تفسير سورة الأحقاف- المجلس الثاني والأخير - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الأحقاف- المجلس الثاني والأخير -

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19))

لما ذكر الله I حال الداعين للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز والنجاة عطف بحال الأشقياء العاقين فقال (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا) وهذا عام في كل من قال لوالديه وقال بعض المفسرين: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر وهذا قول ضعيف ضعفه ابن كثير رحمه الله وضعفه كذلك القرطبي ومن أدلة تضعيفه قول عائشة رضي الله عنها حينما قال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه يقصد عبد الرحمن بن أبي بكر (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا) قالت عائشة: من وراء حجاب ما أنزل الله فينا أي آل بكر شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري كما أن سياق الآيات يضعف نزولها في عبد الرحمن بن أبي بكر حيث قال (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ) وأما عبد الرحمن فقد أسلم وحسن إسلامه (أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) أي أبعث (وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي) أي قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر أي القرون الماضية لم نرى بعثا ونحن قررنا أكثر من مرة أن البعث محله يوم القيامة فلا حجة للمشركين في طلب بعث آبائهم ولا برؤية القرون السابقة قد بعثوا كما في هذه الآية (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ) أي يسألان الله عز وجل أن يهديه ويقولان لولدهما (وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) فيرد عليهما بقوله (مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ). قال الله عز وجل (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم.

ثم قال الله I (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) أي لكلٍ عذاب خاص بحسب عمله (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها فقال الله U (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (ولكلٍ) الضمير يعود إلى من؟ أصحاب الجنة وأصحاب النار لكن اللفظ (دَرَجَاتٌ) الجنة فيها درجات لكن النار؟ لأن الدرج هو ترقي إلى أعلى والنار دركات لكن الله I قال هنا في هذه الآية (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ) فما وجه ذلك؟ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم درجات النار تذهب سفالاً ودرجات الجنة تذهب علواً.

ثم قال الله I (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) يقال لهم ذلك توبيخاً وتقريعا (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ) أي تمتعتم بالطيبات في الدنيا واتبعتم الشهوات واللذات والمعاصي. وقيل أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي فالطيبات هنا الشباب والقوة مأخوذ من قولهم ذهب أطيبا أي شبابه وقوته. قال القرطبي: والقول الأول أظهر. قال ابن العربي رحمه الله تعليقاً على هذه الآية (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) إن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره له الطباع وتستمرئه العادة فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات وهذا وجه ذم الاستمتاع بالطيبات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء. إلى أن قال: والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه على المرء أن يأكل ما وجد طيباً كان أو قفاراً ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة وقد كان النبي e يشبع إذا وجد ويصبر إذا عدم ويأكل الحلوى إذا قدر عليها ويشرب العسل إذا اتفق له ويأكل اللحم إذا تيسر ولا يعتمد ذلك أصلاً في حياته ولا يجعله ديدنَّا ومعيشة النبي e معلومة وطريقة الصحابة منقولة في هذا الباب وقد قيل من الحِكَم: لا تكن أسير عادة. (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) فالجزاء من جنس العمل فكما استمتعوا بالطيبات جوزوا بعذاب الهون وعذاب الهون العذاب الذي اقترن به الهوان وهو عذاب العصاة المواقعين لما نهوا عنه والهون والهوان بمعنى واحد.

ثم قال الله I (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ) قال ابن عطية: الأخوة هي أخوة القرابة، لأن هود u كان من أشراف قبيلة عاد وكان أخاهم في النسب لا في الدين كما قال القرطبي. (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ) أي هود وهذا من باب تسلية النبي e حينما أعرض عنه المشركون بعثه الله U إلى عاداً الأولى وكانوا يسكنون الأحقاف جمع حقف وهو الجبل من الرمل الجبل المستطيل المعوج من الرمل. قال ابن عطية: إن بلاد عاد كانت في اليمن ولهم إرم ذات العماد. ثم قال الله I (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي قد أرسل الله U إلى من حول بلادهم من القرى مرسلين ومنذرين (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) أي عاد والنذر التي قبله والرسل التي قبله واللي بعده قضيتهم (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا) لتأفكنا فيها وجهان: أي لتزيلنا عن عبدتها بالإفك بالكذب. وقيل: لتصرفنا عن آلهتنا بالمنع ويصح كل المعنيين. (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) استعجلوا عذاب الله U وعقوبته (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) أي الله أعلم بكم أن كنتم مستحقين لهذا العذاب أو لا؟ (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) أي لا تعقلون (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) لما رأوا العذاب مستقبل أوديتهم رأوا السحاب (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) لأنهم كانوا أصابهم الجدب مدة ففرحوا بهذا السحاب (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) فرد الله عز وجل عليهم (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي هو العذاب الذي قلتم (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)) (تُدَمِّرُ) أي تخرب (كُلَّ شَيْءٍ) من بلادهم مما شأنه الخراب، أي لا تدمر كل شيء معناه تزيل كل شيء، أي تدمر ما من شأنه الخراب (بِأَمْرِ رَبِّهَا) أي بإذن الله U يشهد لهذا قوله I (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) أي كالشيء البالي فتدمر كل شيء (بِأَمْرِ رَبِّهَا) أي تدمر كل ما أمرت بتدميره (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) أي هذا حكمنا فيما كذب رسلنا وخالف أمرنا. روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت: «ما رأيت رسول الله e مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يبتسم. قالت: وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف ذلك في وجهه قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهة؟ قال: يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا» يقصد قوم عاد. وكان النبي e إذا تخيّل في السماء تغيّر لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا مُطرت سري عنه فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) وقد جاءت قصة قوم عاد مفصلة في سورة الأعراف وفي سورة هود.

ثم قال الله I (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) هذا خطاب لمن؟ لقريش فيقول تعالى ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد وأعطينهم منها ما لم نعطكم مثله بل ولا قريباً منه (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي أحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه كما كان قوم عاد يفعلون أي فاحذروا يا كفار قريش أن تكونوا مثلهم. قال الله U (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ) (ما) هنا نافية ويقوّي ذلك دخول (من) في قوله تعالى (مِنْ شَيْءٍ) وقال بعض أهل العلم: إنها استفهام بمعنى التقرير فتكون (مِنْ شَيْءٍ) تأكيد. قال ابن عطية: عدّد الله عليهم نعم الحواس والإدراك، وأخبر أنها لم تغنِ حين لم تستعمل على ما يجب.

ثم قال I (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى) يقصد أهل مكة، قد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد وكانوا بالأحقاف بحضرموت في اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكان في طريقهم وممرهم إلى غزّة، وكذلك بحيرة قوم لوط، فالله سبحانه وتعالى يذكّرهم وهم قد أطلعوا على هؤلاء الأقوام (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ) أي بيّناها ووضّحناها (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي يعودون إلى الله I ويؤمنون به.

ثم قال I (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً) أي هلّا نصروهم إذا احتاجوا إليهم هؤلاء المعبودات (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ) أي بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم (وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ) أي كذبهم (وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي افتراؤهم في اتخاذها آلهة من دون الله U قد خسروا في عبادتهم واعتمادهم عليها.

ثم قال الله I (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) وهذا هو الموضوع الرابع من موضوعات هذه السورة (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا) قال القرطبي رحمه الله: هذا توبيخ لمشركي قريش أي أن الجن سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله وأنتم مصرّون على الكفر. والمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها كما قال الشوكاني رحمه الله: أن الله I لما بيَّن أن من الإنس من آمن ومنهم من كفر، بيَّن أيضاً أن ذلك في الجن وقد جاءت الروايات مختلفة في استماع الجن للنبي e، فجاءت روايات عن ابن مسعود، وجاءت روايات عن ابن عباس t من هذه الروايات ما رواه البخاري ومسلم عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقاً من آذن النبي e ليلة استمعوا القرآن؟ قال: حدثني أبوك - يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة. ومن العلماء من قال: إن هذا حصل بعد ذهاب النبي e إلى الطائف. ومنهم من قال: إن النبي e أحس بهم وعلم بوجودهم. ومنهم من قال: إن النبي eلم يشعر بهم. وكل هذه الروايات يا إخواني صحيحة، والجمع بين هذه الروايات أنه قد حصل ذلك مرات متعددة فمرة صُرف إليه نفر من الجن، ومرة وفدوا إليه، ومرة استمعوا له ولم يشعر بهم، جاء عند الإمام أحمد رحمه الله عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صحب رسول الله e ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكننا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح - أو قال: في السحر - إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال: «إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم». قال: فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال: وقال الشعبي: سألوه الزاد - قال عامر: سألوه بمكة، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: «كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم - قال - فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم من الجن» وهكذا رواه الإمام مسلم، فهذه الرواية تدل على أن النبي e ذهب إليهم قصداً والرواية السابقة عن ابن مسعود تدل على أن النبي e لم يشعر بهم وإنما أخبرته بهم شجرة. وقلت لكم أن الجمع بين هذه الروايات أنها كلها صحيحة وأنها مرات متعددة (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) وذلك أنه أحس الجن أن السماء قد حرست فقالوا: اضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعلموا ما الذي حبس خبر السماء عليكم؟ فلما أتوا إلى مكة وفد نصيبين وسمعوا القرآن قالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. قال الله I (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) أي طائفة من الجن وصرفنا أي وجهنا إليك وبعثنا (يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا) أي استمعوا وهذا أدب منهم. والنفر يقتضي أن المصروفين رجال لما قال (نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) يقتضي أن المصروفين رجال لا أنثى معهم فالنفر والرهط والقوم الذين لا أنثى فيهم (فَلَمَّا حَضَرُوهُ) أي حضروا ماذا؟ القرآن (قَالُوا أَنْصِتُوا) قال ابن عطية: فيه تأدب مع العالم وتعليم كيف يتعلم؟ وهو أن الإنسان ينبغي له أن ينصت في مجلس العلم (فَلَمَّا قُضِيَ) أي فرغ كقوله (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ) وقوله (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) وقوله (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ)، (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) هؤلاء النفر جمعوا بين أمرين وهذا كل تعريض بمن؟ بكفار قريش، الأول: أنه لما سمعوا القرآن أنصتوا وآمنوا. الأمر الثاني: أنهم أصبحوا دعاة إلى هذا القرآن. أما أنتم يا كفار قريش فأنتم لما استمعتم القرآن أعرضتم وفي المقابل صددتم عن القرآن. فهؤلاء خيرٌ منهم، فهذا تعريض بكفار قريش (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ) أي من بني الجن (مُنْذِرِينَ) فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله e، وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل لأنه قال (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) ولم يقل مرسلين ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولاً لقوله I (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) وهل هذا حال الجن؟ لا. أما قول الله U (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) المراد من مجموع الجنسين فيصدُق على أحدهما وهو الأنس كقوله تعالى (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وهو يخرج من أحدهما.

ثم فسّر سبحانه وتعالى إنكار الجن لقومهم بقوله (يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) أنزل من بعد موسى، أين عيسى؟ الأصل أن يقول أنزل من بعد عيسى، لأن عيسى هو الذي قبل النبي e فلماذا قالوا أنزل من بعد موسى؟ قال ابن عطية جواباً عن هذا: يحتمل أن هذه الطائفة من الجن كانت تتدين بدين اليهود أو لأنهم كانوا يعرفون أن موسى u قد ذكر محمدًا وبشّر به فأشاروا إلى موسى من حيث كان الأمر مذكوراً في توراته كما قال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل على موسى بمعنى أنه هذا الذي بشّر به موسى (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) وقال بعض مثل ابن كثير رحمه الله جوابًا عن عدم ذكر عيسى من باب الفائدة: أن عيسى u أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحريم والتحليل وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة لأن الله U قال (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) فالعُمدة هو التوراة ولذلك هؤلاء الجن ذكروا موسى دون ذكر عيسىu. (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي من الكتب المنزلة على الأنبياء (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) أي بالاعتقاد والإخبار (وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين: خبر وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل. (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) في الاعتقادات (وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) في العمليات.

(يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) من داعي الله؟ محمد e. وفي هذه الآية دلالة على أن النبي e بعث إلى الثقلين الجن والإنس، وقد دلت على ذلك جملة من الأحاديث الصحيحة عن النبي e (أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) من هنا قال بعض المفسرين: إنها زائدة وفيه نظر والصحيح أنها تبعيضية على ما بها، لأن غفران الذنوب هل كل الذنوب تغفر يوم القيامة؟ تغفر ما بينك وبين الله U، أما حقوق العباد فلا بد أن يُقتص منك ولذلك (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي الذنوب التي لا تتعلق بحقوق العباد (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) أي يقيكم من العذاب الأليم. وقد استدل بعض أهل العلم أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة وإنما جزاء صالحيهم أنهم يجارون من عذاب النار. وقالوا: لأنه لو كانوا يدخلون الجنة لذكرهم هنا وقال لدخلوا الجنة ولم يخص فقط إجارة من العذاب الأليم. وهذا قولٌ ضعيف، والحق أن مؤمني الجن كمؤمني الأنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف وقد استدل بعض أهل العلم بقوله I (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) وذلك أن الله امتن على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة. وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس حينما قالوا: "ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد" فلم يكن الله U ليمتن عليهم بشيء لن يحصّلوه. وهذه من المسائل التي يذكرها بعض المسفرين حول هذه الآية.

ثم قال الله I (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ) أي بل قدرة الله سبحانه وتعالى شاملة له ومحيطة به (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ) أي لا يجيرهم منه أحد (أُولَئِكَ) أي هؤلاء الذين لا يجيبون داعي الله سواء كانوا من الجن أو من الإنس (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وهذا مقام تهديد وترهيب فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى النبي e وفوداً، وفوداً، يعني هؤلاء الذين استمعوا للقرآن ذهبوا وأنذروا قومهم وبدأوا يأتون بوفودهم من الجن إلى النبي e.

ثم قال الله I (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) الرؤية هنا رؤية قلبية والضمير يعود إلى قريش وهذه الآية مثل واحتجاج لأنهم قالوا إن الأجساد لا يمكن أن تبعث ولا تعاد وهم مع ذلك معترفون بأن الله I (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فأقيمت عليهم الحجة من أقوالهم وهذه إحدى طرق إثبات البعث، من طرق إثبات البعث بيان خلق السماوات والأرض (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) ولهذا قال الله I (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) أي ألم يرى هؤلاء المنكرون للبعث أن الله U(وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) أي لم يكترث به بل قال لها I كوني فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة بل أتت طائعة مجيبة لله I، أفليس ذلك (بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) ثم أجاب الله I فقال (بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

ثم قال I متهدداً ومتوعداً من كفر به (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) أي يقال لهم: أما هذا حق؟ أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟ (قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا) هل ينفعهم ذلك؟ لا ينفعهم ذلك ولا يسعهم الاعتراف (قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ).

ثم قال I آمراً رسوله e بالصبر على هؤلاء الكفار المعاندين المكذبين الذين آذوا نبيه e واستكبروا عن دعوته واستهزئوا بكتابه الذي جاء به من ربه (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما قرر الأدلة على النبوة والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ) وأولو العزم من الرسل اختلف في تعدادهم على أقوال: منهم من قال إنهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم النبيين محمد e. ومنهم من قال: هو منصوص عليهم في آيتين من سورة الأحزاب والشورى. ومنهم من قال: أن أولي العزم من الرسل المراد به جميع الرسل. ولذلك قال (مِنَ الرُّسُلِ) ومن هنا تكون على هذا القول لبيان الجنس. إذا قلنا: أن أولو العزم هم كل الرسل فالمراد بمن هنا بيان الجنس، وإن قلنا: أن أولو العزم هم خمسة فمن هنا تبعيضية.

ثم قال الله I (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) أي لا تستعجل لهم حلول العقوبة وقارنوا بين هذه وبين أهل عاد المذكورين في هذه السورة كقوله I (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11)) وكقوله I (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)). (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) كما قال في آية أخرى (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ). (بَلَاغٌ) قال ابن جرير: قول الله U (بَلَاغٌ) يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون تقديره: وذلك لُبْثَ بلاغ. قوله (بَلَاغٌ) أي هذا اللبث (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) أي هذا اللبث (بَلَاغٌ) أي ساعة هذه الدنيا بلاغ. ويحتمل: أن يكون تقديره: هذا القرآن بلاغ. أي بدأ بالحديث عن القرآن، أي هذا القرآن بلاغ. أيهما أصح الأول، سورة الجاثية ما قلنا أنها ختمت كذلك بالحديث عن القرآن وقلنا الأحقاف تشبه سورة الجاثية فلما لا نحمل بلاغ على القول الثاني وأن هذا القرآن بلاغ أي ما نحكيه ونقصه عليك يا محمد بلاغ لهؤلاء لأن البلاغ في الآخرة هل ينفع؟ هل يفيدهم؟ إنما يفيدهم البلاغ الحالي (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)) قال ابن عطية: هذه الآية وعيد محض وإنذار بيّن. وقال الثعلبي رحمه الله: قوله تعالى (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)) أرجئ آية في كتاب الله للمؤمنين. يقول: إن هذه الآية هي أرجى آية في كتاب الله للمؤمنين. وأنتم تعلمون أن المفسرين كثير منهم يقول: أرجى، أخوف، أشد، إلى آخره، فما وجه هذا الرجاء؟ فسره الزجاج بقوله: إن معنى (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)) أي لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون فمن لم يفسق هل يُهلك؟ وهذا من رحمة الله I. ولذلك جعل الثعلبي رحمه الله أن هذه الآية هي أرجئ آية فإنهم لا يُهلكون لأنهم لم يتصفوا بالفسق.

 

هذا ما يتعلق بسورة الأحقاف، نسأل الله I بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر لنا زللنا وخطأنا، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا، وeوبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل