القلب بين النفس والروح

القلب بين النفس والروح

بقلم سمر الأرناؤوط (موقع إسلاميات)

(موسوعات وعجائب القلوب – الشيخ محمد حسين يعقوب بتصرف)

القلوب بيد الله سبحانه وتعالى قال صلى الله عليه وسلم: "ما من القلوب قلب إلا هو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه".

إذا نظرنا إلى جسد الإنسان ومحل القلب منه نجد أن القلب جعله الله تعالى في الجهة اليسرى من الجسد مائلًا إلى الجهة اليمنى ووضعه بهذا الشكل لحكمة فسبحان الذي أحسن كل شيء خلقه وتبارك صنع الله الذي أتقن كل شيء ميل القلب إلى اليمين هو معنى حنيفًا أي مائلًا، فالمطلوب من الإنسان أن يكون مائلًا لربه، لا يمكن أن تكون وسطًا بين الدنيا والآخرة وإنما ينبغي أن تكون مائلًا للآخرة (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كـحب الله) لا يمكن أن يجتمع حب الدنيا وحب الله في قلب (والذين آمنوا أشد حبًا لله) هذا هو الميل المطلوب.

إذا تصورنا القلب في الوسط وفوق القلب الروح وتحته النفس وبين القلب والروح باب وبينه وبين النفس باب فإذا فتح باب الروح دخل منه (قل الروح من أمر ربي) فطرد الظلمة من القلب وغمره النور وإذا فتح باب النفس دخل منه (إن النفس لأمارة بالسوء) فدخلت الظلمة فطردت النور وأخرجته من القلب، فإذا فتح باب الروح أُغلق باب النفس وإذا فتح باب النفس أغلق باب الروح وهنا مكمن الخطورة، المفتاح بيدك أنت، أنت تفتح باب الشهوات على قلبك، القلب دائم الامتلاء والتفريغ كلما دخله حب لله وإرادة على الطاعة ومجاهدة خرجت منه الشهوات والمعاصي وحب الدنيا وكلما دخلته الشهوات وحب الدنيا خرج منه حب الله والسعي للآخرة.

الغنى العالي هو أن يرضى القلب بحب الله تعالى لأنه إن أحبه مخلصًا صادقًا فإنه يستغني به عن كل حبّ في الدنيا وحب للدنيا وما فيها من شهوات وزينة. الغني بالله تعالى لا يشعر بمن يحبه ومن لا يحبه، ولا يشعر بمن يمدحه ومن يذمّه وقيل: لا يبلغ العبد التُقى حتى يستوي عنده المادِح والذامّ. قال ابن القيم في الإخلاص: لا يجتمع الإخلاص في القلب والطمع فيما في أيدي الناس وحب المدح والثناء فإذا رُمتَ الإخلاص فقُم إلى الطمع فاذبحه بسكين اليأس وازهد في المدح والثناء زهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا قلتَ ما الذي يسهّل عليك ذبح الطمع؟ قلتُ أن تعلم أنه ما من شيء إلا وبيد الله خزائنه (وما ننزله إلا بقدر معلوم). لا تطمع فيما في أيدي الناس ولا تطمع فيما في قلوب الناس، ولا تطمع في محبة الناس تريدهم أن يحبوك، تريدهم أن يمدحوك، تريدهم أن يُثنوا عليك ويرضوا عنك، كل هذا ينافي الإخلاص. قد يصل الطمع فيما في قلوب الناس إلى التفريط في إخلاص العمل لله تعالى.

وهذا لا ينافي ما في الحديث: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، ما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الطلب لكن قال له: ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس. ازهد في الناس يحبك الناس، وكلما أقبلت عليهم قلوك (أي ابتعدوا عنك). الرسول صلى الله عليه وسلم أجابه بما يطهّر قلبه من هذه الآفة. وجملة (ما في أيدي الناس) لا تعني فقط ما يملكوه من أشياء مادية وإنما يشمل أيضًا قلوبهم وألسنتهم ومحبتهم وثناءهم ومدحهم، فازهد في الناس حتى في محبتهم لا تسعى لها تريد رضاهم وثناءهم عليك ومحبتهم، اِلجأ لله تعالى واجعل غايتك حبّه ورضاه يسخّر لك قلوب الخلق بأمره سبحانه. ولا يكن همّك ما مقامك عند الناس وماذا يظنون بك وإنما ليكن همّك ما مقامك عند ربك؟ وهل هو راض عنك؟ فإذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيمَ أقامك.

اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك..

 اللهم اجعل حبك ورضاك غايتنا وانزع اللهم من قلوبنا كل من وما يهوي بنا إلى معصيتك أو يشغلنا عن ذكرك وطاعتك أو يصرفنا عن عبادتك حق العبادة يا ذا الجلال والإكرام.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل