تفسير سورة الأحقاف- المجلس الأول (1/2) - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الأحقاف – المجلس الأول (1/2)

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)).

سُورةُ الأحقاف سورَةٌ مَكِيَّة، وقَدْ قَرَّرْنا أكْثَر من مَرَّة:

Û أنَّ السُّوَر المَكِيَّة على القَوْل الصَّحيح: أنَّها هِي التِّي نَزَلَت قبل هِجْرَة النَّبي e.

Û والسُّوَر المَدَنِيَّة: هي التِّي نَزَلَت بعد هِجْرة النَّبي e.

ولِكُلِّ واحِدٍ خَصائِصْ ومُمَيِّزات. وَسُورةُ الأحقاف سُورةٌ مَكِّيَّة.

ومُحوَرُهَا: مُعالَجَة قضِيَّة الإيمان بواحدانِيَّة الله، ورُبُوبيَّتِه المُطْلَقَة، والإيِمانِ بالوحي والرِّسالة، وهي تِلْك القَضَايا والمعاني التِّي تَدُور عليها غَالِبْ السُّوَر المَكِيَّة.

وهي تَدُورُ على أرْبَعَةِ مواضِيع:

Û المَوْضُوع الأوَّل: الحديث عَن القُرآن، وخَلْقِ السَّماوات والأَرْض للوُصُولِ إلى عَرْض العقيدة، وإنْكار ما عَلَيْهِ الشِّرْك.

Û المَوْضُوعُ الثَّاني: عَرْضُ نَمُوذَجَيْن للفِطْرَة البَشَرِيَّة المُستقيمة، والمُنْحَرِفَة في مُواجَهَة العقيدة.

المستقيمة: تَتَمثَّل في قَوْل الله U (رَبِّ أوْزَعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتِكَ عَلَيَّ وعلى والِدَيّ) إلى آخر الآيات.

والمُنحَرَفَة: تَتَمثَّل في قَوْل الله عَزَّ وجل (والذِّي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدَانِني أْنْ أُخْرَج وقَدْ خَلَتْ القُرُون من قَبْلي) إلى آخر الآيات.

Û المَوْضُوعُ الثَّالث: الحَديث عَنْ مَصْرَعِ عَادْ، عِنْدَما كَذَّبُوا بالنَّذَير.

Û وأما الحديث الرَّابع: فَيَدُورُ حَوْلَ أَحَدِ مَخْلُوقات الله عَزَّ وجل وهُو (الجِنَّ) وقِصَّة اِسْتِماعِهِم للقُرآن.

هذه المَواضِيع التِّي تَناولَتْها سُورةُ الأحْقاف.

افْتُتِحَت سُورةُ الأحْقاف بقول الله U (حَم) والسور التي بدأت بـ (حم ) هذه تُسمَّى سورة (الحَواميم) وهي قَدْ بَدَأَتْ بسورة (غافِر) وخُتِمَتْ بسورة (الأحْقاف)، كُلُّها افْتُتِحَتْ بقَوْلِ الله U (حَمْ).

ثُمَّ قال الله I (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) كَمَا قَال ذلك في سورة (الجاثية) فأخْبَر I أنَّه نَزَّل الكتابَ عَلى عَبْدِه ورسُولِه مُحَمَّدٍ e ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بالعِزَّة التِّي لا تُرام، والحِكْمَةِ في الأَقْوال، والأَفْعال.

ثُمَّ قال I (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) ومَطْلَعُ سورة الأَحْقاف يُشْبِهُ إلى حَدٍّ كبير مَطْلَعَ السُّورةِ التِّي قَبْلَها سورة (الجَاثِية). (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) أيَّ لا عَلى وَجْه العَبَثِ والبَاطِلْ، (وَأَجَلٍ مُسَمًّى) أيّ إلى مُدَّةِ مُعَيَّنَةٍ مَضْرُوبة لا تَزيدُ ولا تَنْقُصْ، والأجَلُ المُسَمَّى هو (يومُ القيامة) فإنَّه في ذلك اليَوْم تَنْتَهي السَّماواتُ والأَرْض، تنتهي السماوات وتُبَدَّلُ الأرْضُ غيرَ الأَرْضِ والسَّماوات، كَمَا جَاءَ ذلك في آيَاتٍ أُخْرَى.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) أَيّ لاهُونَ عَمَّا يُرَادُ بهم، وقَدْ أَنْزَلَ الله I إليهم كِتاباً يُتْلَى عليهم ورَسُولاً بينَ أظْهُرِهِم، ويتكَلَّم بلسانهم، ومع ذلك هُمْ مُعْرِضُون، لاهُونْ.

ثُمَّ قال الله I (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أَيّ قُلْ يا مُحَمَّد لهؤلاء المُشْركِين العابِدينَ مع الله غَيْرَه (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أنا خَلقْتُ السَّماوات والأرْض، فأَرُوني ماذا خَلَقُوا مِنَ الأَرْض: أيّ أَرشِدُوني إلى المَكَان الذِّي اسْتَقَلُّوا بِخَلْقِهِ من الأَرْض. وقَولِه (مِنَ الْأَرْضِ) مِنْ: تَبْعِيضيَّة، لأَنَّ كُلَّ مَا عَلى وَجْه الأرْض من حَيَوانٍ ونَحْوَه فَهُو من الأرْض.

(أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) هَلْ خَلَقوا أو اسْتَقَلُّوا بِشَيْءٍ مِنْ خَلْق الأَرْض، أم هُمْ شُرَكَاء في السَّماوات والأَرْض، أَشَارَكُوني في السَّماوات، هَؤُلاء لا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمير، وكانَ الأَوْلَى بِكُم والأَجْدَى وأَنْتُم أهْلُ العَقْل أنْ تَصْرِفُوا العِبادةَ إلى الخَالِقْ، الرَّازِق، لا إلى هؤلاء الذِّين لَمْ يَفْعَلُوا شَيئاً، لمْ يَسْتَقِلُّوا بِشَيْءٍ مِنْ خَلْق الأَرْض، ولَيْسُوا شُرَكَاءَ في السَّماوات فَضْلاً عَنْ أن يَكُونُوا هُمْ الذِّين يَمْلِكُونِها، لَيس لَهُم أيُّ شِرْك، أيُّ مُشَارَكَة ولو قَليلة. (ايتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا) أيَّ هَاتُوا كِتاباً من كُتُبْ اللهِ المُنَزَّلَةِ على أنبيائِه، يَأْمُرُكُم بعبادَة الأَصْنام (مِنْ قَبْلِ هَذَا) الإِشارَة إلى القُرآن فإنَّهُ صَرَّحَ بِبُطْلانِ الشِّرْك، فالآية تُقَرِّر وتقول إنَّ القُرآن الذِّي أُنْزِلَ عليكُم الآن يُقَرِّرُ بُطْلانَ الشِّرْك، هَلْ عِنْدَكُم كِتابٌ من نَبِيٍّ سَابِقْ، يُعَارِضُ مَا قَرَّرَهُ القُرآن؟ أو أَتَى بِحُجَّةٍ غَيْرَ حُجَّة القُرآن؟. (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أيّ دَليلٍ بَيِّن عَلى هَذا المَسْلَكْ الذِّي سَلَكْتُمُوه.

 قال مُجاهِدْ: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أوْ أَحَدٌ يَأثُرُ عِلْماً.

 وقال ابْنُ عَبَّاس: أو بَيِّنَةٍ من الأَمْر.

وقال أبُو بَكْر بن عَيَّاش: أو بَقِيَّةٍ مِنْ عِلْم.

وقال الحَسَنُ البَصْرِيّ: (أَوْ أَثَارَةٍ) شَيْءٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهْ.

وقال ابن عَبَّاس، وأبُو بَكْر بنُ عَيَّاش، ومُجَاهِد: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) يَعْني الخَطّ.

وقال قَتَادَة: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) يعني خَاصَّةً مِنْ عِلْم.

وكُلُّ هَذِه الأقْوال مُتقارِبَة وتَعُودُ إلى مَعَنَىً واحَد: أيَّ ليسَ لَكُمْ دَليلٌ بَيِّن.

قَال ابْن العَرَبِيّ : حَوْلَ قَوْله (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) إنَّ الله I لم يُبْقِ من الأسْبَاب الدَّالة على الغَيْب التِّي أَذِنَ في التَّعَلُّقِ بِهَا أَوْ الاسْتدلال مِنْها إلاَّ الرُّؤْيا فإنَّه أَذِنَ فيها وأَخْبَرَ أنَّها جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّة وكذلك الفَأْل، وأمَّا الطِّيَرَةُ والزَّجْر فإنَّهُ نَهَى عَنْهُمَا.

وقال القُرْطُبي : عن هذه الآية: هذه الآية فيها بَيَانُ مَسَالِكِ الأدِّلّة بِأَسْرِها:

فأوَّلُها: المَعْقُول: وهُو قَوْلُه تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) هذا دليلٌ عَقْلِيّ، وهُو احْتِجَاجٌ بِدَلِيل العَقْل.

ثُمَّ قال (ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) فيه بيانُ أدِّلَةِ السَّمْع. لأنَّ الأَدِّلَّة تَنْقَسَمُ إلى قِسْمين: (أدِلَّةٌ مَعْقُولة - أو أَدِلَّةٌ مَنْقُولة)

ففي هذه الآية إبْطالٌ لِكُلُّ ما يَدَّعُون سَوَاءً كانَ (بالدَّليل العَقْلِيّ) ليسَ عِنْدَهُم دليلٌ عَقْلي يسْتَنِدُونَ عليهِ في شِرْكِهِم، وليْسَ عِنْدَهُم دليلٌ نَقْلِيٌّ يعْتَمِدُون عَلَيْه في شِرْكِهِم، وكُفْرِهِم بالله U.

فهذه الآية قَدْ أبْطَلَتْ كُلّ الأَدِلَّة التِّي رُبَّما يتعَلَّق بها، لَكِنْ بَقِيَ عليهم دليلٌ واحِد - الذِّي لا يَسْتَدِلُّون- (إنَّا وَجَدْنا آباءَنَا على أُمَّة) [الزّخرف:23] التَّقْليد، أمَّا اسْتدلالٌ حَقيقيّ فَليْسَ للمُشْركين أيُّ دليل، هذه الآية أبْطَلَتْ كُلَّ الأدِّلة التِّي يُمْكِن أنْ يَسْتَدِلَّ بها أهْل الشِّرْك على شِرْكِهم.

وقَدْ جَاءَ في الحَديث: «كانَ نَبيٌّ من الأَنْبياء يَخُطّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فذاك» ذَكَرْتُ هذا الحديث لأنَّ بعض أهل العِلْم ذكَرَ في قَوْله (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قال: أنَّهُ الخَطّ، أيّ: الخُطُوط في الأَرْض وهذا الحديث في مُسْلم. لَكِنْ أَجَابَ عَنْهُ القاضي عِياض بِقَوله: الأَظْهر مِنَ اللَّفْظ تَصْويبُ خَطّ مَنْ يُوافِق خَطَّ النَّبيّ.

لَكِنْ مِنْ أين تُعْلَم المُوافَقَة، والشَّرْعُ مَنَع من التَّخَرُّصِ وادِّعاء الغَيْبِ جُملَة، وبالتَّالي فالله سُبْحانه وتَعالى في هذه الآية أبْطَلَ أَدِّلَة المُشْركين جملةً وتفصيلا (أَدِلَّتهُم النَّقْلِيَّة - وأَدِلَّتْهُم العَقْلِيَّة) أصْلاً ليس لهُم أَدِلَّة، وإنَّما دليلُهُم تَقْليدُ الآباء، والتَّقْليد لا يَعْجَز عَنْهُ أحَدْ. هل التقليد .دليل: لا ليس بدليل.

ثُمَّ قال الله I (وَمَنْ أَضَلُّ) أيَّ لا أحَد أَضَلّ (مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ) أيَّ مِمَّن يَدْعُو أصْناماً، ويَطْلُبُ منها ما لا تسْتَطيعُهُ إلى يوم القيامة.

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لَوْ ظَلَّ يَدْعُو هذا الصَّنَمَ، وَيُكَلِّمُ هذا الحَجَرَ إلى يَومِ القيامة مَا أجَابَه، يقول الله U: لا أحَدْ أَضَلّ، لا أحَدْ أَضَلّ مِمَّن يَدْعُو هذا الحَجَر الذِّي أصْلاً لَيْسَ لَهُ شِرْك في السَّماوات، لَمْ يَخْلُق شيئاً من الأَرْض، بَلْ فَضْلاً عَنْ ذلِكْ (لا يتَكَلَّم، لا يَسْمَع، لا يُبْصِر) يعني ليس له أيّ مُقَوِّمات، عَنْ أنْ يَكُونَ شَيْئاً، فَضْلاً عَنْ أنْ يَكُون إلهاً يُعْبَد.

ثم قال سبحانه (وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) أيّ وهِيْ غافلة عَمَّا يَقُول (لا تَسْمع، ولا تُبْصِرْ، ولا تَبْطُشْ) لأنَّها جُمَاد. كما قال I (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً) أيّ إذا حُشِرَ النَّاس يوم القيامَة (كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) أيّ كانَتْ الأَصْنام المَعْبُودَة المُدَّعَاة أنَّها آلهة أعداء لِمَنْ؟ لِعَابِديها. إذْ يَتَبَرَّأ بعضُهُم مِنْ بعْض:

وقَدْ قِيل: إنَّ الله I يَخْلُقُ الحَياةَ في الأَصْنَام، فَتُكَذِّبُهُم.

وقيل المُراد: تَكْذيبُهُم بِلسان الحَال، لا بِلسان المَقَال.

وسَواءً هذا أو تِلْك فهي أحْجَارٌ لا تَضُرُّ، ولا تَنْفَع، لا تَسْمَع، ولا تُبْصِرْ.

(وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) الضَّمير الأوَّل: (للأصْنام) والثَّاني (لِعَابديها) والمعنى: والأَصْنام التِّي يَدْعُونها عَنْ دُعائِهِمْ إيَّاها غَافِلُون عَنْ ذلك، لا يَسْمَعُون، ولا يَعْقِلُون لِكَوْنِهِم جَماداتٍ، والجَمْعُ في الضَّميرين باعْتِبارِ مَعْنى (مِنْ) وأَجْرَى على الأصْنامِ ما هُو للعُقلاء لاعْتقاد المُشركين أنَّها تَعْقِل وهِي لا تَعْقِلْ، فَخَاطَبَهُم بما يعْتَقِدُون.

ثُمَّ قال I (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) يُخْبِرُ I عَنْ المُشركين في كُفْرهم، وعِنادِهم أنَّهُم إذا تُتْلى عليهم آياتُ الله بيِّنات أيّ في حَالِ بَيانِها، ووضُوحِها، وجَلائِها يقولون (هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) أيّ سِحْرٌ واضِحْ وقَدْ كَذَبُوا، وافْتَرَوْا، وضَلُّوا، وكَفَرُوا.

(أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ) الضَّمير يعُود إلى ماذا؟ أم يقُولون افْتَرَى مُحمَّدٌ القُرآن. (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أيّ لو كَذَبْتُ عَليْكُم، وزَعَمْتُ أنَّه أرسَلَنِي، وأَنْزَلَ إليَّ هَذَا القُرآن ولَيْسَ كذلك لَعَاقَبَنِي أَشَدَّ العُقُوبَة، ولَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الأَرْض لا أَنْتُم ولا غَيْرُكُم أنْ يُجيرَني منه كقوله سُبْحانه (قُلْ إنِّي لَنْ يُجيرَني مِنَ الله أَحَدٌ ولَنْ أَجِدُ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. إلاَّ بلاغاً من الله ورسالاتِه) [ الجِنّ:22] وقال في موْضِعٍ آخَر (ولَوْ تَقَوَّلَ علينا بعض الأَقَاويل. لأَخَذَنا مِنْهُ باليمين. ثُمَّ لَقَطَعَنا مِنهُ الوَتين. فَمَا مِنْكُم من أَحَدٍ عَنهُ حاجِزين) [الحاقة:44-47] ولهذا قال (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ) تُفيضُونَ فيه: مِنَ الإفاضَةِ في الشَّيْء والخَوْضِ فيه، والانْدِفاع فيه، أيّ تَخُوضُون فيه من التَّكْذيب أيّ الله سُبْحانه أعْلَمُ بما تَخُوضُون فيه من تَكْذِيبكُم إيَّايّ.

(وكَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أيّ: فإنَّهُ يَشْهَدُ بأنَّ القُرآن مِنْ عِنْدِه، ويَشْهَدُ عليكُم بالتَّكْذيبِ، والجُحُود، وكَفَى بالله سُبْحانَهُ وتَعَالى شهيداً. وفي هذا وعيدٌ وشَديدٌ لهؤلاء المُكذِّبين للنَّبي e الذِّين يَدَّعُون أنَّه يَفْتَرِي القُرآن.

ثُمَّ قال سُبْحانه (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) أَيّ لَسْتُ بأَوَّلِ رسُولٍ طَرَقَ العالَم، بل جاءَتْ الرُّسُلُ من قبلْي والنَّبي e خَاتَمُ الأَنْبياء فليْسَ أوَّل رسُول حتَّى تُكَذِّبُوه، ويكُونُ شيئاً مُسْتَغْرَباً عِنْدَكُم. (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) اخْتَلَفَ السَّلَف والمُفَسِّرُون في معْناها على قَوْلين:

Ûالقَول الأَوَّل: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) فقال بعضُ أهْل العِلم: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، ومَنْ قال هذا القَوْل قال إنَّ الآيةَ منْسُوخة بقوله U (لِيَغْفِرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرْ) [ الفَتْح:2] وهذه الآية في سورة الفَتْح والفتح سورة مَدنية، وهذه السورة سورة مَكِيَّة، هُمْ يقُولون إنَّ هذه الآية نَزَلَتْ في أول حياة النبي e عندما قال ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة ثم نزل في آخِرِ عهده e (لِيَغْفِرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرْ)[ الفَتْح:2]. ولِذلك لمَّا نَزلَت هذه الآية: قال رَجُلٌ من المُسلمين: هذا قَدْ بيَّنَ الله لَكَ ما هُو فاعِلٌ بِكْ أنَّه قَدْ غُفِرَ لَكْ، فما هُو فاعِلٌ بِنا؟ فأَنْزَل الله: (لِيُدْخِلَ المُؤمنين والمُؤمنات جَنَّاتْ) [الفتح:5]. وفي الصَّحيحين: أنَّ المُؤمنين قالُوا: هنيئاً لَكَ يا رَسُول الله فما لَنَا؟ فأنْزَل الله عَزَّ وَجَلّ هذه الآية.

Ûالقَول الثَّاني: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) المُرَاد بِهِ في الدُّنيا ولَيس في الآخرة.

قال الحَسَنْ البَصْرِيّ: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) قال: أمَّا في الآخرة فَمَعَاذَ الله قَدْ عَلِمَ أنَّه في الجَنَّة، ولَكِنَّه قال: لا أدري ما يُفعَلُ بي ولا بِكُم في الدُّنيا: أُخْرَجْ كَمَا أُخْرِجَت الأنْبياء من قَبْلي، أمْ أُقْتَل كما قُتِلَت الأنْبياء من قَبْلي، لا أدري أيُخْسَفُ بِكُم أوْ تُرْمَوْنَ بالحِجارة، وهذا القَوْلُ هُو الذِّي عَوَّل عليه ابْنُ جرير - رحمه الله-، فما رأَيْكُم يا إخْوَاني: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)

القَوْل الأوَّل: أنَّها في الآخرة.

القَوْل الثَّاني: أنَّها في الدُّنْيا. وأنَّ المُراد: لا أدْري ما يُفْعَلُ بي: إمَّا أنْ أُقْتَلْ أوْ أُخْرَجْ كَما كانَتْ الأَنْبياء إمَّا أنْ يُخْرَجُوا أو يُقْتَلُوا، ولا بِكُم: كذلك أنتُم إمَّا أنْ يُرْسَلُ عليكم عذاب، أو يُخْسَفَ بكم... إلى آخره. فأيُّهُما أرْجَح؟ الثَّاني، لأنَّه بِقَوْلنا في الثَّاني تكُون آيةُ الأحْقاف مُحْكمَة وليْسَت بمَنْسوخة. والأصْل دائماً ألاَّ نصير إلى النَّسْخ في حَالْ الجَمْع، فالآية مُحْكَمَة ولَيْسَت بِمَنْسُوخَة.

قال النَّحَّاسْ تَعْلِيقاً: مُحَال أن يكُونَ في هذا ناسِخٌ ومَنْسُوخ مِنْ جِهَتَيْن، يقول: مُحال أن نجعل الآية في الآخرة، وإنَّما هي في الدُّنيا، أحَدُهُما أنَّه خَبَرْ وأنَتُم تَعْلَمُون أنَّ الأخْبار لا يَدْخُلُها النَّسْخ.

والآخَر: أنَّهُ مِنْ أوَّلِ السُّورة إلى هَذا المَوْضِعْ خِطابٌ للمُشْركين، واحْتِجَاجٌ عليهم، وتَوْبيخٌ لَهُم فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هذا أيْضاً خِطَاباً للمُشْركين كَمَا كَانَ قَبْلَه ومَا بَعْدَه، ومُحالٌ أنْ يَقُولَ النَّبي e للمُشْركين ما أدري ما يُفْعَل بي ولا بِكُم في الآخرة، وهُوَ e مِنْ أوَّل ما بُعِثْ وهُو يقُول: «مَنْ أطاعَني دَخَل الجَنَّة، ومَنْ عَصاني دَخَل النَّار» فلا يُمكن أن يكُونَ معنى قول الله تبارَك وتعالى (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) أنَّه في الآخرة، وإنَّمَا المُراد على الصَّحيح: أن المراد به في الدُّنيا لا في الآخرة. لأنَّه e كَانَ يَدْعُو قُرَيْشاً وهُو جَازِمْ بما يدْعُو إليه، فلا يُمْكِنْ أنْ يَكُون النَّبي يَدْعُو ولا يَدْري ما يَفْعَل الله به ولا بِهم، هل يَصيرُ هو للجَنَّة ويصيرُون إلى النَّار. ولِذلك هذا القَوْل ضعيف جِدَّاً والصَّحيح - كما قُلْتُ لَكُم - أنَّ المُراد به في الدُّنيا وتَبْقَى الآية مُحْكَمَة غَيْرُ مَنْسُوخة.

(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) أيَّ إنَّما أَتَّبِعُ ما يُنَزِّلُه الله عَلَيَّ مِنَ الوَحِي.(وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أيّ بَيِّنُ النِّذَارَة، وأَمْري ظاهِرٌ لِكُلِّ ذِيّ لُبٍّ، وعَقْل.

ثُمَّ قال الله I (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) يقُول الله I: قُلْ يا مُحَمَّد لهؤلاء المُشْركين، الكافِرين بالقُرآن (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ) هذا القُرآن مِنْ عند الله (وَكَفَرْتُمْ بِهِ) أيَّ ما ظَنُّكُم أنَّ الله صَانِعٌ بِكُم؟ إنْ كَانَ هذا الكِتاب حَقَّاً مِنْ عِنْد الله I.

(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) أيّ وقَدْ شَهِدَ بِصِدْقه، وصِحَّتِهِ الكُتُبْ المُتَقَدِّمة المُنَزَّلَة على الأنْبياء قَبْلي إذْ بَشَّرَتْ به، وأخْبَرَت بالنَّبي e، وبِأُمَّتِهِ، وأَخْبَرَت بِما يَدْعُو إليه (فَآمَنَ) أَيّ هذا الذِّي شَهِدَ بِصِدْقِه من بني إسْرائيل (وَاسْتَكْبَرْتُمْ) أنْتُم عَنِ اتِّباعِه أيّ: فَويْلٌ لَكُم. أيَّ: فَآمَنَ هذا الشَّاهِد بِنَبيِّهِ، وكِتَابِه وكَفَرْتُم أنتُم بِنبيِّكُم، وكِتَابِكُم (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

والشَّاهِد: اخْتَلَفَ فيه أهْل العِلْم على أَقْوال:

Ûالقَوْل الأوَّل: منهم من قال: أنَّه عبدالله بن سَلام، فَقَدْ جَاءَ في الحَدِيثِ الصَّحيح: عن سَعْد بن أبي وقَّاص قال: ما سَمِعْتُ رسول الله e يَقُولُ لأحَدٍ يَمْشي على الأَرْض إنَّه مِنْ أهْل الجَنَّة إلاَّ لِعَبْدِ الله بن سَلام وفيه نَزَلَتْ: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ).

الشِّيخ: وعَبْدالله بن سَلام متَى أسْلَم؟ في المدينة، والسُّورة قُلنا أنها مَكِيَّة فَتَكُون هذه الآية على هذه الرِّوَاية نَزلَتْ في المدينة على هذا القول.

Ûالقَوْل الثَّاني: أنَّ الآية مَكِيَّة، إذاً ما الجَواب على قَوْلِه في الحديث الصَّحيح: وفيه نَزَلَتْ؟

أنْتُم تَذْكُرون أنَّه لَمَا شَرَحْنا في مُقَدِّمَة التَّفْسير ذَكَرْنا أنَّ أسْباب النُّزُول تَنْقَسِمْ إلى أسْباب نُزُول صريحة وغِير صَريحة، هذا السَّبَب صَريح وإلا غير صَريح؟ غير صَريح لأنَّه قال (وفيه نَزَلَ) ما قَال: حَصَل كَذا فَأَنْزَل الله.

فيكون قوله (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) أنَّ عبدالله بن سلام مِمَّنْ نَزلَتْ فيه هَذه الآية، يَصْدُق عليه هذه الآية.

وقال بعضُ أهل العِلْم: إنَّ الشَّاهِدْ (عبدالله بن سَلام) وهي آيَةٌ مَكِّيَّة، لَكِنَّها تَضَمَنَّت غَيْباً حَصَل في المدينة.

Ûالقَوْل الثَّالث: وقيل إنَّ الشَّاهِدْ رَجُلٌ من بني إسْرائيل، كَانَ بِمَكَّة غَير عبدالله بن سَلام.

هذه الأقْوال الثَّلاثة بمعنى أنَّ الشَّاهِد كانَ على وقْت النَّبي e.

[1- فَمِنْهم من قال أنَّه عبدالله بن سَلام، وتكُون الآية مَدَنِيَّة ]

[2- ومِنْهُم مَنْ قال: أنَّه عَبْدالله بن سَلام، الآية مَكِيَّة لَكِنَّها أَخْبَرَت عَنْ غَيْب]

[3- وَمِنْهُم مَنْ قَال: إنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بني إسْرائيل، كانَ في مَكَّة]

Ûالقَول الرَّابِع: وقال الجُمهُور: إنَّ الشَّاهِدْ هُوَ مُوسَى بن عِمْران عليه السَّلام، والآيَةُ مَكِّيَّة، فيكُونُ المعْنى (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) أيّ بالمِثْل التَّوْراة، والضَّمير يَعُودُ إلى القُرآن، أيَّ جَاءَ شَاهِدٌ مِنْ بني إسْرائيلَ بِمِثْله وشَهِدَ أنَّهُ مِنْ عِنْد الله تعالى، وهذه المِثْلِيَّة هي باعْتِبَارِ تَطَابُقِ المعاني وإنْ اخْتَلَفَتْ الأَلْفَاظ، وقَدْ رَجَّحَ أنَّ الشَّاهِدَ هُنا مُوسَى بن عِمْران الطَّبَرِيّ إمَامُ المُفَسِّرين، وهُو الأَقْرَب. فَتَكُون هذه السُّورة بِجُمْلَتِها (مَكِيَّة) (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُم)

قَوْلُه (وفيه نَزَلَت): أيّ في حُكْمِه، فيُحْتَمَل كما قَال شيْخ الإسلام أنَّه سَبَبْ نُزُول، ويُحْتَمَل أنَّ الآية تَشْمَلُهُ. 

(يتبع)



التعليقات

  1. بشرى علق :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نطلب من العلي القدير ان يحسن اخلاقنا اكثر واكثر وشكرا على ما تنفعوننا به من علوم قيمة

  2. بشرى علق :

    شكرا على التفسير

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل