تفسير سورة الممتحنة - المجلس الأول - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الممتحنة - المجلس الأول

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١﴾ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴿٢﴾ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

"سورة الممتحِنة" ويصح "سورة الممتحَنة" فإن قلنا سورة الممتحِنة بالكسر فالمراد السورة وإن قلنا بالفتح الممتحَنة فهو إضافة إلى المرأة التي نزلت فيها الممتحَنة، نزلت في الآيات الأخيرة. إذاً يصح أن تقول سورة الممتحِنة وسورة الممتحَنة.

هذه السورة تعالج مشكلة الأواصر القريبة والعصبيات الصغيرة وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة لتخرج من هذا النطاق الضيّق إلى سِعَة الإسلام وأفقه فتنشأ النفوس في صورة جديدة تحمل قيماً جديدة وموازين جديدة. ذلك أن قصة أو سبب هذه السورة أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه من أفاضل صحابة رسول الله eممن شهد بدراً، من المهاجرين هاجر وكان له بمكة مال وأولاد ولم يكن من أهل قريش من أنفسهم بل كان حليفاً لهم فلما عزم رسول الله eعلى فتح مكة حينما نقض أهلها العهد في صلح الحديبية أمر النبي eالمسلمين بالتجهّز لغزوهم وقال «اللهم عَمِّ عليهم خبرنا» حينها تذكّر حاطب أولاده وماله فضعُف لأنه بَشَر فأرسل لقريش يُخبرهم بأن النبي eعازمٌ على غزوهم ليتّخذ يداً عندهم لكن أطلع الله Uنبيه eبعمل حاطب قبل أن يصل إلى كفار قريش، لأنه أرسل مكتوباً مع امرأة وهذه المرأة اسمها سارة مولاة بني هاشم كما جاء في بعض الروايات. ذهب إليها علي بن أبي طالب tوالزبير وأتوا بها فنزلت هذه الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة فلما نزلت هذه الآية شدّ ذلك على عمر كيف يُقدِّم أهله وماله ونحن الذين تركنا الأهل والأموال من أجل الله Uويخبر قريشاً؟! فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. وقوله "هذا المنافق" لأن العمل الذي عمله هو صورة نفاق لأن عمر هل يطلع على قلب حاطب؟ لم يطلع على قلب حاطب. فقال النبي e: «إنه قد شهد بدراً وما يدريك - يقصد عمر - لعل الله اطّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». هذه خلاصة هذه القصة وهي قصة طويلة مروية في البخاري ومسلم وفي السِيَر ومذكورة في كتب التفسير. فإذاً هذه السورة هي تعالج هذه القضية يعني الذي جعل حاطب بن أبي بلتعة يفعل هذا الفعل، ما هو؟ هو التفكير الضيّق بمصير أولاده لكن هل مصير أولادك يقابل بمصير هذا الدين وفتح مكة وفتح معناه ماذا؟ شيء عظيم جداً أن تفتح مكة كلها فترجع أموال كل المهاجرين وأموال كل من هاجر يعني تفتح البلد الذي طردك منه، أليس هذا علامة النصر والعزة؟ هل يقارن بأن أولادك أو دارك أو مالك؟ فهذه السورة أرادت أن تعالج هذه القضية ولذلك قال القرطبي رحمه الله: هذه السورة أصلٌ في النهي عن موالاة الكفار.

قال الله U(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ) العدو اسم يقع للجمع والمفرد والمراد به هنا كفار قريش وأضاف Iالعدو إلى نفسه فقال (عَدُوِّي) تعظيماً لجرمهم فإنهم بمحاربتهم لنبي الله eاكتسبوا صفة العداوة لله U. فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يعني بالظاهر لأن قلب حاطب كان سليماً ولذلك التعبير حتى القرآني يشهد لحاطب بسلامة قلبه قال (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يعني بالظاهر، بدليل أنه جاء في بعض الروايات أن حاطب لما اعتذر للنبي eأنه أراد أن يكون له يد وأنه حليف لقريش قال: «أما صاحبكم فقد صَدَق» وفي هذا نصّ على سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. «أما صاحبكم - أي حاطب - فقد صَدَق». (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) كما قال Iفي آية أخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (51) المائدة). وفي هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن فعل هذا الفعل. وجاء في آية أخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ (57) المائدة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) النساء) فالآيات متضافرة لتقرير هذا الأمر.

(يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) هذا مع ما قبله تهييج للمؤمنين على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم هم الذين أخرجوكم من تلك الديار، هم الذين عذّبوكم، هم الذين آذوكم (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) ولم يخرجوكم إلا بذنب واحد فقط (أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين كما قال سبحانه (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) البروج)، وكما قال (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (40) الحج). (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) وهذا كذلك يعني إن كنتم فعلاً (خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أي إن كنتم كذلك فلا تفعلوا، إن كنتم خرجتم مجاهدين فلا تفعلوا هذا الفعل أبداً (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) يعني تفعلون ذلك سِرّاً لتكسبوا عندهم يداً (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ) أي أن الله Iأي أنا عالم بالسرائر والضمائر والظواهر. ثم ختم الآية بقوله (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)) (يَفْعَلْهُ) الضمير يعود إلى ماذا؟ إلى الاتخاذ المذكور. (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ) السواء هو الوسط وذلك لأنه تتساوى نسبته إلى أطراف الشيء والسبيل هنا شَرْعُ الله Uودينه.

(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ)، (يَثْقَفُوكُمْ) أي يظفروا بكم ويتمكنوا منكم، وقيل إن يلقوكم ويصادفوكم يُظِهروا لكم ما في قلوبهم من العداوة والمعنيان متقاربان. (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً) قال ابن عطية: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) أخبر الله تعالى أن مداراة الكفار غير نافعة في الدنيا وأنها ضارّة في الآخرة ليبين فساد رأي مصانعتهم. أي لا يمكن أن ينفعك إذا واليت الكفار على إخوانك المؤمنين لا في الدنيا ولا في الآخرة. (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) يبسطوا إليكم أيديهم بالضرب وألسنتهم بالشتم فحَذَف ما عُلِم أي لو قدروا عليكم لما أبقوا فيكم من أذى سواء بأقوالهم أو أفعالهم. (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) أي حرصوا حرصاً كبيراً على كفركم. (لَنْ تَنْفَعَكُمْ) هذا ردٌ لِمَن؟ على حاطب ومن يفعل فعله. (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله Iإذا أراد الله بكم سوءاً ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يُسخط الله I. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) أي يفرّق بينكم فيفصل أناس إلى الجنة وأناس إلى النار. وقيل (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) كقوله (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) أي يفرّ بعضكم من بعض والله Iبما تعملون بصير (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)).

ثم قال I(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الله Iلما فرغ عن موالاة الكفار والذمّ لمن وقع منهم ذلك ضرب لهم إبراهيم مثلاً حينما تبرّأ من قومه فقال I(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ) أي المؤمنون (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ) أُسوة بالضمّ كما قرأها عاصم لوحده (أُسْوَةٌ) وبقية القُرّاء "إِسوة" بالكسر وهما لغتان والمعنى قدوة وإمام. قال ابن عطية: هذه الأسوة مفيدة في التبري من الإشراك وهو مضطردٌ في كل مِلّة وفي نبيّنا أسوة حسنة على الإطلاق يعني (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) بشيء مقيّد وأسوة نبينا صلى الله عليه وسلم بشيء عام. (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ) أي تبرأنا منكم (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ) أي بدينكم وطريقكم (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا) أي قد شُرِعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم كما قال I(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) الكافرون) فهذه العداوة مستمرة وباقية لا يرفعها شيء (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) إلا شيء واحد وهو إيمانكم، أن نصبح نحن وإياكم على ملة واحدة.

ثم قال الله Iلما ذكر أنه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ) استثنى حالة واحدة من أحوال إبراهيم وهي (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) أي لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسّون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما استغفر له لأنه موعدة وعدها إليه كما قال الله (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ (114) التوبة) أي ليس لكم أسوة في إبراهيم في استغفاركم للمشركين وصِلَتهم، هذا معنى الآية (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) أي أن إبراهيم ليس لكم في هذا الحال أسوة فلا تستغفروا للمشركين أو لآبائكم وأقاربكم لأن إبراهيم إنما استغفر لأبيه لأنه وعدها إياه. وهل استمر في استغفاره؟ كلا، وإنما لما تبيّن له تبرأ منه. ثم قال I(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)) أي توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلّمنا إليك أمورنا، وفوّضناها إليك (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أي المعاد في الدار الآخرة.

(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) للمفسرين في معناها قولان:

·       القول الأول أي لا تعذّبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا، هذا القول الأول في معنى الفتنة (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي ربنا لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.

·       وقال قتادة: معناها لا تُظهِرهم علينا فيفتتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقٌ هم عليه. واختار هذا ابن جرير، اختار قول قتادة ابن جرير رحمه الله وتعقبه ابن عطية بقوله: أن الأول أصحّ إذ أنهم دعوا لأنفسهم وعلى قول قتادة إنما دعوا للكفار.

(وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)) أي استر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك، (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الذي لا يُضام من لاذ بجنابك. الحكيم في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك.

ثم قال سبحانه وتعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضاً، تأكيد لما تقدّم من الأسوة وتأكيد لما استثنى من هذه الأسوة لأن هذه الأسوة المثبتة هاهنا هي الأولى بعينها قوله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) هي نفسها (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ). (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) هذا تهييج وحث أي إنما يفعل ويجعل هؤلاء أسوة لهم فلا يوالوا الكفار ولو كانوا أقاربهم (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ) أي عما أمر الله به فإن الله Iهو الغنيّ عنك، الغنيّ عن عبادتك، الغنيّ عن إسلامك، عن إيمانك Iكما قال (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) إبراهيم). والحميد أي المستحمَد إلى خلقه أي هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله.

ثم قال I (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) لمّا أمر الله Iبمعاداة الكفار قال I(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) أي محبة بعد البغضاء ومودّة بعد النفرة وأُلفة بعد الفِرقة والله قدير على جمع هذه الأشياء المتضادة في قلوبكم وقد كان ذلك. متى كان؟ بعد فتح مكة لما قال (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) قد كان ذلك. ولذلك قال ابن عباس "عسى" من الله واجبة أي واقعة حتماً وذلك حصل بإسلامهم يوم فتح مكة وصار الجميع إخواناً (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ) في الجمع بين هذه الأشياء المتنافرة وأن يجعل تلك القلوب التي عادتكم وحاربتكم يكونوا لكم إخواناً لأنه Iغفور رحيم يغفر لهم حينما يؤمنون ويفرح بتوبة عبده حينما يتوب.

ثم قال الله I(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الله Iلما ذكر ما ينبغي للمؤمنين من معاداة الكفار وترك موادّتهم فصّل القول فيمن يجوز بِرّه ومن لا يجوز. (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكَفَرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضَعَفة منهم، النساء والضعفة والذين لم يقاتلون من الكفار لا ينهاكم الله Uعن بِرِّهم والاحسان إليهم وهذا القول الراجح في معنى الآية. وهناك قول آخر للمفسرين أراد المؤمنين من أهل مكة الذين آمنوا ولم يهاجروا فهو لم يتكلّم عن الكفار لأن هنا قال لم يذكر هنا كفراً وإنما قال (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ) يعني بعض المفسرين يرى أنها في الذين آمنوا ولم يهاجروا إذ أنهم لم يقاتلوكم ولم يعادوكم. وقيل من أهل مكة وغيرهم الذين لم يهاجروا، وقيل أراد المستضعفين المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة والراجح أن المراد به الكفار الذين لم يعادوكم الضَعَفة منهم، النساء والأطفال فهؤلاء لم يقاتلوكم، ولم يخرجوكم من دياركم، ولم يحرِّضوا على قتالكم. وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بآية السيف والصحيح أنها مُحكَمة وليست منسوخة وأنها باقية فكلُّ كافر لم يقاتِل المؤمنين ولم يُخرِج من الديار ولم يؤذي من ضعفتهم، من نسائهم وصبيانهم كالنساء والصبيان والضَعَفَة والذين كانوا في حالهم لم يظاهروا على المؤمنين فلهم هذه الآية. (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) أي تعدلوا والإقساط العدل، وابن العربي رحمه الله يرى أنه ليس المراد هنا الإقساط بالعدل وإنما هو الإعطاء على وجه الصَدَقَة لأن العدل يؤمَر به المسلم مع المقاتِل وغير المقاتِل وقد جاء في البخاري أن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي eهل تَصِلُ أمّها حينما قدِمَت إليها وهي مُشركة فقال لها النبي e: «نعم» لأنها لم تكن ممن قاتل وكانت مشركة وأجاز النبي eلأسماء بنت أبي بكر أن تَصِلَها.

ثم قال الله Iمبرّراً هذا الحكم معلِّلاً له (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) أي إنما نهيناكم بسبب أنهم ناصبوكم العداوة فقاتلوكم وأخرجوكم، هؤلاء هم الذين ننهى عن موالاتهم ونأمر بمعاداتهم. ثم أكّدّ الوعيد على موالاة من كان هذا حاله فقال (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). (وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ) أي عاونوا على إخراجكم يعني إما أخرج أو أعان على الإخراج.

ثم قال I(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) هذه قصة أخرى، واقعة أخرى وذلك أنه قد تقدّم لكم في تفسير سورة الفتح أن من شروط صلح الحديبية الذي وقع بين النبي eوبين كفار قريش على أنه لا يأتيه رجل منهم إلا ردّه "إلا رددته علينا" يعني بعد ما نتصالح نحن وإياك في صلح الحديبية لا يأتي رجلٌ منا مسلماً مهاجراً إلا تردّه وهذا الشرط مجحف لكن لله Uفيه حكمة حيث كان هذا الشرط هو أحد أسباب فتح مكة. فالله عز وجل هنا يقول في هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) هل قال ردّوهن؟ الشرط ما هو؟ ردّوهن. الشرط أن تردّ لكن هنا قال (فَامْتَحِنُوهُنَّ) ولذلك فتكون النساء مُستثناة من صلح الحديبية ولذلك يقول ابن كثير: هذه الرواية تدل على أن هذه الآية مخصِّصة للسُنّة. يعني الأصل الذي جرت العادة أن السنة هي التي تخصص القرآن هذه الآية خصّصت السُنّة يقول ابن كثير رحمه الله أن هذه الآية مخصصة للسنة وهذا على القول هذا الشرط الذي في صلح الحديبية كان أن لا يأتي إلا رددته علينا، ثم استثنى الله Uهنا النساء فتقول لا، النساء لا تردّ لأن النساء ضعيفات وتُفتَن في دينها ليست كالرجال، ماذا نفعل إذن؟ ننقض العهد؟ لا، (فَامْتَحِنُوهُنَّ). ومن العلماء من يقول: أنه ليس في الآية تخصيص وليس في الآية نسخ لأن النساء غير داخلات أصلاً في الهدنة، النساء أصلاً غير داخلات في الهدنة، وأن الآية تحكي ماذا؟ شيئاً آخر أن الاتفاق كان للرجال فحسب ولم يُتعرّض للنساء، والأكثر على القول الأول. ما الفرق بين القولين؟ الصُلح عام في الرجال والنساء والآية خَصّصت، القول الثاني أن هذه الآية تتكلم عن حكم ابتدائي ولم تتعرض للصلح لأن أصلاً النساء لم يدخلن، لكن أمر الله Uبامتحان النساء حينما تهاجر قال الله U (فَامْتَحِنُوهُنَّ) ما هو الامتحان؟ كيف نمتحهن؟ نحط ورقة وقلم ونمتحنهن عن أركان الإسلام؟! لا، إنما سؤالهن قال أن يشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يعني أن نتثبت أنهنّ مؤمنات. وقال مجاهد (فَامْتَحِنُوهُنَّ) اسألوهن ما الذي جاء بهن؟ هل هن غضب على أزواجهن؟ يمكن وحده إذا غضبت على زوجها قالت هاجرت لمحمد تركتك وهي ليست مؤمنة حقيقة وإنما الذي جعلها تأتي مخاصمتها لزوجها فإن كان هذا فإنها تُرجَع إلى زوجها. وقال بعض المفسرين: يقال لها ما جاء بك إلا حُبُّ الله ورسوله؟ وما جاء بك عشق رجل منا؟ ولا فرار من زوجك؟ يعني أنها تُسأل يُتثبت من إيمانها. الخلاصة أنه يتثبت من إيمانها. وتقول عائشة: إن الامتحان هو في الآية التي تليها وهو أن يُعرَض عليها الشروط التي في الآية التالية وهي أن من ترك السرقة والزنا والبهتان والعصيان. ما الفرق بين قول عائشة وبين الأقوال المتقدمة؟ يعني الآن إن قلنا الامتحان أنها تشهد أن لا إله إلا الله. عائشة تقول: أنها تمتحن بالآية التي تليها، هي كلها مؤدّاها واحد لكن الفرق بينها أن الأقوال السابقة تُسأل عن شيء ماضي، عن أنه ما جاء بها إلا حب الله ورسوله والشيء الثاني تمتحن في يقال لها أنت أتيت مؤمنة الآن لكن تراك لا تزنين لا تسرقين لا تفعلين لأنها ليست ذات زوج ستكون لوحدها فأنت أن تمتثلي بأخلاق الإسلام، بأخلاق المسلمين فإن أقرّت -تقول عائشة - بذلك فهو امتحانها، فإن أقرّت بذلك فهو امتحانها.

قال الله I (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) فيه دليل على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقيناً. (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) تأكيد (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) أي لا هنّ يحلِّون لأزواجهم الكفار ولا هنّ يحللن لهم لأن الاسلام قد فرّق بينهم إما أن يُسلم هذا الزوج وإلا الإسلام يفرّق بينهم، لا يمكن أن تكون المرأة تحت عصمة رجل كافر. فقوله (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) من باب التأكيد وقال بعض أهل العلم (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ) لبيان زوال النكاح السابق (وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) لامتناع النكاح الجديد، هذا قول وكِلا المعنيين واحد. يعني (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ) لبيان زوال النكاح السابق (وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) لامتناع النكاح الجديد. وهذه الآية هي التي حرّمت المسلمات على المشركين وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي eوقد كانت مسلمة وكان على دين قومه لكن أتت هذه الآية ففرّقت بين المسلمة والكافر.

ثم قال الله I (وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا) يعني أزواج المهاجرات من المشركين اِدفعوا إليهم الذي غرموه عليهم من الأصدقة، يعني أنتم الآن فرّقتم بينهم ما دام فرّقت بينهم ماذا تعطيه؟ تقول ما لك إلا المهر حقك، هذا المهر الذي دفعته نعطيك إياه أما هذه الأخت فبمجرد أن أسلمت وهذا من عدل الإسلام ما قلنا لا امرأة ولا مال! لا، نقول الزوجة إذا أسلمت تريد أن تكون زوجتك تسلم ما تريد الصداق الذي أصدقتها ومهرها الذي أعطيتها نعطيك إياه. (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي لا جناح عليكم أن تتزوجوا تلك المؤمنات المهاجرات التي ترك أزواجها بشرط أن تعطوها صَدَاقها لكن بعد انقضاء العدّة والولي وغير ذلك من الأحكام ليس المقصود أن تتزوجها هكذا وإنما لا بد أن تنقضي عدّتها ثم تدفع لها مهرها، ما تقول والله هذه ما لها أحد إذاً أنا أتزوجك مجاناً! لا، قال الله (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) تحريم من الله Uعلى عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن. وقد قيل هذه الآية هي في عابِدات الأوثان ومن لا يجوز نكاحها ابتداءً وقيل هي عامة نُسِخَ منها نساء أهل الكتاب. (بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) عِصَم جمع عِصْمة وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية والمراد هنا عصمة عقد النكاح. وفي الصحيح عن مروان بن الحكم: أن رسول الله eلما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاء نساء من المؤمنات، فأنزل الله U (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ) إلى قوله (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) فطلق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، تزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان ابن أمية. قال الزهري: أُنزلت هذه الآية على رسول الله eوهو بأسفل الحديبية حين صالحهم على أنه من أتاه منهم ردّه إليهم، فلما جاءه النساء نزلت هذه الآية، وأمره أن يردّ الصداق إلى أزواجهن.

قال (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) أي طالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللآتي يذهبن إلى الكفار إذا ذهبت يعني لو امرأة ذهبت إلى الكفار اطلبوا مهرها كما أنكم أنتم تعوّضون وهذا من عدل الإسلام من حقكم أن تطلبوا مهر تلك المرأة التي ارتدّت وذهبت إلى الكفار كما أنه من حقهم أن يطالبوا بمهور زوجاتهم التي ذهبت إليكم. (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) أي في الصلح واستثناء النساء منه فالأمر كله حكم الله Uهو الذي حكم بالصلح وهو الذي استثنى منه النساء.

ثم قال I (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا) قال مجاهد: هذه في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا فرّت إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئاً، فإن جاءت منهم امرأة لا يُدفع إلى زوجها شيء حتى يُدفع إلى زوج الذاهبة إليهم، يعني يسمى المعاملة بالمثل. قانون دولي الآن يسمونه "المعاملة بالمثل" يعني أنهم إن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار هؤلاء الذين ليس لكم عندهم عهد (فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا) فالعقاب هنا على بابه أي إن عاقبتم هؤلاء أي عاقبتوهم بعدم اعطائهم لأنهم لم يعطوكم. وهناك معنىً آخر للآية وهو إن لحقت امرأةُ رجلٍ من المهاجرين بالكفار أمر له رسول الله eأنه يُعطى من الغنيمة مثل ما أنفق يعني يعوّض يعني إذا كان مسلماً ذهبت امرأته يقال نعطيك من الغنيمة من صداق امرأتك لأن امرأتك راحت نعطيك من الغنيمة يعني مهر مثلها. وهذا لا ينافي القول الأول لأنها أحوال، ربما تذهب المرأة ولا يعطى، ربما يكون صاحب عهد، ربما لا يكون صاحب عهد، إلى آخره. الخلاصة الذي تدلّ عليه الآية أن الله أمر بالعدل وأن يُعطى الزوج الذي فرّق بينه وبين امرأته يعطى من المهر من أين؟ من الغنيمة. وكذلك المسلم إذا فرّت المرأة والكفار لم يعوّضوه يُعطى كذلك يعطى من الغنيمة.

 

قال ابن عطية (فَعَاقَبْتُمْ) المعاقبة في هذه الآية ليست بمعنى مجازاة السوء بسوء والمعنى: فصرتم منهم الى الحال التي صاروا إليها منكم وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجهم وهكذا هو التعقيب على الحمل والدوابّ أن يركب هذا عُقبةً وهذا عقبة، هذا يدلّ على القول أو تأكيد للمعنى الثاني. والمعنى الثاني هو الذي اختاره ابن جرير رحمة الله تبارك وتعالى عليه. لكن قال ابن عطية: هذه الآية كلها قد ارتفع حكمها. وقال القرطبي: كان هذا مخصوصاً بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة بإجماع.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل