برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء 13 - د. العباس بن حسين الحازمي

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 13 – الجزء الثالث عشر

د. العباس بن حسين الحازمي

الجزء الثالث عشر من كتاب الله ينقسم بين ثلاث سور، سورة يوسف وسورة الرعد وسورة إبراهيم.

الجزء الثالث عشر يبدأ من سورة يوسف من قوله سبحانه وتعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)يوسف) ولا شك أن هذه السورة المباركة وِحدة واحدة تتحدث من بدايتها إلى نهايتها عن قصة هذا النبي الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام وما تعرض له بداية من قصته مع إخوانه، ثم قصته مع امرأة العزيز، ثم تمكين الله عز وجلّ له في الأرض ثم قصة جمعه بإخوانه في نهاية هذه السورة.

إطلالة سريعة على هذا المقطع الذين يتناوله هذا الجزء من سورة يوسف

أحث نفسي وإخواني ونحن في اليوم الثالث عشر على استشعار هذه النعمة وملاحظتها في أنفسنا بعد أن عشنا هذه الأيام المباركة وقرأنا القرآن في هذه الأيام المتوالية لا بد أن نلحظ هذا في قلوبنا، نلحظ فيها خشوعاً نلحظ فيها رقةً نلحظ فيها إقبالاً على الله عز وجلّ.

هذا الجزء يتكون من أجزاء من سورة يوسف والرعد وإبراهيم وهذه السور الثلاث هي ضمن سور ثلاث أخرى سميت كلها بأسماء مميزة وهي أسماء الأنبياء إذا لاحظنا أنه بدأت سورة يونس باسم نبي، ثم سورة هود باسم نبي، ثم سورة يوسف، ثم سورة إبراهيم، ثم سورة الرعد والرعد كما يقول بعض أهل التفسير(اسم ملك من الملائكة) فانتظمت هذه السور الست: أسماء ملائكة أو أنبياء، وكلها بُدئت بالحروف المقطعة "الم" أو "المر" وموضوعاتها متشابهة إلى حد ما، فيها ذكر قصص الأنبياء وسير الأنبياء، وتفرّدت هذه السورة بذكر قصةٍ واحدة متكاملة لنبي الله يوسُف عليه السلام.

وفي حديثنا اليوم عن جزء من هذه القصة نتكلم عن لقاءات ثلاثة ليوسف عليه السلام مع إخوته بعد أن مكّنه الله عز وجلّ، بعد أن خرج من السجن ومكّنه الله عز وجلّ التقى مع إخوته ثلاث لقاءات. ربما يسأل سائل ويقول: لماذا لم يفصح لهم يوسف عن هويته في أول لقاء؟ لم تكن لتحصل تلك المواقف وتلك العبر وتلك العظات ولكن الله عز وجلّ أجّل تعريف يوسف نفسه لإخوته حتى اللقاء الثالث.

اللقاء الأول عندما جاؤوا له أول مرة يقول الله عز وجلّ:( وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(58)يوسف)، ثم اللقاء الثاني عندما طلب منهم المجيء بأخيه وجاؤوا به، والمرة الثالثة لما جاؤوا وقالوا: مسنا وأهلنا الضر، ثم ختمت السورة باللقاء الرابع وهو اكتمال العائلة في ذلك الموقف ومشهد الجمع بعد التفرق، والذي غلب على المشهد الأخير الثناء على الله عز وجلّ، حمد الله عز وجلّ، شكر الله.

قوله:( وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ )[59]

في هذه المواقف العجيبة في هذه السورة العظيمة وفي هذه اللقاءات المتعددة عِبر وعِظات وتعليم للناس كما أشرنا في لقاءات سابقة أن العبرة في هذا القرآن لا يستفيد منها طائفة بعينها ولا يستفيد منها فئة بعينها، هذه السورة العظيمة وهذه المواقف العظيمة من هذا النبي فيها تعليم للناس سواء كانوا في موقع الحكم، أو كانوا في موقع الرعية، أو كانوا في موقع أهل التجارة، أو كانوا في موقع أهل الزراعة، كل هذه الأصناف وكل هذه الأعمال ذكر الله عز وجلّ لأهلها عبراً في هذه السورة العظيمة.

مثلاً من هذه العبر قوله: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ )[يوسف: 67]، هذه في الحقيقة فيها  لفتة لقضية الإنتباه من العين وكان يخاف عليهم من الحسد وكان عددهم اثنا عشر فلو دخلوا دفعة واحدة ماذا كان سيحدث، وهذا موجود الآن في تطبيقاتنا اليومية في حياتنا أحيانا ربما نستفيد من هذا التوجيه فلا تدخل أولادك كلهم مرة واحدة وفي مكان واحد (وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ )[يوسف: 67] ثم تبرأ من حوله وقوته.

التعليق الإلهي الذي جاء على هذا الموقف أن هذا لا يغني وإنما إيراد الله عز وجلّ لتصرف يعقوب عليه السلام يدلنا على الإذن بفعل الأسباب، وأن فعل الأسباب مشروع ولكن هذا السبب بعينه أخبرنا الله أنه غير نافع في هذا الموضع ولكن فعل الأسباب مشروع ولهذا قال: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[يوسف67] يبذل الإنسان السبب ويتوكل على الله عز وجلّ.

ثم جاءت قصة أخيه حينما آواه إليه وأخبره بشكل خاص حتى تطمئن نفسه: (إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)[يوسف:69]

وهذه أيضاً فيها دلالة وهداية للتصرف الحكيم في مثل هذه المواقف، ولهذا بعض أهل العلوم والتربية وعلم النفس المعاصرون استنبطوا من هذه القصة العظيمة وهذه السورة عبراً عدة وأنها ذكرت العواطف الإنسانية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ذكرت الحزن  في أعلى حالاته وفي أقلها، وذكرت الحب ذكرت البغض ذكرت الغيرة، كل المعاني الإنسانية النفسية أخبر الله عز وجل بموازينها الدقيقة في هذه السورة العظيمة.

بعد أن استخرج صواع الملك قالو: (لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) يوسف) يدبر الله عز وجلّ أحداث هذه القصة ليُبقيَ يوسف أخيه معه ويرجعوا إلى أبيهم، وهنا يأتي الحزن الشديد التي عبرت عنه هذه الآيات بتعبير دقيق جداً، كيف الحزن الذي نزل بيعقوب عليه السلام بفقده الابن الثاني: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)[يوسف:84]، هنا تذكّر فقده الأول، ثم ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم أصيب بالعمى من شدة ما وجد من فقد أبنائه: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)[يوسف:86]، ثم قالوا: (قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ(85) يوسف) هنا توجه إلى الله عز وجلّ: لن تغنوا أنتم عني من الله شيئا.

يذكر أهل السيّر أن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا قرأ سورة يوسف ووصل إلى هذه الآية لم يفهم الناس قوله من بكائه، وهذا أيضاً فيه رسالة إلى أئمة المساجد إلى التأثر بالآيات وتأثير الناس بها. أما لجوء يعقوب عليه السلام إلى ربه عز وجلّ وتعبيره عن ذلك بقوله: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)[يوسف:86) فهو أيضاً تعليم للأمة وللناس جميعاً أنهم في كل أحوالهم وخاصة في هذه الأحوال الحرجة يجب أن يقطعوا كل سبب وكل العلائق الدنيوية ويتصلوا بالعلائق الربانية ويطرحوا همومهم ويبثوا شجونهم إلى ربهم عز وجلّ.

ماذا فعل يوسف عندما رأى هذه النعم وجمع الله له إخوته، وكيف لجأ إلى الله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)[يوسف:101] دعاء طويل نسي نفسه ونسي كل شيء وتوجه إلى الله بالثناء عليه وحشد في هذا الموقف العاطفي المؤثر ما يتذكر من نعم الله عز وجلّ حتى قبل سنوات طويلة، لم ينشغل كما ينشغل بعض الناس بمثل هذه المواقف مواقف الفرح البعض ربما ساقهم وقادهم الفرح إلى معصية الله وإلى البطر وإلى الكبر ولكن يوسف عليه السلام في هذا الموقف العظيم وهو في موقع عظيم وفي لحظات الفرح قضاها وأمضاها وملأها جميعاً بالثناء على الله عز وجلّ، بشكر الله عز وجلّ، بنسبة كل خير حصل فيها إلى الله عز وجلّ.

ثم الدعاء (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)[يوسف:101] هذا غاية المُنى بعد أن تحقق له ما أراد من هذه الدنيا من جمع إخوته وأبويه معه قال: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)[يوسف:101]) هذا من الدعاء الذي يجب نحن أن نلهج به دائماً أن الله يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين.

ختمت السورة بآية عظيمة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)[يوسف:111] وهذه الخاتمة تصدق على كل قصص الأنبياء أو القصص الواردة في سور القرآن الكريم، ولهذا ونحن نقرأ هذه القصص أيضاً يجب علينا أن نتدبرها ونتأمل فيها ونعظ بها قلوبنا وهكذا.

سورة الرعد وتأسيس العقيدة من خلال الحديث عن ربوبية الله سبحانه وتعالى وعظيم خلقه: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى) [الرعد:2] ثم عدد الله عز وجلّ مجموعة مما يدل على عظمة قدرته سبحانه وتعالى.

تنوع ذكر هذه الآيات الكونية له دلالة عظيمة وهو أن الناس عموماً ربما لا يكون الواحد منهم محيطاً بكل أنواع العلوم فيتعظ إذا ذكر له العلوم المتعلقة بالسماوات أو بالجبال أو بالأفلاك لكنه يتعظ فيما إذا وعظ بما يتعلق بالعلوم الأرضية فالله عز وجل ذكر نوع من الآيات الكونية مما يتعلق بالسماء، ثم ذكر الآيات الكونية المتعلقة بالأرض: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ)[الرعد:3]، وغيرها من الآيات وهذا أيضا فيه إشارة إلى أن من الناس من يتعظ بهذا الموقف ومنهم من يتعظ بموقف أخر. ثم آيات الله تحيط بالإنسان في كل حاله إن نظر إلى السماء فهو يرى هذه السماء بغير عمد من الذي أمسكها؟ الله سبحانه وتعالى، وإن نظر إلى الأرض وإلى الأنهار التي تجري والطعام الذي يأتيه ونفضل بعضها على بعض، أحياناً تكون في مزرعة واحده نوع من الفاكهة هذا حامض وهذا حلو ويسقى من ماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل فسبحانه وتعالى من فضّل بعضها على بعض في الأكل.

مقطع في سورة الرعد وبعض صفات المؤمنين (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)[الرعد:19] إذاً هما فريقان: أعمى لا يتعظ بتلك الآيات السابقة ومبصر الذي سيتعظ قلبه بها (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) [الرعد:19].

مجيء هذه الصفات العظيمة صفات المتقين صفات المنتفعين بهذه المواعظ، مجيئها بعد هذه الآيات تدل على أنه لا ينتفع بهذه المواعظ وهذه الآيات إلا من اتصف بهذه الصفات، وهذه الصفات التي أخبرنا الله عز وجلّ بها صفات مقدور عليها ومن الممكن للإنسان أن يتصف بها حتى يحقق ما وعد الله عز وجلَ به من الإنتفاع بهذه الآيات وهذه المواعظ.

وفي أثناء الحديث جاء بعد ذلك آية تبين عظمة هذا الكتاب (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)[الرعد:31] الجواب محذوف تقديره: "لكان هذا القرآن" لو كان من مهمة كتاب في الدنيا ولو كان من الأمور التي يقوم بها أنه يقطّع الجبال أو الأرض أو يُكلم به الموتى لكان هذا الكتاب أولى أن يقوم بهذا الأمر، وهذا فيه دلالة على عظمة هذا الكتاب وعلى عظمة تأثيره لأن الله عز وجلّ ذكر أنه  لو كان من مهمته لأثّر في هذه الجمادات العظيمة فكيف لا يؤثر فيكم!! كما أخبر الله في سورة الحشر: (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)[الحشر:21]

ثم سار الحديث في الآيات عن قضية أيضاً ما حصل من الرسل واستهزائهم وعظمة الله عز وجلّ ولا زال الحديث عن عظمة الله وهذه من ميزات هذه السورة والسور المكية (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ )[الرعد:33].

ثم جاء الحديث أيضاً عن عظمة خلق الله في نقص الأرض (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)[الرعد:41] كما ذكر أهل التفسير في معاني هذه الآية نقْصها بموت العلماء فيها ونقْص أهل العلم فيها، وأيضاً فيها إشارة إلى أمر آخر أن الذي يتولى مهمة قبض الأرواح هم الملائكة ولهذا عندما نقرأ هذه السورة العظيمة يجب علينا أن نبحث عن صفات الملائكة فهي موجودة فيها في غالب آياتها، قال بعضهم أهل التفسير أن هذه السورة ذُكر فيها أركان الإيمان الستة بشكل واضح فهي سورة تغرس العقيدة من أولها إلى آخرها وهذا مما يدل على أنها سورة مكية وإن كان أهل التفسير بينهم خلاف شديد في هل هي مكية أم مدنية؟ ولكن الراجح أنها سورة مكية بدلالة هذه الموضوعات التي ذكرت.

سورة إبراهيم

افتتحت:( الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)[إبراهيم:1]

الحديث عن القرآن ودوره في هداية البشر، ثم جاء الحديث عن قصة موسى عليه السلام.

محور هذه السورة العظيمة سورة إبراهيم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولهذا ذكر بعض النماذج على هذا الإخراج من الظلمات إلى النور في الجزء المذكور من قصة موسى عليه السلام وما ذُكر من قصة إبراهيم عليه السلام، وأيضاً ذكر هذا في دعوات إبراهيم عليه السلام الدعوات الخالدة المذكورة في آخر السورة.

مقطع الحوار المهم: الله كشف لنا في كتابه الكريم عن بعض المواقف التي ستحصل يوم القيامة وكيف نستفيد منها في حياتنا نقف مع قوله سبحانه وتعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ)[إبراهيم:22] التي يسميها بعض الناس خطبة الشيطان يقف الشيطان حجيجًا لك يوم القيامة، وكيف يتبرأ منك تبرؤًا تامًا! (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) [إبراهيم:22] بكل صراحة يتبرأ هذا الشيطان الذي يضلنا ويغوينا في هذه الدنيا، في هذه السورة وأيضاً في سورة الأنفال يذكر تبرؤ الشيطان من أنصاره وأتباعه في الدنيا والآخرة، ذكر لهم تبرؤه منهم في غزوة بدر وذكر تبرؤه منهم في هذا الموقف العظيم وقد أخبرنا الله عز وجلّ في سورة فاطر أن المطلوب من الإنسان تجاه هذا الشيطان أمران: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، ولكن كثير من الناس اليوم أيّ الأمرين يتّبع؟ هو يعرف أنه عدو ولكنه لا يتخذه عدواً.

الشيطان يحرّك الإنسان ولكن الإنسان لو سلك مع الشيطان الذي هو عدو له بعض ما يسلكه مع أعدائه من البشر لنجّاه الله منه، إذا عاد الواحد منا شخصاً من الناس فإنه يسلك أسباباً عدة لإظهار عداوته لهذا الإنسان، يكون حذراً جدا في التعامل معه لا يكلمه، لا يسير في الطريق الذي يسير فيه لا يجالسه إذا عرف المكان الذي هو فيه لا يذهب إليه بينما لا نصنع شيئا من هذا مع عدونا الذي أخبرنا الله عز وجلّ بهذا الموقف العجيب منه في ذلك الموقف العظيم!

مما يجعل الإنسان يعيش القرآن أن يتصور هذا المشهد: أن الشيطان واقف ويخطب ويحاجك أمام الله وبكل بجاحة إن صح التعبير! (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ)[إبراهيم:22]، ويزيد: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ)[إبراهيم:22] لا أحد منا الآن يسحبه الشيطان ويقول له لا تذهب إلى المسجد، أو يصرفه بالقوة عن الطاعة ويجبره على المعصية. (إِلاَّ أَن دَعوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) )[إبراهيم:22] قمة الإستهزاء ولهذا حتى الفاء مباشرة لتؤكد إلى قضية سرعة الإستجابة واستهزاء الشيطان بنا في الأخير يقول :( فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ) [إبراهيم:22] لوموا أنفسكم أنتم الذين أطعتموني بمجرد دعوة.

ويؤكد بعد ذلك: (مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) [إبراهيم:22]  لا أنجيكم ولا تنجونني ولا تنفعوني ثم أكد بعد ذلك (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ) [إبراهيم:22] يصبح هو الذي يتبرأ من البشر الذين أطاعوه. بعض الناس إذا قرأ هذه الآية ظن أنها موجهة للمشركين خاصة أو موجهة لأصحاب الكبائر والعظائم من الذنوب وإنما كل إنسان منا يجب أن تكون له في هذه الآية موعظة، كل إنسان للشيطان منه حظ ونصيب فسوف يناله شيء من خطاب الشيطان في ذلك الموقف فاليحذر أن يكون في ذلك الموقف من النادمين يحذر أن يعضّ أصابع الندم إذا رأى الشيطان في ذلك الموقف لأنه ظن أن هذا الحوار ليس خاصًا به وإنما يراد به الكفار وهكذا . 

ثم يسير الحديث في السورة عن كلمة الله ويضرب الله عز وجلّ مثَلًا: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء وفرعها)[إبراهيم:24] الحديث هنا عن كلمة الإخلاص، كلمة التوحيد، الكلمة الطيبة الكلمة الحسنة الآية تشمل كل هذه المعاني، وكيف أن هي لها البقاء والثبات والدوام ولها النتيجة الحسنة في الدنيا والآخرة وهذا هو معنى ثباتها وامتدادها، أما الكلمة الخبيثة فإنها مهما كانت مزخرفة ومهما كانت مزينة ومهما كانت تغري الناس إلا أنها (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ)[إبراهيم:26] هذه هي حقيقتها مهما زيّنها أصحابها.

دعاء عظيم وابتهال إبراهيم عليه السلام إلى ربه هذه الدعوات العظيمة (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) إبراهيم) هذه دعوات عظيمة لجأ بها إبراهيم عليه السلام إلى الله تعالى وهنا إشارة مختصرة في تعظيم الأمن، الأمن الذي الآن كثير من المنحرفين عقدياً وفكرياً يخلون به سواء في بلاد المسلمين أو في غير بلادهم اُنظروا إلى إبراهيم هنا كيف فعل؟ قدّم الدعوة بالأمن حتى على التوحيد، إذا ضاع الأمن ضاع التوحيد وضاع الإستقرار وضاعت العبادة وضاع كل شيء.

ووجود الأمن يقود الناس إلى الإيمان بالله عز وجلّ وإلى الإختيار الحقيقي لما فيه نفعهم، ولا يختار الناس ما فيه نفعهم في أجواء الخوف والرعب والقلق والحزن ولهذا كان أول دعوة دعا بها إبراهيم عليه السلام وهذا ملمح وإشارة مهمة لكل المسلمين صغاراً وكباراً ولمن تشطط أفكارهم فينحرفون عن المنهج الصحيح في ترويع الناس وفي تقتيلهم وفي تكفيرهم أن الأمن أولاً كما قال إبراهيم عليه السلام.

قوله: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي)[إبراهيم:37] هذه الدعوات يبدو فيها مجموعة من الأمور أولاً: منها ابتداؤها بـ (ربنا...ربنا...ربنا) ولهذا ورد عن بعض السلف أنهم قالوا يعجبنا هذا الدعاء دعاء الأنبياء فإنهم يقدمون هذا بين يدي دعواتهم ويكررون هذا.

الأمر الآخر الملاحظ في هذا الدعاء هو تقديم النعمة بين يدي الدعاء، يعني شكر الله عز وجلّ على هذه النعم ثم الدعاء بعدها.

والأمر الثالث والمهم أيضًا وهذا يجب علينا أن نراعيه عموماً وفي هذه الليالي المباركة في ليالي رمضان هو الدعاء بالسبب الدعاء بسبب الشي لا بحصوله مباشرة، نراجع مثلاً دعاء القنوت الذي يدعون به الأئمة كل ليلة: اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ... ما دعا بحصول الشيء وإنما دعا بالسبب، غالب دعوات الأنبياء الواردة في القرآن ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمنا إياه ويدعو بحصول السبب لتحصل له النتيجة وهذا غرس لمعنى مهم وهو أن الإنسان يحرص على حصول السبب. (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء(40) إبراهيم) هذا دعاء خاتِم لكل الأدعية( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) إبراهيم)، وهذا من عظمة سعة أفق إبراهيم عليه السلام إن صح التعبير، دعا له وللمؤمنين كلهم وهذا من أعظم الأدعية أن تدعو لنفسك وأن تدعو للمسلمين ونحن مشمولون بإذن الله بدعاء إبراهيم عليه السلام نسأل الله عز وجلّ أن لا يحرمنا من هذه الدعوات .

وهنا نوجه الإخوة والأخوات إلى أن يتوجهوا لمثل هذه الأدعية المباركة التي دعا بها إبراهيم في هذه السورة العظيمة ومنها:

 (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) إبراهيم)

ونكثرمن الدعاء لذرياتنا أن يهديهم الله عز وجلّ وأن يجعلهم من المقيمي الصلاة ، نسال الله أن يستجيب دعواتكم المباركات في هذه الأيام المباركات.

سؤال الحلقة: بم سميت السور القرآنية من سورة يونس إلى سورة إبراهيم؟

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل