برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء 17 - د. محمد السريّع

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 17 – الجزء السابع عشر - سورة الأنبياء وسورة الحج

د. محمد بن سريّع السريّع

سورة الأنبياء ومحورها الرئيس

هذا الجزء السابع عشر من كتاب الله يقع في سورتين هما: سورة الأنبياء وسورة الحج، والتّعرف على موضوعات السورة الرئيسة من أفضل طرقه هو التعرف عليها من خلال اسم السورة سيما إذا كان الاسم واردًا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أو كان وارداَ عن النبي صلى الله عليه وسلم من باب أولى.

سورة الأنبياء من موضوعاتها الرئيسية أنها عرضت قصص الأنبياء عليهم السلام: نوح وإبراهيم وموسى وأيوب وزكريا وداوود وسليمان وذا النون وغيرهم عليهم من ربهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.

عرضت مشاهد الأنبياء، قصصهم، علاقتهم مع ربهم جلّ وعلا، ولا شك أن هذا الموضوع هو من الموضوعات الرئيسة الكلية التي عُنيَ بها القرآن الكريم، فإن القرآن جاء لتقرير التوحيد وتثبيت الرسالة وصدق النبي صلى الله عليه وسلم وإثبات البعث بعد الموت، وأيضًا جاء لتقرير أمهات الشرائع والدعوة لمكارم الأخلاق نستطيع أن نقول أن هذه المحاور الخمس الرئيسة هي القضايا الكُلّية الكبرى التي جاء القرآن من أجلها نعيدها مرة أخرى: تقرير التوحيد، والعبودية لله جل وعلا ومعرفته، إثبات الرسالة، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، تقرير البعث بعد الموت والإستدلال عليه بأنواع الأدلة العقلية واليقينية، بيان أمّات الشرائع وأصولها الكبرى: كالصلاة والزكاة والحج والصوم والمعاملات المالية والمعاملات الاجتماعية، الدعوة إلى مكارم الأخلاق، وهذه المحاور هي مقاصد القرآن الكبرى التي جاء القرآن لبيانها. وثمة مقاصد فرعية التي هي موضوعات السور في ثنايا السور، فمثلاً سورة البقرة جاءت بعشرات الموضوعات لكن هذه هي الموضوعات الكبرى التي جاء القرآن لتقريرها والدعوة إليها.

محور سورة الحج وموضوعها الرئيس:

من أبرز موضوعات سورة الحج هو موضوع الحج (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ )[الحج: 27-28]، إلى آخر الآيات،

مع أنّ السورة ذكرت في البداية أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين،

وعرضت لشيء من مشاهد القيامة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ)[الحج1-2] إلى آخره.

عرضت لمشاهد الأبرار والفجار (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)[الحج:19]

وعرضت أيضاً للدعوة للتوحيد في ختامها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ )[الحج:77-78] إلى آخر الآيات.

هذه الموضوعات في كتاب الله وهذا مما يحسن التنبيه له: كتاب الله جلّ وعلا ليس كتابًا مدرسيًا ليست فيه حدود رياضية إذا تحدث عن موضوع لا يتحدث عن الموضوعات الأخرى،لا، وإنما هذا الكتاب يعرض لك الشرائع والتفاصيل الفرعية ويربطها بقضايا التوحيد والعقيدة والإيمان بالله وتذكر اليوم الآخر(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ)[النور:2] لماذا؟ (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[النور:2] ربط الأحكام الشرعية بالإيمان ارتباط وثيق جدًا وهذا واضح في سورة الحج. ولذلك كثير من آيات القرآن سيما التي فيها أوامر وزواجر تجدها مختومة بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، للتذكير بالتوحيد والارتباط بالله عز وجلّ والحث على الالتزام بمثل هذه الأوامر والنواهي، لا يوجد واعظ للمؤمن وللإنسان أكثر وأعظم من إيمانه بالله وإيمانه باليوم الآخر ولذا يأتي التذكير بهما كثيرًا، وهي تثّنى وهذا أحد صفات القرآن الكريم "مثاني" يعني تثنى: تُعرض مرة بعد مرة.

وقفات مع آيات سورة الأنبياء:

اشرنا أن الموضوع الرئيسي هو ذكر الأنبياء وقصصهم ولجوئهم، قصص الأنبياء تكررت في القرآن الكريم وكل قصة تتكرر في القرآن الكريم تُذكر في سورة لهدف وتذكر بتفاصيل قد لا تذكر في مكان آخر كما قرر العلماء، هنا ربما الشيء البارز هو قضية لَجَأَ الأنبياء إلى الله وحسن قربهم ودعائهم إلى الله سبحانه وتعالى، ونلاحظ في كثير من قصص الأنبياء التي ذُكرت أنهم وقعوا في ورطات، وقعوا في مضايق في أزمات وشدائد مرّت بهم كيف تخلصوا من هذا الشدة؟ كيف لجأوا إلى الله عز وجل؟ ثم كيف الله سبحانه وتعالى أنقذهم منها؟

هذه السورة فيها حديث عن الأنبياء ولكن نلحظ أن فيها حديث عن دعاء الأنبياء ولجئهم إلى ربهم الكريم الرحيم جلّ وعلا الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، هذا حاضر في قصة أكثر من نبي بالإضافة إلى قصة إبراهيم عليه السلام التي أخذت حيزًا واسعًا من السورة، لكن انظر بعد ذلك إلى قصة نوح عليه السلام يقول الله جلّ وعلا (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ)[الأنبياء:76] نادى أي دعا، القصة هنا توجهت إلى الدعاء لم تدخل في التفاصيل التي مرّ بها نوح وإنما مباشرة توجهت إلى الدعاء لله (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ)[الأنبياء:76]،أي اُذكر نوحًا إذ نادى من قبل، دعا الله عز وجلّ وناداه قال الله (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) [الأنبياء:76] ومما هو معلوم في لغة العرب أن الفاء هي للترتيب مع التعقيب جاءت إجابة الدعاء مباشرة لم يكن ثمة تراخٍ بين دعوته وبين إجابة الدعاء، وهذا تأمله في آية الدعاء التي وردت في سورة البقرة في أثناء آيات الصيام يقول الله جل وعلا: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي)[البقرة:186] ما قال: فقل لهم إني قريب، وإنما قال: ( فَإِنِّي قَرِيبٌ)[البقرة:186]، ثم قال: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)[البقرة:186]أيضًا حتى حرف العطف غير موجود: (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)[البقرة:186] .

هذا موجود أيضًا في قصة نوح عليه السلام: (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ[الأنبياء:76] هو كرب -حتى هذه الكلمة في الحقيقة بالغة الدلالة والدقة في الحالة النفسية والشدة التي نزلت بنوح ليست شدة عادية وإنما هي كرب- وليس كرب فقط وإنما هو كرب عظيم - نسأل الله أن يفرج عن كل مسلم في هذه الليلة كل كرب نزل به- اللهم آمين.

لاحظ يقول الله جلّ وعلا (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)[الأنبياء:76] وهذا الكرب هو كرب عظيم، ثم (وَنَصَرْنَاهُ) ممن؟ (مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) ثم وصفهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ)[الأنبياء:77] هذه الآية فيها مجموعة من الدلالات التي يضيق الوقت في الحقيقة عن استعراضها.

مشهد آخر من مشاهد دعاء الأنبياء: دعاء أيوب عليه السلام - والآيات دقيقة جدًا في تصوير حالته النفسية بشكل كبير جدًا وهو أبو الصابرين إذا ذُكر أيوب عليه السلام يُذكر الصبر - يقول الله جل وعلا: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ)[الأنبياء:83] أيوب إذ نادى: أي القصة في قضية نداء أيوب عليه السلام، أيضًا التمحور في الدعاء هي في قضية دعائه ليست في قضية دعوته لقومه ولا حتى فيما واجهه وإنما: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ )[الأنبياء:83]  لاحظ التعبير هنا بهذا الاسم الكريم "الرب" دون غيره من الأسماء الحسنى الذي يتضمن العناية بالمربوب: كلاءته، القيام عليه، رعايته، تنشئته من حال إلى حال، دفع ما يضره وجلب ما ينفعه - اسم عظيم مايسمى به إلا الله - ولذلك الدعاء دائماً بهذا الاسم الكريم في غالب الآيات يأتي الدعاء بهذا الاسم - بداية من قصة آدم عليه السلام وتوبته (ربنا ظلمنا أنفسنا) - قال: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ )[الأنبياء:83] وأضاف الرب إلى ضميره فيه تلطف وعناية بهذا المربوب لم يأت كما في غير القرآن: إذ نادى الرب وإنما قال: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ )[الأنبياء:83] مع أنه ربٌ لكل الخلق ولكن خصّه بهذا الأمر (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[الأنبياء:83] هذا الدعاء فيه أنواع من التوسل:

أولاً التوسل بما يعلمه الرب جلّ وعلا من الضرّ الذي أصاب الإنسان، هو التوسل إلى الله بالانطراح بين يديه وذكر حالة الإنسان واللجأ إليه والرغبة والرهبة وأنه قد أصابه من الضر ما لا يكشفه إلا أنت جلّ وعلا، - اختصر كل ما نزل به من شدة وبلاء أي أنت أعلم أني مسني الضر- ولاحظ التعبير: (الضر) وليس مسّني ضر، فالألف والام فيها استغراق فيه دلالة على أنه ضرٌّ عظيم، مع أنه قال مسّني الضر والله جلّ وعلا عذابه أعظم من ذلك لو كان الموضوع تعذيبًا ولكن هو فقط تذكير من الله عز وجل. ثم أيضاً يأتي التوسل قال: (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[الأنبياء:83]، ذكر حالته وتوسل إلى الله جلّ وعلا بأسمائه الحسنى :أنت أرحم الراحمين. ابن القيم عليه رحمة الله كما في الصواعق المرسلة يقول: "إذا تأملت هذا الكون علمت أنه ممتلئ برحمة الله إمتلاء الكون بهوائه والبحر بمائه" والله جلّ وعلا هو أرحم الراحمين ليس فقط رحمته بالمؤمنين بل حتى رحمته بالكافرين فهو يخلقهم ويرزقهم ويدرأ عنهم الكثير من الشرور يمدهم بالأموال والأولاد. إذن رحمة الله جل وعلا لو عَِريَ الإنسان عنها لهلك، تأمل معي  كيف أن القرآن افتتح بقوله (بسم الله الرحمن الرحيم) الاسم الأعظم الله ثم الرحمن الرحيم ليس ذلك فقط وإنما بعد ذلك في آية (الحمد لله رب العالمين) ثم نعود: (الرحمن الرحيم) وإذا علمنا أن رحمة الله قد سبقت غضبه أيقن الإنسان.

قال الله عز وجلّ بعد ذلك له (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ)[الأنبياء:84] ليس هذا فقط وإنما (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)[الأنبياء:84].

أيضاً في مشهد آخر من مشاهد الأنبياء ودعائهم يقول الله جل وعلا (وَذَا النُّونِ )[الأنبياء:87] يونس عليه السلام صاحب النون لأنه التقمه الحوت وهو مليم: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا)[الأنبياء:87] وأيًّا ما قال المفسرون في مسألة ذهابه مغاضبًا هل لأن قومه تأخروا في الاستجابة، أو تأخر نزول العذاب عليهم، أياً ما كان ذهابه (إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا)[الأنبياء:87] فهو في كرب عظيم في ظلمة في بطن حوت وفي بحر، لو تاه الإنسان في الصحراء وهو في سيارته لمدة خمس دقائق يُخشى عليه أن يفقد عقله من الخوف وإذا ركبت الطائرة في ظلمة الليل وكنت في لجة المحيط في أعلى المحيط أشرِف من النافذة لترى الليل البهيم الذي يختلط لا تعرف أوله من آخره، هذا النبي الكريم هو في بطن حوت في بحر لجيّ قد اكتنفته الظلمات من كل الجهات (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)[الأنبياء:87] توسل إلى الله بالتوحيد (لا إله إلا أنت) ثم بعد ذلك اعترف بين يدي ربه جلّ وعلا بذنبه (إني كنت من الظالمين) وإنما يؤتى الإنسان من قِبَل نفسه، من ذنوبه، الله جل وعلا يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )[الشورى:30]، ولذلك أقول لنفسي وأقول لأخواني وأخواتي وأقول لكل مكروب إذا أصابنا البلاء والضر والكرب -وكلنا يصيبنا الكرب- فعلينا أن نعالج أنفسنا من منطلق (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ )[آل عمران:165] ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة وإذا كان هذا هو نبي الله عليه السلام يقول إني كنت من الظالمين، فما أحمقه من إنسان الذي يظن أنه لا يقع في الذنوب ولا تكفّر سيئاته، بل كلما قلّت ذنوب الإنسان كلما عرف من أين أوتيّ، ومن كثرت ذنوبه فإنه لا يعرف من أين أوتيّ والعياذ باللهّ!! المقصود أن هذا مشهد من مشاهد دعاء الأنبياء عليهم السلام وتوحيدهم لله جلّ وعلا ونركز على أنه كيف أن هذه الأدعية مقرونة بالتوحيد والإيمان، حيث قال: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ)[الأنبياء:87]، والدعاء بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، قال الله:( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ(88) الأنبياء).

وهنا قضية ووقفة مهمة (وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) بعد أن سرد الله سبحانه وتعالى قصص هؤلاء الأنبياء وما وقعوا فيه من شدة وكيف لجأوا إلى الله، والله عز وجل نجاهم قال: (وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ)[الأنبياء:88] هنا ختام مهم لنا نحن أننا إذا سرنا على ما سار عليه الأنبياء فإذا وقعنا في شدة ولجأنا إلى الله سبحانه وتعالى فإن الله عز وجل سينجينا، وهذا الأمر ليس خاصا بيونس أو أيوب أو نوح عليهم السلام وإنما هي قاعدة حتى لا يظنّ ظانّ أن هؤلاء أنبياء الله ولهم عنده من المكانة والزلفى وهم كذلك ولكن قال الله: (وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ)[الأنبياء:88] القاعدة هي الإيمان ولذلك في كتاب الله جل وعلا في كثير من الأحيان لا تربط الأحكام والنتائج والثواب والعقاب على الأسماء والأعلام الشخصية وإنما تُربط على الصفات: من كان مؤمناً نجّاه الله كما نجّى عباده المؤمنين.

نسأل الله أن ينجينا وينجي المسلمين من كل كرب في هذه الحياة.

وقفات مع سورة الحج:

قضية التوحيد البارزة في هذه السورة وربط نسك الحج بالتوحيد.

الحج هو توحيد من أوله إلى آخره، والذكر إنما هو توحيد، الذكر إنما هو إعلان بتوحيد الله وإن تتأمل في سائر الأذكار تجدها هي توحيد وإفراد لله جلّ وعلا بالعبادة. وإذا تأملنا في آيات الحج الواردة هنا أو التي جاءت في سورة البقرة نستخلص منها مقاصد الحج الكبرى:

·        أعظم هذه المقاصد وأولها التوحيد.

·        الثاني: إقامة ذكر لله.

·        الثالث: تحقيق التقوى.

هذه المقاصد الكبرى ثم بعد ذلك ثمة بقية مقاصد لكن هذه تلتقي حولها كثير من المقاصد. يقول الله جل وعلا في هذه الآيات: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)[الحج:26] توحيد، (لا تشرك بي شيئاً) هذا نكرة في سياق النهي، أي لا تشرك بي أيّ شيء، لا تشرك بي أيّ شيء، أي مشرَك به وأي شرك صغير أو كبير. (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ)[الحج: 26] تطهيره أولاً من الشرك وتطهيره من البدع، الطهارة الحسية والمعنوية والطهارة المعنوية أولى من الطهارة الحسية. (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ الله (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )[الحج:28] قال الله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ)[الحج:28] موضوع الذكر يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة يروى موقوفاً ومرفوعاً: إنما جعل الطواف في بالبيت  وبين الصفا والمروة ورمي الجمار من أجل إقامة ذكر الله جلّ وعلا. 

قال: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ)[الحج:28-29-30] هذا هو التوحيد الحقيقي حين يمتلئ قلب الإنسان من تعظيم ربه جلّ وعلا ليس كما يقع من بعضنا أحياناً يطوف بالبيت وهو ساه وهو غافل وهو يتلفت، يرمي  رمي الجمار وكأنه خارج في نزهة أو خارج في معركة، لا يتعبد لله جل وعلا بهذه المناسك.

قال الله جلَ وعلا: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)[الحج:30]، توحيد مرة أخرى. (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ )[الحج:31] تأكيد وتصريح، (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء)[الحج:31] أيضاً تذييل وتشبيه وضرب الأمثال على قضية التوحيد (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(32) الحج) توحيد وتعظيم لله وأيضاً فيه ذكر للتقوى وطبعاً حقيقة التقوى ورأسها هو توحيد الله جلّ وعلا (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) الحج) التي هي بهيمة الأنعام التي تُنحر. (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم)[الحج:34] (منسِكا وفي قرآءتنا منسَكا) الهدف هو ذكر الله حتى هذه الأضاحي من النحر وغيرها لإقامة ذكر الله وهذه المناسك التي جعلها الله في كل أمة من الأمم ما جعلها مجرد طقوس وإنما جعلها لإقامة ذكر الله جلّ وعلا ثم عودة مرة خرى إلى التوحيد.

وهذا ملحظ مهم جداً وهو أن قضية النحر والذبح موجود في كثير من الديانات وهنا القرآن يلفت نظرنا نحن المسلمين إلى هذه الحقيقة المهمة جداً في ديننا وأنها مرتبطة بالعقيدة وأن قضية النحر والذبح ليست أمراً سهلاً. النحر والذبح والمناسك بل حتى الأعياد التي هي سمة في كل الديانات بل حتى الديانات الوضعية بل حتى المناهج الأرضية لكنها عندنا في شريعة الإسلام هي مرتبطة بالعقيدة والتوحيد، حتى ولو كانت أيام فرح وأيام لهو مباح هي أيضًا مرتبطة بالعقيدة، لذلك عيد الفطر بعد رمضان وعيد الأضحى بعد الحج وهكذا.

قال الله جلّ وعلا: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)[الحج:34] هذه الآيات لو وقفنا نحللها وكيف هي صيغ التأكيد على التوحيد لطال بنا المقام.

خاتمة السورة في قضية المثل المرتبط بالتوحيد مثل الذبابة يقول الله جلّ وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)[الحج:73] هذا نداء لكل البشرية، نداء للتفكر في هذا المثل المحسوس، بداية الآية بهذا النداء في الحقيقة يأخذ اللب، بعد هذه المشاهد التي مرت عليها السورة يقول الله جلَ وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) [الحج:73]، قف أيها الإنسان واستمع له بقلبك وأذنك (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج:73] إلى من تلتجئ؟! أين تذهب؟! يعني أين أُعيرت عقولكم تتركون الخالق وتتبعون المخلوق؟!!

السؤال السابع عشر:

ما أبرز مقاصد الحج في القرآن من خلال ما ذُكر في سورة الحج؟

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل