دورة الأمثال في القرآن الكريم - سورة إبراهيم - د.مساعد الطيار

الأمثال في القرآن الكريم - أمثال سورة إبراهيم

د. مساعد الطيار

تفريغ مدونة في رحاب التنزيل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين..أسأل الله سبحانه وتعالى في هذا اللقاء الذي نشرح فيه بإذن الله مجموعة من أمثال القرآن الكريم، أسأله سبحانه وتعالى أن يبارك لي ولكم ولكل من كان سببا في هذا اللقاء، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يخدم كتابه ويتشرف بأن يكون من أهل القرآن أهل الله وخاصته، وهذه مِنّة من الله سبحانه وتعالى يتفضل بها على من يشاء من عباده ، ثم أشكر من هم كما يُقال -خلف الكواليس- في مثل هذه الأعمال ولا يُرون ثم من كانوا مِمن يُعِدّون لهذا اللقاء أو كانوا مِمن يصورون هذا اللقاء أو كذلك مِمن له أي سبب لخروج هذه اللقاءات إلى أرض الواقع أن يجزيهم خير الجزاء وفضل الله سبحانه وتعالى واسع، وأسأله سبحانه وتعالى ألا يحرمني وإياكم فضله وبركته ورضاه.

قبل أن أدخل في موضوع الأمثال التي هي مقررة أن نتناقش فيها اليوم فقط أعرِج على بعض القضايا والمسائل المرتبطة بالمثل القرآني وإن كنت أعلم أن أخي الدكتورعبد الرحمن قد ألقى مقدمة في ذلك لكني لم أسمعها ولعلي وقع في حدسي أن هناك بعض القضايا تحتاج إلى إضافة ولا أدري هل طرقها أم لا لكن لا بأس نذكرها لكم سريعا بإذن الله تعالى.

/ تأتي أهمية المثل القرآني ودراسة هذه الأمثال من قوله تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [سورة العنكبوت 43فجعل الله سبحانه وتعالى أمثال القرأآن من عِلم الخاصة لأنه قال (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)  ولعل الإخوة الذين فكروا في هذا الموضوع وجعلوه وحدة موضوعية تُطرح في هذه اللقاءات  الآية لتُبرز أمثال القرآن وهي فرصة كبيرة جدا أن ينتبه المستمعون والمُتلقون لهذا الأمثال إذ تمرّ عليهم ولا يظنون أنها كثيرة أو أن عددها كبير في القرآن، وما طُرِح وجُمِع في المذكرة التي بين يديكم هي الأمثال الصريحة فقط وإلا الأمثال المكنِية فهذه لم يُشر إليها فما بين يديكم هو ما يُطلق عليه الأمثال الصريحة.

/ الأمثال القرآنية التي جعل الله سبحانه وتعالى عِلمها للعالِمين -كما قال- لعلها هي التي دعت ابن عباس -رضي الله تعالى عنه - وهو يُفسِّر قوله تعالى ( مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) [سورة آل عمران 7أن يُفسر المُحكمات بقوله: "ناسِخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمَن به ويُعمل به" والمتشابهات قال : "منسوخه ومُقدَّمُه ومُؤخرُه وأمثاله" وهذا الشاهد الذي نريده، ثُم قال وأقسامه وما يُؤمَن به ولا يُعمل به فجعل من المتشابه الأمثال، والمراد بالمتشابه هُنا في كلام ابن عبَّاس يعني ما يعلمُه بعض الناس دون بعض -المتشابه النسبي- فبالنِّسبة لبعض الناس هو معلوم وبالنسبة لبعض الناس غير معلوم،ولهذا لو نظرت أنت في بعض الأمثلة التي استمعت إليها قبل أن تُفسَّر لك وأردت أن تعرف المراد بها فستجد أن بعض الأمثلة بالنسبة لك غير واضحة وغير واضح المراد منها فإذا قرأت في التفسير تبيَّنت لك، وهذا يدُل على أنَّ الأمثال من المتشابه النسبي الذي يُدركه بعض الناس دون بعض فهذا يجعلنا نقول إنَّ أمثال القرآن من الأهمية بمكان لأنَّها مما يحتاج أن تُبيَّن وأن تُبرز من خلال ما طرحه عُلماء التفسير بدأً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وختماً بالمُعاصرين من العُلماء المُحققين.

 كذلك نجِدُ أيضاً ابن عباس رضي الله تعالى عنه يفسر الحكمة في قوله تعالى (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة:٢٦٩قال "يعني المعرِفة بالقرآن ناسِخه ومنسوخه ومُحكمِه ومُتشابِهه ومُقدَّمه ومُؤخَّرِه وحلاله وحرامه وأمثاله" فجعَل الأمثال من الحكمة قال "يؤتي الحكمة من يشاء" وفسَّر الحكمة بالمعرفة بالقرآن ثُم ذكر أنواع من العلوم التي تضمَّنها القرآن أشبه ما تكون بمعلومات موجودة في القرآن وذكر منها جُملة منها الأمثال فجعلَ معرفة الأمثال جُزء من الحكمة التي يؤتيها الله سبحانه وتعالى عبده الذي يعرِف القُرآن لأنه قال رضي الله تعالى عنه قال "المعرِفة بالقرآن" والمعرِفة بالقرآن كأنَّ المراد بها معرِفة أنواع العُلوم التي يتضمَّنها القرآن يعني موجودة في القرآن نفسه لأنَّ علوم القرآن فيه علوم يتضمَّنها القرآن نفسه وفيه علوم تكون خارجة عنه يعني ليست من منطوق آياته وإنما هي خارجة عنه أشبه ما تكون بعلوم تاريخية أو تدور حول تاريخ القرآن مثل جمع القُرآن صحيح أنَّ أصله موجود في القرآن لكن مجموعة من قضاياه هي مرتبطة بتاريخ القرآن وأنا أريد فقط أن ننتبه إلى هاتين المسألتين كُل العلوم التي ذكرها ابن عباس سواءً في المُحكم والمتشابه أو في تفسيره للحكمة وأنَّه المعرفة بالقرآن كل هذه الأمور التي ذكرها هي مما استبطنه القرآن من معلومات.

 أمثال القرآن كلام العُلماء عنها لهم فيها مسارات:

 المسار الأول: بيان معاني هذه الأمثال وهو الذي سيغلُب على مُدارستِنا في هذه اللقاءات، يعني مالمُراد بالمَثل، هذا المَثل القرآني مالمراد به ماذا أراد الله سبحانه وتعالى بهذا المَثل.

 ومسار آخر: يتحدَّث عن بلاغة هذه الأمثال بمعنى أنَّه يُبرز البلاغة القرآنية من خلال ضرب هذه الأمثال وهذا قد نُلِمِّ بشيء مما فيه بإذن الله تعالى.

 والمسارالثالث: ما تحتمله هذه الأمثال من فوائد واستنباطات علمية أو عملية وهذا النوع الثالث الكتابة فيه لا تزال نادرة وهذا مجال للبحث والنظر وهو قضية استنباط الفوائد والحِكم سواءً كانت علمية أو عملية من هذه الأمثال وهذا المسار الثالث.

/ أيضاً من القضايا المرتبطة بالأمثال وهي أيضاً مسائل كبيرة ومهمة وقد طرحتها كفكرة وفيها مجال للبحث لأنَّ الأمثال بُحثت من جهة المعاني وبُحثت من جهة البلاغة وبقي بعض الأشياء مثل ما ذكرت لكم قبل قليل ومنها مسألة مهمة جداً وهي أنَّ بعض الأمثال القرآنية تحتمل أكثر من نوع أو صورة وهذي مسألة مهمة أو غاية في الأهمية ويدل عليها تفسير ابن عباس لما جعل الأمثال من المتشابه. وسيأتينا إن شاء الله من خلال الأمثلة التي ندرسها شيء من هذا في أنَّ المَثل القرآني أو بعض الأمثلة القرآنية تحتمل أكثر من صورة أو أكثر من نوع فنجِد بعض المفسرين يحملها على صورة ومفسرون آخرون يحملونها على صورة أخرى فما هو موقِفنا نحن من مثل هذا الموضوع، يعني كيف نتعامل معه وهو أن يكون عندنا أقوال للمفسرين متعددة في المراد بالمَثل هذا يدخُل ضمن ما يُسمى باختلاف التنوع واختلاف التضاد في التفسير يعني تماماً بحيث أننا نتعامل مع المَثل مثل ما نتعامل مع اختلاف المفسرين في أي لفظة من الألفاظ ونُطبق عليها قاعدة التنوع والتضاد، وفي الغالب - أنا لا أريد أن أحكم حكماً لأني لم أبحث أو أستقرِئ جميع الاختلاف في الأمثال - لكن أقول في الغالب أنَّ الاختلاف في الأمثال هو اختلاف تنوع لأنَّ صورة التضاد صعبة في قضية الأمثال، يعني صورة التضاد أننا نوجِد تضاداً يعني اختلاف المفسرين يكون اختلاف تضاد في المَثل فيه صعوبة بالغة، ولكن أقولها تنظيراً من خلال الأمثلة التي سنُلقيها اليوم وغيرها من الأمثلة التي درستها أنها تدخل في باب اختلاف التنوع.

 طبعاً فائدة هذه الاختلافات بالنسبة للمفسر أو بالنسبة للبلاغي أو بالنسبة حتى للداعية فائدة كبيرة جداً جداً بحيث أنَّ المفسر يستطيع أن يُبين جميع المُحتملات التي ذكرها المُفسرون وتوسع أو اتساع المثل القرآني لانطباقه على أكثر من صورة، والبلاغي يُمكن أن يدرُس الوجوه البلاغية في كُل مثل إذا وجِّه إلى هذا المعنى ما الذي يختلف من صور البلاغة فيه، وأمَّا المُستنبط سواءً كان عالماً أو داعية أو مُربياً أو غير ذلك المستنبط من هذه الأمثال يستطيع أن يستنبط من هذه الأمثال على حسب أنواع الصور الموجودة منها فيُرتب فوائد على المَثل إذا كان المراد به كذا، ويرتب فوائد أخرى على المَثل إذا كان المراد به شيء آخر، فإذاً سيكون عندنا اتساع في المعاني اتساع في الاستنباطات بسبب هذا التنوع الموجود من صُور المَثل.

  طبعاً لا أريد أن اطيل في هذا لكن لعلي أكتفي بمثال واحد فقط للإشارة لتنوع الأمثال وهو في قوله سبحانه وتعالى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) [البقرة:٢٦٦وهذا سبق أن أخذتموه.

 طبعاً المَثل اختُلف فيه أو في صورته يعني ينطبق على من ؟

/ فابن عباس رضي الله تعالى عنه - يعني نختصر عبارته - أنه رآه ينطبق على رجُل يعمل بالحسنات حتى إذا كبُر بعث الله له الشيطان فعمِل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كُلها لأنَّ صورة المَثل تنطبق على هذا الرجُل صورة رجُل يعمل الصالحات ثُم إذا كبُر في سِنه أغرقه الشيطان حتى أهلكه - والعياذ بالله -.

/ والصورة الثانية ذكرها السُدي قال: هذا مثل آخر لنفقة الرياء أنَّه ينفق ماله ليُرائي الناس به فيذهب ماله منه وهو يُرائي فلا يأجُره الله فيه يعني، لا هو استفاد من ماله وانتفع به في دُنياه ولا هو مُستفيد منه في آخرته فهو إذاً يُنفق ماله رئاء الناس فيذهب ماله وتذهب بركة الإنفاق فلا يستفيد لا من هذا ولا من هذا.

 الآن أمامنا في صورة المَثل أمامنا صورتان هل هي صورة الرجل الذي يعمل بالحسنات ثم -والعياذ بالله- يختم له بالسيئات -نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم من هذا-

أو هي صورة رجُل منافق مُرائي ينفق ماله رئاء الناس.

 أنت لو تأمَّلت ليس بين الصورتين تضاد والمَثل يحتمل أن ينطبق على هذه كاحتمال أن ينطبق على الثانية وما دام يصِح انطباقه على هذه وعلى تلك بدون أن يكون هناك تضاد أو تناقض فنقول إن المَثل صالح لهذا وصالحٌ لذاك.

 فإذا كنت أنت تتكلم عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون بينه وبينها ذراع ) فتستدِل بهذا المَثل بناءً على تفسير ابن عباس فإذاً أنت الآن تستخدم تفسير ابن عبَّاس وهو تنزيل للمَثل على صورة من الصور في حديثك عن هذا الموضوع. وإذا كان موضوعك عن النفقة والرياء فيها فأنت تستدِل بكلام السُّدي. فإذا أنت تستثمر التنوع الموجود في المثل باختلاف الحال الذي تقدِّمه أو تتكلم عنه. إذا هذه فائدة مهمة جداً .

طبعاً عندنا قول ثالث لابن عبَّاس رضي الله تعالى عنه في هذا لكن نكتفي به يعني قول أو صورة ثالثة لكن نكتفي بها والمقصود عموماً أن تنوع تنزيل المَثل على صُور هذا مجال من المجالات التي تدُل على اتساع معاني أو صُور أمثال القرآن.

من القضايا أيضاً المُهمة في الأمثال وهذه تحتاج إلى استقراء موضوعي: توارد بعض الأمثال على طرح قضية واحدة وهذا سنلاحِظه في الأمثال التي معَنا اليوم، بمعنى لو أردنا أن نُقسِّم الأمثال طبعا ونحن نُقسِّم الأمثال  تقسيماً موضوعياً أمامنا أقوال مفسِّرين متعددة يعني أمامنا أقوال مِثل ما ذكرنا قبل قليل الآن عِندنا مَثل قُلنا مرة أنه ينطبق على رجُل يعمل بالحسنات ثم يُختم له بالسيئات والعياذ بالله، وقُلنا أنه ينطبق على رجُل مرائي مُنافق يُنفق ماله رئاء الناس جميل ؟

طيب لو أنا أردت أن أجمع الأمثال التي تتعلق بالرياء كم عندي من مَثل ؟ سأجِد عندي مَثل رقم واحد اثنين..ثلاثة أجمع مجموعة من الأمثلة المرتبطة بالنفاق، فإذا ممكن أنا أقول من باب النَّظر الموضوعي الأمثال المُتعلقة بالرياء والنِّفاق وأذكرها، الأمثال المتعلقة بالتوحيد والشرك وأذكرها، ثُم قِس على ذلك يعني أمثلة كثيرة وهذا موجود أو واضح جداً جداً عند من ينظر في الأمثلة ويحب أن يقسِّمها تقسيماً موضوعياً فنحنُ من أين استنبطناها؟ من أننا وجدنا أن بعض أمثال القرآن تطرح قضية واحدة ولكن المثل أو صور المثل تتعدد يعني طريقة المَثل تتعدد والقضية ماذا ؟ واحدة، والأولى عكس يكون المَثل واحد والصورة متعددة يعني هذه صورة وهذه صورة، ويمكن طبعا كما قلت لكم ستأتينا أمثلة من ذلك.

/ عندنا أيضاً من القضايا التي أيضاً يُمكن أن تكون مجالاً للدراسة وهي قضية النَّظائر بين أمثلة القرآن والسنة طبعاً نحن الآن نتكلم عن أمثلة القرآن يُمكن أن تقام دورة مستقلة عن أمثال الحديث وهذه دعوة للمتخصصين بالحديث أن يكون هناك لهم دورة مِثل هذه لاستكمال مثل هذه الأفكار في قضية أمثال الحديث.

 النظائر في القرآن والسنة كفكرة عامة أيضا من القضايا المهمة وقد أشار إليها كثير من العلماء في ثنايا كلامهم سواء في شروح الحديث أو في تفسير القرآن لنظائر الكتاب والسنة، ما المراد بالنظائر؟ أن يذكر الله سبحانه وتعالى آية ويذكر الرسول صلى الله عليه وسلم كلاماً نجد أن الكلام الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم يعني في كلامه مُتوافق مع معنى الآية فنقول هذه الآية نظيرها قول الرسول صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، هذه نظائر ولا أريد أن أطيل في هذا لكننا نقول إنها فكرة صالحة للبحث ومجالها أيضاً واسع لكن من الأمثلة الموجودة عندنا هنا في قوله سبحانه وتعالى (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا[الرعد:١٧هذه الآية لو رجعتم إليها موجودة عندكم طبعاً ولعلكم سمعتم ما قيل فيها لأن حتى هذه الآية فيها تنوع في تصوير المثل يُمكن أن يُشابهها قول الرسول صلى الله عليه وسلم يعني على أحد تطبيقات المَثل أو أحد الصور التي فُسِّر بها المثل يوافِقها أو نظيرها قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنَ مَثل ما بعثني الله به من الهُدى والعِلم كمَثل غيثٍ أصاب أرضاً فكان منها طائفة قبِلت الماء فأنبتت الكَلأ والعُشب الكثير، وكان منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس وسقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة إنَّما هي قيعان لا تُمسك ماءً ولا تُنبت كلأً وذلك مَثل من فقُه في دين الله فنفعه ما بعثني الله به من الهُدى والعِلم ومَثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلت به ) الصورة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في المِثال يعني في المَثل هذا هي أحد الصور التي فُسِّر بها مَثل الآية التي ذكرتها وهذا أيضاً إذن يُمكن أن يقول إنه من المجالات التي يُمكن أن تُبحث .

هذه بعض الأفكار أطرحها في مُقدِّمة هذه الأمثال التي بين يدينا وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما طرحته لكم وأن يُعين الباحثين على أن يكون عندهم قدرة على أن يُفرِّعوا من مِثل هذه الأفكار بحوثاً تُفيد المسلمين في هذا الباب.

/ عندنا المَثل الأول في سورة إبراهيم آية (١٨) في قوله سبحانه وتعالى:

(مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ)

طبعاً كما سبق أيضاً أن أخذتم في التفصيلات في تعريف المَثل أن المثل قد يكون بمعنى الصفة أو الحالة العجيبة يعني هو تمثيل شيء بشيء، وغالباً ما يكون تمثيل المعقولات بالمحسوسات.

 هذا المثل في قوله سبحانه وتعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍطبعاً الرماد معروف وهو ما يتبقى من إشعال النار بالحطب أو الفحم يعني إذا أُشعلت النار بالحطب أو الفحم ما يتبقى منه أشبه بالتُراب يُسمى رماد. فالآن تُصوّر أعمال الكُفار - كما تُلاحظون - بهذا الرماد هذي أول صورة ذُكرت يعني (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ ) يعني مثل أعمالهم مثل الرماد.

 ثُم قال الله سبحانه وتعالى (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) هذا الآن إضافة في المثل ثُم وصُفت الريح بأنَّها قال (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) يعني عندنا الآن إذا رماد وعندنا ريح في يوم عاصِف بمعنى أنها ليست ريح خفيفة وإنما ريح شديدة.

 قال (لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍهذا بيان للنتيجة، قال (ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) .

الآن المَثل لما قال (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ) هل هو الآن مثل للكفار ؟ أو مثل لأعمال الكُفار ؟

هو مثل لأعمال الكفار طيب يأتينا الآن سؤال وهو أنَّه إذا كان المثل لأعمال الكفار ما فائدة قوله سبحانه وتعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ) يعني نسب المَثل إليهم حينما نسب المثل إليهم والمراد أعمالهم هذا فيه نوع من التنبيه على الخُسران الذي يحصل لمن ؟ للكافر نفسه تبعاً لخُسرانه لأعماله، يعني الآن تنبيه على خسارة الكافر نفسه تبعاً لخسارته لأعماله لأنَّ النتيجة أنه إذا خسر أعماله معناه أنه خسر هو فإذا لمَّا قُدِّم قوله (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ  وأُشير إلى الكُفر أنه محط الخسران كأن فيه إشارة إلى عظيم ما سيقوم بخسارته وهي أعماله التي كان يقدمها وهي أعمال في ظاهرها صلاح لم يستفد منها كما سيأتي.

 أيضاً عِندنا لمَّا قال (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) وهذا أيضاً يدخل في باب البلاغة يعني الآن في قوله (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) يعني هل الآن هو اليوم العاصف ؟ أو الريح العاصِفة فيه ؟ يعني كأنه في يوم ريحه عاصف يعني الريح هي العاصفة فلمَّا نسب العصوف لليوم هذا مُبالغة أيضاً يعني مُبالغة في شدَّة هذه الريح حتى نُسب العصوف الذي للريح لليوم يعني كأن اليوم كُله عاصف، يعني كأنها استغرقت كُل اليوم بعصوفها.

 معنى المَثل كما قال صاحب زاد المسير وأنا هُنا أُنبِّه إلى فائدة في هذا الكِتاب لأنني استفدت منه كثيراً في هذا الباب يعني مما لاحظته - طبعاً لم أراجع كل كتب التفسير لكن انتخبت بعض منها وكان منها كِتاب زاد المسير - يعني مما نظرته فيه استيعابه لذِكر الأقوال وبيانه للمعنى من هذه الأمثال [زاد المسير لابن الجوزي] .

يقول"قال المُفسرون ومعنى الآية أنَّ كُل ما يتقرب به المُشركون يَحبَط ولا ينتفعون به كالرماد الذي سفته الريح فلا يُقدر على شيء منه فهُم لا يقدرون مما كسبوا في الدُنيا على شيء في الآخرة أي لا يجدون ثوابه ذلك هو الضلال البعيد من النَّجاة" انتهى كلامه. وطبعاً كونه بعيد عن النجاة لأنَّه على غير أساس ولا استقامة يعني لماذا لم ينتفع الكافر بالأعمال الصالحة التي كان يُقدمها في الدُنيا لأنَّ الكافر مهما كان ليس في كُل حياته من ألفها إلى يائها تكون كُل حياته ما فيها شيء جيد ما فيها خير فيه بعضها فيها خير ونحن نسمع اليوم يعني بعضهم ينفق أموال طائلة على بعض المنافع ما يُسمَّى بالمنافع الإنسانية، أو عبد الله بن جدعان وهو مِثال ذكرته عائشة للرسول صلى الله عليه وسلم أنَّه ما حال عبد الله بن جدعان وهو كان يُطعم الطعام ويُنفق الأموال يعني كان صاحب مكارم فقال (هو في النار لأنه لم يقُل يوماً ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين) يعني لم يكُن من المؤمنين.

 فإذا هذه الأعمال التي للكُفار هذا هو مآلها - والعياذ بالله - يعني تصوير لما يحصل للكُفار كما قال الله سبحانه وتعالى في آيات مُشابهة لها في قوله (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) [الفرقان:٢٣يعني كأنًّه يرى أعمال أمثال الجِبال لكنه إذا جاء إليها هي تكون كالسراب لا حقيقة لها ومِثل هذا الرماد الذي لا يستطيع أن يجمعه يعني لو أراد أن يجمعه يعني جاء اليوم العاصف وسفَّ هذا الرماد ما استطاع أن يجمعه هل يستطيع أن يجمع الرماد إذا جاءته هذه الريح العاصفة ؟ الجواب لا، فإذا المقصود في ذلك أنَّه من خلال هذا المَثل معنى ذلك أنَّ الكافر لا ينتفع بأي شيء من عمله الذي عمِله في الدُنيا من خير. أيضاً مِثله قوله تعالى (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) [آل عمران:١١٨وهذا مثال من الأمثلة التي مرَّت عليكم في هذا المقام. فإذا هذه كلها الآيات التي ذكرناها هي نظائر لهذا المَثل.

 ابن عطية -رحمه الله تعالى- يقول"شُبِّهت أعمال الكفرة ومساعيهم في فسادِها وقت الحاجة وتلاشيها بالرماد -يعني شُبِّهت بالرماد- الذي تذروه الريح تفرِّقه بشدَّتها حتى لا يبقى أثره ولا يبقى منه شيء"

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل