تفسير سورة الحجرات - المجلس الثاني- د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الحجرات - المجلس الثاني

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾)

قال الله عز وجل (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) أن السياق ما يزال في تحقيق تكامل المؤمنين ومودّتهم وتحقيق الإيمان في نفوسهم وإبعاد دخائل الشيطان ووساوسه ورواسب الجاهلية التي كانوا عليها. هذه الآيات نازلة في قصة كان النبي e مرّ وهو على حمار على مجلس عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ومعه أصحابه فلمز عبد الله النبي e وقال لقد آذانا نتن حمارك، هذه الكلمة ماذا يعني بها؟ يعني بها استقذار مرور النبي e ومحاولة النيل للتنقيص منه عند أصحابه الذين وافقوه في النفاق. أحد من كان معه من أصحابه وقد كان أصحابه من الخزرج كانوا يجتمعون منهم مؤمنون ومنهم منافقون قال: والله لَنَتَنُ حمار رسول الله e أطيب من رائحة مِسْكِك، فتنازع الرجلان وارتفعت أصواتهما صوت ذلك الرجل مع رجل من أصحاب عبد الله ثم اجتمع الفريقان وهما طائفتان: الأوس والخزرج فكادا أن يقتتلا فتنازعا وتقاتلا بالنِعال فجاء النبي e هو وأصحابه ليُصلح بينهما فأنزل الله هذه الآية والطائفتان ليستا طائفة المؤمنين والمنافقين وإنما طائفتا الأوس والخزرج فيهما مؤمنين وفيها منافقين ولذلك قال الله تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) فيبيّن لنا أن هذا الاقتتال كان بين طائفتين لقبيلتيهما الأوس والخزرج وليس بين المنافقين والمؤمننن فأنزل الله هذه الآية (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا). ثم قال الله U في حكم الاصلاح بين طائفة المؤمينن بعد ذلك، قاعدة من قواعد لمّ الشمل وقطع الطريق على البُغاة الذين يريدون أن يشقّوا عصا الجماعة واجتماع المؤمنين وتوادّهم وأخوتهم قال الله U (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى) ولم تستجيب للإصلاح (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) إذا وصل الأمر إلى أنها تقاتَل ولم تسجيب فقاتلوها (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) حتى ترجع إلى أمر الله (فَإِن فَاءتْ) أي رجعت (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) هنا سؤال: ما سرّ الأمر بالاصلاح مرة أخرى؟ لم يقل "حتى تفيء إلى أمر الله" فقط بل قال (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) فما السر في الأمر بالاصلاح مرة أخرى بعد اختلافهما؟ المقصود هنا (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) ربما هذه الفئة الباغية تقف عن بغيها استجابة لسعي المؤمنين الذين أرادوا أن يقاتلونهم لأن الله تعالى قال (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) يعني لم تكفّ عن البغي إلا لما قاتلها جماعة المؤمنين إذا لم تصفي النفوس بعد والغرض تصفية النفوس. فالله U قال هنا (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) وإنما قال (بالعدل) حتى لا يكون الإصلاح في صالح طائفة دون طائفة فيُقتصّ من الطائفة الباغية لصالح الطائفة المبغي عليها في مقاتلتهم وفي أموالهم التي فقدوها وغير ذلك وإنما أمر بالعدل هنا حتى يكون الأمر يُبعد ما يكون في نفوس المؤمنين من شفاء غليلهم من هذه الطائفة الطاغية ربما ظلموهم، ما أعظم العدل! وما أعظم حكمة الله U حينما دقق هنا الاصلاح بالعدل ولم يصفه ولم يقرنه بالاصلاح في الموضع الأول. ثم قال (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا) العدل مقترن بالاصلاح وأما (وَأَقْسِطُوا) فهو زائد عامٌ في حكم ثابت يجب على المسلمين أن يقسطوا دائماً فيما بينهم. والقسط هنا العدل والسلامة من الظلم وتجاوزه.

قال الله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) هذه الطائفة التي تصلح هي جماعة المسلمين وأهل الايمان هي التي يجب أن تصلح، من تتولى أمر المؤمنين وجماعتهم هي التي تذهب للإصلاح ولذلك الإصلاح قام به رسول الله e ومن معه من جماعة المسلمين والصحابة، فهذه الطائفة هي التي تصلح، أما الطائفتان قد تكون إحداهما أو كلاهما من المؤمنين ولكن كان بينهما النزاع فهما اللذين يقع عليهما الاصلاح.

قال الله تعالى تأكيداً لهذا الاصلاح ولمّاً لشمل الجماعة المسلمة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) تكررت كلمة الاصلاح مرة أخرى لأن السورة تؤكد على قضية تحقيق الجماعة المسلمة وتآلفها واجتماعها بعد أن أكرمها الله عز وجل بهذا التمكين وهذا العزّ وهذه الكثرة في عام الوفود، فما أعظم هذه الآيات التي تربي المسلمين وجماعتهم وتوثق الصلة بينهم!. (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) لماذا أصلحتم بينهم؟ لأنهم مؤمنون والمؤمنون إخوة " لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه" " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد" " فالسعي للإصلاح لتوثيق عرى الأخوة وهنا لفتة عظيمة مهمة أن قضية الاصلاح أمرها عظيم في الدين لماذا؟ لأنها تشد هذه الجماعة وتقطع طريق الشتات بين المسلمين والتفرق والنزاع وإيغال الصدور وغير ذلك ولذلك رتب الله عليها ثواباً عظيماً قال الله تعالى (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) النساء) حريٌ بنا أن نجعل هذا مبدأ من مبادئنا وقيمة معتبرة في حياتنا، الاصلاح بين أخوننا. ليس صحيحاً أنك حينما تجد بين أخويك جارك مثلاً أو أخيك أو زميلك حصل بينه وبين أحد خلاف فتقول مالي وشأنه؟ هذه للأسف نسمعها أحياناً كأن يقول ما لي علاقة بهم! ما الذي يجعلني أوقع نفسي في مشكلة معهم؟! لا يا أخي أنت من مبدأ الأخوة في الدين كأن هذا أخوك الشقيق أو ابنك الذي يجب أن تحفظ الأسرة به وتلمه وتُصلحه فكذلك أنت في بيت الاسلام حريٌ بك أن يكون من مبادئك ومبادئنا جميعاً الاصلاح وإننا والله لنحزن أشد الحزن في هذا الوقت الذي نحن فيه حين كثرت النزاعات والفرقة والشتات حتى بين الأخوين وبين الزوجين وبين الأبناء مع أبيهم وامتلأت المحاكم وقلّ التناصح والاصلاح وما بقي للناس إلا التحاكم للأسف الشديد، والله إن هذا لمؤسف! ثم إنك تجد أن هذا النزاع عند أمر يسير عند أمر مادي لا قيمة له، والله إني لأجد بعض النزاعات ست سنوات قطيعة بين أخوين شقيقين لم ير أحدهما الآخر ولم يسمعه ووالدتهما يكاد يومها يغطيها بالحزن والبكاء من هذه القطيعة ومع ذلك لا يأبه أحدهما بالآخر أعوذ بالله من هذه القطيعة! والله عز وجل يقول في شأن المنافقين وهذه صفة من صفاتهم في سورة محمد التي مرت معنا (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) محمد) إن هذا ليقشعر منه الجسد هيبة وتعظيماً في قضية قطع الصلة ثم قضية عدم الرغبة في الاصلاح ثم بعد ذلك في المسلمين السعي بالاصلاح بين الإخوة.

قال الله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) اتقوا الله بتحقيق ما أمركم الله عز وجل به وهو الاصلاح والسعي في تحقيق الأخوة فإن ذلك سبب من أسباب الرحمة قال (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). فإذا كنا نريد رحمة الله فعلينا أن نحقق الرحمة في مجتمعنا بالاصلاح وتحقيق الأخوة والبعد عن الشقاق والنزاع ونحو ذلك.

ثم قال الله I (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) هذه الآية يذكر لها بعض المفسرين سبب نزول أن بعض الوفود التي أتت لمزت بعض الصحابة بألقابهم أو فيما بينهم أو بعضهم من سخر من بعض الصحابة كبلال وغيره لكن يظهر والله تعالى أعلم أن الآية كلها بما فيها من آداب هي تعالج تلك الوفود بما أتت به من رواسب الجاهلية مع ذاتها والسخرية وتنازعهم وتنابزهم بالألقاب وكانت الألقاب السيئة عادة بين العرب، والسخرية والهجاء وقصائد الهجاء لا تنتهي بينهم فالله U أراد أن يصفيهم بمصفاة الإيمان والآداب الاسلامية قال الله U (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهي انتقال، وإعادة هذا النداء له أثر في نفوس المؤمنين تجديد لأدب جديد كأنه يحفزهم مرة بعد مرة ليحقق الإيمان في نفوسهم ويسترعي أسماعهم ولهذا قال ابن مسعود: إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فأرع لها سمعك فإنما هي أمر تؤمر به أو نهيٌ تُنهى عنه. فتكرر وإعادة هذه النداءات الإيمانية في هذه السورة خمس مرات له غرض في تحقيق الايمان وبعثه في نفوس المؤمنين والتأكيد عليه.

قال الله (لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) لا تسخر قبيلة من قبيلة ربما قبيلة سبقت قبيلة في الاسلام، في هذه الآية دليل على أن الانسان لا يرى أن ما هو عليه من قبيلة أو حسب أو نسب تجعل له نصيباً في الاسلام أو له سبق على غيره في الدين، أبداً! ليس في الاسلام سبق لحسب ولا نسب ابداً، ولهذا قال بعد ذلك (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وهذا من حكمة الاسلام وكماله أنه قطع بين الأنساب والأحساب وقضية الايمان وشرف الايمان جعلهما ضدان، صحيح أنه جعل تلك القبائل والشعوب تحقيقاً لتلك الحقيقة الإيمانية وهي الإيمان لتعارفوا فتتآلف قلوبكم فتقوى شوكتكم، لكن العرب استخدموها في عكس ما هي له فتنازعوا وتنابزوا.

قال الله I (عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) صحيح أن الإنسان إذا قدح في شخص آخر غالباً ما يكون هذا القادِح في نفسه دخيلة كبر، عجب، أن يرى نفسه فإذا كان ذلك فإن هذا سوءة من سوءاته وهذا يقلل من شأنه وقدره عند الله فقد يكون الشخص الآخر خيراً منه فعلى هذا ينبغي أن نعي هذه القضية وأن الإنسان لا يظهر في نفسه أي فخر على أحد من الناس وإن قلّ قدره أو قلّ ماله أو لم يُعرف نسبه، هذه الأمور لا علاقة لها بالشرف ولا علاقة لها بالقيمة الحقيقية للإنسان.

قال الله I (وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء) لماذا خصّ النساء؟ لأن السخرية والتنابز بينهن أكثر لأنهن في الغالب صاحبات مجالس وحديث فيحصل منهن ما يحصل من ذلك فخصّهنّ الله U. (عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ) لو جعل الإنسان هذا مبدأ أنه اذا سخر الإنسان من آخر نهره قال لعله خيرٌ منك في إيمانه وديانته وقربه لربه، هذه جميلة أن نجعلها سبيلاً لانكار تلك السخرية والتفاخر بالأنساب وغيرها. قال الله I (وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) ما هو اللمز؟ والهمز؟ (ويل لكل همزة لمزة)، اللمز هو الاشارة بتقليل شأنه مثل ما قيل "حسبك من صفية أنها كذا" (أي قصيرة) أو كما لزمت بعض نساء النبي e أم سلمة أنها قصيرة وصفية أنها يهودية. هذا قوله (وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) اللمز هو العيب يعيب بعضكم بعضاً ولم يقل "ولا يلمز بعضكم بعضا" أنت الآن كأنك تعيب نفسك لأن هذا أخوك في الاسلام، فأنت وإياه روح واحدة " متل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد" فحينما تعيب أخاك فكأنما تعيب نفسك وهذا كثير في القرآن (ولا تقتلوا أنفسكم) في التنفير من شيء يعبِّر عن الآخر بالنفس تأكيداً على النهي وتحذيراً منه. قال الله I (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) المقصود بالتنابز بالألقاب أن يعيّره بلقب معين وغالب ألقاب العرب مشينة حمار وجحش وغير ذلك صحيح أن بينها حسب وليس المقصود هنا الألقاب الحسنة لأن النبي e كان يلقب أصحابه ربما يداعبهم فإذا كانت غير مشينة مثل يا أبا هر، يا أبا نغير، يا أبا تراب هذه الألقاب ليس مقصوداً بها السوء أو الذم أو التقليل. إنما المقصود الألقاب السيئة هذه ألقاب لا تنمّ إلا عن ثقافة جاهلية دنيئة وكلما ارتفعت ثقافة الناس نأت عن تلك الكلمات البذيئة والسيئة الأخلاق، كلما كملت قيمة الانسان وإيمانه ومبادئه لا شك أنه سينأى عن تلك الأوصاف والكلمات السيئة ولهذا الله عز وجل يريد أن يرتقي بأهل الاسلام وأهل الإيمان إلى قيم عالية وأخلاق سامية.

قال الله تعالى (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) بئس الاسم ، الفسوق هو الخروج عن الطاعة والوصف السيء لأن هذا الوصف لا يرضي الله ورسوله، بئس ما وصفته بوصف سيء لا يرضي الله ورسوله بعد أن اتّصف بوصف الإيمان. هذا رجل مؤمن كيف تصفه بوصف سيء وهو متصف بوصف الايمان؟! كيف يجتمع الإيمان وهذا الوصف السيء؟ فكأنك أنت تجمع بين نقيضين فلهذا قال الله تعالى (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) كأن الله تعالى يحذّر عن هذا الأمر بأنك لا تجمع مع وصف الإيمان الذي يتّصف به صاحبك بوصف يُضادّ هذا الإيمان. ثم قال الله تعالى (وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المتجاوزون الحد وهذا تأكيد وتحقيق على التوبة عما بدر منهم والاستجابة لأمر الله I.

قال تعالى بعد ذلك في النداء الخامس في تربية المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ) ما الحكمة أن الله عز وجل أمر باجتناب كثير من الظن؟ ثم لم يقل اجتنبوا الظن؟ لأن هناك ظناً حسناً وإنما قال اجتنبوا كثيراً من الظنّ لأن الظن غالباً مبدؤه من هواجس نفسية لم تُبْنَ على حقائق ودلائل وقرائن قوية وإنما هي على أحداث ومظاهر فأكثر الظن ينبني على هذه القرآئن التي ربما يكون ظاهرها غير صحيحة رأيت أخاك في موطن لا يليق هنا لم تبني على حقيقة الحقيقة أنك لم تراه عيناً رأي العين على معصية وإنما رأيته مرة في سوق لا يليق أو مع أناس ربما حضر معهم لينصحهم وربما كان ذلك بدعوة من أحدهم وأراد أن يستفيد منه أو نحو ذلك.

فالظن غالباً لا يبنى على حقائق وإنما ينبني على شك وهواجس نفسية وخواطر نفسية قد يكون مبدؤها من موقف بينك وبينه. ولذلك الإنسان الذي ينظر بعين نقد غالب أحواله الظنّ إذا كنت دائماً تنقد شخصاً فكثيراً من المواقف التي تحدث منه والكلام الذي يقوله دائماً توجه نحوها علامات استفهام ربما يريد كذا فكما يقال تنظر بعين سوداوية أو بنظارة سوداوية ستجد أن المواقف التي تأتيك كلها بهذا الجانب. أما الانسان المؤمن الطاهر الصافي في إيمانه ويقينه السامي في أخلاقه وأدبه لا ينظر إلا بحسن ظن وتفاؤل ويجعل الأمور غالباً يأخذ الناس على حسن ظنهم إلا أن يُعرف هذا الأمر بما يسوء اشتهر عنه أنه يسوء صاحب بدعة أو صاحب شهوة وانتشر هذا عنه ولذلك قال الله تعالى (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وهذا يفيد أن بعض الظن ليس بإثم مثل الظنّ بأهل البدع والظنّ بالكفار أنهم يكيدون بالمسلمين والظنّ بأهل الفسق ونحو ذلك هذا ظنّ في محله لكن الظنّ بالمؤمن الذي ليس من حاله إلا الخير فهذا ليس بظنّ حسن ولهذا قال بعض السلف أن الظنّ في المؤمن الذي ظاهره الصلاح ظنّ باطل وهو إثم يعني إذا كان أخوك صاحب صلاح وإيمان واستقامة فظنك به في شيء من الأمور والتي طرأت ظنّ إثم يجب أن تتبين فيه وتتحقق منه.

قال تعالى (وَلَا تَجَسَّسُوا) وفي قرآءة "ولا تحسسوا" الحكمة من الأمر بعدم التحسس بعد الظن؟ لأن الظن سيبعث على تتبع الإنسان والتحسس والتجسس عليه. وقيل أن التحسس في الأمر الذي فيه خير والتجسس في الأمر الذي فيه سوء والتجسس هو التطلع بخفاء على ما يراد منه سوءاً، التطلع على أمر بخفاء.

قال الله تعالى (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) وهذه الجملة ختم الله تعالى بها توجيه المؤمنين بالآداب لكنه عقبها بما ينهر المؤمنين عنها ويحذرهم منها ويجعلها في نفوسهم مستكرهة لماذا؟ لأنها أمر يغلب في الناس وهي الغيبة. قال الله تعالى (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) ثم قال (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) لاحظ أنه مثّل هذه الصفة السيئة بأوصاف بليغة في الكراهية والقبح مما يجعل الإنسان يتصور ذلك المشهد ينأى عنه ويستقذره ويتركه أولاً أكل لحم، من يستطيع أن يأكل لحماً نيئاً؟! ثم يأكل لحم إنسان ثم يأكل لحم أخيه ثم يأكل لحم أخيه الميت! من يستطيع أن يفعل هذا؟! إلا انسان متوحش لا رحمة فيه البتة وليس فيه قيمة من قيم الإنسان. فالله تعالى أراد أن يصور ذلك المشهد بأسوأ صورة فإذا اقترنت بها حذرها الإنسان وهذا منهج من مناهج التربية أنك تقرِن صفة بمشهد سيء يحذر الانسان منه فلهذا الله U صوّر الغيبة التي هي نهش في أعراض الناس، في أعراض المسلمين بغيبتهم عدم حضورهم والمثال متجانس من حيث أنه نهش لأوصاف الناس وعيب فيهم وفي غيبتهم وفي وصف الايمان أي أنه غيبة لمؤمن فلذلك ما أعظم والغيبة قد انتشرت في مجالس الناس وصارت كما يقال فاكهة المجالس أن يستحضر الانسان دائماً هذا المشهد الذي ذكره الله عز وجل ليحذر منها ولا يكون من أهلها.

 

قال الله عز وجل (وَاتَّقُوا اللَّهَ). قبل هذا في بيان حكم الغيبة وهل هي من الكبائر أو من الصغائر؟ بعض العلماء قال من الكبائر لأن الله عز وجل نهى عنها وقرنها بتحذير وبوعيد وتصوير بليغ وبعضهم قال أنها ليست من الكبائر لكنها لا شك من الأخلاق السيئة والمعاصي التي يأثم بها الإنسان إذ أنها متعلقة بحقوق الناس فإنك إذا اغتبت إنساناً فلا يُمح عنه ذنبك إلا بالاستحلال منه فتعلقك بحق الآخرين فينبغي للإنسان أن يستشعر هذا الأمر ليدعوه إلى تركه. قال الله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل