سحر البيان في تعدد قرآءات القرآن - د. محمود شمس - المجلس 42

دورة سحر البيان في تعدد القرآءات القرآنية – 1437هـ

المجلس 42 – توجيه القرآن من الآية 22 في سورة آل عمران

د. محمود شمس

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات

توقفنا عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٢٧

هاهنا قراءتان:  (الميْت) بالتخفيف و(الميِّت) بالتثقيل.

- قراءة (الميّت) بالتشديد: لا تكون إلا لمن لم يمت بعد، أي أنّه لا يزال على قيد الحياة ولكن بإذن الله نهايته الموت، إذن فالتشديد هنا لا يُستعمل إلا فيمن لم تخرج روحه، كما في قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴿٣٠.

 - وأما قراءة التخفيف: ففيها الوجهان؛ أي أنَّ التخفيف يطلق على النوعين، من خرجت روحه ومن لم تخرج؛ ولذلك نجد أنّ المواضع التي تدل على أن المخاطب لم يمت بعد متفق على قراءتها بالتشديد.

 وحتى نفرق بين الموت والوفاة: فالوفاة هي قطع التصرف في الحركات الاختيارية، ولذلك سمى الله النوم وفاة لا موتا، فقال: (اللَّـهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى)، وقال: (وَهُوَ الَّذي يَتَوَفّاكُم بِاللَّيلِ وَيَعلَمُ ما جَرَحتُم بِالنَّهارِ) هذه هي الوفاة. أما الموت فهو إخراج الروح من الجسد.

 

في قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ﴿٢٨

فيها قراءتان: (تُقَاةً) و(تَقِيَةً).

الإتقاء: تجنب المكروه، وكلمة (تُقَاةً) جمع (تُقَى)، والمعنى: إلا أن تكون منكم أيها المؤمنين تقية أنتم منها تقاة، ويجوز أن تكون مصدرا من الفعل (اتقى) اتقاء وتُقاةً.  

أمّا (تَقِيَةً) فمصدرٌ من الفعل (اتقى) تقيةً، لأن أصله (وَقِيَةً)، والواو تُبدلُ تاءً في كثير من المواضع، فأصبح الاستعمال فيه (تقية) و(تقاة). وكلاهما مصدر.

 

في قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ﴾ ﴿٢٨

لأن التقية قد يتخذها الناس بلا داع لها، أو قد يبالغون فيها، فالله يحذر هؤلاء العباد ويقول احذروا الله نفسه من هذا الفعل، ثم يقول: ﴿وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ﴾، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴿٣٠، وهذه جاءت بعد قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ، يبين الله رأفته بالعباد فقال ﴿وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ . والرأفة أعلى من الرحمة فالله رؤوف بالعباد بعد أن يرحمهم (لرؤوف رحيم)، ورأفته بعباده رحمة بهم.

أمّا في الآية التي معنا يقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ، فيه أسلوب تهديد ووعيد لمن استعمل التقية في غير موضعها، لأن التقية معناها إظهار الموالاة في الظاهر فقط لكن البعض قد يتعمق في تلك التقية بغير داعٍ، والله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب الجميع.

 

في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣١

هنا: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) معطوفة على (يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ )، وهي جواب الطلب (فَاتَّبِعُونِي)، ولم ترد فيها قراءة بالرفع مثلما في خواتيم البقرة: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ التي وردت فيها قراءتان متواترتان، إحداهما بالجزم عطفا على جواب الشرط (يُحَاسِبْكُم)، والثانية بالرفع على الاستئناف، وورد فيها أيضا قراءة شاذة بالنصب (فَيَغْفِرَ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبَ مَن يَشَاءُ).

 فلماذا جازت الأوجه الثلاثة في موضع البقرة بينما في آية آل عمران لا يجوز فيها إلا وجه فقط هو الجزم، ولا يجوز فيها نصبٌ ولا رفعٌ؟

نريد أولا أن ننظر في الآيات نظرة دقيقة.

نجد في سورة البقرة: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـه) هنا قدّم الإبداء، وفي الآية من سورة آل عمران (قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ) قدّم هنا الإخفاء؛ لأن الأمر في آية البقرة معلق بالمحاسبة والأصل في المحاسبة في الأعمال الظاهرة البادية التي يبديها الإنسان، وأمّا ما يعلمه الله تبارك وتعالى في آية سورة آل عمران (يَعْلَمْهُ اللَّـهُ) فإنّ علم الله لا تخفى عليه خافية، لكنه يتعلق بالأعمال الخافية بدايةً مع أنه لا يخفى عليه شيء، فتعلق علم الله بالأعمال الخافية هو الأصل. 

 

نعود للسؤال: لماذا كانت الأوجه الإعرابية الثلاثة في موضع سورة البقرة؟

عندنا ثلاث صور للعطف على الجواب:

الأولى: العطف على جواب الشرط بعد استيفائه: وذلك في مثل قوله: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهفَيَغْفِر ... )، جواب الشرط هنا: (يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـه).

الثانية: العطف على جواب الشرط قبل تمامه والإتيان به:  فيكون عطف الشرط حينئذ لا يوجد عطف على متأخر (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ)، هنا (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) معطوفة على فعل الشرط، وجاءت الجملة العاطفة قبل استيفاء جواب الشرط.

الثالثة: أن يكون العطف بعد استيفاء الجواب، لكنه جواب طلب وليس جواب شرط: كالآية التي معنا (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ)، هنا (يُحْبِبْكُمُ): جواب الطلب، وبعدها (فَاتَّبِعُونِي)،(وَيَغْفِرْ لَكُمْ): معطوفة عليها. والعطف على جواب الطلب لا يجوز فيه إلا الجزم فقط، إذن (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)، لم يرد فيها إلا قراءة الجزم؛ لأنه عطف على جواب الطلب.

أمّا العطف على جواب الشرط بعد استيفائه فيجوز فيه الجزم والرفع والنصب. يقول ابن مالك رحمه الله:

والفعلُ من بعد الجَزا إن يقترنْ *** بالفا أوِ الواو بتثليثٍ قَمنْ

(فيغفرْ لمن يشاء/ فيغفرُ لمن يشاء / فيغفرَ لمن يشاء) ، إذن عند اقتران الفعل بالفاء أو الواو بعد استيفاء جواب الشرط فإنه يجوز فيه الأوجه الإعرابية الثلاثة. أمّا في مثل قوله: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ) لا يجوز فيها إلا الجزم فقط، ولا يجوز النصب وكذلك لا يجوز الرفع على الاستئناف أبدا؛ لأنه واقعٌ وسط جملة لم تكتمل أصلا، فكيف يستأنف؟

نأتي لتوجيه الأوجه الثلاثة:

·                     الجزم: (يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرْ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبْ مَن يَشَاءُ): تفصيل بعد إجمال، ووردت فيها أيضا قرآءة أخرى شاذة بدون الفاء لابن مسعود (يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ يَغْفِرْ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبْ مَن يَشَاءُ) على وجه التفصيل لجملة الحساب، فكأنَّ قوله (يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ) إجمال للحساب، يترتب على هذا الحساب أن الله يغفر لمن يشاء برحمته ويعذب من يشاء بعدله. 

·                     الرفع: (يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ): على الاستئناف. لما كان في ذكر المحاسبة من مشقة على النفس بأن يحاسب الله على ما يبديه الإنسان وما يخفيه، فتذكر أن الله يغفر لمن يشاء برحمته ويعذب من يشاء بعدله.

·                     النصب: (يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرَ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبَ مَن يَشَاءُ): وهي قراءة شاذة، فيكون الفعل منصوبا بأن المضمرة بعد فاء السببية، أي يترتب على المحاسبة غفران لمن يشاء وتعذيب لمن يشاء، (أن المصدرية) ستعطينا مصدرا مؤولا متوهما على الفعل الذي قبله يحاسبكم لنعطف مصدرا على مصدر، والتقدير: (فمغفرة لمن يشاء وتعذيب لمن يشاء). أما الجملة التي تكون عطفا عاما فعل الشرط لا يمكن أن يكون فيها استئناف   

 

أمّا في قوله: (يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ): فإنّه جواب للطلب، وجواب الطلب ليس للمعطوف عليه إلا الجزم.

·                     أردت أن آتي لكم بفارق دقيق بين الأمرين: قيل: إن جواب الشرط مضمونه غير متحقق الوقوع؛ لهذا لا مانع من أن تعطف عليه جملة لتمام هذا الكلام؛ لأن الكلام  لم يتم. والجملة المنتهية لا يجوز العطف عليها إلا بالجزم. الجزاء (جواب الشرط) مضمونه غير متحقق الوقوع. ولذلك فلا مانع من أن تعطف عليه جملة لبيانه. أما جواب الطلب فهو متحقق الوقوع ولا يجوز أن نعطف عليه إلا بالجزم.

 

في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴿٣٢  لو أردنا أن نصنف تلك الجملة، إلى أية قاعدة؟ عاطف ومعطوف (قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ)، عطفت الرسول على لفظ الجلالة دون أن أكرر الفعل (وَأَطِيعُوا)، لكن أحيانا يكرر الفعل، كما في قوله: (أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، وأحيانا يأتي بما له علاقة بالفعل فيكرره فيدل على تكرار الفعل مثل حروف الجر.

 هذه ثلاث حالات، وعند التحقيق نجد ذلك يتلخص في حالتين:

- إما أن أكرر الفعل وإما أن لا أكرره.

تكرار العامل لأن العامل يكون فعلا وقد يكون غير فعل. هذا له دور كبير في التدبر وأنت تقرأ هنا (أَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ)، طالما لم أكرر العامل (وَأَطِيعُوا) إذن فإنّ العامل بين العاطف والمعطوف عليه واحد لا فرق بينهما، يعني (أطيعوا الله) مثل (أطيعوا الرسول)، و(أطيعوا الرسول) مثل و(أطيعوا الله)؛ لأني جمعتهما في عامل واحد، مثلما أقول: أكرمت محمدا وعليا، الإكرام كان متفقا تماما، فلا فرق بين إكرامي لهذا ولا لذاك. إذن إذا لم يكرر العامل فمعنى العامل واحد أطبقه على المعطوف مثلما أطبقه على المعطوف عليه تماما.

أمّا إذا تكرر العامل، فمعنى ذلك أن مفهومه في المعطوف يختلف عن مفهومه في المعطوف عليه (أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)، هنا مفهوم الطاعة مختلف، والمعنى: (أطيعوا الله) فيما أرسله في كتابه، (وأطيعوا الرسول) فيما وضحه وبيّنه في سنته؛ لأن الرسول يوضح القرآن ويفصل المجمل، فالقرآن مثلا لم يقل لنا أنّ صلاة الظهر أربع ركعات، وإنما الرسول هو الذي وضحها. الطاعة ليست مختلفة في كل شيء، لكنها تبين طاعة أجملها الله في القرآن، والرسول يفصلها، ففيها إشارة إلى سنن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا نرد به على من يقول أنّ السنة ..... سقط

حاولت أن أحصر (أطيعوا الله والرسول)، (أطيعوا الله ورسوله) في القرآن ستة مواضع.

 و(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) في عشرة مواضع.

وبالنظرة الأولى أدركت أن (أطيعوا الله ورسوله) نجدها لا تحتوي على أحكام فقهية وإنما في توحيد الله والإيمان بقدرة الله تبارك وتعالى. وهذا في سياق التوحيد فلا يحتاج لبيان من السنة، بل هو أمر لوجوب توحيد الله تبارك وتعالى.

(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) نجدها في آيات فيها تشريع مثل كفارة اليمين، الذي يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمثال ذلك نجده في سياق تشريع يحتاج بيان من السنة.

 

تكرار حرف الجر أيضا يشعر بتكرار العامل؛ لأن حرف الجر يتبع العامل، مثال ذلك قوله تعالى: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة)، (ومن) جاءت لتدل على (خير) كأن الله قال خير من اللهو وخير من التجارة. وفي قول الله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى) تكررت الباء مع ذي القربى ولم تتكرر مع ما بعدها، إذا تكرر حرف الجر فهو يدل على تكرار العامل، وتكرار حرف الجر له دلالة، وعدم تكراره له دلالة.

 تكرار الباء مع ذي القربي يشعر أن الإحسان بالوالدين يختلف عن الإحسان بذي القرى، بينما الإحسان بذي القربى وغيرهم بدرجة واحدة. الإنسان في فطرته يتجمل في تعامله مع الأقارب أكثر من تجمله في التعامل مع والديه، مع والديه يتعامل على المكشوف ومع الأقارب يتجمل. كل أم تغبط الأخرى على أولادها.

تكرار العامل معناه أن العامل مختلف (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) ما عند الله خير من اللهو وخير من التجارة وتكرار (من) هنا دل على أن ما عند الله خير من اللهو وخير من التجارة، سواءً اجتمعتا أم تفرقتا، لو قال: خير من اللهو والتجارة، لكانت تشير إلى أن الخيرية تكون عند اجتماع اللهو والتجارة، أما تكرار (من) فيفيد الخيرية سواء اجتمعا أو تفرقا.

 

في قوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ... ﴿٣٦

نأتي لقرآءة (وضعتُ) و(وضعتْ)

نعلم أن أم مريم نذرت لما توفي زوجها، نذرت ما في بطنها محررا، وكان الفهم عند الناس أن الذي ينذر لهذا الأمر ينبغي أن يكون ذكرا لا أنثى؛ لأنها نذرته خادما، وعندما وجدت أن ما في بطنها أنثى، قال تعالى (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ).

(وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ): جملة اعتراضية من كلام الله تعالى قولا واحدا، والله أعلم بم وضعت سواء ذكرا أو أنثى.

(وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتُ):كأنها تعتذر أو تسلي نفسها أن الذي ولدته أنثى، والأنثى لا تصلح للمهمة التي كانت قد حددتها. نظرة العبد تختلف، الإنسان ينظر إلى ظاهر الأشياء ولا يعلم ماذا في مراد الله تعالى؛ لأن مراد الله تعالى يكون غير ما يتوقع الناس.

 البعض -وعلى رأسهم القرطبي- يرى أن (وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتُ) هي من كلام الله، وليست من كلام أم مريم؛ لأنها لو كانت كلام أم مريم لقالت: وأنت أعلم بما وضعتُ، لكن نقول: إن في القرآءة التفاتا من الخطاب إلى الغيبة، وتفيد أنها قالت ما قالته على سبيل التحسر، (والله) بذِكر لفظ الجلالة هكذا لأنها متحسرة على ما حدث، وفيها إلتفات من الخطاب إلى الغيبة.

 وقرآءة الجمهور فيها دلالة عظيمة أنّ من فوض أمره إلى الله لا ينبغي أن يتعقب تدبيره، لا أفتش لأني فوضت أمري إلى الله، فلا ينبغي أن أفتش عما يكون المستقبل، ماذا سيكون مستقبل البنت، فتدبير المستقبل إنما هو بأمر الله تبارك وتعالى.

إذن (وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) إذا فوضت أمرك إلى الله فلا تفتش.

(وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتُ) تحسر من أم مريم لكن تفويض الأمر إلى الله أولى.

 

في قوله تعالى: ﴿ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ... ﴿٣٧

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل