تفسير سورة الفتح - المجلس الثاني والأخير- د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الفتح - المجلس الثاني والأخير

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿١٨﴾ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٩﴾ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٢٠﴾ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴿٢١﴾ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿٢٢﴾ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴿٢٣﴾)

هذه الآيات الكريمات هي تفصيل ما وعد الله U به نبيه والمؤمنين إذ أن الآية الأولى التي مرت بنا (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) في تلك الآية ذكر الله حالهم وصدقهم وفضلهم كأنهم يبايعون الله وهنا ذكر الله جزاءهم بأنهم حازوا رضى الله U يعني ما بينهما من الآيات هي انتقال في حال المنافقين والأعراب الذين انشقوا وتخلّوا عن النبي e ولم يكونوا مع المؤمنين فذكر الله حالهم كشفاً لهم وإظهارا لسوءتهم وأعمالهم السيئة التي كانوا عليها وظنونهم السيئة فقال الله تعالى هنا عودا للسياق في حال المؤمنين الذي إبتدأ من أول السورة (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ) الله أكبر! والله لو لم يحوزوا إلا هذه الكلمة لكفى. (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) هنا صرح ببيعتهم تحت الشجرة وإنما ذكر الله I مبايعتهم تحت الشجرة لاستحضار تلك الصورة المشرفة لهم فتلك الصورة لن تنسى لن يسنوها ولن ينساها التاريخ ولا زالت تذكر تلك الشجرة وتلك البيعة العظيمة إلى يومنا هذا لشرفها وشرف أهله بغض النظر عن قدسية الشجرة والتبرك حولها هذا أمر لا يشرع القول فيه إذ أن الحديث هنا في شرف هؤلاء وليس في شرف الشجرة شرف هؤلاء وتذكيرهم بذلك المشهد العظيم. قال (إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) مع أن الآية نازلة بعد مبايعتهم فقال هنا (إِذْ يُبَايِعُونَكَ) ولم يقل (إذ بايعوك) لماذا جاء الضمير هنا بصيغة المضارع؟ لتجديد البيعة وتذكيرهم بها واستئناسهم بها ودوام إستمرارهم عل هذه البيعة وثباتهم على ما هم عليه أو ما وعدوا به رسول الله e، قال الله (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) لم يقل (ما في قلوبهم من الصدق) والله ما أجمل القرآن وأعظمه إذ يذكر الفعل ويعلق المفعول ليحتمل كل الإحتمالات فعلم ما في قلوبهم من الإيمان من الصدق من الرغبة في نصرة دينه واليقين والفرح والرضى إلى غير ذلك كأن الله عز وجل جعل في هذه الاية كل ما كان في نفوس الصحابة يومئذ بعضهم رضي بالرضا وبعضهم باليقين وبعضهم بالفرح وبعضهم بالثبات إلى غير ذلك (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) من الإيمان والصدق واليقين والثبات وغير ذلك (فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) هذه هي السكينة التي قال الله عنها (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ(4)) أعادها هنا والعجيب والسر أن السكينة ذكر انزالها في هذه السورة إنزالها ثلاث مرات مع أنها واحدة ليبين أن هذه السورة خلاصتها في هذا المشهد وما أنزله الله تعالى على المؤمنين من السكينة تطميناً لهم وتثبيتاً لقلوبهم وذهاباً لثورة نفوسهم على الكافرين وتحقيقا لرضاهم (فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ) فقط؟! لا ليس هذا فقط بل منحهم الله U منحاً ربانية لا منتهى لها إلى قيام الساعة، نحن الأن أيها الإخوة ما زلنا نعيش بركات هذه البيعة كيف ذلك؟ تأملوا معي قال (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ما هذا الفتح؟ هو فتح خيبر الذي كان لهم فيه غنائم عظيمة قال (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) فإن أعظم مغانم حازها المسلمون في عهد رسول الله e هي مغانم خيبر (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) وهنا تلاحظ قوله (يأخذونها) هنا ملحظ لطيف نستنبطه ذكره بعض المفسرين وهو أن جميع من كان في تلك الغزوة سيعيش إلى ذلك اليوم ولهذا لم يذكر أن أحداً توفي من هؤلاء الألف وأربعمئة قبل فتح خيبر كان بين الحديبية وخيبر شهر ونيف في تلك الفترة ثم غزا النبي e خيبر كان هذا في بداية السادسة وهذا في نهاية السابعة كان في ذي الحجة وغزا في محرم.

قال الله U (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) يعني مغانم خيبر كأنه يخاطبهم الأن وهم يعيشون ذلك الفتح (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ) هذا الكف إما أن يكون كف أيدي أهل مكة فلم يقاتلوكم أو كف أيديكم من فتح خيبر فإنه لم يكن بقتال من المسلمين وهذا هو الأظهر.

 (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ) لأن لفظ الناس في القرآن الكريم غالباً ما يعود على قريش أو الكفار المشركين لكن هنا لما جاء السياق في حال أهل خيبر اختلف المفسرون فيها، (وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) ما هي؟ إما أن تكون المقصود السكينة التي أنزلها الله على أولئك الصحابة فهي آية للمؤمنين بعد ذلك بأن يرضوا حكم الله فتستقر نفوسهم لما أمرهم الله U به ورسوله وترضى لحكم الله U في أيّ أمر من الأمور فإن ذلك السبب في خير لهم فهي آية والله وأيّ آية! تلك البيعة ينبغي أن نأخذها منهجاً في حياتنا أنه إذا جاء حكم الله ورسوله والذي يمثله في أي وقت يراه أهل العلم الربانيين الراسخين في أن هذا حكم الله ورسوله والرضى بحكم الله ورسوله، الرضى بهذا الحكم سبب لخير كثير بمعنى لو كان في ذلك أمر يتعلق بأمر الأمة فأفتى في ذلك أهل العلم الراسخين المعروفين في ديانتهم وصدقهم فينبغي الإستجابة لقولهم وإن كان في قولهم غضاضة على بعض المسلمين لكن حكم الله أعظم وما في هذا الحكم هو البركة وهو الخير وهو العاقبة الحسنة.

قال لله I (وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) ما أعظم هذا الجزاء أي يهديكم في دينه فأنتم على هداية وصراط مستقيم في دينكم باتباعكم أمر النبي e وهنا قاعدة ينبغي أن نعرفها: من عقد قلبه على الدين صادقاً فإن الله سيفتح له فتحاً عظيماً كلما صدق عقدك في قلبك على الدين وصدقت الله في ذلك فاعلم أن عاقبتك خير كثير وهذا استقرأته في كتاب الله كثيراً وفي سنة رسول الله e منها قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ(1) المائدة) يعني من صدق الوعد والعهد فستكون العاقبة عظيمة يعني مثاله الإنسان إذا قوي أساسه كان البناء شاهقاً وعظيماً فكذلك في أمر الدين كلما قوي الأساس قويت العقيدة فإن خير هذا الرجل سيكون كثيراً وكلما عظم الصدق في قلب الإنسان كان ذلك بإذن الله سبباً في فتح الله له وتوفيق الله له وبركته وغير ذلك فضعوا ذلك في قلوبكم واصدقوا الله تعالى في نصرة دينه والبذل في سبيل هذا الدين بكل ما تستطيع فاعلم أن هذا سبب لتمكين الله فردا وجماعة.

قال الله I (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا) قال (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) معناه هناك غنائم أخرى منها ما جاءهم من غنائم في حنين وهي كثيرةٌ أيضاً ثم قال في الآية الأخيرة (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) ما هذه الغنائم؟ يعني ما كان في تصوركم أنكم تقدرون عليها لأنها بعيدة عن أذهانكم: غنائم فارس والروم لم يكن الصحابة y يطمعون بها وما كانوا يتطلعون لها، كانوا يتطلعون لقريش ومن حولهم من الأعراب فقال الله (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا) إحاطة قدرة وإرادة بأن تخضع لحكم الإسلام (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) وفي هذه الايات تأتي البركات على الأمة إلى قيام الساعة فنحن اليوم من يتصور اليوم أن ينال المسلمون مغانم أوروبا وروسيا والغرب البعض يقول أين هذا تعيش في أحلام؟! نقول وعد الله صادق أنك إذا صدقت الله سيمنحك ما لم تكن تتوقع وتعلم فهنا قوله (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا) نحن لا نتصور ذلك عندما نعيش في واقعنا الذاتي لكن عندما نعيش في سنن الله ونعيش في صدق يقيننا بالله ونصرتنا لدين الله إن نصرْنا دين الله فوالله ثم والله سننال غنيمة أولئك، وقد وعد النبي e بذلك النبي e وعد وعداً صادقاً بأننا في آخر الزمان سنُمنح غنيمة الروم حينما قال النبي e " ستقاتلون الروم يأتونكم في ثمانين راية تحت كل راية إثنى عشر ألف- يعني حوالي المليون أو سبعمئة ألف وزيادة - في تفصيل الحديث أنه يهزم منكم الثلث فهم شر خلق الله يومئذٍ ويستشهد الثلث وهم خير الشهداء يومئذٍ وينصر الثلث وهم خير عباد الله يومئذٍ" الله أعلم متى يكون ذلك اليوم وأخبر النبي e بقتال اليهود (لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود والله لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود هؤلاء وسيقتلونهم لماذا؟ لأنه في الحديث أمر لم يحصل من قبل وهو أنه يقول (حتى يقاتل المسلمون اليهود فينطق الشجر والحجر إلا شجر الغرقد فإنه شجر اليهود يقول يا مسلم يا عبد الله تعالَ فإن يهوديًا خلفي فاقتله) هذا لم يكن من قبل معنى ذلك أنه سيكون والله تعالى أعلم أنه سيكون في اليهود الآن المعاصرين لأنهم الآن يغرسون الغرقد وهذا دليل صدق وعد الله ووعد رسوله ونسأل الله U أن يقر أعيننا في أنفسنا في رؤية هذا المشهد وأن يجعلنا من أهله نصرةً وتمكيناً صادقين مقبلين.

قال الله U (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) مناسبة هذه الآية كأنه يقول هنا بعد هذا الوعد كيف نتغلب على هؤلاء الكفار الذين هم في غلبة؟! فقال الله هناك سنة ربانية قد خلت من قبلكم لا تزال ما دامت السموات والأرض وهي أنه لو قاتلكم الذين كفروا وكنتم على صدق وإيمان وصبر وثبات (لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) والله لو قاتل المسلمون الكفار اليهود أو النصارى صادقين مجتمعين حققوا أسباب النصر والله لن يهزموا وسيولي الكفار أدبارهم لأن الله تعالى قال في الآية الأخرى (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ) سنة ثابتة إلهية وهي سنة رب العالمين سنة خالق الخلق أجمعين I فهو أعلم بهم وبشؤونهم وبمن ينصر وبمن يهزم ويذل (الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ) أي أنها سابقة فيكم فهي فيكم متحققة (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) ولكن قد لا تتحقق تلك السنة في قوم لم يحققوا أسباب النصر كاملة أو أن في ذلك الأمر الذي حدث كما حدث في غزوة أحد مثلاً أمر أراده الله لحكمة وأيضاً ما حدث في أحد هو بسبب إختلال أسباب هذه السنة وهو عصيان النبي e.

قال الله I (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ) ما المقصود بهذه الآية؟ المقصود بهذه الأية والله أعلم أحد معنيين:

·       المعنى الأول أن يكون المقصود بها ما حصل من كف الله U المؤمنين عن الكفرين وكف الكافرين عن المؤمنين في صلح الحديبية هذا المعنى الأول.

·       والمعنى الثاني الذي عليه جمهور المفسرين أن المشركين بعثوا برجال منهم أختلف في عددهم فقيل ثلاثين أو يزيد لينالوا من المسلمين على غرّة حتى يقولوا قد نلنا من المسلمين من محمد وأصحابه فتكون لهم عند العرب مقالة فمكن الله تعالى المسلمين من هؤلاء فأسروهم فأتوا بهم إلى رسول الله e فماذا فعل الحكيم u؟ أمر بإطلاق سراحهم لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام له أهداف بعيدة لأنه لو قتلهم لن يتم صلح ولن يكون قرار وستكون سبباً في ثورة أهل مكة ثم ثورة القبائل معهم لأنهم سيقولون محمد e قد غدر بهؤلاء فتقوم قائمتهم فانظروا للقائد الحكيم تركهم وأطلق سراحهم ثم جرى الصلح بعد ذلك فقال الله تعالى وهو بأمر الله U لأن النبي e إنما يحكم بأمر الله.

قال (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ) لم يصيبوكم (وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ) واختلف المقصود في بطن مكة هنا فقيل المقصود ببطن مكة هو الحديبية لأن الحديبية خارج مكة فهي تعتبر بطن أسفل يعني هي بين جدة ومكة تسمى اليوم الشميسي وهي في الطريق من جدة إلى مكة، فتسمى بطن لأنها أسفل مكة، وقيل أن المقصود ببطن مكة وسط مكة كأن الله تعالى يقول (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ) لو دخلتم إلى مكة عنوة حصل بينكم وبين الكافرين قتال فهو الذي حماكم من ذلك وكف أيدكم عنهم والله تعالى أعلم بالصواب في ذلك .

(مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) وهذه الجملة هي التي تؤكد المعنى الثاني الذي هو أسر عدد من المشركين. (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) ثم قال الله عز وجل في هذه الآيات القادمة كلها في إظهار سوءة الكافرين والتصريح بسيئاتهم والتشنيع عليهم وأنهم ليسوا أهلاً لولاية البيت الحرام وأنهم على حال مزري أظهر عيوبهم عند العرب إذ أنهم هم سدنة البيت فكيف يكون ذلك منهم؟! ما هذه الصفات؟ قال الله تعالى (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) هم كفروا بالله فهل ينالون شرف ولاية البيت وقد كفروا بالله U وهو بيت الله (وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) هل لهم أن لهم أن يصدوا المؤمنين عباد الله عن المسجد الحرام؟! (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا) أي منعوا أن ينحر الهدي في محله عند بيت الله الحرام إن كان في العمرة فهو عند المروة وإن كان حجّاً فهو في منى (أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) كيف يليق بهم وهم يزعمون الكرم والضيافة واستقبال ضيوف الرحمن أنهم يمنعون الهديّ أن يبلغ محله هم لم يمنعوه صريحاً وإنما منعوا أهله فمنعهم أهله منعهم للهدي، قال (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ) من هم هؤلاء؟ أي المستضعفون من المؤمنين في مكة الذين لم يستطيعوا أن يهاجروا بسبب ضعفهم ولقلة ما في أيديهم أو بسبب منع المشركين لهم، وقيل أنهم إثنى عشر رجلا وإثنى عشر إمرأة وقيل أكثر من ذلك. قال الله (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ) قيل أن بعضهم لم يعرفهم الصحابة لأن بعضهم قد آمن سرّاً، وقيل (لم تعلموهم) لن تميزوهم في خضم المعركة (أَن تَطَؤُوهُمْ) والوطء هو أن يطأ بقدمه والمقصود بذلك أن يطأهوم في المعركة بأن يصيبهم منهم مصاب (فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) تكون معرة لأنكم ستقتلون منهم أناس فيقول أهل مكة قتل محمد أصحابه فتكون معرّة يعني معابة لكم عند العرب (فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) يعني أنتم قتلتموهم بغير علم لكن العرب لن تسلموا منهم لأنهم سيجعلون هذا عيباً وعاراً عليكم.

قال الله (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء) يعني أن الله U أراد هذا الحكم ليدخل في رحمته أولاً من هؤلاء الضغفاء فيهاجروا ويدخل الله في رحمته من أهل مكة فيسلموا ويدخل الله في رحمته من أهل القبائل في دين الله عز وجل فهذه الآية هي ظاهرة من حكم الصلح الذي أراده الله ولو كان قتالاً لم تكن تلك الحكم أو المصالح، (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء) فأدخلت هذه لإظهار حكمة الله عز وجل في أمر الصلح، قال الله (لَوْ تَزَيَّلُوا) تزيلوا تميز المسلمون المستضعفون من الكافرين لو لم يكن في مكة مسلمين مستضعفين أمرناكم بقتال المشركين ولعل هذا يظهر أن من أعظم حكم صلح الحديبية وجود المستضعفين من المؤمنين في مكة، قال (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) في الدنيا وفي الأخرة.

ثم قال الله U في التشنيع أيضاً على الكافرين من أهل مكة بعد أن أثنى وأشاد بالمؤمينن اهل بيعة الرضوان الذين كانوا مع النبي e إنتقل إلى الحديث عن هؤلاء المشركين في التشنيع عليهم وإظهار سوءتهم قال (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) يعني ما جعلهم يمنعون النبي e وأصحابه عن بيت الله إلا الحمية، يعني كيف تمنعون عباد الله من بيت الله إلا حميّة يعني هذه معرة وسوءة عليكم كيف تجعلون الحمية التي في قلوبكم سبباً لمنع نبي الله e وأصحابه من دخول مكة؟! ولهذا قال (فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) ما يدل على أن الحمية قد احتمت في قلوبهم والحنق قد ظهر في نفوسهم ووصل بهم من الغيظ على رسول الله e حين ظهر شأنه وهو منهم وقد خرج من مكة فأصابهم في قلوبهم من الغضب وحمية الجاهلية ما جرأهم على منعهم من مكة يظنون قادرون على منعه أو النيل منه قال (حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) صف الحمية بالجاهلية ولم يكتف بقوله الحمية؟ حتى يعرف أن هذا جاهلية منهم ولا شك أن قرن وتعليق الحمية بالجاهلية للدلالة على سوءة هذه الحمية وأنها متعلقة بأمر الجاهلية ليست على علم ولهذا ما جاء بالقرآن وقرن بالجاهلية فهو أمر سيء كما قال الله (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى(33) الأحزاب) وغيرها من الأيات التي قرنت بالجاهلية فالمقصود بها أن هذه الحمية حمية سيئة وحمية باطلة خارجة عن حدود حكم الله ورسوله وأمر الله ورسوله وهذا نأخذ منه أيها الإخوة أن الإنسان إذا منع إنساناً من الخير لسبب في نفسه حمية واظهر قوته بلا سبب فإن ما فيه من هذه الحمية هي حمية جاهلية وإن كانت الجاهلية إنتهت لكنه إتصف بصفات أهلها.

قال الله عز وجل في مقابل هؤلاء المؤمنين هؤلاء المشركين انتقل السياق في الثناء على المؤمنين ما يزال ربنا عز وجل يرعى هذه الثلة الفئة الطيبة المباركة ويعيد الثناء عليها ويؤكد أيضاً ما أنزله الله في قلبها من السكينة والإطمئنان لحكم الله قال الله (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) يعني هؤلاء هي في مقابل حال هؤلاء في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية لكن الله عز وجل جعل في قلوب عباده وأولياءه ورسوله المؤمنين السكينة (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) ما المقصود بقول كلمة التقوى؟

قيل: هي كلمة التوحيد

وقيل هي كلمة التقوى ذاتها هي اتقوا الله عز وجل ومن ذلك أنهم وثَّقوا أنفسهم بحكم الله ولم يخرجوا عن حكم الله وحكم رسوله في هذا الصلح وهذا تقوى اتقوا حظوظ أنفسهم ولم يجترئوا على مخالفة أمر الله U لأنهم لو إجترأوا على حكم الله معنى ذلك أنهم أرادوا حظوظاً في نفوسهم لكنهم جردوا نفوسهم عن كل حظوظ وقرنوا قلوبهم بما أراده الله وحكم به يعني خلصوها لحكم الله U ولهذا قال (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)

قيل المراد أيضاً بالتقوى هنا ألزمهم كلمة الالتزام بهذا الصلح فلم يجترئ أحد من صحابة رسول الله e على مخالفته لم يخالفه أحد أربع سنين لم يخالفه أحد من صحابة رسول الله e حتى نقضه المشركون لما رأوا أن أهل الإسلام يكثرون والإسلام يقوى ورسول الله يعتز غاظهم ذلك فنقضوه، قال الله U (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) ألزمهم أوثقها في قلوبهم وكانت لازمة في قلوبهم (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا) وصفهم الله بأنهم أحق بهذا الوصف كأنك تقول فلان أحق بهذا الوصف إذ حققه كاملاً حققه تحقيقاً وافراً ولذلك قال الله (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) يقال هذا أحق بهذا الأمر وهو أهل له حينما تكون مقتنع تمام القناعة من إتصافه به وأن لديه الكفاءة التامة الله U يشهد من فوق سبع سماوات هؤلاء بأنهم أهل للتقوى وأنهم أحق بها من غيرهم فهم لا شك ولا ريب أتقى لله من غيرهم من المؤمنين النبي e يقول أنا أخشاكم لله وأتقاقكم له فأصحاب رسول الله الذين كانوا معه في هذه البيعة هم أتقى الناس بعد رسول الله e ومن أتى آتٍ من بعدهم في ذمّهم أو الطعن فيهم فهو والله دالٌ دلالة صريحة على أنه ليس من أهل التقوى لأن الله هنا أثنى عليهم بالتقوى وهو إشادة من ربهم لا يأتي أحد من بعدهم يذمهم إلا وكان وصفه خال من التقوى كيف يجترئ على الطعن في أصحاب رسول الله e الذين زكاهم الله تعالى من فوق سبع سموات قال الله (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) بما في نفوسهم وقلوبهم.

ثم قال الله (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) النبي e رأى رؤية قبل الحديبية . رأى أن أصحابه يدخلون البيت الحرام ورءاهم محلقين ومقصرين ولم يرد في الرؤيا أنه رآهم يطوفون لكن رآهم داخلين البيت الحرام ورآهم مقصرين بعضهم مقصِّر وبعضهم محلّق فأخبر النبي e بها أصحابه فاستبشروا وأيقنوا أن منصرفهم هذا إلى مكة هو تحقيق تلك الرؤيا إذ أنها رؤيا رسول الله e ورؤيا الأنبياء حق. فلما كان ما كان من الصلح هنا جاءت فرصة المنافقين فقالوا أين وعد رسول الله e؟! أين البشرى؟! أرادوا أن يدخلوا في نفوس الصحابة y الشك والشبهة والريب فما أعظم حكمة الله ورحمته إذ أنزل هذه الآية تثبيتاً وتحقيقا،ً أبو بكر t بصدق إيمانه ولذلك سمي صديقاً قال لهم وهل أخبركم النبي e أن هذا يكون العام؟ أنظروا المؤمن يجد في ما وعد الله به ورسوله يقيناً وإن كان يرى الظاهر خلافه لأن ذلك قد يكون أمر مستقبل فأنزل الله هذه الآية (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) هذه الآية نزلت بعد الرؤيا تحقيق (آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) ما الحكمة من ذكر أوصافهم أنهم سيدخلون في أمن وأنهم سيحصل لهم ما وعدهم الله من العمرة لأن الصلح الذي حصل من بنوده أنهم يأتون من العام القابل للعمرة والتي هي عمرة القضية أو القضاء وقد كان ذلك في العام الذي بعده أن النبي e جاء هو وأصحابه في عمرة القضية. قال الله تعالى (لَا تَخَافُونَ) أي أنكم تدخلون مكة آمنين ولا تخافون أن يغتالكم المشركون أو أن يصيبونكم بأذى يعني تدخلون في تمام الأمن ولا تخافون (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا) I بما أراده (فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) أي قبل ذلك فتح خبير.

ثم قال الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) هناك قال (إنا أرسلناك) وهنا قال (هو الذي أرسل) ما الحكمة من هذه الآية؟ إثبات أن ما أخبر النبي e به حق لماذا؟ لأنه رسول الله U (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) كأن الله يقول شهادة الله على ذلك فوق إخباره لكم وأي خبر يكون شاهده الله U وكفى به شهيداً.

ثم ختم I السورة بآية عظيمة إي وربي إنها لعظيمة شهادة في الختام لنبيه e والمؤمنين معه (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) هنا لفتة لطيفة ما مناسبة قوله U (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) ما السر في قوله محمد رسول الله؟ سر ذكر محمد رسول الله أنه في صلح الحديبية لما قال هذا ما قاضى به محمد رسول الله قالوا لو علمنا أنك رسول الله ما منعناك من دخول البيت وما حلنا بينك وبين البيت فكتب النبي e هذا ما قاضى عليه محمد ابن عبد الله ثم أثبت الله هذه الكلمة في كتابه في هذه الآية فقال محمد رسول الله رغم أنوفكم وأنه حق وإن كنتم أنتم لم تقروا به فقد اقر الله له بالرسالة وشهد الله له في كتابه وكانت هذه الكلمة لم تذكر في الصحيفة فذكرها الله في كتابه تتلى إلى يوم القيامة الله أكبر ما أعظم منحة الله لنبيه وما أعظم حكمة الله يعني محمد رسول الله e حين يعارض على أنه رسول الله ثم يتخلى ويرضى أن يكتب محمد بن عبد الله حتى يتم الصلح والله إنها لحكمة عظيمة فمنحه الله جزاء ذلك الشهادة في كتابه على أفضل الصلاة والسلام تتلى في كتابه واثنى على الذين معه (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ) يعني ما يزال في قلوبهم من الشدة على الكفار مع أنهم قد أمرهم الله U بأن يكفوا لكنهم أشداء على الكفار ما تيسر لهم ذلك أنهم أشداء على الكفار لا رخاوة بينهم في دين الله والقيام بأمره ومجاهدة ومقاتلة الكافرين (رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) تجدهم فيما بينهم رحماء في تكاتفهم وتآخيهم وتناصرهم ونحو ذلك لكنهم مع الكافرين لا يناصرونهم ولا يوالونهم ولا يلينون معهم وهذه الآية تختلف عن قول الله U في سورة الحشر (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ(8) الحشر) فتلك في المعاملة في شأن الذين لم يقاتلوا وهذه في شأن المقاتلين فالمسلم المؤمن شديد مع المحاربين لا يلين لأنه في قوم يحاربون دين الله U فلا ملاينة في ذلك أما من كان بينه وبينهم صلح أو عهد فيختلف ذلك رجاء إيمانهم ورجوعهم إلى الحق.

 قال الله تعالى في وصفهم وأيّ وصف وصفهم الله (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) الله U يقول تراهم ليس الوصف للنبي فقط وإنما هو خبرٌ عنهم (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) من الخبوت مع أنهم أشداء على الكفار في نفوسهم من القوة والعزة إلا أنهم مع ربهم في خضوع وذلة هذا معنى (رُكَّعًا سُجَّدًا) ولم يقل (تراهم يصلون) إذا ذكر الركوع والسجود دون الصلاة فالمقصود به معنى السجود والركوع وهو الخضوع والإنابة إلى الله U والذلة لله U (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) ما هو الفضل؟ الذي وعدهم الله U به من الفضائل والغنائم والفتوحات وغير ذلك والرضوان الذي وعدهم الله تعالى به وهو قوله (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(18)).

 قال الله (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) يعني من أثر سجودهم إما أن يكو سيماهم بأثر السجود في جباههم وإما أثراً معنوياً بتلألأ وجوههم بنور الإيمان فالأثر هنا إما حسي أو معنوي قال الله U (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) أي أن هذا الوصف ذكره الله في التوراة (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي فروعه (فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ) قوي (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) والسوق هو الجُرم الذي تقوم عليه الشجرة (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) الله U مثّل المؤمنين في نموهم بيان أن هذا الدين سينمو وسيبلغ كما قال النبي e ما بلغ الليل والنهار فمثلهم بالزرع حين ينمو ويكثر ويتفرع (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) أهل الزرع ثم انتقل للحديث عن الكفار (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) في كثرتهم ووفرتهم ونموهم (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم) ممن؟ من هؤلاء لأن الخطاب في الصحابة الذين كانوا مع النبي e (مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) لكن هذه الأية ذكر المفسرون أنها ليست في الصحابة فقط وإن كانت أظهر فيهم لأنه قال (والذين معه) إما أن يكونوا معه صحبة أو إيماناً فإن كان صحبة فالمراد بها الصحابة وإن كانوا معه في الإيمان وفي الإستجابة والإتباع فهم على وصف واحد إلى قيام الساعة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل