علّمتني أمي خديجة رضي الله عنها وأرضاها

علّمتني أمي خديجة رضي الله عنها وأرضاها

من سلسلة علّمني نبيي صلى الله عليه وسلم

بقلم سمر الأرناؤوط – موقع وقناة ومدونة إسلاميات


بيت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها في الجنة الذي بشّرها به جبريل عليه السلام هو "بيت من قصب لا نصب فيه ولا صَخَب". الجزاء من جنس العمل ولو تأملنا بيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها الذي عاشت فيه مع سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل وبعد البعثة، أيام الضنك والتعب والإيذاء والشدّة من قومه نجد أن هذا البيت كان خاليًا من التعب والمشاكل والصراخ والضجيج والكدر.. يأتيها صلى الله عليه وسلم بعد نزول جبريل عليه السلام عليه حاملًا وحي السماء فتهدئ هذه الزوجة الحكيمة الرشيدة روعه وتُطمئن قلبه وتقول له: "كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَ اللّهِ لاَ يُخْزِيكَ الله أَبَدا" وتعدد له بكل محبة ورقة وحنو "وَاللّهِ إِنّكَ لَتَصِلُ الرّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. لا هي صرخت ولا ارتبكت ولا هاجت ولا ماجت ولا استغاثت بالجيران على زوجها ولا اتهمته بالمس والجنون ولا سارعت لبيت أهلها تطلب الطلاق ولا خطر في بالها قطّ أن ما يقوله ليس حقًا وصدقًا فهي ما عهدته إلا صادقًا..وهكذا ربّت أولادها من النبي صلى الله عليه وسلم البنات الأربع والذكور القاسم وعبد الله وربت أولادها من زوجها ولنا أن نتخيل عدد الأولاد الذين كانت ترعاهم وتربيهم في بيت النبوة الأول، بيت لا تعب فيه ولا صخب ولا ضجيج ولا صراخ ولا مشاكل ولا مشاحنات وإنما بيت عامر بالحب والود والأمن والأمان والسكينة والاستقرار والمودّة...ثم مات من أبنائها صغارًا فلم تذكر لنا السيرة أنها صرخت ولا ولولت ولا لطمت خدًا ولا شقّت ثوبًا...

وعاشت مع النبي صلى الله عليه وسلم في أقسى مراحل بداية الدعوة وأذى قومها للنبي صلى الله عليه وسلم وحصارهم له في شعب أبي طالب وهي الشريفة الطاهرة الكريمة ورغم أن قومها إكرامًا لمنزلتها سمحوا لها أن تبقى في بيتها إلا أنها أصرّت على مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في حصار الشِعَب واختارت مشاركته تحمّل أعباء ومشاق الدعوة لئلا تجمع عليه أذى حصار الشعب وقفر المشاعر وجفاء الزوجة الحضن الدافئ والسند القوي له في بيته وحنان أم أولاده ومناصِرته الأولى والمؤمنة الأولى به نبيا ورسولا...

ولنا أن نتخيل أن أمّنا خديجة رضي الله عنها كانت في بداية الدعوة نصف أمة الإسلام فهي أول من آمن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي تعدل في مقاييس اليوم ثلاثة مليار مسلم وزيادة وفي وقت كان الإسلام دين جديد على نبي جديد في مجتمع كافر وبيئة جاهلية قاسية!

لا عجب بعد هذا الدفء والسكينة والهدوء الذي وفرته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها في بيتها أن يكون جزاؤها عند ربها بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب... عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أَتَىَ جِبْرِيلُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السّلاَمَ مِنْ رَبّهَا عَزّ وَجَلّ، وَمِنّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ".

ألا يليق بنا أن نتأسى بأم المؤمنين الأولى خديجة رضي الله عنها فنجعل بيوتنا بيوتًا تنتشر فيها السكينة والهدوء فلا أصوات مزعجة تتصاعد من هنا وهناك ولا صراخ بين الزوج وزوجته ولا بين الوالدين والأولاد ولا بين الأولاد، فالضجيج هو من التلوث البيئي الذي ابتلينا به في هذا العصر للأسف فصار الإنسان يطمح أن تمر عليه لحظات هادئة دون إزعاج ولا ضوضاء ولا صراخ! كيف يليق ببيت مسلم أن يكون الضجيج ديدنه؟! كيف يمكن لهذا البيت أن ينعم أهله بتلاوة القرآن التي تحتاج لصفاء ذهني وقلبي حتى تُتدبر آياته فتؤثر في القلب؟! فمتى تصبح بيوتنا بيوتًا شبيهة بالبيت النبوي الأول ومتى نعلم أن الضجيج لو كان فيه خير لما كان من نعيم الجنة (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾ النبأ) (لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) مريم) (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) الواقعة)

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى في حديث رواه مسلم في صحيحه: "إذا كان جنحُ الليلِ - أو أمسيتم - فكفُّوا صبيانكم . فإنَّ الشيطانَ ينتشرُ حينئذٍ". هذا خارج البيت حفاظًا على بيئة هادئة فكيف ينبغي أن تكون حال البيوت؟! وإذا كان لقمان قد أوصى ابنه (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان:19] أفلا ينبغي أن نأتمر بأوامر القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم القدوة في أخلاقه وفي بيته ونجنّب بيوتنا تلوث الضجيج وما يتركه من أثر على القلب والعقل والمشاعر والنفس؟! وهذه المسؤولية تقع على عاتق الأم تحديدًا فهي راعية للبيت ولأهله فلتتشبه نساؤنا بخديجة رضي الله عنها ليتشبه رجالنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكون بيوتنا شبيهة بالبيت النبوي الكريم الذي شهد البعثة النبوية التي بلغت الآفاق ولنتأدب بخُلق النبي الكريم وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن جميعًا.

 جمعنا الله بأمّنا أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها زوجة الحبيب صلى الله عليه وسلم الأولى وأم أبنائه وبناته ورضي الله عنها وأرضاها وجميع أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن وهنيئًا لها بيتًا من قصب لا صخب فيه ولا نصب تتنعم فيه جزاء وفاقًا من رب جواد كريم...



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل