تفسير سورة الأحقاف- المجلس الأول (2/2) - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الأحقاف- المجلس الأول (2/2)

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

ثم قال الله I (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) هَذِهِ من حُجَجِهِمْ البَاطِلَة، يقول: لَو كَانَ خير الإسلامُ هذا ما سَبَقَنا إليه الضُّعَفَاء، ونَحْنُ الصَّنادِيدْ أَهْلُ المَعرفة والعَقْل يَعْنُونَ بذلك بلالاً، وعَمَّاراً، وصُهَيْباً، وأشْباهِهِمْ، وَأضْرابِهِم من المُسْتَضْعَفين والعَبيد والإِمَاء، وذلك أنَّهُم يعْتَقِدُون أنَّ لَهُم عِنْد الله وَجاهَة، ولهم به عناية وقَدْ غَلَطُوا في ذلك غَلَطاً فاحِشاً.

(وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) أيّ بالقُرآن (فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ) أيَّ كَذِبْ (قَدِيمٌ) أيّ مَأْثُورٌ عَنْ الأَقْدَمِين فَيَنْتَقِصُون القُرآن وأهْلَه. وقُلْتُ لَكُم أنَّ الأحْقاف تُشْبِه إلى حَدٍّ كبير سُورة الجاثية فهُنا قالُوا عن القُرآن (إِفْكٌ قَدِيمٌ) ورَدُّوا الحَقّ الذِّي جَاءَ بِهِ النَّبي e، كما في سُورة الجاثية (يُصِرُّ كَأَنّ لَمْ يَسْمَعْها) أو (يَتَّخِذَها هُزُواً).

ثم قال الله I (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى)، (وَمِنْ قَبْلِهِ) أيّ من قَبْل القُرآن (كِتَابُ مُوسَى) وهُو التَّوراة (إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ) أيّ القُرآن (مُصَدِّقٌ) لِمَا قَبْلَهُ من الكُتُبْ (لِسَانًا عَرَبِيًّا) أيّ فَصيحاً، بَيِّناً، واضِحَاً (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ).

قال ابنُ عَطِيَّة عند قوله تعالى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) اللِّسان: مُحَمَّد، فَكَأَنَّ القُرآن بإعْجازِه، وأَحْوالِه البَارِعَة يُصَدِّقُ الذِّي جَاءَ به، وهو قَوْلٌ صحيحُ المَعْنَى جَيِّد.

ثُمَّ قال الله I (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) وقَد تَقَدَّم تفسيرُهَا في سُورة فُصِّلَتْ، وهؤلاء قَدْ جَمَعُوا بين التَّوحيد والاسْتقامة. (رَبُّنَا اللَّهُ) تَوْحِيد (ثُمَّ اسْتَقَامُوا).

وقَوْلُهُ (رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) أيَّ اسْتقامُوا بالطَّاعات، والأعْمال الصَّالحة.

وقال أبُو بكر: داوَمُوا على الإيمان، وتَرَكُوا الانْحِرافَ عَنْه.

قال ابن عَطِيَّة: وهذا القَوْل أَعَمُّ رَجاءً، وأوْسَعْ.

(فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أيّ فيما يَسْتَقْبِلُون (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) كَذلِكْ.

فالخَوْف: الهَمَّ بِما يُسْتَقْبَل. والحُزُن: هُو الهَمّ مِمَّا مَضَى.

وقَدْ يُسْتَعْمَل فيما يُسْتَقْبَل (استعارَة) لأنَّه حُزْنٌ لِخَوْفٍ ما.

قال الشَّوكاني رحمه الله: في هَذِهِ الآية من التَّرغيب أمْرٌ عَظِيم فإنَّه نَفَى الخَوْفَ، والحُزْنَ على الدَّوَام، والاسْتقرار في الجَنَّة على الأَبَد ممَّا لا تَطْلُبُ الأَنْفُسُ سِواه، ولا تَتَشَوَّفْ إلى مَا عَداه.

ثُمَّ قال I (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أيَّ الأَعْمال سَبَبٌ لِنَيْل الرَّحْمَةِ لهُم، وسُبُوغِها عليهم.

ثُمَّ قال I (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)

مُناسَبَة هذه الآية لِمَا قَبْلَها: أنَّ الله I لمَّا ذَكَرَ في الآية الأُولى التَّوحيد لَه، وَإخْلاصِ العبادة، والاسْتقامة إليه، عَطَفَ بالوَصِيَّة بالوالدين كَمَا هُو مَقْرُونٌ في غَيْرِ ما آيةٍ من القُرآن: كَقَوْلِه I (وقَضَى رَبُّكَ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاه وبالوالدين إحساناً) [ الإسراء: 23] وقال في آيَةٍ أُخْرَى (أنِ اشْكُر لي ولِوالِدَيْك) [ لُقمان:14] وقَدْ رَوَى أبُو دَاود الطَّيالِسي عَنْ سَعَد بن أبي وقَّاص أنَّ أُمَّ سَعْدٍ قالَتْ له: أليْسَ قَدْ أَمَرَ اللهُ بطاعَة الوالدين، فلا آكُلُ طَعاماً، ولا أشْرَبُ شَراباً حتَّى تَكْفُرَ بالله، فامَتْنَعَت مِنَ الطَّعام والشَّراب حتَّى جَعَلُوا يَفْتَحُونَ فَاهَا بالعَصَا، ونَزَلَتْ هذه الآية (وَوَصَيَّنا الإنْسَان بوالَديْهِ حُسْنَاً) [ العنْكبُوت: 8]

(حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا) أيَّ قَاسَت بِسَبَبِهِ في حَالِ حَمْلِه مَشَقَّةٍ، وتَعَبْ مِنْ وِحَامٍ، وغَشَيانْ، وثِقَلٍ، وكَرْبٍ وغَير ذلك (وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) أيّ بِمَشَقَّةٍ كَذلِكْ مِنَ الطَّلْقِ وشِدَّتَه.

ولِذلِكْ كانَ رَجُلٌ يَطُوفُ بِأُمِّهِ وهُوَ حَامِلٌ لها عَلى كَتِفَيْه

فَرأَى ابْن عُمُر فقال لَهُ: يا ابْن عُمَرْ أرَأَيْتَ أنِّي قَدْ جَازَيْتُها؟

قال: ولا بِطَلْقَةٍ من طَلَقاتِها.

فالحَمْل فيه مَشَّقَة، والوَضْعُ كذلِكَ فيه مشَّقَة، وكَمْ من الأُمَّهَات لَفَظَت أنْفاسَهَا قَبْل تَطَوُّر الطِّبْ عِنْد وَضِعِها لِوَلَدِها، كثيرٌ من الأُمَّهات تتعسَّر ولادتها قبل تَطوِّر هذا الطِبّ فَتَمُوت قَبْل أنْ تَضَعَ جَنِينها.

ثُمَّ قال سُبْحانه (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) اسْتَدَلَّ بعْضُ أهل العِلْم أنَّ مُدَّة الحَمْل سِتَّةَ أشْهُر بهذه الآية لأَنَّ الله تعالى قال (والوَالِدَاتُ يُرضِعْن أولادَهُنَّ حَولَيْن كَامِلين) [ البقرة: 233]

والحولين: أربَع وعشرين شهْر، وبَقِي: سِتَّةُ أشْهر.

وقال الله سُبْحانه هنا (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) وفِصَالُهُ: إرْضَاعُهُ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّة - رحمه الله -: وبِرُّ الوَالدين واجِبٌ بهذه الآية وغَيْرِها، وعُقُوقُهُما كَبيرَةٌ من كَبائِر الذُّنُوبْ.

وقَال ابْن عَطِيَّة: ذَكَر الحَمْلُ للأُمّ، ثُمَّ الوَضْع لها، ثُمَّ الرَّضَاع الذِّي عَبَّرَ عَنْهُ بالفِصَالْ، وهذا يُناسِبُ ما قال الرَّسُول e حيْثُ جَعَل للأُمَّ ثلاثَةَ أرْباع البِرّ، والرُّبُع للأَبْ. لأنَّه ذَكَرَ في هذه الآية (الحَمْلُ والوَضْعُ والرَّضاع).

ثُمَّ قال الله سُبْحانه وتعالى (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) أيّ قَوِيَ، وشَبَّ، وارْتَجَلْ.

وبُلُوغُ الأَشُّدّ

قيل: أربعين سَنة لِتَفْسير مَا بَعْدَه.(حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً).

وقيل: ثمانِيَةَ عَشَرَ عامَاً.

وقيلَ: ثلاث وثلاثين.

وقال الجُمهُور: سِتٌّ وثلاثُون. وقَوَّاهُ ابْن عَطِيَّة. ورأَى أنَّ الأَرْبَعين ليْسَ تفْسيراً لِبُلُوغ الأَشُّدْ، وإنَّما هو حَدٌّ للإنْسان في صَلاحِه، ونَجَابَتِهِ.

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) أيّ في المُسْتَقبَل. (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) أيّ في نَسْلِي وعَقِبَي (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

قال ابْن كثيرٌ – رحمه الله: هذا فيه إرْشَادٌ لِمَنْ بَلَغَ الأرْبعين أنْ يُجَدِّد التَّوْبَةَ، والإنابَة إلى الله عَزَّ وجَل، ويَعْزِمْ عليها.

وقال الشَّوكاني – رحمه الله: يَنْبَغِي لِمَنْ بَلَغ الأربعين أن يُكْثِرَ من تِكْرَارِ هذا الدُّعَاء.

ثُمَّ قال الله سُبْحانه وتعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) أيّ هَؤلاء المُتَّصِفُونَ بِمَا ذَكَرَنا، التَّائِبُون إلى الله، المُنيبُون إليه المُسْتَدْرِكُون مَا فَاتَ بالتَّوْبَة، والاسْتغْفار هُمُ الذِّين يَتَقَبَّل الله سبحانه وتعالى عَنْهُم أحْسَنَ ما عَمِلُوا، ويَتَجاوَزُ عَنْ سيِّئاتِهِمْ.

(فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ) أيّ في جُمْلَتِهِم وهذا حُكْمُهُم عند الله سُبْحانه وتعالى (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) أيّ هذا هُو الوعْد الصِّدق الذِّي لا يَتَخَلَّفْ.

 

وَبِهذا نكُون قد اْنْتهَيْنا من هذا المجلس، ونَقِفُ عند الصِّنْف الثَّاني وهو قَول الله عَزَّ وجل (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل