برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء 15 - د. عمر الدهيشي

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 15 – الجزء الخامس عشر

د. عمر الدهيشي

في الجزء الخامس عشر جزء منه في سورة الإسراء أو كما تسمى سورة بني اسرائيل وجزء منه في سورة الكهف.

أبرز الموضوعات:

سورة الإسراء تمحورت حول شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وما حباه الله تعالى من التمكين والتثبيت والعصمة وما أيده به سبحانه وتعالى من المعجزات الباهرات والآيات البينات، ويأتي في مطلعها القرآن الكريم الذي هو المعجزة الخالدة له صلى الله عليه وسلم.

أيضاً ذُكر في السورة جزء من قضايا العقيدة وبينت أسس في التوحيد، أيضاً ذكر في هذه السورة سورة الإسراء طرف من الأخلاق والقيم.

وفي هذه السورة لم يأت ذكر لهذه الأخلاق كلها ولكن ذكر أبرز هذه الأخلاق التي حقيقة هي مأرز الأخلاق وموئل الفضائل ومجمع الكمالات قوله تعالى في قوله تعالى: (ولاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً(22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[الإسراء:23]

أيضاً في سورة الكهف فيها إشارة إلى كتاب الله عز وجلّ، وهناك قصص ذكرها الله عز وجلّ فيما يتعلق بالابتلاء، وفي الجزء الخامس عشر كان من نصيبه قصة فتنة الدين في قصة أصحاب الكهف، ثم بعد ذلك ذكر الله عز وجلّ فتنة المال في قصة أصحاب الجنتين، ثم بعد ذلك فتنة العلم في قصة موسى عليه السلام والخضر.

وقفات مع آيات سورة الإسراء:

تسمى سورة بني إسرائيل وافتتحت بهذا الحدث الضخم، الحدث العجيب، الحدث الذي لم يكد يستوعبه المشركون، الحدث الذي كان إن صح التعبير أول رحلة فضائية من الأرض إلى السماء، قصة الإسراء ثم بعد ذلك قصة المعراج في قوله سبحانه وتعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ )[الإسراء:1]. في مطلع هذه السورة إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان فضيلته وخيريته، وأن الله سبحانه وتعالى اختصه بالفضائل والمكارم التي لم يفت منها فضيلة للأنبياء السابقين، فكل فضيلة لنبي من الأنبياء وهبها الله عز وجلّ لهذا النبي الخاتم الذي هو سيد ولد آدم كما قال عليه الصلا والسلام: أنا سيد ولد آدم ولا فخر. كل فضيلة كانت للأنبياء سابقة كانت له عليه الصلاة والسلام الله في :إن الله اتخذ إبراهيم خليلا واتخذني خليلا، وكذلك الله عز وجلّ كلم موسى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء: 164] كذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فكل فضيلة للأنبياء السابقين كان للنبي صلى الله عليه وسلم نصيب وافر من هذه الفضيلة ومن ذلك أن الرسل السابقين كان موطن دعوتهم هو في فلسطين في المسجد الأقصى فالله عز وجلّ أراد أن يكرم  هذه الأمة ويكرم نبيها بأن يحصل على الفضيلة التي حصل عليها الأنبياء السابقين فأسرى بنبيه صلى الله عليه وسلم ليلاً من مكة إلى المسجد الأقصى وصلى بالأنبياء ثم عرج به بعد ذلك إلى السماء الأولى ثم الثانية حتى انتهى إلى سدرة المنتهى.

افتتح الله هذه السورة بقوله "سبحان" (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى)[الإسراء:1] و "سبحان" تدل على التعظيم والتنزيه والتكريم فمن خلال هذا الإسراء ومن خلال هذه الآيات العظيمة التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم ناسب أن يذكر هذا التنزيه وهذا التعظيم (سبحان) لأن حقيقة الإسراء في ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم يعرج إلى السماء في جزء من الليل وليس الليل كله يدل على عظم هذا الأمر وأن هذه الواقعة خالفت قانون الزمان وخالفت قانون المكان خاصة في ذلك الوقت كانوا يمضون أيام بل ربما أسابيع وأشهر حتى يصلوا إلى المسجد الأقصى والنبي صلى الله عليه وسلم في ظرف لحظات وزمن محدد ذُهب به إلى المسجد الأقصى ثم عرج به إلى السماء فناسب أن يفتتح الله عز وجلّ هذه السورة بقوله سبحان بالتعظيم والتنزيه لله تعالى، لأن لكل سبب نتيجة أما في هذا الإسراء خالفت الأسباب مما يدل على أنه ليس كل سبب إذا تحقق لا بد أن تتحقق النتائج ففي هذه الحال أراد الله عز وجلّ أن يبين أن ليس كل سبب له نتيجة وإنما لهذا السبب مسبب وموجِد سبحانه وتعالى إن أراد أن تكون هناك كانت نتيجة وإن لم يرد لا تتحقق النتيجة.

في السورة حديث عن بني إسرائيل وما قضاه الله عز وجلّ أنهم يفسدون في الأرض ويعلون في الأرض مرتين ويعلون علواً كبيراَ  ثم الله عز وجلّ يتوعدهم بعد ذلك (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً(5) الإسراء) ثم جاء الحديث بعد ذلك عن بني إسرائيل في نفس هذا السياق، يستوقفنا أن الله ربط بين ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم وذِكر موسى عليه السلام وهذا تكرر كثيرا في كتاب الله عز وجلّ أن يقرن الله عز وجلّ بين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوة موسى عليه السلام وذلك والله أعلم للتشابه الكبير بين رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة موسى عليه السلام فكتابيهما التوراة والقرآن هما أفضل الكتب، أيضاً شريعتهما هي أفضل الشرائع، والأمم الذين آمنوا بهذين النبيين هم أكثر الأمم وهناك تشابه بين دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوة موسى عليه السلام فموسى عليه السلام واجه قوماً جبارين متعنتين في أسئلتهم ومستكبرين كذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هناك صناديد قريش يستهزؤن ويكذبون يعرضون ليس عن جهل وإنما عن قصد (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)الانعام) لو تأملنا في هذه السورة على سبيل المثال قال الله عز وجلّ حكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم : (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا)[الإسراء:73] وفي آخر سورة الإسراء في قصة موسى عليه السلام قال (فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ)[الإسراء:103]

أيضاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصف أبا جهل بأنه فرعون هذه الأمة، فدعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيها تشابه كبير بدعوة نبينا موسى عليه الصلاة والسلام .

*الحديث عن القرآن وهدايته ونقف مع قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)[الإسراء:9] هداية القرآن الكريم وأثره في صلاح البشرية، نقول للمسلمين في جميع أنحاء الأرض إن الله عز وجلّ يقول عن كتابه الكريم (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء:9] طريقة الإهتداء بالقرآن الكريم استجابة لكتاب الله عز وجلّ.

مما يلفت الانتباه أن هذا الجزء اشتمل على آيات كثيرة خاصة سورة الإسراء أكثر من إحدى عشرة آية كلها تتكلم عن كتاب الله عز وجلّ (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء: 82] وقوله:( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ )[الإسراء:88] ولكن الأبلغ من هذا أنه وردت فيه آية تجمع كل ما في القران من الخير والهدى الرشاد والبشرى وهي قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)[ الإسراء:9] "أقوم" في كل شيء في السياسة في الإقتصاد في الأخلاق في المعاملة في العبادات في كل شيء، فحقيقة هذه الآية احتوت على جميع ما في القرآن من خيري الدنيا والآخرة ولهذا بعض المفسرين أطال وأطنب في تفسيره لهذه الآية وذكر ما يتجاوز المئة صفحة في تعليقه حول هذه الآية، لأن الله عز وجلّ بين أنه يهدي للتي هي أقوم في كل شيء في أمور الدنيا وأمور الآخرة ونحن بحاجة كبيرة جداً لهداية كتاب الله عز وجلّ في حياتنا الشخصية ومعاملاتنا وتعاملنا وأحوالنا كلها، ولا شك أن القرآن الكريم الذي أنزله الله عز وجل وهو العالِم بالخلق سبحانه وتعالى وهو الذي قال عن كتابه الكريم:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9) الإسراء).

كذلك ما تنزل بالأمة من مشاكل ومن مصائب يجب أن يرجعوا إلى كتاب الله عز وجلّ ويبحثوا عن العلاج ويتلمسوا الطريق الصحيح الذي يخرجهم من هذه النازلة ومن هذه المشكلة ومن هذه المصيبة التي نزلت بهم فإن هذا القرآن يهدي ويدل لما هو أفضل وأتقن وأكمل في الحلول والعلاجات التي تنزل بهذه الأمة.

الفضائل التي أمرت بها هذه الآيات والقيم المهمة، والأمور الخطيرة التي نهت عنها هذه الآيات في سورة الإسراء والتي تشابه الوصايا العشر التي ذُكرت في سورة الأنعام فهي تتقارب معها في أنها تتحدث عن أصول مهمة: لحفظ النفس ولحفظ العقل ولحفظ الدين ولحفظ العرض ولصلاح المجتمع حتى في علاقاتهم، وابتدأت بقضية التوحيد :(لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً (22)الإسراء) ثم جاء الحديث عن قضية البر بالوالدين وأنه جاء مرتبط مباشرة بعد عبادة الله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )[الإسراء:23]

في هذه السورة ذكر الله عز وجلّ جملة من الأخلاق حتى بلغت خمسة وعشرين حكما أو خُلُقا سماها الله عز وجلّ بـ(ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ)[الإسراء:39] وهذه الآداب حقيقة تتفاوت يأتي عليها الأحكام التكليفية الخمسة هناك حكم واجب، وهناك حكم مستحب، وهناك حكم محرم، وهناك حكم مكروه هناك حكم مباح، هذه الأداب كلها تتفاوت بين هذه الأحكام من حيث الوجوب أو التحريم أو الإستحباب أو الكراهة .

افتتح الله عز وجلّ هذه الأخلاق والآداب بقوله سبحانه وتعالى:(لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)[الإسراء:22] وهي العبودية لله عز وجلّ والتوحيد أولًا.

ثم بعد ذلك ثنى سبحانه وتعالى بقوله:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[الإسراء:23] مما يدل على عظم شأن البر وما يتعلق به فمكانة البر بالوالدين تشغل حيزًا كبيرًا جداً في التأكيد على ارتباطها مباشرة بعد قضية التوحيد، والإشارة الدقيقة إلى أهمية البر في حال الضعف في حال الحاجة في حال يحتاج فعلا الوالدين لمن يقوم ببرهما (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء:23] المفاضلة أو المقارنة بين وضع حاجة الإنسان" الوالدين" إلى بر ابنهم في حال الضعف ولماذا ركز القرآن على هذه الحالة؟ لاشك أن الله الذي خلق البشر يعرف أنه في هذه الحال بعض الأولاد قد يتأفف قد يتبرم من البر والقيام بحق والديه في حاجتهم إليه، بينما كان هو في صغره يقومان به خير قيام في أشد الحالات التي يُحتاج أن يقوم بها منه "المقارنة بين هاتين الحالتين"

 بر الوالدين والقيام على الوالدين هذه من أعظم الأمور ومن أعظم الواجبات ومن أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل، إن كان يتعبد ويتقرب إلى الله بالصلاة فكذلك بر الوالدين لا تقل شأناً عن هذا، ولهذا قرن الله عز وجلّ عبادته وطاعته ببر الوالدين قال:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)[الإسراء:23] "وبالوالدين" لم يقل "ثم" بل وبالوالدين، لأن طاعة الوالدين من طاعة الله عز وجل وهي من أعظم الطاعات وأفضل وأجل القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجلّ خاصة كما ذكرنا إذا كان في حالة ضعف وفي حال الكِبر وفي حال الحاجة إلى الأولاد فإنه عندئذ يتأكد جانب البر ولهذا نصّ الله عز وجلّ على هذه الحالة، لأنه إذا كان والدك بصحة وعافية وكان لا يأمرك إلا في أوقات السعة فسهل عليك أن تلبيه، لكن إذا كان قد أصابته مصيبة أصابه مرض أقعده عارض من العوارض فعندئذ ربما تتأفف النفس وتعرض وتقل الإستجابة، وبعض الشباب للأسف قد يتصل به زميله في نصف الليل بالجوال أو برسالة واتس أب أو غيره فلا يتردد "أبشر" بينما الوالد والوالدة إذا طلبت منه الوالده أن يذهب بها من مكان إلى آخر لقضاء حاجتها لا يستجيب أو يطلب منها أن تطلب ذلك من أحد اخوانه وهنا إشكالية كبيرة جداً في التعامل مع مثل هذه الأمور فأقل ما فيها أننا ما ننظر إلى الوفاء ولهذا الله تعالى يذكر في نفس الآيات : (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء:24] يؤكد أنك كنت في حالة الصغر لا تقوم بأقل حاجاتك التي تحتاجها من الطعام والشراب وإزالة الأذى وغير ذلك إلا بهما.

القرآن أكد على ما ذكرنا، والقرآن لم ينص على هذا إلا للحاجة الماسة والحاجة القائمة: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) [الإسراء:23]، هذا داخل ضمن البر ولكن نص الله عز وجلّ عليه في حال الضعف (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) [الإسراء:24] يعني بقدر ما تستطيع أن تخفض لهم أن تحترم أن تقدر أن تحتمل إن كان هناك أذى قد صدر منهم فافعل، وقد جاءت الآية بتعبير دقيق (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)[الإسراء:24]، فيه بيان أن الإنسان كأنما يخضع مثلما يخضع الطير بجناحيه في الاستجابة وفي الخضوع والذل لوالديه. حتى مجرد التأفف فكيف بما هو أعظم منه وهو أن يصرخ في وجههما أو يرد عليهما والعياذ بالله.

(وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء:24] هذا يكون في الدنيا وهما على قيد الحياة، وكذلك يكون في الآخرة إذا ماتوا.

*ننتقل إلى الحديث عن كتاب الله عز وجلّ في الآيات التي تحدثت أنه شفاء، وأن الله عز وجلّ تحدى به البشر: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء:82]

بيّن الله عز وجلّ في أوصاف هذا الكتاب أنه شفاء (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء) [الإسراء:82] شفاء لمن؟ للمؤمنين وهذا الشفاء يكون شفاء من الأمراض المعنوية كما يكون أيضاً شفاء من الأمراض الحسية، فكتاب الله عز وجلّ "شفاء" ذكره الله  سبحانه وتعالى نكرة لتشمل كل ما هو شفاء وعلاج ودواء (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء:82]، الذين يصدقون بهذا الكتاب لا بد من يقين وتصديق ولهذا نقول للإخوة الذين يريدون الرقية بالقرآن الكريم أولاً: لا تتوجه للرقاة بل الأصل أن ترقي نفسك أنت، وأكبر ما يجعل للرقية تأثيراً هو هذا اليقين كما قال الله: (وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء:82]، أن يكون في قرارة قلبك يقين وأنت تقرأ على نفسك وعلى قريبك وعلى من تقرأ عليه بأن هذا القرآن شفاء، القضية ليست قضية نجرب ونشوف يمكن ينفع أو ما ينفع! لا بد من يقين عالٍ حتى يؤدي القرآن أثره بإذن الله عز وجلّ.

ومما يدل على عظم كتاب الله عز وجلّ قوله سبحانه وتعالى:( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) الإسراء) أي لو كانوا أفراداً لن يستطيعوا وحتى لو اجتمعوا لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن وهذه من آيات التحدي التي يقول عنها العلماء أن الله تحدى بها العرب على أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

الشيطان عداوته ظاهرة ومعلنة وقد بينها وأعلنها صريحة كما قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (60) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)[الإسراء:62] هنا كلام ابليس: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء:62] لأوسوس لهم لأضلنهم ما استطعت سأبذل جهدي كله، تأمل معي :لأحتنكن الحنك قالوا: قطعة حديد توضع في فم الفرس حتى يذهب به الفارس يمنة بالخيل ويسرة بهذا الوصف "لأحتنكن" فهو سيبذل الجهد (لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[الأعراف:17] وأيضاً في سورة الكهف: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ)[الكهف:50] فهو يخاطب العقل، الله تعالى يقول هو عدو فكيف يتخذه الإنسان ولياً!! هذه الآيات تريد من الإنسان أن يحكم أقل شيء عقله في قضية عدم طاعة الشيطان.

أيضاً في سورة الكهف ذكر الله عز وجلّ هذه العداوة وهذه المفاصلة بين المؤمن والشيطان ذكرها سبحانه وتعالى بعدما ذكر فتنتين فسورة الكهف ذكرت خمس فتن: فتنة الدين، فتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة السلطة، ذكر الله عز وجلّ هذه الآية بين فتنة الدين والمال، وبين فتنة العلم والسلطة، ليبيّن سبحانه وتعالى أنه هو السبب في إضلال من ضل عن سبيل الله عز وجلّ وهو السبب في إضلال من افتتن بماله أو افتتن بسلطته او افتتن بعلمه لهذا قال الله تعالى في هذه السورة: (قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا(63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا(64)) والآية المهمة (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً(65)الإسراء) هذا استثناء نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا البيان الطيب.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل