تفسير سورة الصفّ- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

سورة الصف

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

وننتقل الآن إلى سورة الصف وهي مدنية أي أُنزلت في المدينة وهي تُقرّر أمرين أساسيين:

الأول: أن دين الإسلام هو المنهج الإلهي للبشرية وأنه سيظهر على الأديان كلها كما بشّر بذلك عيسى u.

الأمر الثاني: أن من أعظم أسباب ظهور هذا الدين هو صِدْق النية في الجهاد في سبيل الله.

إذاً هذه السورة معنية بتقرير أمرين: الأول: أن دين الإسلام هو المنهج الإلهي للبشرية وأنه سيظهر على جميع الأديان.

القضية الثانية أن من أعظم أسباب ظهوره هو الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى.

وهي سورة مدنية في قول جمهور أهل العلم وهناك رواية عن ابن عباس وعطاء ومجاهد أنها مكية والصحيح القول الأول لأن معاني السورة تعضد ذلك فإنه لم يكن في مكة جهاد وإنما شُرِع الجهاد متى؟ في المدينة. شُرِع الجهاد في المدينة.

قال الله I(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) وقد تقدّم تفسير هذه الآية في سورة الحشر. ثم قال I(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)) إنكارٌ على من يعد وعداً أو يقول قولاً لا يفي به وقد استدلّ بعض أهل العلم على أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقاً استدلالاً بهذه الآية، يجب الوفاء بالوعد مطلقاً. ومن العلماء من قال: وذهب جمهور أهل العلم على عدم وجوبه مطلقاً وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فرضية الجهاد عليهم فلما فُرِض الجهاد نكل عنه بعضهم. وتوسّط جمعٌ من أهل العلم فقالوا: يجب الوفاء بالوعد الذي ترتب عليه غُرْم للموعود كأن يقول إنسان لشخص تزوج وأنا إن شاء الله Uأمشّي لك راتب إلى أن تتوظف أعطيك ألفين ريال إلى أن تتوظف لكن أهم شيء تتزوج، يقولون ما دام ترتب عليه غرم يجب الوفاء به لأنه إذا تزوج هذا الأخ ثم نكلتَ عن الوفاء بوعدك فإن هذا فيه ضرر على الذي وعدته ولذلك توسط بعض أهل العلم قالوا: لا يجب إلا إذا كان هناك غرم للموعود، يعني يترتب عليه غرم فهذا واجب أوجبته على نفسك يجب الوفاء به.

ثم قال I(كَبُرَ مَقْتًا) قال ابن عطية: كل من يقول ما لا يفعل فهو ممقوت، أخذه من قوله تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)). والمقتُ هو البغض من أجل ذنب أو ريبة أو دناءة يصنعها الممقوت. ومعنى (كَبُرَ مَقْتًا) أي كَبُر مقتُ فِعْلِكُم فحُذِف المضاف إليه ونُصِبَ المضاف على التمييز.

ثم قال I (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) مقصد الآية الجِدّ في كل الأوطان، في كل أوطان القتال وأحواله. وقُصِد بالذكر هنا أشدّ الأحوال وهي الحال التي تحوج الى الصفّ المتراصّ ونابَتْ هذه الحال المذكورة مناب جميع الأحوال وقضت الآية أن الذين يبلغ جدّهم إلى هذه الحال حريّون أن لا يُقصّروا عن حال، أي حريون أن لا يقصروا فيما دون هذه الحال فإنهم إن تراصوا في هذه الحالة العصبية فإنه سيكون ديدنهم الجدّ في بقية مواطن وأحوال القتال. وقال القرطبي: ومعنى الآية إن الله يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله ويلزم مكانه كثبوت البناء. وفيه دعوة للثبات في الحروب. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)) مرصوص يعني مصفوف متضامّ. قال المُبَرِّد: هو مِنْ رصصتُ البناء إذا لاءمت بينه وقاربت حتى يصير كالقطعة الواحدة، فهو صوّر هؤلاء المجاهدين أنهم كالصف الواحد يصفون صفاً حتى أنهم كالبنيان يشد بعضهم بعضاً وهذا أدعى لثباتهم فالله سبحانه وتعالى يحب منهم هذه الحالة وهي دعوة للثبات في المعارك ولقيان العدو (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا (45) الأنفال). قال سعيد بن جبير tعند قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) قال: كان رسول الله eلا يقاتل العدو إلا أن يُصَافَّهُم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين.

ثم قال I(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي) يُخبِر Iعن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران أنه قال (لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) وقد آذى بنو إسرائيل موسى عليه السلام، آذوه في جسده وفي دعوته، قالوا له أشياء كثيرة ومن صور الإيذاء أنهم قالوا أنه آدَر، وقد جاء في آية أخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا (69) الأحزاب) لأنه كان لا يغتسل معهم عرياناً فاتهموه حتى وضع ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه وموسى يلحقه ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر فرأوه فإذا هو بريء من العيب الذي اتهموه به وبرّأه الله عز وجل. وآذوه حينما قالوا (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) المائدة) وهذا فيه مناسبة فإنه لما أمر بالقتال والبنيان المرصوص ذكّرهم بإيذاء بني إسرائيل ومن صور إيذاء بني إسرائيل له أنهم قالوا (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) المائدة) ولذلك أخذها أحد الصحابة فقال: والله ما نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون بل نقول إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معك مقاتِلون. وذِكْر قصة موسى وإيذاء قومه له فيها فائدة من وجهين:

·       الأول تسلية للنبي eفيما أصابه من أذى قومه، فكما أُذيتَ يا محمد فقد أوذي من قبلك موسى عليه السلام وأمر للنبي eبالصبر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «رحمة الله على موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».

·       كما أن فيه نهي للمؤمنين من مشابهة بني إسرائيل فيصل الأذى منهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

(يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) أي فلمّا عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشكّ والحيرة والغفلة. وهذه الآية من أدلة قاعدة الجزاء من جنس العمل والجزاء بالذنب على الذنب كما مرّ حينما قررنا ذلك عند قوله تعالى (نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ (67) التوبة). قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حول هذه الآية وأشباهها: نأخذ من هذه الآية قاعدة أن كل من أضلّه الله فهو بسببٍ منه لأن الله Iقال (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)).

ثم قال بعد ذلك (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ماذا تلاحظون بين قول موسى وقول عيسى؟ ملاحظة لفظية، الله Uهنا قال (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) وقال عن نوح (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ (71) يونس) وهود وصالح إلا في عيسى فإنه يقول (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) قال ابن عطية: لأنه لم يكن لعيسى uفيهم أبّ فإنه وُلِدَ من أم واحدة فقط من مريم عليها السلام. ولذلك الخلق على أربعة أصناف:

·       من خُلِقَ من غير ذكر ولا أنثى وهو آدم،

·       ومن خُلِق من ذكر بلا أنثى، حواء

·       ومن خُلِق من أنثى بلا ذكر وهو عيسى،

·       ومن خُلِق من ذكر وأنثى وهم بقية الخلق.

وقال القرطبي جواباً عن هذه الآية: لأنه لا نسب له فيهم فيكونون قومه.وهو كنحو قول ابن عطية رحمه الله.

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) أي أن التوراة قد بَشِّرت بي وأنا مُصَدِّق لما بين يدي من التوراة وأنا مصداق ما أخبرَتْ عنه وأنا كذلك مبشِّر بمن بعدي وهو الرسول النبي الكريم محمد فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد بَشَّر بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) وأحمد من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما اسمه محمد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشَر الناس على قدمي، وأنا العاقِب» فالمقصود بأحمد هو محمد صلى الله عليه وسلم. (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)) قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه العهد لئن بُعِثَ محمد وهو حيّ ليتبعنّه وأخذ عليه أن يأخذ على أمته العهد لئن بُعِثَ محمد وهم أحياء ليتبعونه.

(فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)) فلما جاءهم من؟ منكم من يقول: محمد، ومنكم من يقول: عيسى. والآية تحتمل، فيها قولان لأهل العلم:

·       (فَلَمَّا جَاءَهُمْ) أي أحمد وهو المبشَّر به في الأعصار المتقادمة، هذا القول الأول.

·       قال ابن عطية: ويُحتمل أن يُراد به عيسى ويكون الآية وما بعدها تمثيلاً بأولئك لهؤلاء المعاصرين لمحمد e.

فيحتمل هذا ويحتمل هذا (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)).

ثم قال I(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) افتراء الكذب هو قولهم هذا سحر وما جرى من هذه الأقوال بغير دليل. (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحدَ أظلم ممن يفتري الكذب على الله عز وجل. وقال هنا (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) باللام المعرّفة معناها أنه كذب معروف مخصوص أم لا؟ وفي غيرها كثير "كذباً" (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) كما في سورة الأنعام وغيرها والسبب لأنه في هذه السورة إشارة إلى ما جاء ذِكْره من قول اليهود والنصارى لموسى وعيسى عليهم السلام، إشارة إلى ما جاء في هذه السورة فهو كذبٌ مخصوص تقدّم ذكره ولذلك قال (الْكَذِبَ) أي الكذب المعروف الذي حكيناه قبل من قول قوم موسى لموسى ومن قول قوم عيسى لعيسى. أي لا أحد أظلم ممن يفتري على الله الكذب وهو يُدعى إلى الإسلام، يجعل لله عز وجل أنداداً وهو يُدعى إلى التوحيد، يُدعى إلى الإخلاص، إلى إخلاص العبادة لله Iلكنه يفتري الكذب على الله U. وصور الكذب كثيرة لا أظلمَ ممن هذه حاله!. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)) لما قال في أول الآية (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحد أظلم، ختم الآية بقوله (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7)).

ثم قال I(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) الإطفاء هو الاخماد يُستعملان في النار ويُستعملان فيما يجري مجراهما من الضياء والظهور أي حسّاً ومعنى، يستعمل حسّاً ومعنى. (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) التعبير عجيب! (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) لو تصورتم إنسان يريد أن يطفئ نور الشمس بلعابه، هل يُصدَّق هذا؟! هل يمكن أن تطفئ نور الشمس بلُعابِك؟ فكذلك نور الإسلام لا يمكن أن تطفئ نور الإسلام، انظروا التشبيه، التشبيه عجيب أي كما أنه لا يتصور ويستحيل أن تطفئ نور هذه الشمس بفيك، بلعابك فكذلك لا تستطيع أن تطفئ نور الله النور المعنوي وهو نور القرآن، نور الهداية، نور الإسلام، بأقوالك وأفعالك يشهد لهذا تمام الآية (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)).

ثم قال I(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)) وقد تقدّم شيء من هذا في سورة التوبة فغاية ما يمكن أن يقولونه عن دين النبي eأنه سحر، عن القرآن أنه سحر، أنه كهانة. وقوله (عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) لفظ يشمل العموم أي لا يبقى موضعٌ فيه دينٌ غير الإسلام. أي (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وهذا يكون وقت نزول عيسى u، هذه حالة، لا يبقى على الأرض إلا الإسلام ويضع الجزية ولا يقبل من أحد إلا الإسلام. ويُحتمل أن يكون المعنى أن يُظهره حتى لا يوجد دين إلا والإسلام أظهَرَ منه وقد كان هذا في زمن من الأزمان. وهذه الاحتمالات كلها تُحمَل عليها الآية والقاعدة: إذا كانت الآية تحتمل كل المعاني التي قيلت فيها فالأصل أن نحملها على كل المعاني التي قيلت فيها ولا نخصّ معنى دون معنى.

ثم قال I(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)) وقد تقدّم أن الصحابة yأرادوا أن يسألوا عن أحبّ الأعمال إلى الله ليفعلوه فأنزل الله عز وجل هذه السورة ومن جملتها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)) تجارة لا تبور، تجارة عظيمة محصِّلة للمقصود مزيلة للمحذور، ما هي هذه التجارة؟ تضربون في الأسواق؟! تبيعون وتشترون؟ لا، قد فسّر هذه التجارة فيما بعدها قال (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) هذه التجارة الحقيقية (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)) أي ذلكم خير لكم من تجارة الدنيا والكدّ لها والتصدي لها فهذه هي التجارة الباقية، لماذا؟ (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي إن فعلتم ما أمرتكم به غفرت لكم الزلات وتجاوزت عن السيئات وأدخلتكم الجنّات والمساكن الطيبات فهنيئاً لمن فاز بهذه التجارة كما قال الله (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (111) التوبة). (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً) طيب المساكن هي سعتها وجمالها وقيل طيبها المعرفة بدوام أمرها. قال ابن عطية: هذا هو الصحيح وأيُّ طيب مع الفناء والموت؟ يقول ابن عطية رحمه الله: إن طيب المساكن لا يصدق على طيب المساكن إلا مساكن الجنة لماذا؟ للدوام لأنه مهما عشت في قصر منيف إذا علمت أن هذا زائل أو أنه باقٍ لمن بعدك وأنت الزائل فإنه لا يكتمل طيبه. فالطيب الحقيقي هو طيب مساكن الجنة التي هي لا تفنى، دائمة. ثم قال سبحانه (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا) أليست الأولى نُحبّها؟ فلماذا قال (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا)؟ الأولى محبوبة لنا أكيد فلماذا خصّ المحبة بالأخرى؟ قال (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا) وصفها تعالى بأن النفوس تحبها من حيث أنها عاجلة في الدنيا يرونها الآن، يرونها ويحسون بها ولذلك قال (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا) وقد وكّلت النفوس بحب العاجِل ففي هذا تحريضٌ للمؤمنين على الدخول في هذه التجارة الحقيقية لأن هناك شيء آجل وشيء عاجل. ثم قال (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)) أي بشّرهم بالنصر، بشّرهم بتحقيق هذا الوعد (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) بأن الله سبحانه وتعالى إن التزموا بهذه التجارة فسيأتيهم الفتح وسيأتيهم الفوز بهذه التجارة. قال ابن عطية: وهذه الألفاظ في غاية الإيجاز وبراعة المعنى كيف صوّر هذه التجارة بأسطر معدودة حملت كل هذه المعاني التي تجعل النفوس تُقبِل على هذه التجارة وهي معتقدة ومتيقّنة الوعد الإلهي.

 

ثم قال I(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) الحواريون هم خواص الأنبياء عليهم السلام سُمّوا بذلك لبياض ثيابهم واستعمل اسمهم حتى قيل لكل ناصرٍ عاضدٍ "حواريّ" ولذلك قال النبي e: «وحواريي الزبير» أي ناصري وعاضدي. فهذا ندبٌ من الله Iللمؤمنين إلى النُصرة حيث وضع لهم هذا الاسم "الأنصار" وهو عُرْفٌ اختصّ به الأوس والخزرج وسماهم الله عز وجل به فدعاهم إلى ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) أي نحن أنصارك على ما أُرسِلتَ به ومؤازروك وناصروك. (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) أي لما بلغ عيسى بن مريم رسالة ربه آزره من آزره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل وضلّت طائفة فجحدت نبوته ورموا أمه بأعظم العظائم وهم اليهود عليهم لعائن الله. وقد اختلفوا وافترقوا شيعاً فمنهم من قال إنه ابن الله ومنهم من قال إنه ثالث ثلاثة وغير ذلك ولذلك قال (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) فقال الله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)) أي بإظهار محمد eدينه على دين الكفار فأمّة محمد eلا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجّال مع عيسى بن مريم u. (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) آمنوا بعيسى وببشارته (عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)) وهذه الآية تتمة لقوله تعالى (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل