تفسير سورة محمد - المجلس الثاني والأخير- د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

تفسير سورة محمد - المجلس الثاني والأخير

د. محمد الربيعة - دورة الأترجة القرآنية

 ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴿١٦﴾ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴿١٧﴾ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴿١٨﴾ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾

يقول الله عز وجل (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) هؤلاءهم المنافقون وهم جنس آخر من الكافرين بعد أن ذكر الله تعالى حال الكافرين المشركين الذين هم أهل مكة ومن كان على ملتهم من الشرك ذكر الله حال المنافقين ليبين أمرهم وقلة شأنهم وليحط من قدرهم. قال الله I (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) يستمعون إليه في مجالس النبي e في المسجد قال (يَسْتَمِعُ) ولم يقل يسمع، والفرق بين السماع والاستماع أن السماع هو أن تسمع الشيء غير مبال كمن مر بالشارع وسمع صوتاً لكن الاستماع يعني الإنصات، يستمعون مع أنهم لا ينتفعون؟ ليبعدوا عنهم الشك وليبينوا ويظهروا أنهم مهتمين بكلام رسول الله e وأنهم من أحرص الناس عليه هذا الوصف وصف من أوصاف المنافقين الظهور بأنهم حريصون على هذا الحديث الذي يقال (حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي خرجوا بعد مجالسك (قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) هم الذين أوتوا العلم؟ الصحابة المؤمنون بالنبي e وما أجمل وما أعظم هذا الوصف العظيم لأهل مجالس الذكر فإن الله وصفهم بأنهم أهل العلم وهذه شهادة الله لأهل هذه المجالس مجالس الذكر وخصوصاً المجالس التي يتلى فيها كتاب الله U ونرجو الله أن يجعلنا من أهلها وأهل العلم قال الله (قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) وصف شرف هو ليس فقط هو وصف يعني عابث إنما وصف شرف كأن الله تعالى يقول هؤلاء الذين يستمعون إلى الذكر وينتفعون به الذين آتوا إلى هذا الذكر يريدون الانتفاع، يريدون الإيمان، يريدون العلم، يريدون العمل، هذه المقاصد إذا تحققت في طالب العلم في مجالس الذكر فإنها بإذن الله وصف له بأن يكون من أهل العلم بما وصفه الله عز وجل، ولا شك أن أعظم وأشرف أهل العلم هم صحابة رسول الله e في مجلس رسول الله e (قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا) الذي جعلهم يقولون (مَاذَا قَالَ آنِفًا) إما أن يكون التشكيك وإثارة الشكوك في أفراد المسلمين مثل لو إنسان جلس إلى مجلس مع إنسان لا يريده ثم ذهب يقول: يا أخي ماذا يقول هذا؟ هذا كلامه صحيح؟ أو نحو هذا يقلل من شأنه أو يحاول التشكيك في أمر هذا الكلام. هذا غرض من أغراضهم. الغرض الثاني الذي يوافق حال المنافقين بكونهم يظهرون الإيمان يعني كأنه يظهر لصحابة رسول الله الصادقين المؤمنين أنهم يريدون الاستفادة القصوى فيقولون ماذا قال قبل قليل في كذا كأنه يتحقق ويتأكد من هذا الصحابي ليظهر له أنهم مهتم وليبعد عن نفسه الشك والريبة. هذا احتمال آخر في قولهم ذلك والله أعلم. (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) هذا إنه وصف عظيم ينبغي أن يخاف منه الإنسان وهو أن الإنسان إذا حضر مجالس الذكر لا يريد منها ذكراً ولا يريد منها نفعاً أو بل أشد من ذلك كأن يريد أن يسيء إلى أهلها أو أن يلمزهم فهذا من أعظم أسباب طبع الله على قلوب أولئك الذين يأتون للذكر لا للذكر وإنما يحارب أهل الذكر أو ليلمزهم بعض الناس يذهب ليستمع إلى بعض الأشرطة أشرطة فبعض الدعاة ليتصيد عليهم وينشره ما صادوه فيها والتقطه منها مما يريد به الإساءة لينشره بين الناس انظروا ماذا قال؟ والله إن هذا لمن أسباب طبع الله على قلوب أولئك، ربما يظهرون النصح ويريدون الخير أو يزعمون أنهم يريدون الخير؟ لا والله لا يريدون الخير، كيف يريدون الخير من يتتبع أهل العلم والدعوة ويظهر سوءاتهم أو يحاول تأويل أقوالهم بما لم يقولوه، هذا ونسأل الله أن يحمينا وإياكم من أسباب طبع القلوب. قال (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) من يفعل ذلك ومن يحضر هذه المجالس كالمنافقين الذين يستمعون إلى مجالس رسول الله e لا يريدون الذكر ولا الانتفاع ولا الإيمان وإنما يريدوا فقط أن يقال لهم هؤلاء من المسلمين ويحوزوا على ما يحوز المسلمين من حفظ أمنهم وسلامتهم ويجرى عليهم أحكام أهل الإسلام (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)

قال الله عز وجل (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) فيها مقابلة أهل النفاق بأهل الإيمان وهنا وصف أهل الإيمان بوصف اختلف عن وصفهم مع الكافرين قال (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) هؤلاء الذين أتوا لطلب الهداية وأتوا لطلب الانتفاع جزاؤهم (زَادَهُمْ هُدًى) وهذا يبين أن الإنسان إذا أتى إلى مجلس أو رغب في أمر حديث ليزداد في هداه، ليحصل على هدى فإن الله (زَادَهُمْ هُدًى) أي أن من أسباب زيادة الهداية وزيادة الإيمان في نفس الإنسان هو أن يأتي الانسان إلى هذه المجلس طالباً الهدى. قال الله تعالى (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) يعني يحفظهم من دخائل الشيطان ومن حظوظ النفس يعني أن الإنسان إذا أتى صافي النية في هذه المجالس فإن الله يحقق له التقوى سيكون أمره خير وعاقبة فمجالس الذكر له خير ولا يأتيه من هذه المجالس إلا الإيمان ولا يأتيه منها كبر أو عجب أو افتخار أو نحو ذلك وهذا مدخل دقيق قلّ أن ينتبه له الإنسان، تأملوا أن الإنسان إذا أتى إلى هذه المجالس نيته خالصة فإنه سيصفّى له كما قال الإمام أحمد من صفى صُفي له، ومن كَدَّر كُدِّر عليه. أما الذي يأتي ليباهي ليجاري السفهاء ليقال فإنه سيحصل من شيء من ذلك لكنه سيكون عاقبة له أنه لن يؤتى التقوى في هذا الإيمان سيحصل له في ذلك كبر أو عجب أو نحو ذلك وستكون عاقبته في مثل ما كان في نيته، فأخلصوا النية في كل ما تطلبونه لله خصوصاً في مجالس الذكر، طلب العلم، بل حتى في مدارسكم، جامعاتكم، لتكن نيتكم خالصة فتكون عاقبتكم حسنة بإذن الله.

قال الله تعالى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ) هؤلاء المنافقون وهؤلاء الكفار كلاهما جميعاً فهل ينظرون على فعلهم هذا وكفرهم وصدهم واستخفافهم بأمر رسول الله e (إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) أشراطها التي أخبر بها النبي e علاماتها ومنها بعثة النبي e ومنها ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من الأخبار التي بين أنها من علامات الساعة الصغرى أو الكبرى لكن المقصود هنا الصغرى لأنه قال (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) ومن الأشراط التي جاءت في عهد النبي e هي بعثة النبي e وكفى بها علامة ألا يكفيهم أن يأتيهم من الله هذه العلامة التي جعلها الله من علامات الساعة كما قال النبي e «بعثت أنا والساعة كهاتين» فيبين لهم أنه لا حجة لهم فالأشراط قد جاءتهم (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ) أي الساعة (ذِكْرَاهُمْ) أنى لهم إذا جاءتهم ساعتهم إما بالموت أو الساعة الكبرى بالعذاب أو ساعتهم بالعذاب أو ساعة القيامة أن يتذكروا وينتفعوا لا يتذكر الإنسان فقد انتهى فيه أجله وانقضى فيه أمره.

قال الله تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) علاقة قوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مع قوله (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ)؟ كأنها تشير إلى موت النبي e وأجله، قد يكون ذلك كما كانت سورة النصر (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) هذا معنى لطيف وجميل. ومعنى آخر، أن الأمر بالعلم هنا قال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لما ذكر الله أمر الساعة قوله (فَهَلْ يَنْظُرُونَ) أي ينتظرون والإنسان وهو ينتظر الساعة ينبغي أن يحقق التوحيد أولاً، ويخلص لله U عمله، ويستغفر لله من ذنبه الذي قد قصر فيه في طاعة الله أو اقترف ما حرم الله U، هذا الذي ينبغي للإنسان الذي ينتظر الساعة أما الذي لا ينتظر الساعة فإنه سيكون على حال من الضلال والكفر والنفاق فكأن الله تعالى يقول لنبيه وللمؤمنين أنتم على الحق فاثبتوا وحققوا هذا المعنى ليكون لكم أمركم عند الله حسناً في الآخرة، وهذه الآيات بوب لها البخاري باباً ما هو؟ أخذ منها باباً من أبوابه، فقال: باب العلم قبل القول والعمل، قال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) فهنا العلم لا يمكن العمل إلا بعلم صحيح علم كتاب الله وسنة رسول الله e فقوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) تفيد العلم والعمل قوله (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) فهذه الآية دالة على أن العلم قبل العمل وأن العلم يهدي إلى العمل وأنه لا علم صحيح إلا بعمل، كما قال علي: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. هذا يبين في هذه الآية أن العلم لا بد له من عمل، ثم أيضاً في هذه الآية في قوله (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) أن الإنسان مهما عمل ومهما علم لا يزال في تقصير في حق ربه مهما حقق لن تستطيع أن تحقق كمال العبودية لله عز وجل لما فطر الناس عليه من الخطأ والضعف والذنب "كل ابن آدم خطاء" فقوله (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) هو خطاب للنبيe وغيره لكل من قرأ هذه الآية (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) وذكر المؤمنات لما كان الأمر متعلق بالواجب في انتظار الساعة وهو الإيمان والتوحيد فذكرهن وخصهن عناية من الله عز وجل بشأن النساء. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) يعني تقلب أحوالكم بين الليل والنهار وأحوال صلاتكم ظهراً وعصراً ومغرباً تقلب الأحوال وتقلب الشرائع فيكم، ويعلم مثواكم (وَمَثْوَاكُمْ) أي مآلكم ومصيركم وعاقبتكم.

ثم قال الله I (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) هذه الآية من الآيات الصريحة على مقصد السورة وأنها في القتال (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) والسورة يقصدون بها أحكام القتال المقصود هنا (لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) وآيات تبين لنا أحكام القتال (لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ) يكون فيها أمر القتال قال الله (فَإِذَا أُنْزِلَتْ) الفرق بين نزلت وأنزلت في كتاب الله U مما هو ظاهر غالب ليس مضطرب، أن التنزيل ظاهر بالتدرج فكأنهم قصدوا بذلك في قول (لَوْلَا نُزِّلَتْ) آيات ليست سورة كاملة فقال (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) وهي سورة كاملة كأن في هذه الآية نأخذ منها أن هذه السورة سورة محمد أنزلت جملة واحدة إن كان المقصود بقوله (سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ) المقصود بها هذه السورة على خلاف بين المفسرين ولكن يظهر أن المقصود بها هذه السورة وأن قول المؤمنين كان قبل نزول هذه السورة، وكأن هذه الآية من أسباب نزول هذه السورة إذ أنه جرى حديث بين المؤمنين والمنافقين فقال المؤمنون لو أنزل الله تعالى أحكام القتال. وهذه السورة نزلت في المدينة لكن بعد بدر وقبل أُحد كأنهم لما قاتلوا المشركين في بدر ونصرهم الله تحفزوا إلى قتال المشركين وتطلعوا إلى أن ينزل الله U آيات الجهاد وتكليفهم به هذا واضح في هذه الفترة فإن الإنسان المنتصر يتطلع إلى نصر آخر قال الله I (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ) ولهذا سميت هذه السورة بسورة القتال, قوله (سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ) أي عازمة للقتال، محكمة هنا يعني موجبة للقتال ومحكمة له أو أنها محكمة لم يُنسخ منها شيء. إما أن يكون المقصود سورة محكمة فيها إيجاب كما قال الله U (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) تأكيد بأنها مفروضة، فهنا (مُحْكَمَةٌ) موجبة على المؤمنين أو أنها محكمة غير منسوخة (وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) وهم المنافقون (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) إذ أن المنافقين لا يريدون الجهاد لأن ذلك يعرض نفوسهم إلى الهلاك وهم لا يريدون الهلاك هم يريدون مصلحتهم الدنيوية إذا أنزلت سورة (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ولم يقل المنافقون لأن الأمر الذي حصل منهم بسبب مرض قلوبهم وما في نفوسهم من الأهواء (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) يعني من الخوف يعني خوفاً من هذا الأمر الذي نزل عليهم. (فَأَوْلَى لَهُمْ) إما أن يكون المقصود فويل لهم وهنا يؤكده هذا المعنى قطع الآية بالفاصلة (فَأَوْلَى لَهُمْ) أي فويل لهم كما قال الله عز وجل في سورة القيامة (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)، المعنى الثاني (فَأَوْلَى لَهُمْ) فالأولى لهم أن يطيعوا أن يقولوا طاعة أما المعنى الأول فهو ويل لهم.

قال (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) على المعنى الأول أن طاعتهم وقولهم معروف أصلاً لا حاجة إلى أن يقولوا ما يقولوا (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) أي طاعتهم معروفة أنهم لن يطيعوا النبي e وقولهم معروف ماذا سيقولون، والمعنى الثاني الأولى لهم أن يطيعوا ويقولوا قولاً معروفاً (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) أي جاء الجد في الأمر بالجهاد ونودي الجهاد (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ) يعني امتثالهم لأمر الله وأمر رسوله e وانقيادهم لهذا الأمر وامتثالهم له (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) وفي هذه في الآية قاعدة عظيمة من قواعد القرآن أن من صدق الله في أي أمر من الأمور كان أمره خير وعاقبته خير (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) فإن كل من صدق الله U فإن الله سيصدقه (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) وقوله U (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) فهنا قاعدة ليجعلها الإنسان أمام ناظريه وهو في هذه الحياة يتعامل مع ربه أنه كلما صدق الله في أي أمر من الأمور فيعلم أن الله تعالى وعده بالخير (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)

قال الله (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) أي المنافقون (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) هم كأنهم إنما تعذروا عن الجهاد لأنهم لا يريدون أن يواجهوا المشركين لأن هؤلاء المشركين بينهم وبين المشركين ودّ لا يريدون أن يواجهونهم فيقطعون هذا الوصل الذي بينهم وبين الكافرين فقال الله U (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) وتراجعتم (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) أي أن توليكم هذا سبب للإفساد في الأرض لأنهم بتراجعهم قد يجترئ الكفار على المسلمين وتضعف فئة المسلمين كما فعلوا في أُحد حينما خرجوا مع النبي e ثم ارتد عبد الله بن أبي ومعه وكان قدرهم ثلث الجيش وهذا الحقيقة سيؤثر في نفوس المسلمين وعزمهم وسيربك أمر الجيش إلا أن ذلك أمر يمنعه بإذن الله صدق المؤمنين وصحبتهم لرسول الله e ويقينهم بالله. قال الله (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) لا شك أن التولي عن القتال إفساد في الأرض لأن ذلك يجرئ الكافرين على المسلمين ويضعف فئة المسلمين قال (وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) والمقصود بالأرحام هنا المسلمين أن هذا الذي ستؤولون إليه من الارتداد سيؤول إلى قطيعة الأرحام بينكم وبين المسلمين إما بأنكم تتسببون في أمر يضر المسلمين أو أنكم بعد ذلك يكون الخلاف بينكم وبينهم وتكونوا قد قطعتم الأرحام ومن الأرحام رسول الله e في طاعته.

 (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أن من ارتد عن دين الله وعن أمر الله استحق لعنة الله عياذاً بالله وهذه الآية عظيمة لمن تأملها وتدبرها إذا كان الارتداد عن دين الله والتخلي عن الأمر بالجهاد سبب للعنة الله والله إن هو لأمر فظيع لو تنبه لها المسلمون واليوم المسلمون ينادون بأمر الجهاد والوقوف في صف إخوانهم دعوة ودعاء ودعماً وتجد من المسلمين لا يأبه لا يبالي وكأن الأمر لا يعنيه ولا يفكر في حال أمر المسلمين فضلاً عن أن يقدم ولو أمراً يسيراً ربما الدعاء لا يدعو ربما الهم لا يحمله ولا يفكر فيه ربما يرى هذه الفظائع والجرائم ولا تحرك فيه ساكناً ينام ليله ويقوم نهاره ويعبث ويلهو وكأن الأمر لا يعنيه والله إن هذا أيها الأخوة ليخشى عليه من أن ينال غضب الله U لأنه لم يحرك فيه ساكناً «المسلم أخو المسلم لا يسلبه ولا يظلمه ولا يخذله»، «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد» فإذا لم يكن هذا الأمر محركاً لنا فما الذي يحركنا هذا الذي يبين الصدق والعزم على نصر دين الله بما يستطيعه الإنسان , نحن لا نقول لمن لا يستطيع حمل السلاح احمل السلاح أنت بما تستطيعه وأقل ما تستطيعه الهمّ والدعاء لإخوانك قال الله U (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) عياذاً بالله.

ثم قال الله (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) ما أجمل وأعظم وأبلغ هذه الآية ومناسبتها في هذه السورة وهذه الآيات أي أن هذه الآية واردة في الحض على القتال وتحفيز نفوس المؤمنين إذا لم تتحفز نفوس المؤمنين بمثل هذه الآيات ولا يتغير أمر الإنسان في نفسه وهو يقرأ هذه الآيات أين هو عن كتاب الله؟! أفلا يتدبر القرآن الذي يقرأ قول الله U (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) ويقرأ قول الله U (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) ويقرأ قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) أين القلوب الحية من هذه الحياة من هذه الآيات أفلا تتحرك وتنهض وتستيقظ لمنادي الله U ولهذا قال الله تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) كأن الله تعالى يقول الذي يقرأ هذه السورة ولا يحرك فيه ساكناً لا فائدة فيه على قلبه أقفال ولم يقل قفل (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) قفل الغفلة وقفل الخوف والوهن وقفل طمع الدنيا والتعلق بها وحبها وطول الأمل كل هذه الأقفال عن تحرك الإنسان إلى أن يقوم إلى الجهاد في سبيل الله ويبذل نفسه فيما يستطيع من نصرة دين الله ونصرة أوليائه.

قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى) هذه الآيات هدى بينات محكمات الذي لا ينفعه تلك الآيات ليس فيه خير وليس فيه نفع لذلك قال (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) بعد هذا البيان وبعد هذا التفصيل وهذا الهدى بعد ما تبين له الهدى (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ) سول لهم؟ خوفهم وأطمعهم في الدنيا وأوقع الوهن في نفوسهم وأملى لهم في الدنيا بأن السلامة خير لكم والراحة خير لكم من أن تعرضوا أنفسكم انظروا الشيطان كيف يزين للإنسان فيوهنه فيقعده تصوروا لو نادى منادي الجهاد الله المستعان كيف يكون حالنا؟ لو نادى منادي الجهاد الشرعي الصحيح ماذا يكون حالنا؟ اسأل نفسك هذا السؤال وقف مع هذه الآيات هل أنت مستعد أم تقول والله أنا ما أستطيع أنا منشغل بأعمالي أنا منشغل بأموالي أنا منشغل بأهلي وأولادي كيف أفعل الجهاد له أهله. هكذا تبلى القلوب وتمتحن فإذا كان عندك صدق ويقين ونصرة واستعداد فستنهض ولن تلتفت إلى شيء من تلك الدنيا الفانية لأن أمام أمر الله وأمام جهاد في سبيل الله وأمام نصرة دين الله وأمام حظ عظيم لك في الدنيا وفي الآخرة بالنصر والتمكين أو الفوز والشهادة والمقام العظيم عند الله.

قال الله I  (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) كأن الله تعالى يقول هنا ما الذي منع الكافرين ما الذي منع المنافقين من الجهاد قال (بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ) أي الكافرين المشركين (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) يعني في الكفر، سنطيعكم في الكفر ونخفي هذا الكفر في نفوسنا أو (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) فيما يتعلق بشأن المسلمين وتوهينهم وتشكيكهم أو نحو ذلك .

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) وفي قراءة (أَسْرَارَهُمْ) إسرارهم ما يكون في نفوسهم من الرغبة إلى الكافرين والطمع فيما عندهم أو طاعتهم أو كره ما أنزل الله أو كره المؤمنين فإن الله يعلم إسرارهم وهذا يبين أن الله سيكشف أمرهم فضيحة لهم.

قال الله (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) مناسبة هذه الآية؟ أنهم لما ارتدوا عن الجهاد في سبيل الله الذي فيه كر وفر وفيه ضرب وصولة وجولة ذكر الله تعالى حالهم في الآخرة أو عند الموت وأنهم سيصيروا إلى هذا الأمر وسيواجهون ما قد يواجهونه ويخافون منه في القتال قال الله (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ) تصويراً لمن يضرب في القتال (وَأَدْبَارَهُمْ) تصويراً لمن يفر، يعني كأنه يقول الموت حاصل لكم حاصل لن تفروا وأنكم مقبلون على خوف من الموت أشد مما تخافون منه الآن.

قال الله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ) وما هو الذي أسخط الله؟ عز وجل نفاقهم وطاعتهم للكافرين واستهزاءهم بالمؤمنين وعدم صدقهم وغير ذلك (وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ) يعني كرهوا ما يرضي الله عز وجل من الجهاد والدعوة إليه والإيمان ونحو ذلك قال الله (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) وهذا يبين أن من سخط ما أنزل الله عليه وكرهوا فإن ذلك سبب لحبوط أعماله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هؤلاء المنافقين (أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) أي ما في قلوبهم من الضغن والحقد على المؤمنين وعلى أهل الإيمان، أيحسبون أن الله لن يخرجهم.

قال الله I (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ) يعني لو نشاء لعرفناك أسماءهم وأوصافهم وأعيانهم كأن في هذه الآية بيان أن الله U سيخبر نبيه بالمنافقين وهل اطلع النبي e على جميع المنافقين؟ فيه خلاف، هل أطلع الله تعالى نبيه على أعيانهم بأنه يعرف أن هذا منافق؟ يقول أنس: أنه ما نزلت هذه الآية إلا وقد علم النبي e أعيان المنافقين بأسمائهم ولكنه لم يخبر به أحداً إنما أخبر بعضاً منهم حذيفة بن اليمان أمين سر رسول الله U، وفيه معنى آخر أو قول آخر أن الله U لم يطلع نبيه إلا على طائفة منهم قال (فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) يعني تعرفهم بالسيما وهي العلامة علامات تعرفهم بها إما في وجوههم أو في أقوالهم أو في أحوالهم (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) يعني هذا أمر ظاهر وواقع (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) يعني ستعرفهم بلحن أقوالهم ولحن القول ما هو؟ لحن القول هو سلمكم الله الإنسان يتكلم بأمر وهو يريد غيره يوهم الآخر أنه يريد ذلك وهو لا يريده والذي معه يعرف أن كلامه ذلك غير صحيح فهو لحن القول الذي يظهر به الانسان خلاف ما يبطن. قال الله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) فالمؤمن يعرف لحن القول ومن يؤتيه الله فراسة يعرف ولذلك عثمان t يقول: ما أسر عبد سريرة إلا أظهرها الله على قسمات وجهه أو فلتات لسانه. سبحان الله الإنسان مهما أبطن فسيظهر في وجهه، ولذلك أصحاب المعاصي يظهر على وجوههم معاصيهم، أصحاب الشهوات تظهر لهم معالم أصحاب الشهوات، وأصحاب الشبهات تظهر لهم معالم مختلفة، وغير ذلك، وأهل الإيمان يظهر لهم النور في بيانهم وكلامهم من الخير والهدى وغير ذلك. قال الله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) والخطاب هنا للمؤمنين وللمنافقين يعلم أعمالكم ما أنتم فيه.

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) هنا الخطاب للمؤمنين والمنافقين كأنه لعلهم يتوبون لعلهم يؤبون بعد هذه النصيحة وبعد هذا البيان وهو خطاب للمؤمنين (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) بماذا؟ بالجهاد، (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ) والصادقين أيضاً أي الصادقين المؤمنين والصابرين ونبلو المنافين أيضاً قال الله تعالى (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) نمتحن أعمالكم، نمتحن ماذا تكونون عليه؟ وماذا سيؤول أمركم وحالكم؟.

قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) قيل إن هذه الآية في المنافقين، وقيل أنها عودٌ على حال الكافرين في أول السورة حتى يعود أول السورة على آخرها فيكون الحديث في الكافرين، وقيل إنها آية يراد بها أهل الكتاب الكافرين لأن الله يقول (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي من أهل الكتاب (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ) خالفوه هم شاقوا الرسول وخالفوه (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى) مما أنزله الله الهدى الذي عندهم في كتبهم (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) هذه في طائفة ثالثة وهم أهل الكتاب.

قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) عودٌ على المؤمنين فالسورة فيها خطاب للمؤمنين وعن الكافرين، أطيعوا الله ورسوله ومن طاعته اتباع أمره والجهاد في سبيله إذا نادى مناديه قال الله (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) إبطال العمل؟ إما بالرياء والنفاق وغير ذلك وإما أن هذه الآية تبين معنى آخر قلّّ أن ينتبه له القارئ وهو أن إبطال العمل يعني انقطاع العمل كأن الله يقول أطيعوا وأطيعوا الرسول واستمروا على ذلك لا تنقطعوا أكثروا من النوافل، أكثروا من الصلاة، أكثروا من الأعمال فلا تبطلوا يعني تقطعوا، ففسروا هنا البطلان بالقطع.

قال الله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) هنا في بيان حال الكافرين عند الموت فإن الله تعالى لن يغفر لهم تيئيساً لهم.

ثم قال الله تعالى للمؤمنين (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) أن هذه الآية تختلف عن آية الأنفال (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) هنا قال (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) لأن حال المؤمنين هنا في حال قوة هم بعد بدر فلا تسالموهم ما دمتم في قوة وفي تمكن لأن السلم في حال القوة ماذا يؤدي بالمسلمين؟ إلى الوهن وإلى الانشغال بالدنيا أما في حالة الضعف الذي لا يستطيعون فيه مواجهة الكافرين فلا بأس وعليه تنطبق الآية في قوله (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) وهذا ما يبين أحكام السلم والحرب وهو قد فصله العلماء مشايخ الإسلام رحمهم الله تعالى فيكفي بياناً كافياً وافياً لمن أراد أن يرجع إليه.

 قال الله (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) هذا مما يبين أنهم في حال علو وهو الحال الذي كانوا فيه بعد بدر (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) أي ما دمتم في نصرة دين الله فالله معكم (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) يعني لن يبخسكم أعمالهم سيهبكم أعمالكم وأجوركم كاملة ومن ذلك نصركم وعاقبة أمركم الحسنة.

ثم قال الله تعالى (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) هنا فيه بيان سبب من أسباب التي تمنع المؤمنين من القيام بالجهاد وهي الحياة الدنيا والانشغال بها فالله تعالى هنا كما أنه يحفزهم فينبههم ويحذرهم من الأسباب التي توهنهم عن القتال وهي تعلقهم بالدنيا فقال (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) وما الفرق بين اللعب واللهو؟ اللعب هو الذي لا هدف فيه كمثل لعب الأطفال واللهو هو الذي يكون بعد عمل عندما يرتاح الإنسان يلهو يجدد طاقته لكن إذا استمرأ فيه فهو مذموم في ذلك قال الله تعالى (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ) أي لا فائدة فيه أو لهو يشغلكم عن الجد والعمل والقيام بالأمر (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا) تحققوا الإيمان والتقوى باليقين ونصرة دين الله عز وجل والتحفيز الصادق لنصرة دين الله (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) أي أن الله عز وجل هنا يقول إنما يبعثكم الجهاد لا لتبذلوا الأموال وإنما لسلامتكم أنتم ومصلحتكم أنتم فقوله (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) يعني لا يسألكم أموالكم كلها ليفنيها لكم وإنما يسألكم الأموال للإنفاق في سبيل الله ليبقيكم بها فهو حظ لكم وليقيم بها دين الله عز وجل فقوله (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) أي لا يسألكم الله عز وجل أن تنفقوا الأموال كلها في سبيل الله عز وجل وإنما أنفقوا ما استطعتم وما أمكنكم (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا) كلها في سبيل الله (فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا)، (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ) أي يلحح عليكم ويلزمكم بذلك الإلحاف هو الإلزام والإلحاح بالشيء يلحفكم عليها فتبخلوا ولا شك أن الإنسان بطبيعته إذا طلب وألح كره ذلك حتى وإن كان في أمر خير يعني أنت أتيت إلى شخص وقلت : أنفق في سبيل الله، ابذل، هذا مال الله، هذا في سبيل الله وتكرهه فإنه سيبخل أو سيعطيك عطاء بكره فالله تعالى لا يريد ذلك. قال الله تعالى (فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) يخرج ما في قلوبكم من كره الإنفاق أو الحرص على المال.

قال الله (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني هي دعوة لكم أنفقوا في سبيل الله، فكأن الآية هنا ختم الله السورة بعد حض المسلمين على الجهاد قال (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) الذي يبخل سيكون مآله على نفسه لأنك لبخلك سيؤدي ذلك إلى قتل، هزيمة، أو إلى عاقبة سيئة لك والله عز وجل يفتنك بهذا المال (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ) والله عز وجل لا يسألكم الأموال لنفسه فهو غني سبحانه وتعالى وإنما ليبقي دينكم ويظهر عزكم ومقامكم ويبقي ما أنتم فيه من نعمة (وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) فأنفقوا في سبيل الله يؤتكم خيرا مما أخذ منكم (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) أي تتولوا عن الجهاد، تبخلوا بالمال (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) الصحابة حينما أنزل الله هذه الآية ماذا قالوا؟ قالوا: يا رسول الله ومن يستبدل بنا؟ يعني هم أصحاب رسول الله e فيظنون أن لا أحداً يستبدله الله بهم فقالوا: من يستبدل الله بنا؟ فكان بجواره سلمان فضرب على فخذه قال: «هذا وقومه» أي أن الله عز وجل إذا انكفأ العرب وارتدوا عن الإسلام فإن الله سينصره بقوم آخرين من العجم والفرس كأن المفسرون أو بعض المفسرين استنبط في هذا أن أهل الفرس أن فارس إذا آمنت لا ترتد لقوة بأسها وهذا التماس من هذه الآية ثم قال (لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) أي لا يكونوا أمثالكم في الضعف والهون والخوف والارتداد.

 

نختم السورة بأن الله U في هذه السورة يحضنا ويحفز نفوسنا إلى القيام بأمر الله والجهاد في سبيل الله بما نستطيع والبذل من أموالنا بما أمكننا في سبيل الله Uفإننا إن تخلينا عن ذلك فإنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. لا نتقاعس، لا نضعف، لا نوهن، فيستبدل الله بنا قوماً آخرين، فليس بيننا وبين الله نَسَب ولا حَسَب والله إن ارتددنا بضعفنا ووهننا وتعلقنا بالدنيا وتركنا نصرة الله ودينه وأوليائه والله سيأتي أناس ينصرونه وينصرون دينه وأوليائه فنحن أولى أن يكون لنا في ذلك القيام بأمر الله بما مكننا الله في هذه البلاد، وما أعطنا الله من النعمة، وما منحنا الله من الفضل. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل