برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء 14 - د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري

برنامج هدى للناس- رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 14 – الجزء الرابع عشر

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري

سورة الحجر وسورة النحل

الحمد لله والصلاه والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أؤكد دائما على أنه ينبغي أن يكون عندنا نظرة إجمالية على السورة ثم نظرة تفصيلية، فقبل أن تبدأ بالنظر في تفاصيل الآيات ومعانيها الدقيقة أنظر نظرة بعيدة فمثلا عندما أدخلك إلى مدينة و أدور بك في شوارعها قد لا تفهم ما حقيقة هذه المدينة ومما تتكون، لكن لو أني أعطيتك إطلالة من بعيد على هذه المدينة لعرفت حدودها وعرفت اتجهاتها وأهم معالمها، ثم أدخلتك في المدينة فستصبح على دراية بكل تفصيلٍ أو بكل جزء من جزئياتها بسبب أن عندك معلومات سابقة عنها. كذلك سور القرآن الكريم عندما تكون مطلعا على موضوعاتها الإجمالية وعلى محور كل سورة من سورها ومقصودها، سيكون ذلك سببا في فهمك لآياتها، ولعمقك عندما تفهم الآية أن تعرف لماذا سيقت هذه الآية في هذا المكان؟ ولماذا جيء بهذه القصة في هذه السورة؟ ولماذا اختير هذا المثال أو هذا الجزاء لهذه الطائفة هنا ولم يختر للطائفة الأخرى المماثلة في سورة أخرى؟

سورة الحجر:

افتتحت هذه السورة بمجادلة المشركين الذين يعارضون إرسال الرسل ويعارضون إنزال الكتب ويستغربون هذا الأمر ويقترحون من عند أنفسهم إقتراحات غريبة ومنكرة، فالله عز وجل ناقشهم مباشرة قال: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ(4) الحجر) لا بد أن يقيم الله الحجة على كل أحد. فلا تظنوا أن عملية إرسال الرسل قضية رفاهية وأمر زائد لمن شاء أن يؤمن ومن شاء أن يكفر ولا حاجة للناس بذلك ويمكن أن يعيشوا حياة سوية وأن يحققوا مآربهم ومطالبهم من دون أن يكون هناك كتاب منزل من عند الله أو رسول يقوم ببيان هذه الحجة من الله سبحانه وتعالى، لا يمكن أبداً أن يعيش الناس سعداء وأن يفلحوا ويحققوا مآربهم الدنيوية وينجوا من عذاب الله في الآخرة إلا بأن يتبعوا هذه الكتب وأن يسيروا خلف هؤلاء الرسل. 

قال الله عز وجل:(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)) هذا ما يقابلون به الرسل (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) الحجر) قال الله ردا عليهم (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ)[الحجر:8] الذي كتبناه أن الملائكة ما تنزل إلا بتنفيذ أوامر الله بإنزال العقوبات على الأمم المكذبة. قال:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) الحجر) 

ثم ذكر أمرًا من المهم أن يفهمه كثير من الناس، فبعض الناس يقول هؤلاء المشركون اقترحوا اقتراحات فلماذا لم يجبهم الله عز وجل إليها؟ نقول لهم هؤلاء الذين ما آمنو بما هو واضح وبما هو دليل ظاهر لن يؤمنوا بما اقترحوه، لأنه لو أجبناهم بما اقترحوا به لقالوا نحن قد سُحِرنا قال عز وجل:(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) الحجر) إما سُكرت بمعنى سُحرت أو بمعنى أغلقت فهذا جوابهم بكل آية يقترحونها فيجابون إليها وسيحصل أمر آخر وهو إقامة العذاب، لأن من طلب آية فحُققت له ثم لم يؤمن، حق أن ينزل به العذاب كما قال تعالى في سورة المائدة (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين). 

بعد ذلك انتقلت السورة وهي مكية إلى موضوع آخر وهو دلائل القدرة والتوحيد، هذه الآيات يقيمها الله عز وجل حجة على عباده:

أولاً: ليبين لهم أنه هو الخالق الذي لا يستحق العبادة أحد سواه

ثانياً: لبين لهم أنه هو القادر على كل شيء، فهذا الذي تستبعدونه من نزول العذاب عليكم هو أيسر شيء على الله (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82) يس) ولذلك قال الله عز وجل:(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) الحجر) فاشكروا الله واحمدوه (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) الحجر) خزائن السموات والأرض بيده وما ينزل من ماء أو رزق أو خير أو سعادة أو عز أو نصر أو ذل أو غير ذلك إلا وهو منزل بقدر، حبيبات المطر هذه ينزلها الله عز وجل وقد علم ماذا سينزل منها من السماء إلى الأرض عدًا ووزنًا وقدرًا وإلى أين ستذهب وكيف سترجع قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22) الحجر) إلى أخر الآيات. 

ثم ذكر بعد ذلك قصة الخلق وكيف وُجِد آدم عليه السلام، ذكرت بشكل موجز يتناسب مع جو السورة وإقامة الحجة على المشركين.

سورة الحجر تتميز بأن فيها نوع من الإخافة والتحذير والنذارة لكل من بلغته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستجيب له، ولذلك اختير لها اسم الحجر الذي يُنبئ بالعذاب، كما عذب أصحاب الحجر يقول الله عز وجل :(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) من قبل الإنسان (مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) الحجر) البشر يشبهون الصنفين الملائكة أو الشياطين فمن أيهما تريد أن تكون؟ قال:(فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) الحجر) هذا الصنف الأول المستجيبون (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِين (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) الحجر) رسب ابليس في ميدان طاعة الله والاستجابة والتسليم لأمره وطُرد وأصبح ملعونا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

بعد ذلك ذكر شيئا من عقوبات الله للأمم المكذبة فقال جلّ وعلا (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) الحجر) هنا يأتي سؤال، الآن أنت تقول أنه ستأتي عقوبات فلماذا جاءت هذه البشارة؟ هذه البشارة تطمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين أن البلاء وإن اشتد عليكم وأن العذاب وإن تكاثر عليكم، والضغط وإن اجتمع وأحاط بكم فإنه سينبلج الفجر لكن عما  قريب فإبراهيم ما جاءه الولد إلا على كبر وأنتم سيأتيكم الفرج ولكن بعد أن يشتد البلاء، قال الله عز وجل: (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) الحجر) أنت أيضا يا محمد لا تكن من القانطين (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) الحجر) هذا النموذج الأول لمن عذبهم الله عز وجل بسبب تكذيبهم وإبائهم وعدم قبولهم للحق . 

النموذج الثاني (وإن كان أصحاب الأيكة) وهم قوم شعيب، ونسبوا للأيكة لأنهم كانوا يعبدونها، ولم ينسبوا إلى شعيب لأنهم قد خالفوه من باب التبكيت والإهانة لهم قال: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) الحجر) أي قوم لوط وقوم شعيب لبإمام مبين في طريق واضح تسلكونه وترون ماذا حل بهم من العقوبة وماذا حل بهؤلاء من العقوبة. وهذا للعظة العبرة والتحذير من هذا المصير.

ثم ذكر الأمة الثالثة (أصحاب الحجر) وهذا الذي سميت به السورة قال: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) الحجر) قمة العظمة والقوة والحضارة والقدرة والتمكن في الأرض (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ)[الأحقاف:26] لكن هل هذا يغنيهم من عذاب الله شيئا؟ لا يمكن والله! فلذلك جاءت عقوبتهم بطريقة عجيبة قال:(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) صيحة فقط، صيح بهم فلم تبق منهم نفس منفوسة (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84) الحجر) إذاً أنتم يا أهل مكة ماذا عندكم مما كان عند من قبلكم؟ ليس شيء! فهل تظنون أن الله يدعكم وأنتم على هذا التكذيب والإباء؟!! 

سورة النحل

بعد ذلك ننتقل إلى سورة النحل والتي يسميها بعض العلماء (سورة النعم): وذلك لأنه لا توجد سورة في القرآن بسطت نعم الله على عباده كما بسطتها هذه السورة، لم تذر شيئا من النعم العامة والخاصة الأصلية والفرعية إلا وقد أشارت إليها بسبب من الأسباب. وافتتحت بأعظم النعم وأجلها وهي نعمة نزول الوحي على رسول الله، قال: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) النحل) بدأ بالتعريف بعظمة الله عز وجل وبيان نعمه على عباده. 

نجد أيضًا في كثير من السور أن الحديث عن السماء والأرض مقترن دائما بالتوحيد لأن هذه من أعظم دلائل التوحيد لأن هذه الأشياء يشترك بالعلم بها وفي رؤيتها والإحساس بها كل الناس المؤمن والكافر، المتعلم والعامي، وكل أدلة القرآن في الجملة تكون في الأشياء الظاهرة فمثلا ما ذكر في القرآن الفيروسات والميكروبات والأشياء التي لايمكن أن يطلع الإنسان عليها إلا عن طريق مجاهر وميكروسكوبات وهذا لإقامة الحجة على البشر كلهم، قال: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20) الغاشية) فدائماً التذكير يكون بالشيء المحسوس الذي يستوي في العلم به كل أحد. 

ثم بعد ذكر التوحيد يأتي مباشرة ذكر خلق السموات والأرض وهو على عظمه ثم مقارنته بخلق الإنسان على ضعفه، كيف أن هذا الإنسان على ضعفه إلا أنه أكثر المخلوقات جحودا وخسرانا فهو (خَصِيمٌ مُبِينٌ)[يس:77] ثم بدأ في تعداد النعم بالتفصيل فقال: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) النحل) أيضا سيخلق الله لكم أشياء لم تكن في حسبانكم. 

تحدثت هذه الآيات عن النعم لضرورتها وأهميتها لحياة الإنسان كما أنها أشارت إلى الجمال وأنه قيمة مقدرة في ديننا ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الرجل قال يارسول الله إن الرجل يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا فهل هذا من الكبر؟ فقال النبي صل الله عليه وسلم مبينا أهمية وعظم ومكانة الجمال في الإسلام قال: "إن الله جميل يحب الجمال" وهذا من مكانة الجمال في الإسلام. فلاحظ أمرين هو جميل ويحب الجمال فأنت إذا تجملت فأنت تأت بشيء يحبه ربك سبحانه وتعالى منك وإذا بدوت جميلاً وأظهرت الشيء جميلاً فإن هذا لا شك شيءٌ يحبه ربنا سبحانه وتعالى ونحن معنيون بإبراز مظاهر الجمال في ديننا كرسالة من رسائل التعريف بهذا الدين.بعض الناس يقولب الدين فقط في الأوامر والنواهي.

لما ذكر الطريق والحمل وما يتصل به قال (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ)[الحجر:9] هناك طرق موصلة إلى الله عز وجلّ وهناك طرق تميل عن الطريق الأعظم الذي يجب أن يسلكه كل إنسان. 

ثم عاد مرة أخرى إلى النعم وهي النعم الأصلية التي لا يستغني عنها البشر (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)[النحل:11] بعدما ذكر النعم وفصل فيها في أول السورة عاد إلى أهل الشرك ليقيم عليهم الحجة ولذلك قال: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) النحل) ثم بعدها قال (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) النحل) هذه النعم ليس شيء منها يمكن أن ينسب إلى واحد من هذه الأصنام التي أنتم تفردونها أو تشركون بها مع الله سبحانه وتعالى، وهم يوقنون بهذا ولكن السؤال الذي يطرح عليهم لماذا ادعيتم أن لهذه الآلهة حق في العبادة وأحقية العبادة إنما تكون لمن خلق ورزق  أوجد وأنشأ وذرأ وبرأ قال الله عز وجل: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) النحل) وقوله (لاجرم) تخويف من الله معناه  حقا أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون. 

وبعد ذلك ذكر مصائر هؤلاء في القيامة ومصائر من يقابلهم من الذين استجابوا واستقاموا على أمر التوحيد. 

وأيضا ذكرت في السورة بعض عادات المشركين منها على سبيل المثال التأفف من رزق الله وإنعامه على العباد بالبنات وأن الواحد منهم (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(58) النحل) وهذه العادة وللأسف ما زالت مستمر عند بعض المسلمين. 

وبعد أن ذكر النعم الأصلية ذكر مكملات النعم، وهي النعم التي يمكن أن تستقيم الحياة من دونها أي الكماليات (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) النحل) فاستمر في ذكر هذه النعم نعمة نعمة إلى أن قال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) النحل) 

ثم بعد أن ذكر النعم ذكر أصول الأمر والنهي وقواعد الدين الكلية (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ...)[النحل:91] هي جامعة لكل شرائع هذا الدين، حتى قيل أنه لا يخرج شيء من الدين عنها، وهي من أجمع ما في كتاب الله عز وجل لقواعد الدين. 

ثم ذكر جزاء من كفروا بالنعم فقال (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)النحل) بعد الحديث النعم الأصل أن يستجيب الإنسان ويعترف ويشكر الله على هذه النعم ولهذا جاء التعقيب والتهديد بذكر من لم يشكر هذه النعم وكيف عاقبهم الله في مثال هذه القرية التي كفرت بأنعم الله. 

ثم جاء مثال آخر: أنتم أيها المشركون تدّعون أن لكم صلة بإبراهيم وتتبعونه قال عز وجل:( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)النحل) أعظم ما يشكر به الله أن يوحّد الله سبحانه وتعالى فلا يشرك معه أحد سواه. 

الحديث عن محور السور لم يأت إلا في فترات متأخرة عن المتخصصين وبعض الناس يظن أن الحديث عن محور السور هو ليس شيء طارئ إنما إفراده بالتأليف هو شيء طاريء، ولكنه شيء قديم عند السلف وتسميتها بسورة النعم دليل على أنهم لاحظوا هذا الشيء، ابن عباس يقول في سورة الليل نزلت في السماحة والبخل هذا يدل على أنه لاحظ المعنى الذي تدور حوله قضية السورة كلها. 

في موضوع القرية حينما نرى أن الله أنعم علينا وأغدق علينا بالنعم ويرى تعاملنا مع هذه النعم سواء بالإسراف أو غيرها قال: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ)[النحل:21] كما أن الله ألبسك النعمة وأغدقك بها حتى أحاطت بك من كل جانب فنسيت فضل الله عليك فيها، فإذا كفرت بهذه النعمة يجردك الله منها ويذيقك ويلبسك لباسا آخر مضادا لها. ولذلك النعم إذا شكرت زادت (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم:7] وإذا كُفِرت ارتحلت وتجرد الإنسان وبقي عليه اللباس الآخر الذي يكون عوضا عنها وهو لباس الجوع والخوف نسأل الله السلامة والعافية. 

ولذلك ذكّر الله أهل مكة بقوله (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ(4) قريش) أعظم نعمتين ماديتين ينعم الله بهما على عباده في الدنيا هي نعمة شبع البطن وهو الإمتلاء الداخلي وكون الإنسان يأمن من كل المخاوف التي يحذرها إذا لم تتحقق له هاتان النعمتان لا خير في البقاء. 

وقفة يسيرة مع ذكر إبراهيم عليه السلام وقد تتبعت الصفات التي ذكرت له في القرآن فوجدت أنه قد ذكر له قريب من خمسين صفة من الصفات التي تميز بها عليه الصلاة والسلام، وهذه الآيات التي ختمت بها سورة النحل من أجمع الآيات لصفات إبراهيم عليه الصلاة والسلام افتتحت بقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً)[النحل:120] معنى أمة أي رجلا جامعا لخصال الخير كلها كأنه يقوم بمقام أمة في تلبسه بصفات الجمال والكمال التي تكون في أمة من الناس وذلك لأنه كان على الحق (قَانِتًا لِلَّهِ)[النحل:120] في خضوعه وذلّه (حَنِيفًا) [النحل:120] أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد قصدا (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [النحل:120] تأكيد لقوله حنيفا (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) [النحل:121] وهذه جامعة لكل ما كان عليه إبراهيم من صفات الخير التي حلاه الله بها، شكره لنعم الله  بصلاته وتوحيده وسخائه وحلمه وبره بوالديه وقيامه بحق الله ولذك قال الله عز وجل عنه في سورة أخرى (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37) النجم) (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)[البقرة:124] ما أبقى من كلمات الله التي أمره بهن إلا أتمها وجاء بها على وجه التمام والكمال ولذلك سمي إمام الحنفاء وأبا الأنبياء لأنه ما بعث نبي من أنبياء الله بعد إبراهيم إلا وهو من ذريته. 

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل