مشروع تفسير القرآن - د. أحمد نوفل (فلنأتينك بسحر مثله)

{فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ} [طه:58]

 من مشروع تفسير القرآن الكريم، للدكتور أحمد نوفل
(الحلقة الأولى)

الربط والمناسبة:
فسّر فرعون دعوة موسى بالسحر والآن يواصل في ما تنقله لنا هذه الآية الكريمة، يواصل حملته ويتهدد بمقابلة السحر بالسحر، يلبس على الشعب القضية ويناور ويحاول أن يكسب الوقت، والله يدبّر تدبيراً ينقض تدبيره ويدمّره. ونسق ثان أن في السابقة {بِسِحْرِكَ} وفي هذه {بِسِحْرٍ}، وثالثاً: كاف الخطاب في هذه إحالة إلى موسى في تلك، فهذه عدة أنساق.
وهذه الآية طالت نسبياً عن الآية السابقة فهناك كان يتكلم عن موسى فأوجز، وهنا يتكلم عن نفسه فأسهب، جاءت هذه الآية 14 كلمة و 60 حرفاً.
المعنى: 
{فَلَنَأْتِيَنَّكَ}: هذه الكلمة فاتحة الآية، وهي فاتحة ما تهدّد به فرعون موسى عليه السلام، وهي أطول كلمة في الآية، ومن أطول الكلمات في السورة، وزاد عليها في عدد الحروف {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ} فتلك 9 حروف وهذه ثمانية.
والفاء في {فَلَنَأْتِيَنَّكَ} تفريع على ما سبق واللام للقسم، والكلام بنون العظمة في الحرف الثالث والسابع لإسباغ العظمة على فراغ نفسه من القيم والأخلاق والإخلاص.. ثم ليظهر أن الأمة كلها معه، فـ(نون الجمع) تضرب على وترين، كبرياء الزعيم، وإشعار الآخرين بأنه يمثل أمة كلها تقف وراءه.. ويا لبلاغة القرآن!
وعبَّر بالإتيان المفيد البُعد لا المجيء المفيد القرب ليوحي بعدة أشياء: أولاً: مسألة الزمن، حتى لا يطالب بالوفاء بوعده وهو يريد كسب الزمن ليتدبر أمره على روية ومهل ويستشير العقول الشريرة التي حوله ويبيت ويخطط، ثم ليوحي أن موسى قد رتب أموره وأخذ وقته وحشد سحره، وحاشاه، فاترك لنا الوقت لنجيئك بأكفائك من السحرة.. والكلام يجري على اللسان لكنه يعبر عما يختلج في الجنان ويدور في الوجدان:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
ونحن نحاول أن نحلل نفسيته من خلال كلماته..
وعظمة النص القرآني المسعف أنه مشحون محمل بهذه الدلالات النفسية، وعلينا التقاطها فيما أدندن حوله دائماً وأسميه التفسير النفسي للقرآن.
والنون الثانية في {فَلَنَأْتِيَنَّكَ} وهي المشددة واقعة في جواب القسم، كما في قوله تعالى: {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} أو قول سليمان كما ذكرته سورة النمل: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} والآيات في هذا كثيرة جداً.
وكاف الخطاب في آخر الكلمة مقصود بها موسى عليه السلام ومن يمثلهم بالطبع أو مقصود بها موسى مع الإلماح إلى أنه منقطع مفرد لا سند له.. والاحتمالان واردان في اللغة وفي نفس المتكلم.
{بِسِحْرٍ مِثْلِهِ}: الباء متعلقة بالكلمة السابقة {فَلَنَأْتِيَنَّكَ} ونكّرها ليعم أنواعاً من السحر وأفانين منه، وأما كلمة {مِثْلِهِ} فتحتاج إلى وقفة؛ لمَ لمْ يقل (بسحر يغلبه) أو (بسحر يدحره)، أو يفوقه ويقهره؟
أرى أن كلمة {مِثْلِهِ} لا يراد منها المثلية في القوة، وإنما النوع، بمعنى أن ما جئت به سحر، فلنقابله بالسحر، سحراً بسحر.. وليس في نفسه أنه مساو له في القوة مضاد في الاتجاه، لا بل هو يفوق ما عندك، لكنه من فصيلته ومن طبقته ونوعه، والهاء في قوله {مِثْلِهِ} عائدة إلى {بِسِحْرِكَ} في الآية السابقة.

 

{فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ} [طه:58]
(الحلقة الثانية)

{فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً}: الفاء تفريع على ما سبق من كلام، و{اجْعَل} أمر يراد به لا حرفية المعنى وإنما الطلب وترك الخيار له. وهنا سؤال: هل هذا يدل على نوع من تقدير موسى إذ جعل له الكلمة؟ والجواب: أن هذا ليس من مقصوده لا من قريب ولا من بعيد، وإنما المراد إيهام أن فرعون يتكلم من موقع الثقة والاعتداد والقوة والتفوق وضمان الغلبة بحيث إنه يترك لخصمه تحديد الوسائل والزمان والمكان.. وهذا إيهام للسامعين الحاضرين بالطمأنينة وإيحاء بالثقة، والمشاعر تنتقل بالإيحاءات والإيماءات والإشارات أحياناً والكلمات أحياناً والشعارات في كل الأحيان.
كنا مع كلمة {فَاجْعَلْ} وهي متصلة بقوله {بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً}: موعداً نوافق نحن وإياك عليه ويناسبنا جميعاً ويناسب جماهير الناس، كأن يكون ليس يوم عمل مثلاً ولا يوم مطر في موسم الأمطار، و{بَيْنَنَا} بنون الجمع قد يعني بها نفسه تعظيماً والبلد والشعب مع قيادته توهيماً وتفخيماً.
{لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ}: لا نغيب ولا نتأخر عنه ولا نخلفه لا نحن ولا أنت. وهو كلام كذلك، يراد منه الإيحاء بالثقة والامتلاء بالاعتزاز والاعتداد والاغترار بالقوة.. لتنتقل مثل هذه المشاعر إلى الجماهير بالعدوى كما سبق القول.
والإعلام ما وظيفته إلا ترويج هذه الأوهام وتصديق مواعيد عرقوب، وحلني على رأي إخواننا المصريين، وليومها فرج، ويحلها مئة حلاّل، إنها لعبة كسب الوقت، أو إضاعة الوقت على الشعوب والبلدان والأوطان.
وقدّم نفسه، وهذا هو المتوقع والموقف المعهود والطبيعي أعني لمثل هذه النفسية العاتية المتنفجة المنتفخة بتضخم الأنا وتعظيم الذات، لا المتواضعة لله ثم للعباد.
{مَكَاناً سُوىً}: مكاناً وسطاً واسعاً مستوعباً يسهل الوصول إليه ولا يشق على الناس الانتقال إليه، كل هذه وغيرها عبّرت عنها كلمة واحدة {سُوىً} وهي وسواء سواء، فهما جذر واحد.. والمعنى متقارب ومشترك.. ففيهما معنى التسوية أي السهولة، والمساواة توافقنا وتوافقك البُقعة والموقع.


{فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَاناً سُوىً} [طه:58]
من دروس الآية:
1. حاولت أن أعطي في هذه الآية -أعني تفسيرها- مثالاً ونموذجاً لما نسميه أو نصطلح عليه بالتفسير النفسي.
2. التفسير النفسي بُعد مهم أو نوع مهم من التفسير لم يأخذ حقه وحظه.
3. البلاغة خطاب النفس {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} [النساء:63]، والتفسير استخراج ما في النفس من خلال النص.
4. إيحاءات الكلام وإشاراته لا تقل أهمية عن عباراته وألفاظه.
5. الثقة في الموقف روح تسري عبر الإعلام إلى الجماهير وكثيراً ما تكون تسويقاً للوهم بلا فهم.
6. كسب الوقت لدى بعض من يخططون هو في الحقيقة إضاعة وقت الأمة، ولذلك تقدمت كوريا الجنوبية -مثلاً- وتعثر العالم العربي.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل