تفسير سورة الزخرف - المجلس الثالث والأخير- د. صالح الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة الزخرف - المجلس الثالث والأخير

د. صالح الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٦٣﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦٤﴾)

قال الله تبارك وتعالى (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) جاء إلى بني إسرائيل بالمعجزات الواضحة والشرائع، جاء بالإنجيل وأيضاً أقدره الله تعالى على إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وشفاء المرضى (قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) بالنبوة وجئتكم بالإنجيل (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) من أحكام التوراة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) اِتقوا معاصيه وأطيعوني في ما آمركم به من التوحيد (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦٤﴾ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿٦٥﴾) الأحزاب هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى أو هم فِرَق النصارى اختلفوا في أمر عيسى. ومعنى (مِن بَيْنِهِمْ) أنهم اختلفوا فيما بينهم (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) وقيل اختلفوا من بين من بُعث إليهم من اليهود والنصارى والأحزاب هي الفرق المتحزّبة (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا) من هؤلاء المختلفين وهم الذين أشركوا بالله ولم يعملوا بشرائعه (مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) وهو يوم القيامة، ويل لهم من عذاب يوم القيامة. (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ما ينتظر هؤلاء القوم الأحزاب الذين كذّبوا رسل الله إلا يوم القيامة إذا أتاهم بغتة وهم لا يشعرون. ثم قال تعالى (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ) يوم القيامة (بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الأخلاء في الدنيا المتحابون في الدنيا يحب بعضهم بعضاً هؤلاء يكون يوم القيامة بعضهم لبعض عدو (إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الذين اجتمعوا وصارت خُلّتهم على طاعة الله وعلى تقوى من الله ورضوان هؤلاء يشفع بعضهم لبعض ويناصر بعضهم بعضاً أما أولئك الذين كانت خُلّتهم واجتماعهم على الكفر وعلى الشرك وعلى المعصية وعلى الفجور فكما قال تعالى (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ (25) العنكبوت) وقال تعالى (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) والملاحظ أن الشخص غالباً إما يأتيه النفع أو الضرر، الشر أو الخير من صاحبه، إن كان صديقك ومن تُجالس إنساناً تقياً صالحاً ففي الغالب إنه يدلّك على الخير ويدعوك إليه وإن كان جليسك فاسقاً فاجراً فإنه يدعوك إلى الشر والسوء. وتأمل ما الذي حال بين أبي طالب وسعادة الأبد؟ أوليسوا هم جلساء السوء؟! ما الذي جعل بعض المنحرفين ينحرف بعضهم إلى السوء والزندقة إلا جلساء السوء ولذا جاء في سنن أبي داوود: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل. وجاء في الصحيحنين من حديث أبي موسى[1]: مثل الجليس الصالح وجليس السوء مثل حامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ونافخ الكير إما أن يُحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة. وأنا أعرف أشخاصاً وربما أنتم تعرفون أيضاً كانوا على خير واستقامة ثم جالسوا أناساً عندهم من السوء والشر والفساد فانحرفوا إما بحكم الدراسة أو الوظيفة وزمالة العمل أو الجوار أو القرابة وغير ذلك فهذا الجليس له أثر إما أثر إيجابي وإما أثر سلبي على صاحبه ولا يقولن قائل أنا عندي حصانة أو أنا لا أتأثر، أبداً، إذا كانت الجيفة –أعزّكم الله - تلوِّث الهواء فما الظنّ بالنفوس الضعيفة؟! الجيفة المنتنة إذا صارت في مكان وإن كان هذا المكان عنده أنهار وأزهار وأشجار ومسطحات يفسد الهواء فما بالك بالنفس الضعيفة؟ لا بد أن يتأثر الانسان.

أنت بالناس تُقاس بالذي اخترت خليلا

فاصحب الأخيار تعلو وتنل ذكراً جميلا

(الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) فإنهم أخلّاء في الدنيا والآخرة. قال الحسن البصري رحمه الله عن الصاحب والصديق المؤمن: " مَنْ مِثْلُ أخيك المؤمن؟ إذا متّ انصرف أهلك وأولادك يقتسمون أموالك وهو وقف عند جدثك وعند قبرك يدعو لك ويسأل الله لك المغفرة ". يقول من مثل الأخ الصالح الصديق المؤمن التقيّ يدعو لك وأهلك يقتسمون مالك وهو واقف عند قبرك يدعو لك. (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) لما استثنى الله I المتقين أنهم أخلاء في الدنيا قال (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) يقال لهؤلاء المتقين الذي اتقوا المعاصي والذنوب والشرك والكفر وعملوا بالطاعة وأخلصوا لله أعمالهم يقال لهم لما تحابّوا في الله هذه المقالة (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ). ومن الأعمال الصالحة أن تحب المرء لا تحبه إلا لله، هذه الأخوة الصالحة. وقد ثبت عن النبي e أن رجلاً زار أخاً له في الله فأدرج الله على مدرجته ملكاً (أي على طريقه) قال أين تريد؟ قل أريد أخاً لي في هذه القرية، قال هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال لا، غير أني أحببته في الله U قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه. وأخبر النبي e عن فضل الدعاء لأخيك المسلم[2] فقال: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك مثل بمثل. وفي السنن: أسرع الدعاء دعاء غائب لغائب، دعاء يؤمّن عليه الملك. وأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والموالاة في الله والمعاداة في الله (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ (71) فالمؤمن يحب أخاه المؤمن في الله ولله ما يحبه لأجل الدنيا يحبه لأنه قائم بطاعة الله، هذه المحبة تنفع،  يشفع لأخيه المؤمن عند الله I. (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) يقال لهم هذا المقالة لا خوف عليكم اليوم يوم القيامة، لا تخافون فيما تستقبلون ولا تحزنون على ما مضى. (الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)) نساؤكم المؤمنات أو قرناؤهم من المؤمنين تُكرمون أنتم وأزواجكم تحبرون، تكرّمون وقيل تُنعمون وقيل تفرحون وتسرون. (يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ) وهي القصعة الواسعة العريضة (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) قال النبي e عن الجنة: في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إقرأوا إن شئتم (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ,(وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهذا من تمام النعيم أنه يخبرهم أنهم لا يتحولون عنها أبد الآباد فهم لا يموتون ولا يتحوّلون قال الله U (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) وفي الصحيح عن النبي e أنه قال[3]: إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي المنادي إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا وإن لكم أن تخلدوا فلا * أبداً (وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) الأعراف) بل قال النبي e[4]: أدنى أهل الجنة منزلة رجل يجيء بعدما أُدخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة، فيقول أي رب كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت، رب! فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب! فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهته نفسك. اللهم إنا نسألك الجنة ونعيمها يا حيّ يا قيوم.

(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) صارت لكم كما يصير الميراث إلى الوارث بما كنتم تعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة. (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) سوى الطعام والشراب الفاكهة وفي الجنة لا يبولون ولا يتفلون ولا يمتخطون إنما ما يأكلون يخرج من أجسامهم مثل العَرَق أطيب من ريح المسك.

ثم لما ذكر السعداء ذكر الأشقياء فقال (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٧٤﴾ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿٧٥﴾) أهل الإجرام والكفر في عذاب جهنم خالدون لا ينقطع عنهم العذاب أبد الآباد، لا يخفف عنهم (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) آيسون من النجاة (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) ما عذبهم الله U بغير ذنب (وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) هم الذين ظلموا أنفسهم. (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) أي نادى المجرمون ومالك هو خازن النار وقد جاء في الصحيح عن أنس t قال سمعت النبي يقرأ على المنبر (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ) نادى المجرمون مالك (لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) يعني توسلوا بمالك إلى الله I ليقضي عليهم بالموت ليستريحوا من العذاب والعياذ بالله. (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) مقيمون في العذاب. قيل سكت عن إجابتهم ثمانين سنة ثم أجابهم بهذا الجواب فقال (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) وقيل أكثر من ذلك. (لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ) يحتمل أن هذا من كلام الله U أو يكون من كلام مالك (لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ) أرسلنا إليكم الرسل وأنزلنا إليكم الكتب ودعوناكم إلى دين الله فلم تقبلوا ولم تصدّقوا (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) لا يقبلونه. والمراد بالحق كل ما أمر الله جلّ وعلا به على ألسنة رسله فهو الحق وأنزله في كتبه. (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) قيل يعني كلكم للحق كارهون وقيل أراد الرؤساء والقادة ومن عداهم فأتباعٌ لهم. (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) (أم) هي المنقطعة التي بمعنى (بل) أي "بل أبرموا أمراً" وفي هذا انتقال من توجّع أهل النار إلى حكاية ما يقع من هؤلاء. والابرام الاتقان والإحكام (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا) أي أتقنوا أمرا وأحكموه وكادوا لأنبياء الله ورسله (َإِنَّا مُبْرِمُونَ) كما قال تعالى (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) الطور) وقال (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30).

(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم) أننا لا نسمع ما يسرون به في أنفسهم وما يتحدثون به سراً في مكان خالٍ وما يتناجون به فيما بينهم؟ بلى نسمع ذلك ونعمل به (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) عندنا الحفظة يكتبون جميع ما يصدر منهم كما مر في قول الله تعالى في سورة فصلت (حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) ونزلت في بعض المشركين الذين قالوا إن الله لا يسمعنا، يسمع إن جهرنا لكن لا يسمعنا إن أسررنا فقال بعضهم إن كان يسمعنا إن جهرنا فإنه يسمعنا إن أسررنا فنزلت الآية (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ) إلى آخر الآية، (وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ). ثم أمر الله جل وعلا رسوله e أن يقول لهم قولاً يلزمهم بهم الحجة ويقطع به ما يريدونه من الشبهات قال (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) أي إن كان له ولد على قولكم وعلى زعمكم فأنا أول من عبد الله وحده لأن من عبد الله وحده فقد دفع أن يكون له ولد، كذا قال ابن قتيبة وجماعة. وقيل المعنى ما كان للرحمن ولد (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) ما كان للرحمن ولد، ثم يبتدئ فيقول فأنا أول العابدين لله، هذا القول الثاني (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) نفي، يعني ما كان للرحمن ولد، (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) لله لأنه ليس له ولد I. وقيل المعنى القول الثالث قل يا محمد إن ثبت لله ولد فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته لكن يستحيل أن يكون له ولد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾) (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ (91) المؤمنون). وفيه نفيٌ للولد على أبلغ وجه وأتمّ عبارة وأحسن أسلوب وهذا هو الظاهر كما يقول الشوكاني من النظم القرآني ومن هذا قول الله تعالى (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) سبأ) هذا يسمونه التنزّل مع الخصم كأن تقول لمن تناظره: إن ثبت ما تقول بالدليل فأنا أول من يعتقد ما تقول مع أنك مقتنع أنه لن يستطيع أن يثبت هذا بدليل. فالقول الثالث (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد هذا الولد مع استحالة أن يكون له ولد سبحانه فهذا يكون من أعظم الأساليب وأحسنها في نفي الولد عن الله تبارك وتعالى. وقيل معنى العابدين الآنفين من العبادة لكن هذا تكلّف، قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الذي يأنف من عبادة ولد لكن هذا قول فيه تكلّف بعض الشيء وحسبُنا الثلاثة الأولى.

(سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)) تنزيهاً له جل جلاله وتقديساً له عما يقولون من الكذب بأن له ولد ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجانبه , وهذا وإن كان من كمال كلام الله جلّ وعلا فقد نزّه نفسه عما يقولون وإن كان من كلام رسوله أمره أن يقوله فقد أمره بأن يضم إلى ما حكاه عنهم بزعمهم الباطل تنزيهه I وتقديسه عن هذا الولد وعن هذا الباطل 

(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا) أي اترُك الكفار حيث لم يهتدوا بما هديتهم به ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه وهذا تهديد لهم. اتركهم يخوضوا ويلعبوا (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) وهو يوم القيامة وقيل العذاب في الدنيا. ثم قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) وهذه الآية تشبه آية في سورة الأنعام (وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وهنا قال الله (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) وهو الذي معبود في السماء ومعبود في الأرض، مستحق للعبادة في السماء والعبادة في الأرض، يعبده من في السماء ويعبده من في الأرض I. (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) البليغ الحكمة الكثير العلم. (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) تبارك تفاعل من البركة وهي كثرة الخيرات. والمراد بـ(وَمَا بَيْنَهُمَا) الهواء وما فيه من المخلوقات ( وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) عنده علم الوقت الذي يكون قيام الساعة فيه. (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازي كل أحد بما يستحق من خير وشرّ وهذا فيه وعيد شديد لهؤلاء المشركين. (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ) لا يملك من يدعون من دون الله من الأصنام ونحوها الشفاعة عند الله كما زعموا أن هذه الأصنام تشفع لهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (3). (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ) يعني بالتوحيد (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي على علم وبصيرة بما شهدوا. (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ) من شهد بالحق مثل عيسى u فإنه شهد بالحق وشهد بالتوحيد وعلم أنه على بصيرة هذا الذي يشفع لكن لا أحد يشفع إلا بشرطين: إذن الله للشافع أن يشفع ورضاه عن المشفوع له كما قال تعالى (وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى (26) وقال تعالى (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) , والشفاعة تواترت فيها الأحاديث عن النبي e وجاءت في القرآن مثبتة وجاءت منفية، ومرّ بنا الإشارة إلى ذلك، وحديث الشفاعة في صحيح البخاري[5] أن الناس يأتون آدم فيعتذر ويأتون نوحاً فيتعذر إلى أن يأتوا إلى محمد e وهذه هي الشفاعة العظمى فيقال يا محمد إشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما أصابنا؟! ليقضي بينهم فيقول النبي e أنا لها أنا لها فيقول آتي وأسجد تحت العرش فيفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه ويقال يا محمد إرفع رأسك وسل تُعطى واشفع تشفّع. وهذا هو المقام المحمود في قول الله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (79). وكذلك يشفع u في عمه أبي طالب يقول هو في ضحضاح من النار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. ويشفع للمؤمنين في رفع درجاتهم في الجنة وتشفع الملائكة ويشفع المؤمنون بعضهم لبعض أما الكفار فقد قال الله (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ). (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ثم قال تعالى مبيّناً ضلال المشركين (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) واللام هي الموطئة للقسم والمعنى لئن سألت هؤلاء المشركين العابدين للأصنام من خلقهم؟ أقرّوا واعترفوا بأن خالقهم هو الله تبارك وتعالى ولا يقدرون على الإنكار فهم يؤمنون بتوحيد الربوبية ولكنهم يجحدون توحيد الألوهية، توحيد العبادة. ولو كانوا يعقلون للزِم من إثبات توحيد الربوبية توحيد الألوهية، فإذا كانوا يقولون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت الذي خلقهم وخلق السموات والأرض فيجب عليهم إلزاماً أن يقرّوا ويعترفوا ويوقنوا بأنه هو الإله الحق الذي يجب أن يُفرد وحده بالعبادة دون سواه ولكنهم لا يعلمون ولهذا قال الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) فكيف يقلبون عن عبادته إلى عبادة غيره ويُصرفون عنها مع هذا الاعتراف فإن المعترف بأن الله هو خالقه ورازقه كيف يعمد إلى صنم أوحجر أو شجر ويتوجه إليه بالذبح والنذر والتضرع والدعاء؟!! (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (ومن يُضْلِل الله فما لهُ من هاد).

ثم قال تعالى (وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ) (وَقِيلِهِ) يعني وقيل أي قال الرسول u.  يعني قال الرسول يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. (وقيله) مجرورة عطفاً على لفظ الساعة (وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) قال (وقيله) فهي مجرورة على لفظ الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله على أحد الأقوال. والقول والقال والقيل بمعنى واحد (وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ) وقيل الضمير في (وقيله) راجعٌ إلى النبي e قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. وقيل الضمير عائد إلى عيسى بن مريم u وعلى الوجهين فالمعنى أنه قال منادياً لربه يا رب إن هؤلاء القوم الذين أرسلتني إليهم قوم لا يؤمنون. ثم لما نادى ربه بهذا أجابه بقوله (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ) أي أعرِض عن دعوتهم (وَقُلْ سَلَامٌ) أي أمري تسليم منكم ومتاركة لكم، ترككم، قال عطاء: يريد مداراة حتى ينزل حكمي كما قال تعالى (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ). قال قتادة: أمره الله بالصفح عنهم ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخاً بآية السيف وهي الأمر بقتالهم وقيل لم تُنسخ. (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وهذا تهديد شديد وفي قرآءة سبعية أخرى (وسوف تعلمون). (وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وهذا وعيد عظيم من الله U لهم. وكما ترون في سورة الزخرف السورة المكية أن فيها المجادلة القوية لهؤلاء المشركين ولما كانوا يعبدونه من دون الله من الأصنام والأنداد وفيها بيان مصير الغابرين وقد ختمت بهذا الوعيد الشديد للمكذبين.


[1] مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة

الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 5534 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

[2] قدمت الشام . فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده . ووجدت أم الدرداء . فقالت : أتريد الحج ، العام ؟ فقلت : نعم . قالت : فادع الله لنا بخير . فإن النبي e كان يقول " دعوة المسلم لأخيه ، بظهر الغيب ، مستجابة . عند رأسه ملك موكل . كلما دعا لأخيه بخير ، قال الملك الموكل به : آمين . ولك بمثل " .

الراوي: صفوان بن عبدالله بن صفوان بن أمية المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2733 - خلاصة حكم المحدث: صحيح

[3] ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا . وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا . وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا . وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله U : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } [ 7 / الأعراف / 43 ] .

الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2837 - خلاصة حكم المحدث: صحيح

[4] سأل موسى ربه : ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟ قال : هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له : ادخل الجنة . فيقول أي رب ! كيف ؟ وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم ؟ فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا ؟ فيقول : رضيت ، رب ! فيقول : لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله . فقال في الخامسة : رضيت ، رب ! فيقول : هذا لك وعشرة أمثاله . ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك . فيقول : رضيت ، رب ! قال : رب ! فأعلاهم منزلة ؟ قال : أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي . وختمت عليها . فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر . قال ومصداقه في كتاب الله U : { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } [ 32 / السجدة / الآية - 17 ] الآية . وفي رواية : سمعت الشعبي يقول : سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر : إن موسى عليه السلام سأل U عن أخس أهل الجنة منها حظا . وساق الحديث بنحوه .

الراوي: المغيرة بن شعبة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 189 - خلاصة حكم المحدث: صحيح

[5]اجتمعنا ناس من أهل البصرة ، فذهبنا إلى أنس بن مالك ، وذهبنا معنا بثابت البناني إليه ، يسأله لنا عن حديث الشفاعة ، فإذا هو في قصره ، فوافقناه يصلي الضحى ، فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه ، فقلنا لثابت : لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة ، فقال : يا أبا حمزة ، هؤلاء إخوانك من أهل البصرة ، جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة ، فقال : حدثنا محمد e قال : ( إذا كان يوم القيمة ماج الناس بعضهم في بعض ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع لنا إلى ربك ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله ، فيأتون موسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد e ، فيأتونني ، فأقول : أنا لها ، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن ، فأحمده بتلك المحامد ، وأخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقول : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار ، فأنطلق فأفعل ) . فلما خرجنا من عند أنس ، قلت لبعض أصحابنا : لو مررنا بالحسن ، وهو متوار في منزل أبي خليفة ، فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك ، فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا ، فقلنا له : يا أبا سعيد ، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك ، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة ، فقال : هيه ، فحدثناه بالحديث ، فانتهى إلى هذا الموضع ، فقال : هيه ، فقلنا : لم يزد لنا على هذا ، فقال : لقد حدثني ، وهو جميع ، منذ عشرين سنة ، فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا ، قلنا يا أبا سعيد فحدثنا : فضحك وقال : خلق الإنسان عجولا ، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم ، حدثني كما حدثكم به ، وقال : ( ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ، فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله ) .

الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 7510 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح]



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل