برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء 16 - د. العباس الحازمي

برنامج هدى للناس- رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 16 – الجزء السادس عشر

د. العباس الحازمي

الجزء فيه أواخر سورة الكهف وسورة مريم وسورة طه كاملتين.

يوجد في هذا الجزء السادس عشر 35 آية من آيات سورة الكهف وهي الجزء المتبقي من قصة موسى عليه السلام مع الخضر وقصة ذو القرنين وختام السورة بالحديث عن الآخرة. هذه الموضوعات الثلاثة التي تكونت منها خاتمة سورة الكهف وهي ما تبقى من هذا الجزء، وهذه الموضوعات الثلاثة تتمة لما سبق الكلام عنه، وهي من القصص المهمة في هذه السورة العظيمة مثل قصة موسى عليه السلام مع الخضر، وجاء فيها ختام هذه القصة وكيف افترقا بعد أن اشترط موسى عليه السلام ذلك الشرط على نفسه ثم حصل الفراق وبيّن الخضر تلك الأسرار العظيمة التي اشتمل عليها العلم الذي علمه الله عز وجل إياه.

أما القسم الثاني من هذه الخاتمة فهي قصة ذو القرنين وهي أنموذج للحاكم المسلم الذي يتجول في أنحاء الأرض ليقوم بالمهمة الحقيقية والواجب الحقيقي الذي يجب على كل حاكم مسلم، فقد ذكر الله عز وجلّ في هذه القصة أن له ثلاث رحلات رحلة أنا أسميها رحلة برية ورحلة بحرية ورحلة جبلية، بحرية (مغرب الشمس) والبرية (عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا)[الكهف:90] فلم يكن يحمي هؤلاء القوم من الشمس لا جبل ولا شجر ولا جدار أرض ممتدة، والجبلية (بين الصدفين) وفي كل رحلة كان لذلك الحاكم المسلم واجب عظيم يقوم به، فالرحلة البحرية كان يدعو فيها إلى الله عز وجل، والرحلة البرية كان ينمّي شعبه ويبني لهم بيوتهم ويقيهم حرّ الشمس ويقوم بمصالحهم، والرحلة الجبيلة كان يصلح بين الناس ويدفع أذى المفسدين وبهذا يقوم البلد المسلم والمجتمع المسلم على هذه الأركان الثلاثة.

ثم ختمت السورة بمثل ما بُدأت به، ونحن نعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكر فيه أن من قرأ وحفظ عشر آيات في رواية من أول السورة وفي رواية من آخرها والمتأمل في الآيات العشر المذكورة في هذه السورة يجد أنها تأكيد  للمعاني العشر التي تضمنتها الآيات الأولى من السورة، وهذا إعجاز عظيم لهذا الكتاب العظيم كما وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن من قرأها عُصم من الدجال، فالذي يؤمن ويوقن حق اليقين باليوم الآخر والبعث والجنة والنار وقدرة الله عز وجلّ على ذلك اليوم وعلى الحكم بين الناس يعرف أن ما يأتي به الدجال من أمور إنما هي من الفتن التي يعصم الله عز وجلّ بها عباده المؤمنين.

افتتحت السورة بالحديث عن القرآن (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)[الكهف:1] وختمت بالحديث عنه (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا(109) الكهف )، وهي من أعظم الآيات التي تبين عظمة الله تعالى وهي لو ان البحر جعل مداداً لكلمات الله لأنتهى البحر ولم تنفد كلمات الله والمقصود بالكلمات هنا هي الكلمات الكونية وهي أوامره ونواهيه وقضاؤه وقدره والذي منها العلم الذي أوتيه الخضر ومنها المُلك الذي أوتيه ذي القرنين، والذي منه كل ما قدره الله عز وجلّ، فالمراد هنا بالكلمات الكلمات الكونية التي لا يغادرها برّ ولا فاجر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم .

وكما ذكرنا السورة بدأت بالحديث عن القرآن الكريم (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا(1)الكهف) وختمت بقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الحديث عن الوحي.

سورة مريم

سورة مريم سورة مكية وجاء فيها ذكر عدد من قصص الأنبياء، وقصص الأنبياء في هذه السورة ركزت على إبراز رحمة الله عز وجلّ بأولئك الأنبياء وعبوديتهم له وهذا محور السورة: رحمة الله لأوليائه وعبوديتهم له، وهذه الرحمة في كل قصة تجلت بشكل مختلف لا يشعر بها إلا من عايش ذلك الظرف، فمثلاً: قصة زكريا ويحي عليهما السلام: الأب نبي وكان يتمنى الولد فوهبه الله ولداً نبياً والقصة الثانية: مريم جاءها الولد وهي لا تريده  (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا)[مريم:23] قارن مقولة مريم بمقولة زكريا عليه السلام : (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)[مريم:5-6] هذه اللهفة الشديدة لحصول الولد يقابلها ذلك الألم الشديد والتأثر الشديد من حصول هذا الولد الذي لم تكن تعرف هذه المنزلة العظيمة التي سوف يتبوؤها، ومثلها تماماً قصة ابراهيم عليه السلام وهي القصة الثالثة فهذا الولد النبي يخاطبه أبوه يقول له (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)[مريم:46]، فهي تتركز حول قصص بيوت وعائلات الأنبياء وكيف أن الله عز وجلّ رحمهم، ولهذا عندما حُرم إبراهيم عليه السلام - إن صح التعبير - من أن يسلم والده ويؤمن قال: (وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) مريم) فوهبه الله إسحاق ومن ورائه يعقوب ومن قبلهم إسماعيل فعوّضه الله عز وجل عما فاته من أن يدخل أبوه في هذا الدين (وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا)[مريم:49]

في السورة حديث عن قضية ترك الصلاة وخطورته في قوله سبحانه وتعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) مريم) الإشارة إلى ذكر الصلاة له مناسبتان:

أولاً: أن هذه السورة في نصفها الثاني ذكرت انقسام الناس إلى فريقين المؤمنين فريق والفريق الآخر: الكافرين أو المشركين أو الفساق والعصاة، وذكرت نموذجاً لهؤلاء الفساق والعصاة وهو تركهم الصلاة، والمناسبة الثانية لذكر الصلاة هنا أنها جاءت على لسان أحد الأنبياء عندما أثنى الله عز وجلّ عليه قائلاً: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ)[مريم:55] فجاء ذكر الصلاة هنا تأكيداً على أن هذه الشعيرة العظيمة هي أعمال الأنبياء من شعائر الأنبياء من شرائع الأنبياء التي كانوا يقومون بها ويوصون بها أهلهم وأولادهم ذريتهم فمن تركها فليس من هؤلاء الأنبياء وإنما هو من الفريق الآخر الذي أخذ الله عز وجلّ بالعقوبة التي أعدها لهم، هذا سبب ذكر الصلاة في هذا الموضع، وذكر هذه العقوية العظيمة التي أشرنا إليها بل وذكر النعيم العظيم الذي فاتهم عندما يقول الله عز وجل:  (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) مريم) فذكر النعيم الذي فاتهم فيه تقريع أيّ تقريع، فيه توبيخ فيه ذكرٌ للأجر العظيم الذي فاتهم من جرّاء ذلك الأمر.

خواتيم الآيات في سورة مريم فيها قوة (إدّا، هدّا، عبدا) هذه الخواتيم تتناسب مع الافتراء الذي ذكره المشركون حينما قال سبحانه وتعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا(88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا(89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) مريم) يوجد تناسب بين خواتيم هذه الآيات والموضوع الذي ذكر فيها، وختام الآيات، عكس ما كان في بداية السورة من لطف وتناسب جرسها - إن صح التعبير - مع الرحمة التي ذكرت في بدايات السورة ليظل صوت ذلك الحرف في آخر السورة يزعج آذان هؤلاء المشركين ويلفت انتباههم إلى عظم الجُرم الذي وقعوا فيه، والمخاطَب هنا في هذه الآيات هم المشركون عموماً، سواء من أهل الكتاب الذين ادّعوا أن عيسى عليه السلام ابن لله أو عُزير ونحوه، أو المشركين من العرب الذين ادّعوا أن الملائكة بنات الله، فكل هؤلاء مخاطبون بهؤلاء القوارع والزواجر.

سورة طه

هذه السورة سورة طه أيضاً سورة مكية، نزلت بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني من المشركين التكذيب والإيذاء والصد والإعراض وإشاعة الشائعات عنه صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه السورة ليكون محورها: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا تركزت القصة التي جاءت فيها قصة موسى عليه السلام في مراحل مختلفة من حياته وفي كل مرحلة من مراحل حياة موسى عليه السلام وما ذكر من قصته في هذه السورة تسلية للنبي وتسرية عنه.

محاور هذه السورة:

أول محور من محاور هذه السورة العظيمة: موسى عليه السلام عند بدء الرسالة والتكليم الإلهي، وذلك الموقف العظيم عندما رَأى موسى عليه السلام وهو قادم إما من فلسطين أو نحوها إلى مصر رَأى تلك النار فقال لأهله : (امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)[طه:10] ثم يناديه الله عز وجل بذلك النداء العظيم: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى(12) طه) هذا النداء العظيم الذي هزّ جوانب موسى عليه السلام لينقله من الحياة العادية إلى حياة النبوة والرسالة ويحمّله تلك الأمانة العظيمة التي سوف يحملها إلى فرعون وقومه.

بعد ذلك تتابعت أحداث القصة وبين الله منته على موسى (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38) طه) قصة نجاة موسى من فرعون ومن البحر، والله تعالى بعد ذلك يقول (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)[طه:39] كونه يتربّى في بيت فرعون.

هذه القصة في تاريخ حدوثها قبل التكليم، وقبل بعثة موسى عليه السلام، وسبب مجيئها في هذا المكان أنها من حديث الله عز وجل لموسى عليه السلام وإبراز نعمه عليه، لأن موسى عليه السلام سأل الله عز وجلّ ودعاه، وكان موسى عليه السلام كما أخبر الله عز وجلّ عنه قال: (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا)[الأحزاب:69]، ومعنى وجيا أنه مستجاب الدعوة كلما طلب من الله عز وجلّ شيئاً لبّاه له ولهذا دعا أن يكون أخاه معه نبياً فجعله الله نبياً قال:( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)[طه:36]ا، فجاء ذكر هذه الحادثة المتقدمة زمناً في هذا الموضع في سياق بيان منة الله عز وجل وأن الذي نجاك في صغرك قبل أن تدعوه سوف يلبي لك ما طلبته الآن وقد حُمّلت هذه الأمانة العظيمة وهذا هو أحد معاني "وكان عند الله وجيهاً" ويمكن أن يطرح بعضهم ويقول: لكن هذا يتعارض مع كونه سأل الله عز وجلّ الرؤية فمنعه الله عز وجل. لكن هذا مما قدّره الله عز وجلّ أن لا يكون للبشر في هذه الحياة.

موسى وهارون في مواجهة فرعون

التكليف من الله لموسى وهارون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَ (44) طه)

يمكن لقارئ هذه الآيات أن يتخيل ذلك الجبروت وذلك الطغيان الذي كان يمثّله فرعون في ذلك الوقت ولكن القارئ يجب أن يتذكر أيضاً تلك الشحنة القوية وتلك المعاني العظيمة التي حملها موسى عليه السلام منذ أن كلّمه الله عز وجل وبعد أن امتنّ عليه بنعمه وذكّره أنه امتن عليه هذا الشعور العظيم الذي يحمله موسى عليه السلام لا شك أنه سيكون عوناً له في مجابهة ذلك الطاغية وذلك الجبار ولهذا استغرب فرعون كل الاستغراب من هذا الذي يخاطبه بهذا الخطاب ما عرف ولا درى ولا جال في خاطره أن هذا يحمل من المعاني ويحمل من القوة ويحمل من العون ما لا يتخيله، ولهذا وقف موسى عليه السلام بين يدي فرعون وخاطبه ذلك الخطاب القوي، وجرى بينهم أيضاً ذلك الحوار التفصيلي الذي يدل على أن موسى عليه السلام قد استعد لذالك الحوار ولذلك اللقاء استعداداً كبيراً، فخاطبه في تفاصيل الحياة وهذه في الحقيقة فيها فائدة للدعاة إلى الله عز وجلّ عندما يخاطبون الناس عندما يدعونهم يجب عليهم أن يعرفوا -إن صح التعبير- خلفية ذلك المدعو في ماذا يفكر وما هي اعتقاداته وما هي مبادؤه حتى يستطيع أن يرد عليها شيئاً فشيئاً .

(قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى(49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى(51) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لّا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى(52 طه )

لم يطرح فرعون شبهة إلا ورد عليه موسى بأعظم منها بجواب أتم منها.

ويمضي في السياق حتى يأتي مشهد موسى عليه السلام والسحرة، ذلك المشهد العظيم : (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى(60) طه) وألقى السحرة عصيّهم وجاء موسى بتلك الآية الباهرة، وانقلب السحرة من سحرة يؤيدون الفاجر المجرم إلى دعاة وضحّوا بحياتهم كلها.

وموقف السحرة هذا يقودنا إلى أمر مهم: وهو أن ذلك الطاغية الجبار فرعون عندما عجز وأفلس ونفدت كل حججه لجأ إلى إما أن يقول غوغاء الناس أو إلى طرح الشبهة من سائر أفراد المجتمه، ألّبَ عليه كل من يستطيع تأليبه، لكن عون الله عز وجلّ كان مع نبيه موسى عليه السلام حتى في ذلك الموقف. رباطة الجأش التي كانت لموسى عليه السلام في مجلس فرعون وبين يديه كانت أشد منها أمام أولئك السحرة ولهذا موسى عليه السلام خاطبهم وقال: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى(65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا)[طه:65-66] قمة الثقة بنفسه! وجاء الجواب (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)[أطه:66] سرعة استجابتهم استجابتهم لذلك الأمر نفّذوا أمر موسى عليه السلام مباشرة.

ينتقل السياق إلى خاتمة قصة فرعون وقضية هلاكه:

في هذه السورة لم يأتِ تفصيل مشهد هلاك فرعون كما جاء في سورة الأعراف وفي سورة الشعراء وجاء التفصيل في مشهد السحرة وتأثُرهم وموقفهم وتهديد فرعون لهم مع أنه ربما كان في ذلك الوقت أقل زمناً وأقل تأثيراً ولكن الله عز وجلّ في هذه السورة أهمل وأغفل ذكر فرعون وتلك النهاية العظيمة له جاءت في جملٍ يسيرة مختصرة في أربع آيات أو ثلاث آيات: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ(78) طه) كل ذلك الموقف العظيم لخّص في هذا الموقف لأنه منذ فشل السحرة في خطتهم ونجح موسى عليه السلام في اقناعهم بالدخول في ذلك الدين انتهت كل عُدة فرعون وعِدته ولم يبق بين يديه شيء فكانت هذه نهايتهم.

موسى والفتن التي تعرض لها بعد هذه النجاة مع قومه:

هذا هو محور السورة وعمودها وصلبها وهو بعد تلك الآيات العظيمة وتلك الدلالات الكبيرة وتلك المواقف التي مرّ بها موسى عليه السلام وشهد أكثرها قومه مع كل ذلك ما إن نجاهم الله عز وجلّ من تلك الفتن حتى وقعوا في الشرك أوالضلال وغيرها من الأعمال وفي ذِكر هذه القصة تسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن كفر قومك وشركهم ليس عن تقصير منك فهاهو موسى عليه السلام وأنت تقرأ في هذا القرآن هذا الجهد الكبير الذي بذله ومع ذلك قابله قومه بمثل هذا الجحود والنكران، ولم تجف أقدامهم بعدُ من ذلك البحر الذي نجاهم الله عز وجلّ من فرعون فيه حتى قالوا اجعل لنا إله كما لهم آلهة! واتخذوا ذلك العجل إلهًا أيضاً.

في نهاية السورة الحديث عن الحشر والآخرة وجزء من قصة آدم:

أما الحديث عن الحشر والآخرة فهو تأكيد لأن هذه من القضايا الرئيسية في كل رسالات الأنبياء وأن حديثهم عنها واحد، وأن كل نبي حذّر قومه من ذلك اليوم ونبأهم عنه فجاء ذكرها هنا بوصف عجيب عظيم في ذلك الموقف العظيم.

ثم جاء بعد ذلك إشارة يسيرة إلى قصة آدم عليه السلام وفيها وصف عجيب للجنة قال في وصف الجنة: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) طه) يذكر ابن القيم رحمه الله في سرّ وصف الجنة هذا: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى(118) طه) فالجوع: هو خلو الباطن، (وَلا تَعْرَى) والعُري: خلو الظاهر، هذا تقابل، (وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا ): الظمأ هو حرارة الباطن (وَلا تَضْحَى): حرارة الظاهر، وبهذا اكتمل نعيم الجنة بهذا الشكل، فلا الباطن فيها يخلو ولا الظاهر، ولا الباطن فيها تلحقه الحرارة ولا الظاهر.

السورة ختمت بوصايا لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وللتأكيد على المحور الذي أشرنا إليه في البداية يقول تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)[طه:130] والوصايا التي جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم في نهاية هذه السورة.

هذه الوصايا الثلاث أو الأربع شملت الأمور العبادية: من ذكر الله عز وجلّ والتسبيح وذكرت أيضاً الأمور الاجتماعية وصلته بأهله، وأيضاً وذكرت الأمور المتعلقة بنعيم الدنيا وأوصى الله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ)[طه: 131] فهذه الوصايا الثلاث هي جوانب متعددة من وصية الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم تثبيتا لقلبه أمام تلك الفتن وذلك الإعراض الذي واجهه من قومه.

 

قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)[طه:132] الاصطبار غير الصبر، والحديث عن الصلاة ولماذا جاء الحديث مفرداً في التركيز على قضية الأهل أو الابناء في قضية الصلاة دون غيرها من بقية الشعائرمع أهمية بقية شعائر هذا الدين؟

كما أشرنا سابقاً جاءت مثل هذه الوصية على لسان أحد الأنبياء في سورة مريم التي تكلمنا عنها قبل قليل قوله تعالى: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ)[مريم:55] وهذا من ترابط السورتين في موضوعاتهما، وأهل اللغة يقولون: "الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى" فزيادة الطاء في الصبر هنا "اصطبر" يدل على أنها أعلَى درجات الصبر لأن هذه العبادة العظيمة وهي الصلاة تحتاج إلى قدر كبير من الصبر (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة:45] كما أخبر الله عز وجل في سورة البقرة. وأيضاً تأكيد على وصية الأهل بها وأمر الأهل بها يدل على أن هذا مما يجب على الإنسان تجاه أهله وتجاه أهل بيته وكلما بذل الإنسان جهده في التأكيد على هذه الوصية كلما أعانه الله عز وجلّ على أن يكون هو ممتثلاً بها وكذلك أهله وأولاده.

وأيضاً نؤكد للإخوة والأخوات فكثير منا يعاني مع أبنائه في قضية النوم وإيقاظهم للصلاة وغير ذلك وربما يكون في شهر رمضان فالأمر أعظم فهذه وصية الله لنبيه فيجب علينا جميعاً أن ندرك أنه لأهميتها أفردها الله بالوصية وجعلها أحد وصاياه لنبيه عليه الصلاة والسلام بل أمره بالاصطبار عليها. نسأل الله عز وجلّ أن يهدي ذرياتنا ويجعلنا وإياهم من المقيمي الصلاة إنه وليّ ذلك والقادر عليه .

السؤال السادس عشر:

ماهو موضوع سورة مريم الرئيس؟

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل