تفسير سورة ق- المجلس الأول - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة ق - المجلس الأول

د. محمد الربيعة – دورة الأترجة القرآنية

سورة ق هي مفتتح المفصّل والمفصّل إنما سمي مفصلاً قيل لأنه مُحكم لن ينسخ منه شيء فهو مفصّل فصّلت آياته وأُحكمت ولهذا كان النبي e يربي أصحابه عليه. ومن حكمة الله U أن أول ما نزل من القرآن كان قصار السور وسوراً من المفصّل لأن المفصّل يركز على تحقيق الإيمان والتعريف بالله U واليوم الآخر، أصول الايمان والأخلاق. هو في أصول الإيمان والأخلاق ولهذا أقول أنه منهج عظيم لتأصيل الإيمان والأخلاق في نفوس أبنائنا في أول نشأتهم وألمس هذا من قول ابن عباس t حينما قال وعمره 11 سنة وقت وفاة النبي e يقول: توفي النبي e وقد جمعتُ المفصّل، حفظه وليس معنى حفظه حفظ ألفاظه فهو t يُعتبر حفاظًا مقارنة بغيره لكنه حفظه حفظاً تربوياً حفظاً إيمانياً هذا الذي يسمى حفظاً الحفظ الإيمان والتربوي والتدبري حفظ الهداية والآداب لو أننا جعلنا هذا المفصل مبدأ من مبادئ تربيتنا لجيلنا الأول في بدايتهم قبل عشر سنين لرسخ هذا الايمان في قلوبهم ولسلموا من هذه الانحرافات والأفكار المشبوهة والشبهات وأبواب الشهوات. لأن هذا تأصيل أساس وإذا كان الأساس متيناً فلا شك أن ما قام عليه فهو متين لكننا قد هدمنا شيئاً من أصول تربيتنا وخففنا منه وقللنا منه ونظرنا إلى مظاهر التعليم ووسائل التعليم والتجديد في وسائله وطرقه وأساليبه ونسينا أن التأصيل الأصيل الذي يرسخ في قلوب هؤلاء الأبناء ويربيهم ويقومهم هو بناؤهم على أصول الإيمان وأصول الأخلاق وفق ما جاء في كتاب الله عز وجل وهذا المفصّل هو خير ما يُبنى عليه، هذه رسالة أوجهها لكل إخواني من الآباء والمعلمين أن يعنوا بهذا المفصّل تربية وتعليماً لأبنائهم وطلابهم وما فيه من أصول الإيمان وتعريفاً بالله وأسمائه وصفاته وحقائق الايمان واليوم الآخر والجنة والنار ثم الأخلاق والآداب فإن ذلك والله خير ضامن لهم بإذن الله

و هذه السورة سورة ق التي كان النبي e يقرأها كثيراً في الجمعة والأعياد كما قالت أم هشام بنت الحارث إني حفظت ق من لسان رسول الله e وهو يقرؤها في كل جمعة. لا يعني قوله في كل جمعة أنه كان يقرأها كل جمعة وإنما كان يكثر من قرآءتها، هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم. قد يقرأها في الخطبة أو يقرأ بها في الصلاة فقد ورد عن النبي e أنه خطب بـ (ق) ووورد أنه كان يصلي بـ (ق) والقمر في الجمعة والأعياد. ولو انطلقنا من هذا كون النبي e يستهدف بها مجامع المسلمين لأنها تركز على التذكير ولهذا ورد فيها لفظ التذكير (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) ولاحظوا أن السور التي كان النبي e يقرأها في المجامع كلها فيها تذكير مثل سورة الأعلى في قوله U (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (9)) وفي سورة  الغاشية أيضاً في قوله U (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21)) وفي سورة ق (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) وأيضاً في سورة الطور كان يقرأها النبي e (فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)) فيلتمس من هذا الجامع بين هذه السور أن هذه السور فيها تذكير .

وهذه السورة فيها تذكير من جانب معين فهي تركز على قضية البعث والجزاء فهي تركز على تحقيق هذا البعث وإثباته بالأدلة في مقابل تكذيب الكافرين والمشركين المكذبين بالبعث الذي هو أصل كفرهم وتذكير المؤمنين الغافلين لأن الله تعالى قال فيها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ويؤكد ذلك أن النبي e كان يقرؤها كثيراً على مجامع المسلمين ففيها تذكير للقلوب بأمر البعث وأدلته وحقائق وأمر الجزاء لذا فمن أسس التربية التي ينبغي أن نربي عليها الناس تذكيرهم بحقيقة البعث وأدلته البعث والجزاء واليوم الآخر فإن هذا مما يوثق الايمان في نفوسهم ويوقر قلوبهم على الإيمان.

قال الله I (ق) افتتح الله هذه السورة بحرف (ق) وهو من الحروف المقطعة التي قال العلماء أنها دالة على تحدي العرب بأن يأتوا بمثل هذا القرآن. وغالب السور التي افتتحت بالحروف المقطعة أُتبعت عُقبت بالحديث عن القرآن إلا بضع سور، سورة العنكبوت والروم والقلم ومريم فدلّ على أن هذه السور وهي مكية فيها تحدي للعرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وفيها انتصار للقرآن وبناء السورة على أمر القرآن لهذا قال (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ولعل السرّ في افتتاح هذه السورة بهذا الحرف (ق) أن هذا الحرف هو الذي يدور في معظم كلمات السورة فهو أكثر حرف ورد فيها والعجيب أن الكلمات التي تكررت فيها تؤكد مقصدها وهي إيقاظ القلوب لأمر البعث والجزاء. وكلمة القلب تكررت فيها مرتين أو ثلاث وكلمة القرآن تكررت فيها مرتين وكلمة الحق تكررت فيها مرتين ليؤكد أن هذه السورة فيها إيقاظ للقلوب وإيصال لها بالقرآن إلى الحق المبين في أمر البعث والجزاء. فهذه السورة تدور حول البعث والجزاء لأنها أُتبعت بعد القَسَم وافتتاحها بالحرف المقطع قال (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) فالمشركون إنما أشركوا وإنما كذبوا رسالة النبي e أنه قال أنكم ستبعثون بعد الموت وتجازون فهذا من أعظم أسباب بل هو السبب الرئيس في عدم إيمانهم بعد قضية أنه أمرهم بتوحيد الله U ونبذ آلهتهم ولهذا قالوا (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3))

قوله (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ) قال منذر ولم يقل مبشر؟ لأن سياق الآيات دال على أنه ينذرهم بأمر البعث والجزاء فناسب الاتيان بوصف الانذار. قال الله I في أمرهم (فَقَالَ الْكَافِرُونَ) لم يقل "فقالوا" مما يؤكد أن قولهم هو الذي أدى بهم إلى الكفر وهو وصف لازم لهم بهذا التكذيب لأنهم كفروا بذلك ومن كذب بالبعث فهو كافر بدليل هذه الآية. (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) تعجبوا أن يُبعثوا بعد موتهم، لماذا تعجبوا من أن يبعثوا بعد موتهم؟ لأنهم يقولون أن هذا الجسد يفنى كيف يُحيا وكيف يعاد مرة أخرى وكيف يُجمع؟ فبين الله لهم بالأدلة أنه قادر على بعثهم بأدلة ساقها لهم كما سيأتي.

(أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) كأنهم يقولون هذا غير ممكن ولهذا الإنسان أحياناً يقول هذا أمر بعيد لا يتصوره العقل (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) رجوع بعيد. قال الله U (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) الله عز وجل هنا يؤكد لهم يجيبهم بالدليل الذي قطع عليهم حجتهم؟ هو علمه سبحانه وتعالى بأجزاء الإنسان وتحللها وهذا كافي إذا كان الله عالماً بأجزاء الانسان وتحللها ونقصها في الأرض قال (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) يعني تحلل أجسادهم ونقصها وانقضائها بعد دفنهم في التراب (وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) يحفظ الإنسان وأعماله وأقواله وأحواله، إذا كان الله عالمًا بالانسان وتحلله في الأرض وذلك مكتوب عنده في كتاب محفوظ فهو I قادر على بعثهم وكفى بذلك دليلاً لأنهم لا يمكن أن يقولون أن الله لا يعلم كل شيء ولا يعلم ما يدور وما يكون من حال الانسان بعد موته في تحلله وغير ذلك.

ثم قال الله U (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ) بعد هذا الدليل مع ذلك أصروا إصرار عناد ليس إصراراً مبنياً على دلائل عقلية أو حجج صحيحة. قال (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) إذا قيل مرج الشيء اختلط يعني عقولهم مختلطة ما عندهم حقائق يبنوا عليها هذا الأمر. (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ) تكذيب عناد (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) أي مختلط يموج بعضهم ببعض في أفكار مختلطة لا حقائق لها ولذلك المُكذِّب الملحد يختلط عليك أمره والله ما يصل إلى حقائق ما ينتهي أمره حتى يقول أنا الآن تائه لا أدري أين أنا!!.

قال الله U (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) هذا دليل مُشاهَد من أدلة البعث قال (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا) إذا كان الله قادراً على هذه السماء في بنائها وفلكها وتزيينها فما هو قدر الانسان هذا الذي ليس بشيء أمام هذه السماء؟! ولله المثل الأعلى لو أنك دخلت إلى صرح كبير جداً مثل هذا المسجد أو ضعفه ورأيته سقفاً كبيرًا واحداً متماسكاً بزينته وبهائه وجماله ستقول ما هذا الجمال؟! ما هذا البناء المقتن؟! وما هذه الزينة التي فيه؟! سيبهرك وسنتحكم على هذا المهندس الذي صممه وأتقنه أنه مهندس بارع عنده قدرة هائلة في الفن، هذا مخلوق أوصله الله بعلم علّمه إياه فكيف بمن بنى السماء ذلك الفلك العظيم الذي هو مليء بالمجرات والأفلاك والنجوم والكواكب وزينه بتلك الزينة هذه القدرة الهائلة العظيمة أليس هو قادراً على أن يحيي إنساناً بعد موته؟ بلى I.

قال (وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) شقوق ليس فيها أي خلل وليس فيها أي انقطاع بل هي متصلة بناءً واحداً محكماً. قال الله تعالى بعد ذلك في مشهد آخر (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) هذه القدرة الهائلة في هذه الأرض المنبسطة ومعنى انبساطها بالنسبة لهم هم وهذا لا يعني انكار قضية كروية الأرض لأن الله تعالى هنا يخاطبهم بأذهانهم فهي في نظرهم ممدودة لصالحهم وإلا لو كانت متعرجة فكيف يعيشون فيها؟ فالله تعالى يمتنّ عليهم يظهر امتنانه وقدرته فالآيات هذه فيها قضية امتنان وفيها قضية قدرة.

(وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) إلقاء وليس وضعاً لو كان وضعاً ربما تموج لكنه إلقاء (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) امتناناً لهم ونعمة لهم ومنفعة لهم ومصلحة، ألا يكونوا شاكرين مؤمنين معظّمين الله عز وجل مؤمنين به موقنين بقدرته؟. ثم قال (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) هذا الأمر المُشاهَد وهذه الزينة وهذه الكواكب وهذه الأرض بما فيها تبصرة للقلب وذكرى هي تبصرة لمن استجدّ له النظر وذكرى لمن نسيها وغفل عنها ثم شاهدها، فهي لمن شاهدها من جديد أو تذكّرها بعد نسيان إنها لكل عبد منيب لكل عبد راجع منيب إلى الله U حينما رأى هذه الحقائق. فالله I هنا يقررهم ثم يدعوهم قال الله سبحانه وتعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) هنا أراد أن يُثبت نعمة بقدرة وهي إنزال المطر وجعل فيه البركة وأنبت به جنات وحب الحصيد هذا نعمة لهم لكن هذا دليل من دلائل البعث، كيف؟ قال بعده (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) نضيد مجتمع ملتف حينما يبدأ الطلع في الشجر تجدونه ملتفّاً متماسكاً ثم يبدأ بالانشقاق والتفرّع .

 

(وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ) يعني طويلة ولم يقل طويلة وإنما قال باسقة لأن الفرق أن الباسقة هو الطويل المعتدل المستقيم يبهرك طول النخلة وعدم ميلانها في الأصل والعادة. قال (لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) أي ملتف مُجتمع (رِزْقًا لِّلْعِبَادِ) إنما هيأها الله وخلقها وبارك فيها وجعل هذا التمر فيها رزقاً للعباد فهل يؤمنوا؟ (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) انتقل من المنفعة إلى الدليل قال (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) هذا المطر، كيف حييت هذه الأرض؟ إنما حييت بهذا الماء بإذن الله U. قال الله (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) أي خروجكم من الأرض بعث الله U. ثم قال تعالى بياناً لمن كان على ملّتهم في التكذيب (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ) أصحاب الرس أصحاب عين سُميت الرسّ لاجتماع الماء فيها (وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ) وهم أصحاب شعيب (وَقَوْمُ تُبَّعٍ) وهم حمير أهل اليمن (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) في قضية البعث (فَحَقَّ وَعِيدِ) فكأن الله يهددهم بالوعيد هنا. ثم قال (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) الخلق الأول هو خلق آدم، يعني أعجزنا عن الخلق الأول؟! (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) لو أن الله U أراد أن يخلق خلقاً جديداً كآدم u هم أيضاً في لبس منه إذ الأمر متعلق بشكّهم وسلبهم ليس متعلقاً بدليل يبنون عليه (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل