) والتعبير بالنبوة هنا فيه رعاية وإذا جاء الخطاب للنبي e الخطاب للنبي فهو فيه تربية وإذا جاء الخطاب في الرسول فهو تبليغ إذا جاء الخطاب بقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) فهو تربية ورعاية إلهية وتكميل وإعداد أما في قوله (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) فهو تبليغ بالرسالة.

قال (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) النبي e لم يحرّم ما أحلّه الله تعالى تحريماً شرعياً وإنما حرّمه من باب الرغبة في إرضاء زوجته فليس حراماً في الشرع إنما هو حرّمه على نفسه ذاتاً لأجل زوجته وهذا يدلنا على أن الإنسان قد يحرّم على نفسه تحريماً ذاتياً لا يعني أنه حرّم ذلك في الشرع ،ليس هذا من تحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله، وإنما هو على نفسه. قال الله (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) إذاً هذا التحريم لأجل ابتغاء مرضاة أزواجه. لاحظوا أن الله عز وجل لم يقل "يا أيها النبي لِمَ تبتغي مرضاة أزواجك" فالله تعالى عاتبه على التحريم ولم يعاتبه على ابتغاء مرضاة الأزواج وابتغاء مرضاة الأزواج ليس أمراً بل هو مشروع في قوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[النساء:19] وغير ذلك في قوله: «خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» والأدلة في هذا كثيرة لكن ابتغاء مرضاة الزوج في تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحلّ الله هذا خارج عن حدود المعاشرة بالمعروف. إذا طلبت المرأة من زوجها أن يبيح لها مُحرّماً أو يُحضِر لها مُحرّماً فهذا ليس مما أمر الله وليس من المعاشرة بالمعروف أما ابتغاء مرضاة الزوج فيما أحلّ الله تعالى فذلك أمر مشروع لا حرج فيه ولا تثريب. قال الله تعالى (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)) في ختام الآية في قوله (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)) دليل على رحمة الله ومغفرته لرسوله e ولأزواجه فيما وقع منهن لأن الله تعالى قال بعد ذلك (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) وهو أيضاً لطفٌ من الله ورحمة ورعاية.

قال الله تعالى (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) أي أنك حينما حرّمت على نفسك فإن الله جاعل لك مخرجاً وهو تحلّة اليمين فإن النبي e كما أخبر «أنني أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها فآتي الذي هو خير وأكفِّر عن يميني» وهذا مما يُشرَع للإنسان إذا حرّم على نفسه شيئاً بسبب من الأسباب أنه يكفِّر عن يمينه ويأتي الذي هو خير وأن الإنسان لا يشرع له أن يحرم ما أحلّ الله له. في هذه الآية دلالة واضحة صريحة أن الإنسان لا يحرم على نفسه طيبات أحلّها الله لحماً أو لباساً أو بيتاً أو غير ذلك فلا يحرّمه قد يتركه زهداً، نعم، النبي e ترك كثيراً زهداً في الدنيا لكن التحريم أن يمنع نفسه لذلك النبي e أنكر على الثلاثة الذين أتوا إلى النبي e يسألون عن عبادته فكأنهم رأوا أن النبي e نبي الله وهو قدوة فرأوا أنهم يبلغون شيئاً من العبادة زيادة وتطلّعاً إلى الكمال، النبي e حصل له الكمال بمغفرة الله له بما أمره الله. فقال أحدهم: إني لا آكل اللحم أبداً، وقال الآخر: إني لا أقرب النساء أبداً، وقال الآخر: إني أقوم الليل فلا أنام أبداً. فأنكر عليهم النبي e ذلك وعظّم وخطب لذلك خطبة مما يؤكد أن الإنسان لا يحرّم ما أحلّ الله له من الطيبات.

قال الله I(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) هذا يبيّن لنا قصة إسراره لحفصة وفي هذا نأخذه منه درساً أن الزوج مما ينبغي أن يكون من شأن الأزواج أن يكون بينهم من الخصوصية والإسرار وأن أقرب الناس إلى حفظ سرِّك وإلى معرفة أمورك الخاصة زوجتك. النبي e هنا يقول الله عنه (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) فنأخذ منها درساً أن الإنسان ينبغي أن يجعل مما يودد زوجته إليه ويقرّبها إليه ويعمّق العلاقة بينهما أن يطلعه على بعض شؤونه الخاصة مما لا تتعلق بالآخرين فيكون بذلك إفشاء لسر الآخرين وإنما في أموره الخاصة، ذهبت إلى كذا وأتيت إلى كذا وسأفعل كذا هذا مما يطمئن المرأة ومما يزيد في حبها لزوجها وتعلقها به. ولا شك حينما تأتي لشخص فتُسِرّ إليه لا شك أن هذا سيبعث في قلبه السرور ويعمّق في قلبه المحبة لك حينما أتيت وأخبرك بخبر سار وأقول هذا أمر بيني وبينك ألست تفهم من ذلك أنني أودك وأعتبرك عندي بمنزلة قريبة أكثر من غيرك؟ لا شك، فكذلك بين الزوجين. قال الله سبحانه وتعالى (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) وهذا يؤكد أن أمر أخبار الأزواج عند الزوجات أمره عظيم وأنه لا ينبغي ولا يجوز للمرأة أن تنشر أو تبيح سراً من أسرار زوجها أو تُظهِر خبره أو أموراً بينها وبينه وقد لعن النبي e الرجل والمرأة حينما تفضي إليه ويفضي إليها فيخبر أو تخبر بسرّه أو سرّها أو يتحدثان بسرّهما فلا شك أن من أعظم الأسرار الأسرار بين الزوجين. قال الله تعالى (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) ماذا عَرَّفَ وماذا أعرض؟ ما هو الأمر الذي عَرَّفَه لها وما هو الذي أعرض عنه؟ النبي e حينما أخبرها بما أطلعه الله عَرَّفَ بعض وأعرض عن بعض، عَرَّفَ شيئاً مما أخبرت به عائشة وأعرض عما لا فائدة فيه يعني لم يحصي عليها ما أظهرت من الأمر ولم يتتبع الأمر عليها بكل ما فيه من تفاصيل. يقول ابن عاشور رحمه الله: "وإعراض النبي e عن تعريف زوجه بعض الحديث الذي أفشته من كرم خُلُقه عليه الصلاة والسلام في معاتبة المفشية وتأديبها إذ يحصل المقصود بأن يعلم ما أفشته فتوقن أن الله يغار عليه". قال سفيان: ما زال التغافل من فِعْل الكرام. وقال الحسن: ما استقصى كريم قطّ وما زاد على المقصود بقلب العتاب من عاتب إلى تقريع. الإنسان نأخذ منه درساً عظيماً حتى نحن في حياتنا مع الناس ينبغي أن لا نوغل في تتبع الناس والتثريب عليهم والتدقيق في أخطائهم فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا بل يكفي اللبيب بالإشارة يفهم، يكفي أن تشير أنك فهمت وأنك مطّلع في إشارات يسيرة. أما الإنسان الذي يتتبع الحقيقة العورات فإنه يُخشى أن يتتبع الله عورته والذي يُدقق في كل شيء لن يبقى له ودّ ولن تبقى له حياة مستقرة فالإنسان الكريم خصوصاً في حياة الزوجية وخصوصاً فيما يحدث في البيت ينبغي الإنسان أن يتغاضى هذه قاعدة من قواعد البيت الأُسري والله إنها قاعدة من قواعد البيت الأُسري يرسمها القرآن لنا بإثباتها أنها هدي نبينا e(عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) أعرِض عن ما لا فائدة فيه، أعرض عن الأمور الدقيقة التي هي من أخطاء البشر، كل ابن آدم خطّاء، لا تتتبع ولا تحصي أخطاء زوجك أو ابنك أو ابنتك أو أخيك المسلم.

 

قال الله U(فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) ما الفرق بين نبّأ وأنبأ؟ الفرق بينهما نبّأ تُقال في الخبر المفاجئ، النبأ هو الخبر العظيم (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67))[سورة ص] النبأ يختلف عن الخبر بأن الخبر هو أمر معتاد لكن النبأ أمر مما يفاجئ النفوس وقوله أنبأ مما فيه مفاجأة أبلغ مما في نبأ، لذلك هي تفاجأت في أنه أخبرها وأنبأها بما وقع لها، هي عائشة أخبرته بذلك؟ أم أن الله أخبره بذلك؟ أم علم بذلك بنفسه؟ فكان في ذلك أمراً عظيماً في نفسها. قال الله تعالى عنه (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)) وهذا يؤكِّد أن الله عز وجل في تمام الرعاية لنبيه أن حفظه وأحاطه وذبّ عنه ودافع عنه حتى من الأقربين. قال الله (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)) ما الفرق بين العليم والخبير؟ العليم بظاهر الأمور والخبير بدقائق الأمور وباطنها فهو عليم بما هو ظاهر وخبير بدقائق الأمور وما يكون في النفوس مما لا تُظهره، فما أعظم هذه الرعاية الربانية لنبينا e



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل