تفسير سورة الجمعة - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الجمعة

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

 (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢﴾ وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٣﴾ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٤﴾)

سورة الجمعة. جاء عن ابن عباس وأبي هريرة أن رسول الله e يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين" رواه مسلم في صحيحه. وعند الطبراني في "الأوسط" زاد: "يقرأ بسورة الجمعة فيحرِّض بها على المؤمنين وفي الثانية بسورة المنافقين فيقر"ع بها على المنافقين" قال السيوطي: سنده حسن. وقرآءة سورة المنافقين في كل جمعة هو تذكير بمكرهم وخَطَرِهم والتحذير من شأنهم. سورة الجمعة سورة مدنية في قول عامّة أهل التفسير وذكر النقّاش أنها مكيّة. قال ابن عطية: وهو خطأ لأن أمر اليهود لم يكن إلا في المدينة فلم يكن يهود في مكة وكذلك أمر الجمعة لم يكن قطّ بمكة ويعني بذلك إقامتها وصلاتُها انما شُرِعت في المدينة.

قال I(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) تقدّم تفسير هذه الآية أكثر من مرة وهي هنا جاءت بفعل المضارع ومرة تأتي بفعل الماضي ومرة تأتي بمعنى الأمر وقلنا التنويع هنا هدفه والسر فيه أن يداوم الانسان على ذكر الله I. (الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) الملك القدوس أي مالك السموات والأرض وهو المقدَّس المنزَّه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال. (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) فهو عزيز I في منعه وهو حكيم في شرعه وقدره I . (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) من هم الأميّون؟ الأميّون هم العرب سواءً الذي يُحسن الكتابة منه والذي لا يُحسن الكتابة فهو يطلق عليه الأميّ فقوله (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) بعث في العرب رسولاً منهم كما قال سبحانه (وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ (20) آل عمران). والأميّ في الأصل هو الذي لا يقرأ ولا يكتب كما قال النبي e: "إنا أمّة أميّة لا نقرأ ولا نحسب". (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) ماذا تفهمون من هذه الآية؟ الرسول من العرب وأميّ وأهم من هذا أنه أُرسِل إلى العرب فقط بعث في الأمين رسولاً منهم أُرسِل إلى العرب، والأعاجم؟! هو يقول (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) حتى لا يأتينا شخص يقول عندنا آية عندنا دليل أن الرسول منكم وفيكم ونحن لا علينا منكم!. نقول إن تخصيص الأميين بالذِكر لا ينفي من عداهم ولكن السياق سياق منّة ولذلك امتنّ على العرب بهذا، فلما كان سياق منّة اختص العرب بالذِكر دون غيرهم وإلا عندنا أدلة كثيرة على أن النبي e بُعِثَ للناس كافّة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (158) الأعراف) وقوله I(وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ (17) هود) إلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على عموم بعثته e وكذلك الأحاديث المتضافرة بل إن سياق هذه الآيات يدل على أنه بُعِث كذلك إلى غير العرب ولذلك قال (وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) آخرين منهم، من هم؟ آخرين أي من أمّتهم وعلى دينهم، فسّرها العلماء بأنهم الأعاجم. ولذلك روى البخاري عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً عند النبي e فأُنزِلت عليه سورة الجمعة (وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سُئل ثلاثاً وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله e يده على سلمان ثم قال: لو كان الايمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء. وسلمان إنما هو من باب المثال وسلمان كان من الفرس. إذن تخصيص الأمّيين لا ينفي من عداهم ولأن السياق سياق امتنان على العرب بأنه بعث فيهم رسولاً منهم كما قال في آية أخرى (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) الشعراء) الله U أرسل محمداً e من العرب وأنزل عليه كتاباً عربياً.

(رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) الكتاب القرآن والحِكْمة السُنّة كما فسره بذلك أهل العلم. (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) إي والله كانوا في غاية الضلال، كانوا قبل بعثة النبي e القرشي وكان العربي يعبد الحَجَر فإذا وجد شيئاً أجمل منه وأحسن منه رمى الإله الأول انتهت مدّته وأخذ الحجر الثاني وكان يعبد التمر فإذا جاع ولم يجد شيئاً أكل الإله! أيّ ضلال أعظم من هذا الضلال؟! صدق الله (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وهذا يدل على أن السياق سياق امتنان، كانوا في غاية الضلال بل إن عبادتهم للحجر والشجر كافية للحكم عليهم بالضلال المبين. (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ): قال مجاهد وغير واحد هم الأعاجم وكل من صدّق النبي e من غير العرب.

(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) أي أن هذا الفضل الذي أعطاه الله U محمداً e من النبوة العظيمة وما خصّ به أمته من بعثته صلى الله عليه وسلم هو بفضل الله I فإنه ليس بين الله U وبين العرب نَسَب وإنما خصّهم بأن بعث رسولاً منهم من تفضّل الله تبارك وتعالى عليهم ففضّلهم ببعثة النبي e ذلك الرجل العربي منهم وأنزل عليهم الكتاب العربي ووالله أننا نشعر بهذه المنة والفضل فنحن لا نعاني من قرآءة القرآن أما الأعاجم كثيرٌ منهم يقرأ القرآن ولا يعرف معانيه ويجلسون السنوات الكثيرة لكي يتعلموا شيئاً من معانيه أنت عربي جلست في مجالس التفسير تفهم مباشرة لكن لو جلس معنا أعجمي لا يعرف العربية لا يستطيع أن يعي ما نقول يحتاج أن يترجم له وأن يُفهّم هذه المعاني. لذلك العلماء ماذا يفعلون حتى يفهم الأعاجم معاني كتاب الله؟ يفسرون القرآن ثم يترجمون هذه المعاني ليعوها فأيّ فضل وأيّ منة من الله سبحانه وتعالى اختصنا بها؟! وهذه المنّة وهذا الفضل لها استحقاقات أن نقوم بهذا الواجب أن نقوم بهذا الفضل أن نتعلّم أن نُعلِّم أن نعي أن نتدبر . ثم قال سبحانه وتعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) تعريض، أرسلنا لكم كتاباً عربياً ونبياً عربياً فلا تكونوا كالذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها، أي حضٌّ للمؤمنين أن يحفظوا القرآن (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) أن يتعلموا القرآن ويعلّموا القرآن أن يعملوا بالقرآن ولا يكونوا كهؤلاء الذين حُمّلوا التوراة والتوراة كتاب من كتب الله عز وجل لكنهم لم يحفظوها لم يتعلموها لم يعملوا بها. (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) أي مثل هؤلاء الذين أعطوا كتاباً من عند الله تبارك وتعالى ثم لم يعملوا به كمثل الحمار يحمل أسفاراً كلها علم لكنه لا يدري ما فيها. لو أتيتم بأكبر حمار وحمّلتوه كل كتب التفسير هل يمكن أن يعي؟ أو كتب السُنة؟! هذا حال من لم يعمل بالقرآن (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) فهو يحملها حملاً حسياً لا يدري ما عليه؟ وهذا كمن حفظه لفظاً ولم يتفهّمه ولم يعمل بمقتضاه فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً. بل إنهم أشد من الحمار فالحمار حمل هذه الأسفار وأوصلها إلى المكان الذي يراد إيصالها لكن هؤلاء ما كانوا أُمناء، حُمِّلوا التوراة لكنهم حرّفوها وبدّلوها فوالله إن الحمار أشد أمانة منهم فالحمار يحمل الأسفار ويوصلها أما هؤلاء حملوا التوراة وحرّفوها وبدّلوها فهؤلاء أشدّ من الحمير وأسوأ حالاً ولذلك قال في آية أخرى (أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) الأعراف).

ثم قال سبحانه وتعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) قال بعض أهل العلم إن هذه الآية دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ما وجه ذلك؟ أنهم ما تمنّوا الموت. اليهود أهل عناد ومكابرة، والله إنهم يعتقدون صدق النبي صلى الله عليه وسلم يقيناً ولذلك قال (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا) أي اليهود (إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) هل تمنّوا الموت؟ هل ذكرت لنا كتب السِيَر أنهم تمنّوا الموت؟ ما تمنوا لأنهم يعتقدون صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو تمنّوا الموت لماتوا. وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولو أن اليهود تمنّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار". فهذه الآية دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه آية مباهلة اليهود آية مباهلة النصارى في سورة آل عمران وهناك آية مباهلة للمشركين في سورة مريم. مباهلة النصارى هي قول الله عز وجل (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) آل عمران) ومباهلة المشركين في سورة مريم (قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا (75)) وجاء كذلك مباهلة اليهود في سورة البقرة (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95)) ثم قال الله سبحانه وتعالى مقرراً هذه القضية (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) كقوله تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ (78) النساء) أي هذا الشيء الذي قد تُحدّيتم به وأنتم لستم أهلاً للحدي ومع ذلك لم تفعلوه ومع ذلك سيأتيكم (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)

ثم قال I (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) سُمّيت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع فإن أهل الاسلام يجتمعون في المساجد الكبيرة وتسمى الجوامع. ويوم الجمعة فيه خُلِق آدم وفيه أُخرِج منها وفيه تقوم الساعة وفيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه، كل ذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة. ويقال له في اللغة القديمة "يوم العروبة" وقد ضلّت عنه اليهود والنصارى فاختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خَلْق واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتُدئ فيه الخَلْق واختار المسلمون يوم الجمعة الذي فيه تمام الخلق الذي أكمل الله U فيه الخليقة. ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن النبي e قال: نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس فيه لنا تَبَع، اليهود غداً والنصارى بعد غد.

(إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) السعي هنا ليس المراد به هنا الاسراع في المشي كالسعي بين الصفا والمروة وإنما المراد به كقوله تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) النجم). (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) يعني اعملوا للوصول إلى ذكر الله أو لأن تذكروا الله I ولذلك القيام والوضوء ولبس الثوب من السعي ليوم الجمعة. يعني إذا اغتسل الإنسان ليوم الجمعة فهو من السعي لذكر الله إذا لبس ثوبه فهو من السعي لذكر الله عز وجل ولذلك جاء التعبير (فاسعوا) ولم يأتي التعبير (فامشوا) ليشمل جميع السعي فهو كقوله تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) النجم) أي ما عمِل. وذكر الله هو الوعظ بالخطبة والخطبة عند الجمهور شرط في انعقاد الجمعة ويستحب لمن جاء الجمعة أن يغتسل لقول النبي e: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". هذا مذهب طائفة من أهل العلم وقال بعضهم الغسل واجب لمن يذهب لصلاة الجمعة أن يغتسل وتوسّط بعضهم قال يجب إذا كان للإنسان رائحة كريهة وإلا فهو سُنّة ومستحب ويستشهد بقول عائشة: كان الناس في مهنتهم فقيل لهم لو اغتسلتم. ولعلّ هذا هو الأقرب والله تبارك وتعالى أعلم. لأن قول النبي e: غُسل الجمعة واجبٌ على كل محتلِم وسواك ويمسّ من الطيب ما قدر عليه. واجب ليس المقصود به الواجب التكليفي بدليل قوله (وسواك) إذ لو أوجبنا بهذا الحديث غُسْل الجمعة لأوجبنا السواك وأوجبنا الطيب فكلها مساقها مساق واحد. كما يُستحب أن يلبس الانسان يوم الجمعة أحسن ثيابه ويتسوك ويتطيب ويتنظف ويتطهر.

وقوله (إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ) النداء المراد به النداء الثاني الذي يُفعَل بين يديّ الامام إذا خرج فجلس على المنبر فإنه كان e كان يخرج إلى الناس فيسلِّم عليهم ثم يجلس فيؤذن بين يديه وهو المقصود بالنداء في هذه الآية. أما النداء الأول والذي يُعمل به الآن فهذا من سنة عثمان t فهو الذي زاده عندما توسعت المدينة ولم يكن على عهد النبي e ولا عهد أبي بكر ولا عهد عمر إلا نداء واحد للجمعة وهو النداء الذي نزل عليه القرآن وقصد به (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ) فزاده عثمان عندما توسعت المدينة وكثُر الناس. ولذلك هذا النداء الذي هو النداء الأول ينبغي أن يحقق الحكمة من فعل عثمان t عندما فعله عثمان t وألا يكون متباعداً عن النداء الأول يعني أنا أرى بعض المساجد ربما تؤذن الساعة التاسعة والامام يدخل الساعة 12 هذا لا يصلح، العلماء يقولون حتى يتحقق المقصود من هذا النداء يكون قبله بنصف ساعة، بساعة إلا ربع، بساعة، بحيث الناس يتجهزون للنداء المعني (إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ) النداء الثاني الذي عليه تتعلق الأحكام. أما النداء الأول لا تتعلق به الأحكام.

(إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة وقد اتفق العلماء رحمة الله عليهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه أحد على قولين: منهم من يقول أنه يصحّ هذا البيع وإن كان بعد النداء مع الاثم، ومن العلماء من يقول لا يصحّ. والأقرب والله تبارك وتعالى أعلم صحّته مع الاثم وأن تحريمه لا يعني بطلانه. (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) نقول هذا الكلام لأنه يحصل أحياناً يكون هناك بيعات على القول الأول إذا صار هناك بيعة وانغدر فيها الواحد عقب صلاة الجمعة، يوم صلّى ورأى أحد من ربعه، قال بعت السيارة؟ قال بعنا السيارة، قال بكم؟ قال لو علمت لأعطيتك إياهة وزيادة ألفين، قال هوّنا، قال: بعت عليك، قال لما بعت عليك وهو يؤذّن وإلا البيع باطل على هذا القول صحيح الذي يرون أن البيع باطل وأنه لا يتم والقول الآخر أن البيع ماضٍ لكنه آثِم.

والجمعة واجبة على الرجال الأحرار دون النساء والعبيد والصبيان ويُعذَر المسافر والمريض من حضور الجمعة والمسافر يقول العلماء يحضر الجمعة وتصحّ منه ولا تنعقد به الجمعة. وأقل ما يقال من العلماء من قال أربعين رجل حتى تنعقد الجمعة في القرية أو الحيّ ومنهم من قال أقل من ذلك ومنهم من قال إذا كانوا جماعة لكن أن يحصل المقصود من الجمعة وهو اجتماع أهل القرية لصلاة الجمعة ولذلك تصح الجمعة وتنعقد لأهل الحيّ لأهل القرية المتباعدين والمتقاربين يجمعهم هذا المسجد.

قال الله I(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ) أي فُرِغ منها (فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) لما حجر عليهم التصرّف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذِن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله. وكان عَراك بن مالك إذا صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، يعني يذهب يبيع ويشتري عقب صلاة الجمعة. ورويَ عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى بعد الصلاة بارك الله به لقول الله تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وعطائكم فذكر الله ليس مقصوراً في صلاة الجمعة فقط فإن ذكر الله U ملازم لكم في كل حال، في عقدكم وعطائكم وبيعكم وشرائكم ولذلك قال (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لأن الفلاح منعقدٌ بذكر الله I إذا أردت الفلاح فعليك بذكر الله U فاذكره ليس ذكراً قليلاً وإنما ذكراً كثيراً، لازِم التسبيح والتهليل والتحميد والاستغفار بل إن الاستغفار كما جاء من أنه أبواب الرزق ودلّ على ذلك جملة من الآيات الكريمة.

(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) سبب نزول هذه الآية كما جاء عند البخاري ومسلم: قدِمت عير المدينة ورسول الله e يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا). لاحظوا هذه الآية فيها أشياء لفظية (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) أقرب مذكور ما هو؟ اللهو، الأصل أن يقال انفضوا إليه أو إليهما، فلماذا قال (إليها)؟ لماذا أرجع الضمير إلى التجارة؟ قال (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) أرجع الضمير إلى التجارة دون اللهو العلماء قالوا لأنها أهم عندهم فالتجارة والذي كان سبب النزول إليها، سبب النزول كان تجارة وإنما أُدخل اللهو معه. وقال بعض أهل العلماء "وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهواً انفضوا إليه" إن هناك تقدير في الآية فحُذِف الثاني لدلالة الأول عليه. وقيل أنه اقتصر على ضمير التجارة لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموماً مع الحاجة إليها فكيف الانفضاض إلى اللهو.! كونه يُذمّ الانفضاض إلى التجارة وفيها مصلحة له فالانفضاض إلى اللهو وهو لا يتعلق به مصلحة من باب أولى. إذن عندنا ثلاثة أجوبة المهم الإنسان دائماً يتأمل كلما كان عنده سعة من الوقت يتأمل الألفاظ يتأمل الآيات، فيها أسرار، فيها أشياء معينة القرآن يحتاج إلى تأمل وتدبر.

عندنا شيء آخر (انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) سياق الآية: ما عند الله خير من التجارة ومن اللهو، لكن هنا قال (من اللهو ومن التجارة) فلماذا؟ قال ابن عطية: وتأمل أن قُدِّمت التجارة مع الرؤية (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) وأُخِّرت مع التفضيل (خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) لتقع النفس أولاً على الأبْيَن والأبين هو التجارة.

قول الله عز وجل (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) يقول ابن كثير رحمه الله: فيه دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائماً. وقد شهدت السُنّة لهذا فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتنان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكّر الناس.

 

(قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ) أي الذي عند الله من ثوابت الدار الآخرة (خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) خاتمة الآية مناسبة، أنتم ذهبتم وتركتم النبي صلى الله عليه وسلم يخطب من أجل التجارة والرازق هو الله سبحانه وتعالى (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) استمعوا للخطبة وانتهوا من الخطبة ثم انتشروا في الأرض لأن الرزق بيد من أمركم بالاستماع. 



التعليقات

  1. ب علق :

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن استن بسنته

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل