تفسير سورة الجاثية - المجلس الثاني والأخير - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الجاثية - المجلس الثاني والأخير

د. أحمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22)).

يقول الله I (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا) الاجتراح هو الاكتساب ومنه الجوارح (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) أي عملوا السيئات واكتسبوها (أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً) أي ليسوا سواء ولا يمكن أن نجعل من عمل الصالحات وامتثل ما جاء به النبي e كمن اجترح السيئات فهم ليسوا سواء لا في حياتهم ولا بعد مماتهم فلا نساوي بينهم لا في الدنيا ولا في الآخرة وهذا من فضل الله I وعدله، قال ابن عطية عند قوله تعالى (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) هذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من حال التقوى أي لا نجعل الكافرين كالمؤمنين ولا نجعل المطيعين كالعاصين ولا نجعل المتقين كالفجار ولذلك هذه الآية يسميها السلف "مبكاة العابدين" وكانوا إذا قرأوها في ليلة أُثِر عن جمع من السلف أنهم إذا قرأوها في ليلة يرددونها حتى يصبحون، وهذه جديرة يا إخواني بالتأمل فإنها داعية للنفس باختيار الطريق الصحيح أي فلا يغرك هؤلاء أهل الشقاوة وأهل المعصية ما فيهم من النعيم فإن العبرة بالنعيم المقيم الباقي ولذلك يقول الله U (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)) أي ساء ما ظنوا بنا وظنوا بعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار.

ثم قال سبحانه وتعالى (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) أي بالعدل (وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22)) أي الله I خلق السماوات والأرض بعدله وبعدله قامت السماوات والأرض فلا يمكن أن يساوي بين المتقي والفاجر لا يمكن أن يساوي في عدل الله I وفي حكمه وبعدله قامت السماوات والأرض أن يساوى بين أهل الإسلام وأهل الكفر بين أهل الصلاح وأهل الفساد (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) القلم).

ثم قال الله سبحانه وتعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) أي إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسناً فعله، ومهما رآه قبيحاً تركه، وعن الإمام مالك : أنه قال: لا يهوى شيئاً إلا عبده. وقال وهب بن منبه: إذا شككت في خير أمرين فانظر أبعدهما من هواك فاته. وقال الشاعر:

إذا أنت لم تَعْصِ الهوى قادَكَ ... الهوى إلى كل ما فيه عليك مقالُ

إذاً (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة لجميع النفس الأمارة فليست خاصة في هوى الكفر، وقيل هواك داؤك فإن خالفته فدواؤك. (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) تحتمل معنيين: أحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق الإضلال.

والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه. وهذا يستلزم الأول ويعود إليه.

ثم قال سبحانه وتعالى (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) في سورة البقرة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم الواو هنا عاطفة وإلا لا؟ (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) الواو هنا استئنافية قال العلماء: إنها استئنافية بدليل آية الجاثية هنا لأن الله عز وجل قال (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ) ثم قال (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) وهذا من أوجه تفسير القرآن بالقرآن. أي فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئاً يهتدي به ولا يرى حجة يستضيء بها ولهذا قال (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)) أي إذا أضله الله فمن يهديه؟ نسأل الله الهداية والثبات عليها. (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)) كقوله تعالى (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) الأعراف) هذه الآية يقول العلماء: إن فيها تسلية لقلب النبي e حينما أعرض عنه كفار قريش فإن الله I أخبره أنه (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) أن من أراد الله إضلاله فلن تستطيع هدايته يا محمد (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (56) القصص) وقد جاء في الحديث الحسن «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله».

ثم قال الله I (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) هؤلاء هم الدهرية الذين يرون أن الدهر يعني أنه لا بعث خلاصة هذا أنه لا بعث وبدأت الآن السورة تناقش هذه القضية كما قلت لكم في بداية السورة عندما قال (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) رداً على هؤلاء المنكرين للبعث أي ما هذه الدار أو ما ثمّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون هذا تفسير معنى (نَمُوتُ وَنَحْيَا) قالوا نموت ونحيا أي يموت بعضنا ويعيش بعضنا الآخر ثم هؤلاء الذين عاشوا يموتون ويحيا قوم آخرون هذا أحد الأقوال في تفسير قوله تعالى (نَمُوتُ وَنَحْيَا).

والقول الثاني: نحن موتى قبل أن نوجد ثم نحيا وقت وجودنا أي كنا سابقاً لا شيء ثم حيينا الآن.

القول الثالث في معنى قولهم (نَمُوتُ وَنَحْيَا): أي نموت حين نحن نطفة ثم نُحيا بالأرواح فينا.

القول الرابع: نحيا ونموت فوقع في اللفظ تقديم وتأخير أي ما هذه الحياة الدنيا إلا حياة وموت قالوا أن فيها تقديم وتأخير قُدّم الموت على الحياة.

وخلاصة هذه الأقوال الأربعة سواء الذين قالوا هذه أو تلك خلاصتها أنهم ينكرون البعث والمعاد إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك الفلاسفة الدهرية يقولون أن كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا نهاية لها، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ولذلك قالوا (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)) هنا يا إخواني ختم الآية بقوله تعالى (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)) وفي سورة الزخرف مرت عليكم (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)) لماذا ختمت تلك بـ (يَخْرُصُونَ) في سورة الزخرف وهنا ختمت بـ (يَظُنُّونَ)؟ فالظن غير الخرص العلماء قالوا: في سورة الجاثية هناك خلط بين الصدق والكذب ولذلك ختمها بقوله (يَظُنُّونَ) أما في سورة الزخرف فهو متصل بقوله تعالى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) وهذا كذب حسب لم يختلط به شيء ولذلك قال (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)).

(وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) جاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي e قال: «يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره» وفي رواية «لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر» وكانت العرب في جاهليتهم إذا أصابتهم شدة أو بلاء قالوا: يا خيبة الدهر. فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعل ذلك هو الله سبحانه وتعالى فكأنهم إنما سبوا الله I، فلذلك نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار لأن الله هو الدهر الذي يعنونه وليس من أسماء الله U الدهر كما غلط بذلك ابن حزم عليه رحمة الله فإنه جعل من أسماء الله الدهر أخذاً من هذا الحديث (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) قال أنه: وما يهلكنا إلا الله.

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ)، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ) الضمير يعود إلى كفار قريش والآيات هي آيات القرآن أي إذا استدل عليهم وبيّن لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)) وهذه ليس حجة وقد قررنا أن المعاد إنما يكون يوم القيامة لا يوم الدنيا مثل لو قلت لطلاب اجتهدوا حتى تنجحوا ولا ترسبوا ترى الذي يهمل يرسب قال أنا راسب الآن؟ ما بعد أتى وقت الامتحان الذي وقت بوقت لم يأتي بعد! ولذلك قولهم (ائْتُوا بِآبَائِنَا) الله I قادر على أن يحيي آباءهم وقد جعل نبيه عيسى u من آياته أنه يحيي الموتى لكن الإحياء العام الذي يحيا به الناس كلهم وقته يوم القيامة وإلا أفراد الإحياء حصلت في هذه الدنيا في سورة البقرة خمس مواضع من الإحياء بعد الإماتة لكن هذه أفراد أما الإحياء العام وهو البعث والمعاد إلى الله U فمحله ووقته يوم القيامة (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) أي (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) أي كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود فأنتم لا شيء قبل أن تكونوا شيئا (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) الإنسان) كما قال الله I في سورة البقرة (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) أي هذا الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى فإن الذي خلقكم من عدم وجعل لكم السمع والأبصار قادر على بعثكم بعد موتكم كما قال I (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (27) الروم). (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) أي لا شك فيه أن يجمعكم ليوم القيامة فالإعادة محلها يوم القيامة لا يوم الدنيا كما قال I في سورة التغابن (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ) وقال في سورة أخرى (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) المرسلات)، (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) هود) وقال هنا (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) أي لا شك فيه فهذا هو محل الجمع لا هذه الدنيا حتى تطالبون ببعث آبائكم لتؤمنوا (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)) فلهذا ينكرون المعاد ويستبعدون قيام الأجساد. قال الله I (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) المعارج) لأن كل ما هو آتٍ قريب.

ثم قال الله I (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) يخبر سبحانه وتعالى أنه مالك السماوات والأرض والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة ولهذا قال (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) أي يوم القيامة (يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) أي الكافرون الجاحدون بما أنزله الله I على رسله بهذه الحقائق العظيمة المتقررة الواضحة، قال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة فسمع الغاضري يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله يوماً يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تعرف في الغاضري حتى لحق بالله U، أثّرت فيه هذه الآية. (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ) الأمة هي الجماعة العظيمة من الناس التي قد جمعها معنى أو وصف شامل لها (جَاثِيَةً) أي على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا على ركبتيه حتى إبراهيم الخليل يقول: نفسي، نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، وكذا يقول عيسى وبقية الأنبياء، قال الحسن البصري (كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) أي على الركب. وقال عكرمة: (جَاثِيَةً) متميزة على ناحيتها، وليس على الركب. والأول أولى. وظاهر الآية أن هذه الصفة تكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل الأديان فكل أمة تكون جاثية على ركبتها سواء تلك الأمم المتبعين للرسل أو غيرهم من أهل الشرك وخالف في ذلك يحيى بن سلام فقال: إن الجثو خاص بالكفار فقط والصحيح شمول ذلك للمؤمنين والكافرين لأن هذا يوم القيامة هذا من مشاهد يوم القيامة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) أي إلى كتاب أعمالها، كل أمة تدعى إلى كتاب أعمالها أي الذي كتب عليها من أعمال. وقيل كتابها المنزل عليها فتحاكم إليه هل وافقته أم لا؟ إذاً الكتاب المراد به إما كتاب الأعمال وإما، الكتاب الذي أنزل، الصحيح أنه كتاب الأعمال. لأنه ليس لكل أمة كتاب، أنزل عليه وبالتالي فالصحيح أن المراد بكتابها أي كتاب؟ بكتاب أعمالها، يشمل هذا وهذا الأمة تؤتى بكتاب أعمالها، كل أمة بني إسرائيل، قوم عاد، يأتون بكتاب وبكتب أعمالهم كقوله تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ (69) الزمر). (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)) حتى خاتمة الآية تشير إلى أن الكتاب كتاب الأعمال قال (تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي تجازون بأعمالكم خيرها وشرها كما قال الله I (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) القيامة).

ثم قال الله I (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) كتابنا قيل أنه هو اللوح المحفوظ، أي هذا كتابنا أي اللوح المحفوظ  يطابق ما كتب عليكم من أعمال، الذي كتبته من؟ الحفظة الملائكة. وقيل المراد (هَذَا كِتَابُنَا) أي ما كتبته الحفظة وأضاف الله I الكتاب إلى الأمة في الأولى قال (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) وهنا أضافه I إلى نفسه فقال (هَذَا كِتَابُنَا) لأن الإضافة تحصل بأدنى ملابسة فإضافته إلى الأمة لكون أعمالهم مثبتة فيه وإضافته إلى الله لكونه مالكه وأمر ملائكته بكتابته، واضح المسألة إذا قلنا إن (هَذَا كِتَابُنَا) هو اللوح المحفوظ هل هناك إشكال في الإضافة؟ فهذا كتابنا أي اللوح المحفوظ يصدق ما جاء بكتابتكم وما كتبته الحفظة، لكن إذا قلنا أن قول الله I (هَذَا كِتَابُنَا) المراد به كتاب الأعمال فهنا يظهر عندنا إشكال وإلا لا؟ وهو إضافته إلى الله. وقبل قليل أضافه إلى من؟ إلى الأمم وعرفنا الجواب وإلا لا؟ ما هو الجواب؟ لأن الإضافة تكون بأدنى ملابسة فأضافه إلى الأمم لأنهم هم الذين عملوه وأضيف إلى الله I لأنه هو الذي أمر الملائكة بكتابته. واضح الفرق بين الإضافتين هنا؟ وهذا على قول من قال إذا كان على اللوح المحفوظ لا إشكال في الإضافة وإلا لا؟ لكن إذا كان المراد في قوله تعالى (هَذَا كِتَابُنَا) أي كتاب الأعمال فالجواب ما سمعتم. (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)) النسخ هنا بمعنى الكتابة أي نكتب ما كنتم تعملون والنسخ هو الكتابة من أصل مكتوب فيكتب مرة أخرى قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون ذلك مطابقاً وموافقاً لما كانوا يعملون، لأن الله I قدر المقادير من قبل أن يخلق السماوات والأرض (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)) أي الملائكة ينسخون ما كانوا يعملونه من اللوح المحفوظ فيكون مطابقاً لأعمالهم. قال ابن عباس: في قوله تعالى (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيديهم مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القِدَم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ثم قرأ (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

ثم قال الله I (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31)) ذكر الله حال الطائفتين من المؤمنين والكافرين وفرق بينهما في الذكر ليتبين الأمر في نفس السامع فإن الأشياء تتبين بذكر أضدادها معها والضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء وقلنا أن القرآن مثاني فإذا ذكر أهل الإيمان ذكر أهل الكفر وإذا ذكر جزاء الإيمان ذكر جزاء الكافرين. قال الله I (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة فبمجرد الإيمان وهو التصديق وهذا يشهد لقول أهل السنة والجماعة فإن الإيمان عندهم قولٌ وعمل وعملت جوارحهم الأعمال الخالصة الصالحة الموافقة لشرع الله U، (فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ) ورحمته الجنة، كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: «أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء». (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30)) أي البيّن الواضح. والفوز هو نيل البغية. أي ذلك الفوز الواضح الجليّ الذي ليس بعده فوز كما يخبر في آيات سابقة بالفوز العظيم كلها صفات بفوز المؤمنين يوم القيامة بالجنة فهو مبين واضح، يراه كل أحد، كما أنه عظيم لأنه لا بؤس بعده، نعيم دائم. (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ويقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخا (أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) يعني يقال لهم هذا متى؟ يوم القيامة عندما يروا نعيم الله عز وجل لأهل السعادة كأنهم يقولون ونحن لماذا لا نكون مثلهم؟ وفي هذا (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) كأنهم قالوا ولما لا ندخل مثلهم؟ قال الله U (أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) أما قرئت عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها وأعرضتم عند سماعها وكنتم بذلك (قَوْمًا مُجْرِمِينَ) أي في أفعالكم مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟ فهو في غاية الإجرام أن تتلى عليكم آيات الرحمن فتستكبرون وتصدون وقلنا أن لهم حالتين عندما يسمعون آيات الله تتلى عليهم .

الحالة الأولى: كأنه لم يسمعها، يصر مستكبراً كأنه لم يسمعها، يتجاهلها تماماً.

الحالة الثانية: أن يسخر بها ويستهزئ وهنا أتى الجزاء (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ) فاستكبرتم عن اتباعها واستكبرتم عن سماعها واستكبرتم وذلك باستهزائكم بها (وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ).

(وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) كنا نقول لكم سيأتي اليوم الذي سيجازى به المؤمن وسيجازى به الكافر (حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا) أي لا شك فيها (قُلْتُمْ) استكباراً واستهزاءً واستبعاداً (مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ) ما نعرف الساعة، إيش الساعة هذه؟ (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع. (قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ) أي لا نعرفها (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) سبحان الله قالوا (مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ) قالوا (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) أي نتوقع وقوعها يعني نتوهم أن وقوعها شيء مرجوح مظنون نسبة وقوعها قليلة عندنا ليست بينة ليست واضحة وهذا هو الفرق بين أهل الصلاح وأهل الفساد فإنهم لا يؤمنون بالساعة. لا يمكن لأحد أن يؤمن بالبعث وأن هناك جنة ونار ويعمل غير ذلك ولذلك من أركان الإيمان: الإيمان بماذا؟ باليوم الآخر، لأن الذي لا يؤمن باليوم الآخر كيف يعمل؟ ولذلك هؤلاء قالوا (مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)) ما نحن بمتحققين من وقوع الساعة، يتكلمون هم الآن متى؟ بعد وقوع الساعة.

ثم قال الله I (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة (وَحَاقَ بِهِمْ) أي أحاط بهم (مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33)) أي من العذاب والنكال، وكانوا يستهزئون بآيات الله ومنها هذه الآيات، هذه الآيات تصور حالهم يوم القيامة متى نزل؟ ألم يسمعه كفار قريش؟ هم سمعوا هذا لكن مشكلتهم إما أنهم استكبروا فكأنهم لم يسمعوها أو استهزأوا بها قالوا هذا الذي يعدنا محمد بالساعة هذا كذب، هذا هراء والقرآن يتكلم ويؤكد على هذه القضية فهم علموا واستمعوا لحالهم قبل موتهم وأن هذا مصيرهم وسيكون هذا الحوار وسيقولون هذا الكلام يوم القيامة ومع ذلك، يقع هذا المشهد كله يوم القيامة (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) هل قريش ضلّت على علم وإلا على غير علم؟ ضلّت على علم فإنهم ما ضلّوا إلا بعدما نزل القرآن وكان القرآن ينذرهم بكرة وعشيا كما أن بني إسرائيل ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ولذلك قال الله عز وجل (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ) أي نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم، لماذا؟ (كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) والجزاء من جنس العمل، أي فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به، وقال ابن عطية: معناه يترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا فلم يقع منكم استعداد له ولا تأهبتم، فسميت العقوبة في هذه الآية باسم الذنب. (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: «ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني» وهذا من تفسير القرآن بالسنة.

ثم قال الله I (ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) أي إنما جزيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم سخريا، تسخرون وتستهزئون بها (وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) أي خدعتكم فأصبحتم من الخاسرين (فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا) أي من النار (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)) أي لا يطلب منهم العتبى ولا الاعتذار ولا مجال أصلاً للاستعتاب، ولا أنهم قالوا (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) ولا أي شيء، فاليوم (نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34)) السبب (ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) كما قال في آية (يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا) والحال (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا) فبين هذه الآية ترابط وثيق في أولها وآخرها وهي تحكي قضية واحدة وواقعة واحدة لكفار قريش. المأوى لما قال الله U (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ) الموضع الذي يسكنه الإنسان ويكون فيه عامة أوقاته كلها أجمع.

ثم لما ذكر I حكمه في المؤمنين والكافرين ذكر أهل الإيمان وعملهم وجزاءهم وذكر كذلك أهل الكفر قال (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ) أي المالك لهما وما فيهما (رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعني السلطان وهو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه وفي الصحيح «أن الله U يقول: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما أسكنته ناري». ثم ختم السورة بقوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي لا يغالب ولا يمانع (الْحَكِيمُ) في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس، وكما افتتحت السورة بقوله (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)) ختمها بقوله I (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)) فأول هذه السورة وآخرها متفق. قال ابن عطية: قوله (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ) إلى آخر السورة تحميد له تعالى وتحقيق لألوهيته، وفي ذلك كسر لأمر الأصنام والأنصاب.

 

وبهذا نكون قد انتهينا من تفسير سورة الجاثية. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل