تفسير سورة الدخان - المجلس الأول - د. أحمد البريدي - دورة الأترجة

تفسير سورة الدخان - المجلس الأول

د. أحمد بن محمد البريدي - دورة الأترجة القرآنية

(حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)).

سورة الدخان سورة مكية ومحورها يدور حول إيقاظ القلب لاستقبال حقيقة الإيمان حية نابضة وتثبيت هذه الحقيقة في القلوب أما المواضيع التي دارت عليها هذه السورة فقد بدأت بالحديث عن القرآن وإنزاله في الليلة المباركة ثم تحدثت عن اللاعبين الشاكين وأنذرتهم وحذرتهم ثم تحدثت السورة عن مصرع فرعون وقومه في هوان بعد الاستعلاء والاستكبار ثم تحدثت عن البعث والمكذبين به ثم تحدثت عن يوم القيامة وأحوال الناس في ذلك اليوم حيث صورت مشهد المعذبين كما صورت مشهد المتنعمين ثم ختمت السورة بالحديث عن القرآن كما بدأت الحديث عن القرآن.

فسورة الدخان مكية كما سبق قال ابن عطية: لا أعلم فيه خلاف. وقال بعض أهل العلم: كلها مكية إلا قوله تعالى (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا) وسيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى سبب هذا الاستثناء أثناء التفسير.

افتتحت السورة بالأحرف المقطعة بقول الله تبارك وتعالى (حم) وهي ضمن منظومة تسمى "سور الحواميم" إشارة إلى افتتاح هذه السورة بقوله تعالى (حم) وقد قررنا سابقاً أن الأحرف المقطعة ليس لها معنى على الصحيح لكن لها مغزى وهو أن الله تحدى فصحاء العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وهو المكون من مثل هذه الأحرف (الم)، (حم)، (ص)، (طسم) إلى آخره ولذلك لا يوجد سورة بُدئت بالأحرف المقطعة إلا وذكر بعدها القرآن إلا في أربع سور ذكر الحديث عن القرآن في أثنائها وقد افتتحت السور المقطعة بحرف واحد وبحرفين وبثلاثة وبأربعة وبخمسة وهو أكثر ما افتتحت به سورة في الأحرف المقطعة، افتتحت بحرف واحد مثل (ن)، (ق)، (ص) وافتتحت بحرفين مثل (يس)، (حم)، (طه) وافتتحت بثلاثة أحرف (الم)، (طسم) (الر) وافتتحت بأربعة أحرف (المر)، (المص) وافتتحت في خمسة أحرف وكانت على وجهين جمعت في كلمة واحدة كسورة مريم (كهيعص) وفصلت هذه الأحرف بكلمتين كسورة الشورى (حم (1) عسق).

قال الله I (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)) هنا ذكر بعدها القرآن سورة الدخان من السور التي ذكر بعدها مباشرة الحديث عن القرآن (الْمُبِينِ) أي الواضح البين (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) الضمير يعود إلى الكتاب أي أنزلنا هذا الكتاب (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) هنا لم تسمى هذه الليلة وإنما وصفت بأنها مباركة وهذه الليلة يفسرها قول الله I (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) القدر) أخبر الله U في هذه السورة أنه أنزله في ليلة وعندنا دليل آخر أنه نزل في شهر كامل وهو قول الله I (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (185) البقرة) وعندنا المعلوم المقطوع به وهو أن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة ويدل على ذلك قول الله I (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ (106) فما الجمع بين هذه الأدلة؟ الدليل الذي يثبت أن القرآن نزل في ليلة والدليل المثبت أن القرآن نزل في شهر والدليل المثبت أن القرآن نزل مفرقاً ويشهد له الواقع حيث كان القرآن ينزل على النبي e من بعثته إلى وفاته e للعلماء في الجمع بين هذه الأدلة مسلكان .

المسلك الأول : التقدير وهو (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) أي ابتدأنا إنزاله ثم نزل مفرّقاً ومنجّماً هذا القول الأول.

المسلك الثاني : وهو رأي ابن عباس t وعليه جمهور أهل العلم وهو أن القرآن قد خُصّ بخاصة اختلف فيها عن بقية الكتب حيث نزل مرتين المرة الأولى من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا وعليه يحمل قول الله I (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) القدر)، (َهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (185) حيث إن ليلة القدر من ليالي رمضان فيصح إطلاق نقول نزل في شهر رمضان وقد نزل في ليلة كما يقال ولد فلان في سنة كذا وهو ولد في يوم واحد من السنة ، ويشهد لهذا ما أخبر به ابن عباس في المرفوع حكماً حيث أثبت ابن عباس t حينما سئل عن هذه الآيات المختلفة فقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة، النزول الثاني هو الوحي وهو من الله تبارك وتعالى إلى النبي e وعليه تحمل أدلة التنزيل المفرق.

 وبهذا نجمع بين هذه الأدلة وحديث ابن عباس مرفوع حكمه وصححه جمع من أهل العلم وقلنا أنه مرفوع الحكم لأنه لا مجال للرأي فيه.

قال الله I (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)) هذا قسم أقسم الله I بكتابه، أين جواب القسم؟ (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) وقيل إن جواب القسم (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)) والمبين يحتمل أنه فعل متعدي أي يبين الهدى والشرع ويحتمل أن يكون غير متعدي أي هو مبين في نفسه.

الليلة المباركة قلنا إنها ليلة القدر كما هو مفسر في سورة القدر وقال بعض أهل العلم: إنها ليلة النصف من شعبان وهو قول ضعيف قال ابن كثير عنه: أبعد النجعة من قال أنها ليلة النصف من شعبان. وقال ابن العربي: هذا القول باطل.

(إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)) أي معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعاً لتقوم حجة الله على عباده. (فِيهَا) الضمير يعود إلى ليلة القدر (يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)) أي يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر سنة كاملة وما يكون فيها من آجال وأرزاق قال ذلك غير واحد من السلف. (حَكِيمٍ) أي محكم لا يبدل ولا يغير ولهذا قال سبحانه (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) أي جميع ما يكون ويقدره الله I فبأمر من عنده سبحانه (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)) أي إلى الناس رسولاً يتلو عليهم آيات مبينات، (مرسلين) فإن الحاجة كانت ماسة لبعث الرسل حينما تغيرت فطر الناس.

ثم قال الله I (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) أي أننا أرسلنا هؤلاء الرسل لماذا؟ رحمة من الله I بالناس يشهد لهذا قول الله I (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء) فإن الله سبحانه وتعالى أيها الإخوة رحم هؤلاء الناس حينما أرسل إليهم النبي e وأرسل إليهم الرسل فأخرجوهم من براثن الشرك إلى التوحيد، ويحتمل أن المرسل هنا الرحمة (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) رحمة يحتمل . والرسل وكُني عن الرسل بالرحمة والمعنى واحد هل يختلف المعنى يا إخواني؟ (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) رسل رحمة أو (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) رحمة، وهذه الرحمة هم الرسل فالمعنى لا يختلف. (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)) صفتان من صفات الله I كثيراً ما يقرن الله بينهما وهما اسمان من أسماء الله وهما السميع والعليم ويؤخذ منهما صفة السمع والعلم.

 (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي الآمر والمرسل هو رب السماوات والأرض وما بينهما سبحانه وتعالى (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)) أي إن كنتم متحققين فالذي أرسل الرسول من؟ الله سبحانه وتعالى. والرسول ماذا فعل؟ بلغ ودعا إلى إفراد الله I للعبادة. ودائماً تأملوا أن السور المكية إنما تدور حول إفراد الله عز وجل بالعبادة وترك الشرك.

(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)) أي ربكم يا من نزل عليكم القرآن ورب من؟ ورب آبائكم الأولين. هذه الآية كقوله I (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ).

ثم قال I (بَلْ هُمْ) أي الذين خاطبهم القرآن (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ) بل هم إضراب قبله نفي مقدر كأنه يقول ليس هؤلاء ممن يؤمن ولا ممن تنفعه وصاة (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)) بأقوالهم وأفعالهم.

 ثم قال الله I متوعداً لهؤلاء (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)) قد سميت السورة بسورة الدخان أخذاً من هذه الآية (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)) السلف رحمة الله عليهم اختلفوا في تفسير الدخان هنا ما المراد به؟ فقال ابن مسعود t: أن الدخان هو ما أصاب قريش حينما دعا عليهم النبي e أن يجعلها عليهم سنين كسني يوسف فأخذهم الجوع أخذاً عظيماً حتى كان يخيل إليهم أنهم يرون دخاناً من الجوع وعلى هذا القول يكون الدخان قد مضى وحصل وقد وافق ابن مسعود على هذا التفسير جمع من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي وإليه مال ابن عطية : حيث قال: وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل كما هو رأي الشوكاني وهو اختار إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمة الله عليه. قال ابن مسعود: قد مضى خمسة الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. هذا قول.

 القول الثاني: أن الدخان لم يمضى بعد بل هو من أمارات الساعة وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي e قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج» إلى آخر الحديث. وفي الصحيحين أن رسول الله eقال لابن صياد: «إني خبأت لك خبأً. قال: هو الدخ. فقال له النبي e: اخسأ فلن تعدو قدرك. وقد خبأ له رسول الله e (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10))» وابن صياد كان من الكهنة الذين كانوا يقرطمون في الكلام فقوله الدخ يقصد الدخان وهذا هو رأي ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن وقد وافقه جمع من الصحابة والتابعين وهو رأي ابن كثير : وأن الدخان لم يمضى بعد، حيث قال ابن كثير: وما أوردناه من الأدلة - يقصد ما ذكرت لكم قبل قليل - فيه مقنع مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المتنظرة مع أنه ظاهر القرآن. والراجح القول الثاني قال الله تعالى (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)) وممكن يعبر عن جزء من الناس بالناس، يعني سياق الآيات يُشعر بأن قوله تعالى (يَغْشَى النَّاسَ) وهذا غشيان حقيقي، على القول الأول الدخان من شدة الجوع يخيل إليهم أنه دخان، ولذلك الأقرب والله تبارك وتعالى أعلم أن الدخان من الآيات المنتظرة بدليل سياق الآيات التي تليها فإن الله سبحانه وتعالى قال (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)) أي بيّن واضح يراه كل أحد وعلى ما فسره ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع وهكذا قوله سبحانه وتعالى (يَغْشَى النَّاسَ) أي يغشاهم ويعمهم ثم قال (هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)) أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخا. ابن عطية : هو من أصحاب القول الأول لما رأى أدلة القول الثاني قال: ويحتمل أنه مر دخان ويأتي دخان آخر هذا دائماً يلجئ إليه بعض أهل العلم لما يرى أن الأدلة متكافئة وهنا عندنا الأدلة متكافئة فكلها في الصحيح والذي قال بها هم أعلام الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم.

قال الله U(رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)) من القائل؟ الناس الذين غشاهم الدخان يقولون.

(رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)) أي يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا (27) الأنعام). (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا) لما دعوا في قوله (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)) أجابهم الله بماذا؟ (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)) أي لو كشفنا العذاب لعدتم ويشهد لهذا جملة من الأدلة أي ولو كشفنا عنكم العذاب في الدنيا ورجعناكم إلى حالكم الأولى لعدتم كما قال سبحانه (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) المؤمنون). (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ) يحتمل معنيين: الأول كشف العذاب بعد حصوله كما قال سبحانه (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ (28) أي أن العذاب حل بهم ثم أخبر أنه لو كشف عنهم هذا العذاب لعادوا إلى ما كانوا يعملون.

 الاحتمال الثاني: هو تأخير العذاب قبل حصوله قال (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ) ما معناه؟ أي نؤخر العذاب قبل حصوله لعلكم تتوبون، يعني أن العذاب قد انعقدت أماراته ثم أخر عنهم إمهالاً لهم وهذه حصلت لمن يا إخواني؟ وقد تكلمنا عنها لما فسرنا سورة يونس فإن قوم يونس ما حل بهم العذاب وإنما انعقدت أماراته كما قال الله I (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) يونس) أي أخرنا عنهم العذاب بعد انعقاد أسبابه. هذا الكشف يا إخواني على القول الأول ما هو؟ على القول الأول الذي قلنا أن الكشف هو ما أصاب المشركين ما هو هذا الكشف؟ الكشف هو استسقاء النبي e حينما رفع عنهم الجوع فإنهم سألوا النبي e أن يستسقي لهم فكشف عنهم العذاب قريش ثم عادوا هذا على تفسير أن الدخان هو ما أصاب مشركي قريش من الجوع. والكشف على القول الثاني والذي رجحناه؟ قلنا إن الدخان من أمارات الساعة قال العلماء: إن الكشف هو ما يكون بين الآية والآية الأخرى من الزمن فإنه يأتي الدخان نذير ثم تأتي علامة من علامات الساعة الأخرى هذا يسمى كشفاً. (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) أي إلى التكذيب والكفر.

قال الله I (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) ما هي البطشة الكبرى. اختلف فيها السلف رحمهم الله على قولين:

القول الأول: أن البطشة الكبرى أنها وقعة بدر حينما بطش الله U بالمشركين في وقعة بدر حيث قتل منهم من صناديدهم سبعين وأسر سبعين وهكذا فسره ابن مسعود. وقال بعض أهل العلم: أن البطشة الكبرى يوم القيامة.

 

والراحج أن البطشة كبرى، يوم القيامة لأن هناك في التفسير تلازم بين الترجيح لا بد للمفسر أن ينتبه لها (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) الترجيح في هذه الآية مرتبط بتفسير الدخان، فالذي يرى أن الدخان هو ما أصاب المشركين من الجوع فالبطشة الكبرى هي وقعة بدر ومن رأى أن الدخان من علامات الساعة هل يمكن أن يجعل البطشة الكبرى هي بدر؟ لأن البطشة الكبرى متأخرة بعد الدخان وإلا لا؟ لأنه يقول (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)) إلى أن كشف الله عز وجل عنهم العذاب وأخبر أنهم عائدون ثم قال (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) فلا بد إذا فسرت الدخان بأنه من أمارات الساعة لا بد أن تفسر البطشة الكبرى بأنها يوم القيامة قولاً واحداً، وإذا فسرت الدخان بأنه ما أصاب المشركين ما أصابهم من الجوع فإن البطشة الكبرى هي يحتمل إنها بدر، يعني يصح أن تقول البطشة الكبرى هي بدر ويصح أن تقول أنها يوم القيامة، لكن على القول الثاني والذي رجحناه هل يصح أن نفسر البطشة الكبرى بوقعة بدر؟ أبداً وهذا لا بد أن ينتبه له في التفسير لأن هناك بعض الأقوال متلازمة لا يمكن أن ترجح في مكان وتخالفه في مكان آخر فالسياق واحد. ولذلك ابن مسعود رضي الله عنه تأكيداً لتفسر البطشة الكبرى ببدر " وأنا أقول هي يوم القيامة".  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل