تفسير سورة الفتح - المجلس الأول - د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة الفتح - المجلس الأول

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

 (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٢﴾ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا )

بين يدينا سورة عظيمة تقرّ نفوس المؤمنين وتشرح صدور المتقين، تأنس لها النفوس التي حملت لواء نصرة دين الله U والدعوة إليه والجهاد في سبيله إنها سورة الفتح. إنها سورة الفتوحات الربانية، سورة يمكن أن نبين مقصدها الذي يمكن أن تركز عليه والله تعالى أعلم أنها في كمال العناية الربانية بالمؤمنين وبيان فضلهم وجزائهم وتهدئة نفوسهم وتسكين قلوبهم وثورتهم حين منعهم أهل مكة دخول البيت الحرام. إذاً هي في خلاصتها تهدئة قلوب المؤمنين وتسكينهم وبيان رعاية الله U لهم حينما مُنِعوا من دخول مكة.

هذه السورة سورة الفتوحات والعناية الربانية بالمؤمنين كان نزولها في السنة السادسة من الهجرة بعد مُنصَرف النبي e وأصحابه من الحديبية. النبي e وأصحابه كانوا قد أتوا في عدة واستعداد لدخول مكة وهم على إستعداد وفورة لمقاتلة المشركين من أجل أن يصلوا إلى بيت الله الحرام، فوقف لهم المشركون وصدّوهم ومنعوهم من دخول البيت الحرام ومن يُمنَع من بيت الله الحرام؟! المشركون هؤلاء لم يكونوا يمنعون أحداً من بيت الله حتى أرباب الأديان الأخرى أو اليهود والنصارى، لم يكونوا يمنعون أحداً من البيت البتّة لكن الحميّة حميّة الجاهلية التي كانت في نفوسهم جعلتهم يمنعون النبي وأصحابه من دخول البيت فما كان من ذلك -والقصة طويلة - إلى أن حصلت قضية صلح الحديبية فإن النبي e بحكمته وبُعْد نظره أخذ الأمر بهوان وبحكمة وبعد سعي ومصالحة وحوار بينه وبين المشركين لجأوا إلى الصُلح. هذا الصُلح الذي هو أعظم صلح في الاسلام وكان فيه من الثمار العظيمة الذي سُمّيَ بذلك فتحاً مبيناً سبحان الله! لو تأملنا كيف يكون منع المسلمين فتحاً مبيناً؟! ولذلك ثارت نفوس الصحابة كيف يُمنعون؟ أنرضى الدنية في ديننا؟ كما قال عمر وهو عمر رضي الله تعالى عنه وهو أمر طبيعي لكن حكمة النبي e وحكم الله من قبل كان في ذلك أمراً عظيماً كما سيأتي. فكان هذا الصلح الذي عُقِد بين النبي e وبين المشركين مدته عشر سنوات ولم يفي به المشركون، بعد أربع سنوات نقضوه. الشاهد أن هذه السورة باختصار كما سيأتي في بيانها، هي نازلة بعد منصرف النبي e من صلح الحديبية.

يقول الله I (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) لاحظوا هذا التأكيد والتعظيم لهذا الأمر لم يقل "إنّي" قال (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) وما هذا الفتح أيها الإخوة؟ اختلف المفسرون في هذا الفتح على أقوال لكن الراجح أن هذا الفتح هو صلح الحديبية لماذا؟ لأنه كان مقدمة لفتوح كثيرة منها فتح خيبر ثم فتح مكة. أرأيتم لو لم يكن هذا الصلح لتأخر فتح خيبر وربما تأخر فتح مكة. هذا الصلح كيف كان خيراً عظيماً؟ ابن القيم رحمه الله بدقة علمه وعمق فهمه إستخرج ما لا يقل عن ثلاثين وجهاً من ثمرات هذا الصلح وأنه أعظم مما لو كان قتالاً كيف؟

1.  أولا لما كان هذا الصلح اطمأنت العرب والقبائل وكان ذلك سبباً في إقبال أناس ممن يرغبون في الإسلام فدخلوا في الإسلام من غير قريش، وهذا الذي يريده الرسول e وهذا هو غرضه ومقصد الشرع إدخال الناس في دين الله، فأقبل أناس واطمأنوا فدخلوا في دين الله.

2.  الأمر الثاني أن المسلمين الذين كانوا في مكة مستضعفين استقروا وأمنوا على أنفسهم.

3.  الأمر الثالث أن النبي e اشتغل عن قريش بغيرها، بخيبر، والتي فتح الله له فيها فتحاً عظيماً وغنم المسلمون فيها مغانم لم تكن على بالهم فتح عظيم إغتنى المسلمون بها وصار لهم قوة وصار لهم مكانة.

4.  الأمر الرابع أن المسلمين الذين كانوا مع النبي e كم كان عددهم في صلح الحديبية؟ ألف وأربعمئة، كم كانوا يوم فتح مكة؟ عشرة آلآف. أرأيتم هذه المدة كيف كانت عزاً للإسلام وقوة للمسلمين وكثرة لهم بما كان لهم، لم يكن للمشركين بعدها سبيلاً لمواجهتهم إذ لو كانوا 1400 ربما واجهوهم وربما كانت مقتلة بين المسلمين والمشركين وكان فيها أمر قد يكون فيها ضرر على المسلمين ولله الأمر من قبل ومن بعد. واقرأوا إن شئتم "زاد المعاد" لابن القيم في قصة الحديبية والله إنه لأمر عجب والله لتدمعنّ أعين مما ذكر من عظم هذا الصلح وفوائده ونفعه العظيم، ولهذا قال (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) فاستبشر النبي e واستبشر الصحابة.

ثم قال الله تعالى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) هذا من ثمرات هذا الصلح لما كان الصلح ورضي النبي e والصحابة y أكرم الله نبيه ومنحه فضائل لم يمنحه من قبل منها؟

·       أولاً: وعده بالفتوح.

·       ثانياً: قال (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) ففي هذه القصة وعدٌ من الله بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لكن هذا الوصف ناله النبي e وعُرِف به لذلك عائشة لما كان النبي e يتعبّد قالت ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال أفلا أكون عبداً شكوراً؟ فهو قد غُفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه وما غُفِر لأحد من هذه الأمة ما تقدم من ذنبه وما تأخر إلا النبي e وعداً من الله، قد يغفر الله لكن ما جاء في الأحاديث إنما هي في أمر النبي e خاصة في ما تقدم وما تأخر، حميع ذنبه ما تقدم وما تأخر..

قال الله I (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) هذه النعمة التي يتمها الله U عليه؟ لا نحصيها عدداً، أتمّ الله عليه النعمة بأن آمن به قومه في فتح مكة وكثر المؤمنون به وأتمّ الله تعالى عليه النعمة بأن جعل ما بعد هذه السورة كلها إتمام نعم من الأحكام تفصيلات وأحكام وهدي كلها من إتمام النعمة ولذلك لو سبرنا ما نزل بعد هذه السورة لوجدناه إتماماً للدين كسورة التوبة، سورة المائدة كلها إتمام للدين.

قال I: (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) ومن هدايته الصراط المستقيم أن الله تعالى أفاض عليه بالهدايات التي أنزلها في كتابه والأحكام البيّنات والتفصيلات فهذه من هدايته له والخير الذي أعطاه الله إياه.

قال الله (وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) قال ينصرك الله إظهار الجلال والهيبة في هذا النصر أن الله ينصره بقوته وعزته.(وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) والعزيز هو الغالب يعني هذا النصر عزيز أي أنك ستكون غالباً وقد نصره الله U على قومه ونصره على أهل الكتاب ثم نصره على فارس والروم يعني نصر الله أمته بعد وفاته فمكّن الله تعالى لدينه وأمته فأي نصر وأي فتح هذا الخير الذي كان منطلقه صلح الحديبية؟!.

قال الله I بعد ذلك في شأن المؤمنين بعد أن أكرم الله نبيه أفاض الله على المؤمنين ما اطمأنت به قلوبهم بعد هذا الصلح الذي كان سبباً في تكدير نفوسهم وحزنهم أن لم يكونوا يصلون إلى البيت ولن يصيبوا المشركين وشعروا بالدنيّة شعروا بأنهم وهم أهل الاسلام ولهم القوة وهذا الصلح لم يمكّنهم من دخول البيت لكن الله U أفاض عليهم من رحمته ولطفه وسكينته فقال (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) يعني بعد ذلك رضوا بحكم الله U يعني قبل نزول هذه الآية أنزل الله عليهم السكينة فرضوا بحكم الله وحكم رسوله e. (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) أي هم مؤمنون مصدقون لرسول الله e لكن الله زادهم بذلك حيث رضوا وقبلوا بحكم الله وحكم رسول الله e ولذلك كل من رضي بحكم الله وإن كان الأمر فيه غضاضة عليه في أمر من الأمور فإن الله سيزيده سكينة وإيماناً.

قال الله تعالى (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ما مناسبة ذكر الجنود يعني كأن الله تعالى يشيد بهم أنهم من جنود الله أي أنكم جنود الله بل من خير جنود الله في نصرة دين الله ولهذا قال (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فعبر بالجند الذين هم أهل الغزو والجهاد والنصر. قال الله تعالى (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) عليماً بما في نفوسكم إن كنتم صادقين في الإستجابة لرسول الله e حين أمركم بالكفّ وأجرى لكم الصلح كان في ذلك خير عظيم وسلامة لهم، قال الله وكان الله عليماً بحالهم حكيماً إذ شرع ذلك الصلح لهم فيه مصالح لهم وإبقاء لهم وتمكين وتقوية.

قال الله I أيضاً في ما يُطمئن به نفوس المؤمنين ويُكرمهم ويُشرفهم قال (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) الله أكبر! والله لو لم يأتي من هذه الكرامات إلا هذه لكفى في ربط جأش نفوس المؤمنين وتسكينهم وتهدأتهم، قال الله تعالى (وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) أي أن الله أجزل لهم الأجر وإن لم يجاهدوا فأجرى لهم أجرهم وكفّر عنهم سيئاتهم بنيّتهم ولا شك أن الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ منهم ما نوى كما قال النبي e وقال "من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة والحسنة بعشر أمثالها" فهم همّوا وعزموا لكن الله U أراد بحكمته غير ذلك فكتب لهم الأجر. قال الله تعالى (وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) يعني دخول الجنة وتكفير السيئات فوز هو خير الفوز وإنما تريدون أيها المؤمنون الفوز فهاهو الفوز قد منحكم الله إياه بأن وعدكم جنته.

قال الله تعالى (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ) ما مناسبة ذكر المنافقين والمشركين هنا؟ هم في مقابل المؤمنين لكن يظهر والله تعالى أعلم أن صلح الحديبية لم يحضره أحد المنافقين لأنه كان بينهم وبين المشركين صلة ومودة وتواصل فخشوا أن يأتوا مع المسلمين فيكون بينهم وبين قومهم الذين يظاهرونهم من خلف المؤمنين بخفائهم عن المؤمنين أنهم يواجهونهم وهم أصحابهم فلم يخرج من المنافقين أحد في صلح الحديبية. قال الله (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) ولذلك قدمهم هنا على المشركين لأن السورة مدنية والقصة نازلة في المنافقين الذين لما ذهب النبي e لمكة ظن هؤلاء المنافقون أن النبي e سينالهم من الكفار نيل وأن المشركين سيوغلون من المؤمنين إذ أن لهم القوة وهم أهل البلد فظنوا ظناً سيئاً وكأنهم سُرّوا بذلك لعل المسلمين يصيبهم من المشركين مصاب فيكونوا ذلك غنيمة لهم وغنيمة للمشركين أرأيتم الظن السيء؟! قال الله عز وجل (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ) ظنوا أن المسلمين سيُهزمون وأنهم لن يستطيعوا أن يتمكنوا من دخول مكة وهزيمة المشركين فقال الله (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) أي أن السوء سيدور عليهم سيحيط بهم وقد أحاط بهم السوء حينما مكن الله U لرسوله e بعد ذلك. (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) حُقّ لهم أن يغضب الله عليهم بتخلفهم وبظنّهم السيء بالله وبالمؤمنين وهذا دليل على أن من أساء الظن بالله في نصرة دينه وفي نصرة المؤمنين أو أساء الظن بنفسه أساء الظن بالله في ذاته فظن أن الله لن يوفقه لن ينصره لن يعينه لن يغنيه ذلك سبب لتخلي الله عنه وغضب الله عليه قال الله تعالى (وَلَعَنَهُمْ) عياذاً بالله (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) انظروا كيف كان شأن المنافقين وما نالوه من تخلفهم وسوء ظنهم لعنة الله وغضبه وأعد لهم جهنم في مقابل ما كان من أمر المؤمنين الذين استجابوا لأمر الله ورسوله.

قال الله تعالى (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) مناسبة هذه الآية؟ مناسبتها أن ظنكم هذا فاسد ليس له واقع , لأن لله جنود السموات والأرض ينصر عباده حيث يشاء ولهذا قال هنا (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) وفي الآية السابقة قال (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) هناك الخطاب للمؤمنين فهو عليم بحالهم وبنيتهم وقصدهم في نصرة رسول الله e ونصرة دينه وحكيم بأن الله تعالى أجرى ذلك الصلح لكن هنا قال عزيز قادر على نصر المؤمنين حكيم في ذلك.

قال الله تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) أي كيف لا يكون نصر الله لك وتأييد الله لك وأنت رسوله؟ وهذا رد على المنافقين والمشركين في سوء ظنهم وظنهم السيء برسول الله e وأنه سيُهزم كأن الله يقول كيف تُهزم وأنت رسول الله؟ (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا) وتأملوا قوله (شاهد) فهو عليه الصلاة والسلام شاهد عليهم وعلى المؤمنين بما يعدهم به من الحق وما أمرهم به من الجهاد. قال الله تعالى (شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) وفي سورة الأحزاب قال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا(46) الأحزاب) سأطرح سؤالاً: ما الفرق بين هذه الآية وآية الأحزاب؟ لماذا زاد في الوصف هناك واكتفى بهذه الصفات الثلاث هنا؟

قال (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) يعني إنما أرسل رسوله وجعله كذلك ليتحقق إيمانكم بالله (ورسوله) الذي هو الإيمان به إيمان بالله تعالى (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) الضمير لله تعالى لأنه قال (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) وأدرج النبي e تبع لأن الإيمان بالنبي تبعٌ للإيمان بالله. فقوله (وتعزروه) معناها تؤيدوه وتعززوه وتنصروه تنصروا دينه (وتوقروه) أي وتعظموه وتسبحوه وتنزهوه ومن التسبيح الصلاة ولهذا قال (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) لتسبحوه صلاة لأن التسبيح ورد في القرآن بمعنى الصلاة كما في آيات كثيرة.

قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) افتتح الله هذه الآية التي تمثل قصة بيعة النبي e لأصحابه. هذه البيعة التي شرُف بها هؤلاء الصحابة والله ثم والله هذه البيعة لو لم يكن لهم في هذه الدنيا من الشرف والفضل والخير إلا هذه البيعة لكفى (بيعة الرضوان). هذه البيعة التي منحهم الله فيها شهادة الرضا لقد رضي الله عن المؤمنين وشرفهم وأكرمهم بالمغفرة ووعدهم بها مغانم كثيرة فما أعظمها والله من شرف (بيعة الرضوان) أن النبي e كان في صلح يرسل الرسل سفراء بينه وبين المشركين للصلح فأرسل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى مكة فأبطأ عثمان على المسلمين فظن أو جاء مخبر أن عثمان قد قُتِل قد غدروا به المشركون فقتلوه فنادى منادي رسول الله صلى الله عيه وسلم البيعة البيعة، فاجتمع المؤمنون من كان مع النبي e فبايعوه تحت شجرة سدر أو طلح بايعوه بيعة على ألا يرتدوا على ألا ينهزموا وألا يرجعوا بيعة صدق على الجهاد والقتال ألا يفروا وعلى السمع والطاعة. وقد كان النبي e يبايع كل إنسان بيمينه وكان عمر t وزير رسول الله e وصاحبه آخذ بيد رسول الله e هو الذي يضع يد النبي e على يد أصحابه لكثرة الذين يبايعوه قرابة ألف وأربعمئة من الصحابة فبايعوه جميعاً. ثم أكرم الله تعالى نبيه بخبر عثمان أنه قد نجى وأنه رجع إلى الصحابة فغنم المسلمون صدقهم وبيعتهم لرسول الله eولم يكن بعد ذلك قتال والله إن هذه لبيعة عظيمة! هي أعظم بيعة بعدما بايع النبي e النقباء من الأنصار الذين ناصروه وكان سبباً في هجرته. لكن هذه البيعة بيعة نصرة بيعة جهاد شارك فيها ألف وأربعمئة فهي بيعة عظيمة ولهذا تأملوا التعبير القرآني العظيم في وصف هذه البيعة يقول الله (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) يعني كأنهم بايعوا الله ولهذا وصفها وصفاً أبلغ (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) يعني كأنهم قد بايعوا الله تعالى مباشرةً ومدوا أيدهم إلى يد الله تعالى مباشرة البيعة هنا (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) هي معنوية كأن المراد بها كأنهم بايعوا لله تعالى ومدوا أيديهم إلى يده U تشريفاً وتكريماً وفضلاً ولهذا قال (فَوْقَ أَيْدِيهِمْ). قال الله تعالى بعد ذلك (فَمَن نَّكَثَ) فمن إرتد بعد ذلك فإنما ينكث على نفسه (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) وقرآءة (عليهُ الله) الضم يفيد معنى البيعة العلو فهي تفيد مشهد البيعة والمبايعة (فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) وما هو الأجر الذي آتاهم الله إياه؟ ستذكره السورة بعد قليل.

انقطع السياق هنا عن حال المؤمنين المبايعين إلى حال الأعراب وليس المنافقين قال الله تعالى (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ) يعني بعد رجوعك من صلح الحديبية سيتلقاك الأعراب الذين لم يذهبوا معك خشية أن أن يصيبهم ما يصيبهم من قتال أو نحو ذلك يأتون ليعتذروا وهؤلاء ليسوا منافقين. يعني هناك خلاف هل هم من المنافقين أم لا؟ ولكن ذكرهم بأنهم أعراب يدل على أنهم ليسوا من المنافقين أو قد يكون منهم منافقون (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ) أي بعد رجوعك إلى المدينة (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) أي عن الذهاب معك إلى الحديبية وإلى مكة (فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) إذ أنهم قد رضوا بأموالهم ومتع الحياة والزرع والرعي فاطمأنوا لها فهذه حياتهم هم قد يكونوا آمنوا لكن لا يريدون الجهاد الذي يقطعهم عن المصالح الدنيوية. (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) قال الله (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) ماذا يغنيكم مكوثكم في أموالكم وأولادكم؟ هل سيمنعكم ذلك من أن يصيبكم الله بضر أو نفع؟ ولذلك قدّم الضر على النفع لأنه أنسب للسياق يعني لو أصابهم الله بدائرة على ديارهم وأموالهم وأهلكها ماذا سينفعهم ذلك؟ لن ينفعكم خوفكم من الموت أن لم تذهبوا مع رسول الله e؟ لن ينفعهم. قال الله تعالى (بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) الله تعالى خبير بما في نفوسكم وأعمالكم وما كان في قلوبكم من عدم الصدق في الاعتذار وعدم الرغبة في النفير مع رسول الله e .

ثم قال الله (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا) هذا ظنهم مع المنافقين ظنوا أنهم لن ينقلبوا لماذا؟ ظنوا أن قريش ستحيط بهم وتقضي عليهم إذ أن قريش ذات قوة ومنعة وعندها القبائل التي تعززها فظن هؤلاء الأعراب لضعف عقولهم وجهالتهم بأمر رسول الله e الذي هو على الحق قال (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ) أنتم زينتموه في قلوبكم بأنكم رأيتم أن المشركين أكثر ولهم القوة والمنعة وهم أهل الدار إلى غير ذلك (وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا) أي قوماً في هلاك أو في نفوسكم من الرداءة والضعف والهوان والعجز ما يكون من شأنكم الظن السيء وعدم الإيمان بالله ورسوله وصدق ما وعد الله U به. لأن البوار هو الهلاك النفسي في داخلهم، الهلاك النفسي في الداخل أشد من الهلاك الخارجي لأنه يجعل الإنسان في حالة نفسية متردية من سوء الظن والهوان والعجز والكسل وغير ذلك عياذاً بالله!.

ثم قال الله تعالى (وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) تهديد لهم أنه من لم يؤمن بالله ورسوله حقيقة فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً. ثم قال الله (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني هنا بيان بأن الله قادر رداً على سوء ظنهم إثبات أن الملك لله U ثم عرّض لهم بالتوبة فقال (يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء) لو كان السياق في تعريض العذاب عليهم لهم لقال يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء لكنه عرّض لهم التوبة قبل ذلك وأن رحمته سبقت غضبه قال (يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).في حال هؤلاء وطلبهم أن يشاركوا المسلمين في معارك أخرى أو سفر آخر (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ) لم يقل (لك) لأن العذر الأول عذر وهمي أما هذا فهو طلب حقيقي يريدون أن يشاركوا مع النبي e واصحابه y في مسيرهم القادم حتى ينالوا ما ينالون من الغنائم لعلهم سمعوا بما وعد الله تعالى نبيه والمؤمنين من الفتح والغنيمة فقال الله (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ) لم يقل إذا انطلقتم إلى قوم تقاتلونهم أو مشركين أو كافرين إلى مغانم إذا كان قصدكم المغانم فنحن معكم هذه مصلحتهم وهذا قصارى همّهم. قال (لتأخذوها) كأن غرض سفرهم وخروجهم هو الغنائم. قال (ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) لاحظوا من سفالة نفوسهم ورداءتهم "ذرونا نتبعكم" ينعي نصير تبعاً لكم لو في مؤخرة الجيش لننال معكم ما تنالون على ألا نقاتل اُنظروا إلى هذه النفوس السافلة الضعيفة التي لا حظّ لها إلا من حظوظ الدنيا.

قال الله U (يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ) كلام الله المراد به أن الله أمر نبيه ألا يخرج معه إلى خيبر إلا من كان من أهل الحديبية فأراد الله أن يكرم أهل الحديبية دون غيرهم (الذين معه) فهنا قال (يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ) الذي حكم فيه ووعد لهؤلاء المؤمنين الصادقين.

 قال الله (قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ) أنكم لن تتبعونا وأن النبي e أعلن أو أمر ألا يخرج معه إلى خيبر إلا من خرج معه من المؤمنين في الحديبية. (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا) أي سيقولون إنما غرضكم في منعنا أنكم تريدون أن تستقلوا بالغنائم دوننا، اُنظروا لما كان همهم الغنائم تدور ظنونهم حولها في المؤمنين ظنوا بالمؤمنين أنهم إنما كان منعهم إياهم بسبب ألا يضايقوهم في أمر الغنائم وينقصوها عليهم، هذا شأن أصحاب الحظوظ الدنيوية ما يظنون إلا في حدود ما يريدون من الحظوظ والمصالح الدنيوية. قال (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) حقاً لا يفقهون إلا قليلاً لأنهم لا ينظرون إلا إلى مصالحهم وهذا فقهٌ قليل وفقهٌ ضعيف فيمن هو فقهه في أمر الله U وطاعته ونصرة دينه وتلك الهمم والمعاني العظيمة العالية.

 

قال الله I (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ) هؤلاء رجع إليهم إن كنتم صادقين في طلب الخروج مع رسول الله e قال (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) قد يكون هؤلاء هوازن في غزوة حنين أو غيرهم من فارس والروم بعد ذلك كانت هوازن ذات شأن شديد ولذلك فرّ كثير من الصحابة عن رسول الله e يومها حينما قال الله U (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ(25) التوبة) فكان من قوة هوازن ومن معها من الجيوش شدة على المؤمنين، فالله تعالى يقول لهؤلاء (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا) في خروجكم مع النبي e كأن هذا في إستنفارهم استعداداً لتلك المعركة العظيمة ولذلك خرج مع النبي e وقتها عشرة آلآف ومنهم هؤلاء. (فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا) أي في الدنيا والآخرة (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ) أي في الحديبية (يعذبّكم عَذَابًا أَلِيمًا)، قال الله I بعد ذلك في رفع الحرج عن أهل العذر (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في أمر الخروج للجهاد (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ) أي يُدبِر ويتخلى عن الخروج مع رسول الله e والمؤمنين يعذبه عذاباً أليماً. وهذه قاعدة إذا نادى منادي الجهاد وتولى من تولى فإن هؤلاء يستحقون العذاب الأليم في الدنيا والآخرة فإنهم قد تولوا عن منادي الجهاد الذي هو فرض عينٍ عليهم إذا كان كذلك. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل