تفسير سورة الزخرف - المجلس الثاني- د. صالح الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة الزخرف  - المجلس الثاني

د. صالح الخضيري – دورة الأترجة القرآنية

(وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿٣٣﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿٣٤﴾ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)

قال الله I (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿٣٣﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿٣٤﴾ وَزُخْرُفًا) لما ذكر الله I أنه فضّل بعض الناس على بعض في الرزق في الحياة وفي الآخرة قال جل وعلا (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) فهنا يبين الله I يبيّن حقارة الدنيا عنده وأنها لا تستحق شيئاً (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) لولا أن يجتمع الناس على الكفر ميلاً إلى الدنيا وزخرفها (لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ). قال الحسن:"معنى الآية لولا أن يكفر الناس جميعاً بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله U"، وبهذا قال أكثر المفسرين.

وفي الآية درس جليل: الغنى ليس مقياساً لكرامة المرء عند ربه تبارك وتعالى فربّ طاغوت وكافر وفاجر يبعثر الذهب هنا وهناك’ ورب نبي وصديق وصالح لا يجد الكفاف وربُّ عاصٍ يتمرغ بالنعيم وتقيّ لا يجد ما يسد رمقه ومن هنا جاءت خاتمة الآية في غاية المناسبة إنها تعليق على زخرف الحياة الدنيا وبهرجتها قال تعالى:(وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ). وقوله :(وَمَعَارِجَ) المعارج :هي الدرج، جمع: معراج، والمعراج السُلّم، ويقال :ليلة الاسراء والمعراج، الإسراء: من مكة إلى بيت المقدس ،والمعراج: إلى السماء, والمعنى: فجعلناها معارج من فضة عليها يظهرون، على المعارج يرتقون ويصعدون. يقال: ظهرت على البيت أي !علوت سطحه.

(وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ) أي :وجعلنا لبيوتهم أبواباً من فضة ,وسرراً من فضة عليها يتكئون, يعني على السرر. (وَزُخْرُفًا) ولهذا سميت سورة الزخرف؛ لأنه ما ذُكر هذا اللفظ إلا في هذه السورة. والزخرف :هو الذهب وقيل :الزينة أعم من أن تكون ذهباً أو غير ذهب.

(وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ) ثم أخبر الله تعالى أن جميع ذلك إنما يتمتع به في الدنيا فقط هل رأيتم غنياً أو ثرياً أو ملكاً ذهب بشيء من ماله إلى قبره؟! أبداً. قال النبي u: "يتبع الميت إلى قبره ثلاثاً أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله". (وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ولذلك قال النبي u: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء" لكن ما تعدل شيئاً!. قال ابن القيم: ما ذكر الله الدنيا في القرآن إلا ذاماً لها ومحقراً لشأنها. وفي سنن الترمذي: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً. هذه الدنيا التي من أجلها يتنافس كثير من الناس ويتقاطعون ويتحاسدون ويتباغضون ويقتتلون لا تستحق شيئاً عند الله I لا قيمة لها أبداً، ليس لها قيمة عند الله واقرأ في القرآن تجد الخبر اليقين (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) التوبة) (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ (32) الأنعام) (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ (45) الكهف) (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ). قال الحسن البصري: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك ذلك فكيف لو فعل؟!. قال بعض السلف لرجل: تريد أن أريك لدنيا؟ تعال، فذهب إلى أحد المزابل فقال انظر إلى سمنهم وعسلهم ودقيقهم! هذه هي الدنيا! والنبي e خاف علينا من الدنيا فقال: اِتقوا الدنيا واتقوا النساء. وفي الترمذي: لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال. وقال u: فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم. ما خاف علينا من الفقر وإنما خاف علينا من الدنيا. (وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) فمن اتقى الله تعالى وترك الشرك والمعاصي وآمن به وحده وعمل بطاعته فإنها الباقية التي لا تفنى هذه الدار (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ (64) العنكبوت) فهي الحياة الدائمة الباقية (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).

ثم قال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴿٣٦﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٣٧﴾) فمن أعرض عن ذكر الله تبارك وتعالى من أعرض عن القرآن وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلّين يعاقبه الله بشيطان يلاحقه ويلازمه فيكون قريناً له فلا يهتدي لأن الجزاء من جنس العمل مجازاة له حين آثر الباطل على الحق. انظر الآن في أحوال بعض الناس الذين أعرضوا عن القرآن الكريم وأعرضوا عن سنة سيد المرسلين وأعرضوا عن كتب السلف الصالح وذهبوا إلى كتب أهل الكلام وكتب أهل الفلسفة والروايات الملحدة والآراء الشاذة انظر ما هي النتيجة؟! صار قائلهم يقول على الله جل وعلا الكذب والزور والبهتان ويُلحد بآيات الله ويسخر ويستهزئ بالله وآياته وبرسوله e فهذا نتاج خبيث لعمل سيء قبله. (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) فمن أعرض عن ذكر الله فإن الشيطان يلزمه والعياذ بالله يكون ملازماً له لا يفارقه يوسوس له بل لربما زُيّن له سوء عمله فيراه حسناً كما قال الله (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا (8) فاطر) لأن بعض الناس من ضلاله يتصور أن الشخص لا يكون مفكراً ولا مثقفاً ولا راقياً ولا متعلماً إلا إذا قرأ في كتب أهل الفلسفة وكتب أهل الكلام وفي الكتب المنحرفة التي تحمل آراء شاذة، يقول هذا إنسان بسيط هذا إنسان ما قرأ في هذه الكتب! ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" لما ذكر قصة الثلاث الذين خلفوا واستنبط منها الدروس والعبر وكان فيها قصة كعب رضي الله عنه لما جاءه كتاب من ملك غسّان يقول له: أنا بعد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان فالْحَقْ بنا نواسِك قال كعب فأحذت الكتاب فذهبت به إلى التنور فسجرته أي أحرقته. قال ابن القيم وهذا فيه دليل على إحراق كتب أهل الكفر والزندقة وأن الإنسان لا يُنظر فيها لا يجعل قلبه مجالاً لتخطفه هذه الشُبَه فإن القلوب ضعيفة. قال بعض السلف من سمع ببدعة فلا يحكيها لجلسائه لئلا يزينها الشيطان في قلوبهم، نسأل الله لنا ولكم الثبات. (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) يصدونهم عن طريق الحق، الشياطين الذين قيضهم الله لكل من أعرض عن ذكر الرحمن يحولون بينهم وبين سبيل الحق (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) يظنون أنهم على حق (حَتَّى إِذَا جَاءنَا) الشيطان قال الكافر مخاطباً الشيطان (قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) يتمنى الكافر أن يكون بينهما بعد المشرق والمغرب، يتمنى الكافر أن يكون بينهما بعد أطول مشرق يوم في السنة من مشرق أقصر يوم في السنة، فبئس القرين أي الشيطان أنت كما قال الله I (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) الفرقان). (وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ) هذا حكاية لما سيقال لهم يوم القيامة (وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ) أي لأجل ظلمكم لأنفسكم في الدنيا (أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) لأن لما كان المُصاب إذا شاركه غيره في مصيبة يحصل له نوع من التأسّي نوع من التخفيف كما قالت الخنساء تبكي أخاها:

ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن أسلّي النفس عنه بالتأسي

فالإنسان إذا علم أن فلاناً وفلاناً قد أصيب مثله تأسى بعض الشيء. قال الله (وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) لا ينفعكم اشتراككم في العذاب أي لن يخفف عنهم شيء من الاشتراك في العذاب كما هي الحال للناس في الدنيا إذا أصيبوا بمصيبة وأصيب غيره قال الحمد لله لست وحدي، فيها لا شيء في الآخرة كلهم مشتركون في العذاب لكن لا يشعرون بالتخفيف والعياذ بالله (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) الزخرف).

ثم رجع السياق لما ذكر الله I حالهم ذكر أن الدعوة والوعظ لا ينفع من سبقت له الشقاوة فقال (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وهذه الآية مرت معنا في سورة النمل وفي غيرها أنك لا تهدي من كان كذلك فهؤلاء الكفار بمنزلة الصمّ الذين لا يسمعون وبمنزلة العُمي الذين لا يبصرون لإفراطهم في الضلالة (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) بالموت قبل أن ينزل العذاب بهم (فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ) في الدنيا والآخرة. (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ) من العذاب قبل موتك (فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) متى شئنا عذّبناهم. قال كثير من المفسرين وقد أراه ذلك يوم بدر أقر الله عين نبيه e من هؤلاء ثم فتحت مكة وصارت دار إسلام. فاستمسك يا محمد بهذا القرآن استمسك بالذي أوحي إليك ولو كذب به من كذب ووالله ما يقي الإنسان من الشبهات والفتن مثل التمسك بالقرآن. هل تعلمون زمناً أكثر فتناً وشبهات من زمننا هذا؟ ما نعلم زمناً أعظم شبهات من هذا الزمن فمن أراد أن ينجيه الله فتن هذا الزمان وشدائده فليقرأ قوله الله وليعمل بقول الله U (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) فالقرآن العظيم وتدبره العمل بما فيه أعظم سبب للثبات على الحق. (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) على طريق واضح ثم قال تعالى (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ) فهو شرف لنبيه عليه الصلاة والسلام وشرف لقومه إن تمسكوا به قال الله تبارك وتعالى (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) الأنبياء) فيه شرفكم وعزّكم والقرآن يفسر بعضه بعضاً. وسوف تُسألون عما جعله الله لكم من يُسأل الإنسان يوم القيامة ماذا عمل بهذا القرآن (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) قال العلماء إن المعنى واسأل أمماً ممن قد أرسلنا ومعنى الآية سؤالهم هل أذِن الله بعبادة الأوثان؟ لا، لم يأذن الله تعالى بعبادة الأوثان في أي ملة من الملل الأوثان (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) لم يجعل الله I في ملّة من الملل أن الأوثان تُعبد أبداً والمقصود تقريع مشركي قريش أن ما هم عليه لم يأتي بشريعة من الشرائع.

ثم قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) موسى عليه الصلاة والسلام سبق ذكر قصته وأقرب تفصيل فيها في سورة غافر فلما أعلم نبيه أنه منتقم له من عدوه وذكر اتفاق الأنبياء على التوحيد أتبعه بذكر قصة موسى u وما نزل بفرعون وقومه من النقمة فأرسل الله موسى بالآيات التسع التي تقدم بيانها في قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (101) , (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ (133) , (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) وهم الأشراف (فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لك (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ﴿٤٧﴾) يسخرون ويستهزئون (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) كل واحدة من آيات موسى أكبر مما التي قبلها وأعظم قدراً مع كون التي قبلها آية عظيمة في نفسها. (وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) بسبب تكذيبهم بهذه الآيات، العذاب هو المقصود بقوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) وأخذ الله فرعون وجنده أخذاً مفاجئاً حين أغرقهم. (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ) وكانوا يسمون العلماء سحرة وكانوا يوقّرون السحرة ويعظّمونهم ولم يكن السحر صفة ذمّ عندهم. يقول بعض المفسرين أن قولهم (يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ) ليس على سبيل السخرية والاستهزاء وإنما على حقيقته أنهم كانوا يسمون العلماء سحرة فخاطبوه بالساحر من باب التعظيم لموسى وقيل أنه على العكس، يقولون يا أيها الساحر من باب السخرية والاستهزاء. (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ) أي ما أخبرتنا من عهدنا إليك أنه إذا آمنا كشفت عنا العذاب (إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ) إذا كشف عنا العذاب الذي نزل بنا (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) دعا موسى u وكُشِف عنهم العذاب ولكنهم استمروا في طغيانهم يعمهون. (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ) لما رأى تلك الآيات خاف أن يميل القوم إلى موسى u فجمعهم ونادى بصوته فيما بينهم (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) ما ينازعني فيه أحد ولا يخالفني فيه مخالف (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) من تحت قصري أنهار النيل أو أراد بالأنهار القوّاد والجند والجبابرة أنهم يصيرون تحت لوائه أو المقصود نهر النيل يجري من تحته أجرى له من تحت قصره طريقاً (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) يقول ابن الجوزي: عجباً لفرعون افتخر بنهر ما أجراه! افتخر بالماء فأغرقه الله بما افتخر به. فرعون افتخر بنهر ما أجراه ما أجراه، الأولى أنه ليس هو الخالق والمتسبب في جرياته، والثانية ما أجرأه على الله. (أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٥١﴾ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) يقصد فرعون لعنه الله موسى u يقول أنا خير أم موسى؟ (مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) مهين ضعيف (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) كان في لسانه عقدة كما قال في سورة طه (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)) .

(فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ) الطواغيت والكفرة همهم الدنيا فقط، ميزانهم الدنيا (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ) يعني هلّا حُلّيَ بأساور الذهب إن كان عظيماً وكان عادتهم أن الرجل إذا كان له مكانة عظيمة يحيطونه بقلائد الذهب وبأساور الذهب. (أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) يمشون معه وهذا يشبه ما جاء في سورة الإسراء في قول الكفار (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿٩٠﴾ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ﴿٩١﴾ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ﴿٩٢﴾ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴿٩٣﴾). قال الله (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) حملهم على خفه الجهل والسفه في قوله وغروره فأطاعوه (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) خارجين عن طاعة الله U استجهل قومه فأطاعوه لخفة عقولهم. (فَلَمَّا آسَفُونَا) والأسف أشد الغضب (انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) جعلناهم قدوة بهملهم للكفار في استحقاق العذاب ومثلاً الآخرين.

ثم قال تعالى (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) جاء في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني رحمهم الله من حديث ابن عباس t قال: إن رسول الله e قال لقريش يا معشر قريش إنه ليس أحدٌ يُعبَد من دون الله فيه خير وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم وما تقول في محمد فقالوا يا محمد ألست تزعم أن عيسى كان عبداً من عباد الله صالحاً فلئن كنت صادقاً فإن آلهتهم كما تقولون فأنزل الله (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) يضجّون (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ) الذي هو خروج عيسى بن مريم قبل يوم القيامة وهذا الأثر الأرجح أنه موقوف إلى ابن عباس t ولا يصحّ رفعه. فالله تبارك وتعالى لما قال (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلهاً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم إلهاً فأنزل الله (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) وقال بعض المفسرين أن هذا الآية نزلت في مجادلة رجل كافر يقال له ابن الزبعري مع النبي e وقال إني خصمتك يا محمد ورب الكعبة، قال كيف؟ قال إن النصارى يعبدون المسيح وفي القرآن (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) كيف عيسى أليس نبياً كيف يكون في النار؟! فنزلت (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) الأنبياء) المقصود من (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) إذا كان قومك يا محمد من هذا المثل المضروب يصدّون يعني يضجّون فرحاً بذلك المثل المضروب. لما ضرب e المثل بعيسى u ظنوا أنهم انتصروا عليه وفرحوا بذلك وأنهم خصموه كما يقولون (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) يصدون يعني يضجون يقال صدّ يصدّ صديدا إذا ضجّ وقيل إنه بالضم وقيل معناه يعدلون (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) آلهتنا خير أم المسيح؟ قال الله ما ضربوه لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك بل هم قوم خصمون هم قوم عندهم شدة في الخصومة وعندهم لدد. ثم بين سبحانه أن عيسى ليس برب وإنما هو عبد أنعم الله عليه بالنبوة (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) آل عمران) (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (75) المائدة) أكرمناه بهذه النبوة وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل أي جعلناه آية لهم وعبرة لهم يعرفون قدرة الله تعالى حيث خُلق عيسى u من أم بلا أب وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص وكل مريض بإذن الله. (وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) لو نشاء أهلكناهم وجعلنا بدلاً منكم ملائكة في الأرض يخلفونكم فيها. (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ) المراد المسيح عيسى بن مريم وقد جاء في قرآءة "وإنه لعَلَمٌ للساعة". فعيسى u نزوله في آخر الزمان من أشراط الساعة وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبو هريرة t أن النبي e قال: والذي نفسي بيده لينزلنّ فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فليكسرنّ الصليب وليقتلنّ الخنزير وليضع الجزية لا يبقى إلا الإسلام وقد أجمعت الأمة على هذا وقال تعالى (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) فإن عيسى بن مريم u من أشراط الساعة نزوله في آخر الزمان ينزل ويحكم بشريعة محمد e ويقتل المسيح الدجال وهذه الأحاديث ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما وقد ألّف بعض أهل العلم كتاباً سمّاه " التصريح بما تواتر في نزول المسيح" ألُفه بعض العلماء في القرن الرابع عشر من الهند، فالأحاديث في نزول المسيح عيسى ابن مريم متواترة وأن عيسى ابن مريم مسيح الهدى هو الذي يقتل مسيح الضلالة المسيح الدجال. (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) لا تشكّوا

 

﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٢﴾ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٦٣﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦٤﴾ اتبعوني فيما آمرك به من التوحيد وترك الشرك والعمل بفرائض الله U فهذا الذي آمركم به وأدعوكم إليه طريق قيم موصل إلى الحق (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) لا تغتروا بوساوسه وشُبَهِه التي يوقعها في قلوبكم فيمنعكم ذلك من اتباعي لأن الشيطان يقف لابن آدم في جميع طرق الخير، طريق التوبة، طريق الفرائض، يقف له في طريق حِلَق العلم (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) بيّن العداوة مُظهِر لعداوتكم. ووقع بين أبينا آدم u وبينه ما هو معلوم مذكور في القرآن ولهذا تعهد أن يغوي جميع بني آدم قال (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أعاذني الله وإياكم من شر ابليس وجنوده من الجن والإنس وذريته إنه على كل شيء قدير.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل