تفسير سورة الممتحنة - المجلس الثاني والأخير- د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الممتحنة - المجلس الثاني والأخير

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٢﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ﴿١٣﴾)

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا). روى البخاري عن عروة أن عائشة زوج النبي eأخبرته أن رسول الله eكان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) إلى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ)، قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله e «قد بايعتُكِ» كلاماً، ولا والله ما مسّت يده يد امرأة قطّ في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: «قد بايعتك على ذلك» هذا لفظ البخاري. وجاء في رواية (أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) وقال: «فيما استطعتن وأطقتن، قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة». وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد كما روى البخاري عن ابن عباس قال: (( شهدتُ الصلاة مع رسول اللهeيوم الفِطر، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكلهم يصلّيها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله eفكأني أنظر إليه حين يجلِّس الرجال بيده ، ثم أقبل يشقّهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) حتى فرغ من الآية كلها ثم قال حين فرغ: «أنتن على ذلك». فهذه هي صور مبايعة النبي eللمؤمنات. قال مقاتل ابن حيان:(( أُنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبايع رسول الله eالرجال على الصفا، وعمر يبايع النساء تحتها عن رسول الله e، فذكر بقيته كما تقدم، فلما قال: (وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) قالت هند: ربّيناهم صغاراً فقتلتموهم كباراً، قال: فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى، أي قتلتموهم يوم بدر. فقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) أي من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها (عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ) أي من أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصِّراً في نفقته، فلها أن تأكل من ماله بالمعروف مما جرت العادة بأمثاله أن تأخذه المرأة ولا يُسمى ذلك سرقة. وقد جاء في هذا حديث صحيح عن النبي eحينما قال لهند بنت عتبة: «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك». (ولا يزنين) كقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) الإسراء). (وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) هذا يشمل قتل الولد بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون الأولاد خشية الإنفاق ويقتلون البنات على وجه الخصوص خشية العار، يقتلون الأولاد خشية الفقر والإملاق ويقتلون البنات على وجه الخصوص خشية العار. ويعمّ كذلك كما قال ابن كثير رحمه الله  من يقتِل وهو جنين كما يفعله بعض الجَهَلة من النساء وهو الذي يسمى عندنا الاجهاض أن تجهض المرأة هذا الولد من أجل أنها لا تريده أو حملت مباشرة أو غير ذلك كأن تطرح نفسها من مكان عالٍ أو ما أشبه ذلك أو تحمل شيئاً ثقيلاً. (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) قال ابن عباس: يعني لا يُلحِقن بأزواجهن غير أولادهن، وكذا قال مقاتل. قال ابن عطية رحمه الله تعقيباً على قول ابن عباس: واللفظ أعمّ من هذا التخصيص فقوله (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) لفظ عام وذلك أن بعض الناس قال (بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ) يراد به اللسان في الكلام والقبلة في الفمّ ونحوها (وَأَرْجُلِهِنَّ) يراد به الفروج وولد الإلحاق وغيره، واللفظ عامّ فيبايعن على أن لا يأتين بأي بهتان ومن صور البهتان ما ذكره ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه وغيره من المفسرين. (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) وجه تقييده بالمعروف كما قال المفسرون مع كونه eلا يأمر إلا به فإنه لا يُعهد من النبي eأن يأمر بغير المعروف لكن وجه هذا التقييد للتنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، فقوله (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) التقييد من هذا الباب وإلا فالنبي eلا يأمر إلا بما هو معروف كما هو معروف من سُنّته e . قال الشوكاني: كل أمر هو طاعةٌ لله. (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) قالوا المعروف الطاعة. ومنهم من قال (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) إن المراد به النياحة والتي عُرِفت به النساء، فقد روى ابن جرير عن أم سلمة عن رسول الله eفي قوله (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) قال: «النَّوْحُ» ورواه الترمذي وابن ماجه وكما قلت لكم اللفظ أوسع من ذلك.

ثم قال الله I(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)) المناسبة بين خاتمة السورة وفاتحتها ظاهرة فإنه قد نهى عن تولّي الكفار في بدايتها ونهى عن توليهم كذلك، فافتتح بالنهي عن التولّي وختم السورة بالنهي عن التولّي فقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) يعمّ الكفار سواءً كانوا من المشركين أو من النصارى أو من اليهود وأخصّ أوصاف اليهود الغضب. أخصّ أوصاف اليهود أنهم من المغضوب عليهم لكن المراد هنا ليس المراد به اليهود فحسب وإنما النهي عن التولّي عن الكفار بعامّة ومن هؤلاء اليهود المذكورين أو الكفار المذكورين في هذه الآية، كفار قريش. (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ) أي من ثوابها ونعيمها في حكم الله. (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13)) فيه قولان لأهل التفسير:

الأول: كما يئس الكفار الأحياء من قرابتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك، ذلك أنهم لا يعتقدون أن هناك بعث أو نشور فيجتمعوا بأقاربهم، هذا معنى من المعاني.

والمعنى الثاني: كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير، كما يئس الكفار الذين هم في القبور أن يعملوا خيراً.

ما الفرق بين القولين؟ الفاعل من هو في القول الأول؟ الأحياء، والفاعل في القول الثاني؟ الأموات، ولا مانع من حمل الآية على كِلا القولين.

 

هذا ما يتعلق بهذه السورة. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل