تفسير سورة فصلت - المجلس الثالث والأخير - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة

تفسير سورة فصلت - المجلس الثالث والأخير

د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٤٠﴾)

ثم قال U (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً) من الأدلة الظاهرة البينة على قدرته وعلى ألوهيته أنك ترى الأرض خاشعة. هذه الآية تشير إلى نوع من الأدلة التي قدّمنا كلامنا في أول لقائنا اليوم حيث ذكرنا أن أدلة القرآن على إثبات البعث تأتي على أنواع ثلاثة منها الاستدلال بإحياء النبات وإحياء الأرض على إحياء الموتى وهذه الآية من أوضح الأدلة على هذا المعنى حيث يقول U ومن آياته الدالة على قدرته ووحدانيته أنك ترى الأرض خاشعة ومعنى خشوع هذه الأرض الاستكانة التي سببها الجدب ويبس الأرض وقلة المطر الغيث فتيبس الأرض وتراها كأنها ميتة سبحان الله. (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) هذا الاختيار للفظ الاهتزاز ولفظ الربوة دقيق في معناه وفي دلالته وهذا ما يؤكده أهل العلم الجديث، أهل العلم بطبقات الأرض والجيولوجيا يقولون إن أول ما ينزل المطر تهتز الأرض تتشقق، اهتزت يعني تشققت، ثم تربو، ربت يعني ترتفع، ترتفع الأرض إما بسبب المطر أو بسبب النبات الذي يخرج منها. يقولون إذا نزل المطر بدأت البذور بالحركة والنمو، هذه الحركة تسبب اهتزازاً، ولذلك من يرى منكم مع العلم الحديث التصوير بالكاميرا يصورون مدة شهر كامل ويسرّعونها فترى الأرض تهتز سبحان الله وتراها تربو لا يمكن أن تعرف هذا إلا بالتسجيل مدة فترة طويلة وتسرّع حتى تستطيع أن ترى هذا الاهتزاز وهذه الزيادة فيها وهذا من عجائب قدرة الله تعالى، (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)، وتربو بالنبات التي يخرج منها فأحيا هذا النبات من أرض ميتة، أحياها من أرض ميتة دلالة على كمال القدرة ولذلك اِستدل بهذا الإحياء للنبات إحياء الموتى فقال إن الذي أحيا هذه الأرض الميتة لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير.

ثم قال U عَوْداً على الموضوع الأساسي المتعلق بالقرآن الكريم وموقف المكذبين منه قال (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) الإلحاد الميل بها فيميل بها بأنواع من الميل هناك الميل بمعنى التكذيب بها والإعراض عنها والكفر بها وهناك أنواع من الإلحاد أقل مثل التحريف لها لمعانيها أو التعطيل لدلالاتها، هذا يسمى إلحاداً ولذلك قال تعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ (180) الأعراف) قال يلحدون يعني يميلون بها عن معناها. فيأتي الإلحاد بمعنى الكفر والتكذيب ويأتي الإلحاد بمعنى الميل بها عن دلالاتها ومعانيها الحقّة وكل ذلك ضمن الإلحاد (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) لا يغيبون عنا بل الله مطلع عليهم عالم بأحوالهم ولهذا قال (أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هذا الاستفهام تعريض بالملحدين في آياته بمعنى أن الذين يلحدون في آياته سيلقون في النار ولذلك قابلهم بحال من يأتي آمناً يوم القيامة آمناً على نفسه، آمناً من العقوبة، آمناً من النار آمناً من عذاب الله مستحقاً لثوابه. وهو أيضاً إيماء إلى أن الذين لا يلحدون بآيات الله أن لهم الأمن يوم القيامة وبهذا نفهم لماذا جاءت هذه الجملة (أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) قوله (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) هو تهديد في أسلوب العرب بل هو غاية في التهديد كقوله U (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴿٤﴾ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾) فهي تتضمن معنى التهديد لهم ولذلك قال (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا يخفى عليهم عملكم إن كان خيراً أو كان شرًا. ثم قال U بعد أن ذكر الإلحاد في الآيات عامة الآيات الكونية والآيات القرآنية جاء التنصيص على القرآن الذي هو الموضوع الرئيس في السورة فقال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)) أوصاف في غاية العظمة لهذا الكتاب العزيز، قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ) سماه ذكراً لأنه يحصل به التذكر من قرأ القرآن حقًاً تذكّر، (لَمَّا جَاءهُمْ) منّة من الله ونعمة أنزله الله إليهم، قال (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) منيع عالي الشأن رفيع الجناب لا يُنال ولا يُطال ولا يستطيع كائن من كان أن يقارنه ولا يستطيع كائن من كان أن يبدّل فيه أو يغيّر فيه وهذه الأوصاف خاصة بهذا الكتاب كتاب عزيز ما يستطيع أحد أن يجاريه أو يعارضه ولا يستطيع أحد أن يتلاعب به. وهذه من صفات القرآن الكريم، الآن لو يأتي أي مُبطل يحاول أن يغيّر حرفاً واحدًا من كتاب الله لعلمه صبيان المسلمين وردّ عليه صبيان المسلمين الذين يلعبون في الشارع وهذا من فضل الله U على هذه الأمة ولذلك قال (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) إشارة أنه لا يأتيه الباطل من أي جهة لا يأتيه الباطل في معانيه لا يأتيه الباطل في دلالاته لا يأتيه الباطل في أحكامه وشرائعه مهما يحاول المبطل أن يبحث عن باطل فيه لا يستطيع، فهو يخبر الخبر الحق ويدل على الههدى وتتضمن أحكامه غاية من النفع للناس لا تناقض فيها لا تعارض وهذا معنى لا يأتيه الباطل، لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) من الحكيم المحكِم في قوله وقضائه وقدره وهو حميد محمود بكل أنواع المحامد ذاتاً وصفة U فهو حميد يحمد على ذاته وعلى صفته وعلى أفعاله U. وهو U الذي يُحمد على السراء والضراء وما هناك أحد غيره يُحمد على الضراء غيره U لأنه لا يقضي قضاء لعبده إلا كان خيراً له.

ثم قال الله U بعد ذلك (مَا يُقَالُ لَكَ) وهذا يأتي أيضاً في سياق الموضوع الأساسي للسورة المتعلق بالقرآن الكريم (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) ما يقال من الوحي والشرع والتكليف إلا مثل ما قيل للرسل من قبلك وهذه إشارة أنك أيها النبي لم تكن بدعاً من الرسل لم تكن جئت بأمر جديد لا علم للناس به ولا خبرة لهم به بل أنت مثل من سبقك من المرسلين الأنبياء السابقين جئت بمثل ما جاؤوا به وقيل لك وأُمرت بمثل ما أمر به من قبلك من الرسل (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) فهذا فيه إشارة إلى أن الأنبياء كما قال e "أبناء علاّت أبوهم واحد وأمهاتهم شتى" أصل الرسالة الإلهية واحدة هي الدعوة إلى أصول الإيمان، الإيمان بالله ورسله وكتبه وقضائه وقدره وواليوم الآخر، دعوتهم واحدة في الأصول (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) في الأصل أنتم واحد ولهذا قال U (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (13) الشورى). فقوله (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) تشنيع على الكفار أن النبي لم يأتي بشيء جديد لا علم لهم به ولا معرفة ويعرفون الذي جاء به لم يكن بدعًا فقد سبقه به الأنبياء والرسل. (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ) ذو مغفرة لمن أطاعه وذو عقاب أليم لمن عصاه.

ثم قال الله U بعد ذلك (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ) يعني هذا الكتاب الذي أوحيناه إليه وأنزلناه إليك (تنزيل من حكم حميد) لو جعلنا (قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا) لو أنزلناه بلغة أعجمية غير العربية وكل ما لم يكن عربيا يسمى أعجمياُ لقال كفار مكة (لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) لولا بينت آياته ووضِّحت فنفقهها ونعرف معناها وما تدل عليه فرد الله عليهم (أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) هل يصح أن يكون هذا الكتاب القرآن أعجمي ولسان الذي أنزل عليه عربي؟! لا يستقيم. إذن من المنطق أن يكون القرآن الذي ينزل بلغة الرسول الذي أُرسل به وبلغة القوم الذي يأتيهم، وهو تشنيع عليهم أن هذا الكتاب نزل بلغتكم وفي أعلى مراتب الفصاحة وأنتم تشهدون بهذا فكيف تزعمون أن آياته لم تفصَّل وأن آياته لم توضَّح؟! ولذلك قال (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء) هذه أوصاف القرآن، لكن لمن؟ للذين آمنوا، هدى يهديهم وشفاء مطلق. أولاً (هدى) هذا الهدى العام أعلى مراتب الهدى هو الهدى الموصل إلله أعلى مراتب الهداية لكن القرآن فيه سبحان الله حتى يهدي الإنسان في حياته في تصرفاته، من قرأ القرآن فهم معانيه حتى في تصرفاته مع الناس يهديه بل حتى في حكمه على أحوال الأمم ومعرفة تاريخ الأمم من خلال قرآءة القرآن والتأمل فيه يعرف السنن الكونية والسنن الاجتماعية، من أحسن قرآءة القرآن أحسن التعامل مع واقعه وعلم الصواب في ذلك. فهو كما قال U (هدى) هو هداية موثل إلى الله في الآخرة وهو هداية في كل أحواله، يقول e :"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي". ثم قال (وشفاء) لفظ الشفاء جاء هنا نكرة ليدل على العموم غير مقيدة بنوع من الشفاء والأمراض نوعين أمراض حسية وأمراض معنوية. الأمراض الحسية مثل الجرح أو الألم والأمراض المعنوية أمراض القلب مثل ضيق الصدر والحزن والهم والشك والريبة والشٌبه والقرآن شفاء من هذا وهذا وليس فقط شفاء من الأمراض الروحية النفسير بل هو شفاء من هذه الأمراض وشفاء من هذه الأمراض، هذا ما يدل عليه ظاهر القرآن قال شفاء وأطلق، والتجربة دالة على ذلك. أما الشفاء المعنوي فكل الناس يعرفه لكن حتى الشفاء الحسي القرآن فيه شفاء للأمراض الحسية . تعلمون قصة اللديغ سيد القوم الذي لدغته ثعبان فجاؤوا إلى بعض الصحابة فقالوا هل فيكم من راقي؟ فقال أحد الصحابة نعم، فجاء عليه فقرأ عليه الفاتحة سبع مرات يقرأ ثم ينفث فيه يقرأ ثم ينفث قال الراوي فكأنما نشط من عقال مثل الدابة إذا رُبطت ثم لما يفك قيدها تنطلق، فقام الرجل سليماً ما به أي شيء والسمّ مرض حسّي فعافاه الله منه ولذلك أهل التجربة يقولون إذا كان الإنسان بمكان نائي وليس عنده طب ولُدِغ فليقرأ القرآن ولينفث فإما أن يشفيه الله U أو يخفف من هذا السمّ. فهو شفاء حسّي وشفاء معنوي.

ثم قال U هذا للذين آمنوا، ثم قال (وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) في آذانهم وقر ثقل فلا يستطيعون سماعه وهو عليهم عمى قلوبهم تعمى عنه فلا تبصره ولا تهتدي إليه ولا تجيب الداعي إليه ولهذا قال (أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) فهم كمن يُنادى من مكان بعيد جداً الآن إن ناداك شخص من بعيد فأنت تسمع صوتاً لكنك ما تميز هذا الصوت ولا تدري ما يقوله. فانظر إلى هذا التشبيه الدقيق للكافر كهذا الذي يدعى من مكان بعيد يسمع صوتاً لكن لا ينتفع بهذا الصوت كهذا الذي ينادي من بعيد هم صحيح يسمعون القرآن يسمعون حروفه وصوت القارئ له لكنهم لا ينتفعون به فلما لم ينتفعوا به كان مثلهم مثل الذي ينادى من بعيد لا يفهم الكلام الذي يقال له فلا ينبته له. لو شخص تصرخ عليه تحذره من خطر يأتيه قريب منك يسمع صوتك ويسمع حركتك لكن ما يفهم فهل سيحذر هذا الخطر؟ لن يحذر منه ولن ينتفع به. ثم قال U (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) وهذا يتفق مع سياق الآية الكريمة في ذكر الكتب السابقة ومن أعظمها التوراة (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ) ومع ذلك وقع فيه الاختلاف ولهذا قال U (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) بين المختلفين في التوراة أو في غيرها من كتب الله (إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ) من كتاب الله U أو كتبه في شك مريب، الشك هو التردد هذا الشك يوقعهم في الريب فيرتابوا لا يدرون هل يسلكون هذا الطريق أم هذا الطريق؟! وهذا سبحان الله حال المعرِض عن كتاب الله أن يقع في الحيرة والتردد وانظروا أحوال الناس البعيد عن كتاب الله هو في حيرة وتردد وفي اضطراب لكن المستمسك بغرز كتاب الله فإنه يبصر الحق ويهتدي إليه.

قال الله U بعد ذلك (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) من عمل صالحاً من هؤلاء فلنفسه أي هو الذي سيجني ثمره في الآخرة ومن أساء فعليها لأنه هو الذي سيحاسب بها (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) سبحانه وبحمده بل يوفي كل نفس ما عملت بل إن الحسنة عنده بعشر أمثالها إل أضعاف كثيرة ويزيد والسيئة بمثلها ومن هم بسيئة ولم يفعلها كتبت له حسنة ومن همّ بسيئة ففعلها ثم تاب محاها الله وبدلها حسنات ولذلك يقول السلف: ويل لمن غلبت آحاده عشراته، الآحاد هي السيئات فكيف تغلب الآحاد العشرات؟! ولذلك الله U يقول (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا (160) الأنعام) فمن غلبت آحاده عشراته ويل له.

ثم قال U بعد ذلك (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ﴿٤٧﴾ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ﴿٤٨﴾) هذه الآية تبين بعض العلم الذي اختص به الله U فلا يعلمه أحد غيره (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ) إليه وحده عز وجلّ يرد علم الساعة، علم قيام الساعة لا يعلمه إلا الله ومن تكلم في هذا الباب وادّعى فهو كاذب على الله من وقّت أوقاتاً أو حدد أزمنة فهو كاذب على الله ومفتري حتى لو انتسب إلى العلم وحتى لو انتسب إلى الشريعة فهو كاذب على الله لأنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله. قال (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا) أنواع الثمر الذي يخرج وأنواع ما تحمله هذا البذرة وهذه الثمرات التي هي في أكمامها الله U يعلمها. والمقصود بالأكمام الوعاء الذي تكون فيه الحبوب والبذر. فالله U يعلم ما سيكون من هذه البذرة هل ستنتج أو لا تنتج  هل ستثمر أم لا وما نوع ثمرها وما صفته وقدره كل هذه التفاصيل الله يعلمها. ثم قال (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) هو يعلم متى تحمل الأنثى ومتى تضع بعلمه لا يكون ذلك إلا بعلمه (وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) أي بإذنه العلم المقرون بالإذن له وهذا من علم الله U ولا يشكل على هذا أن الله U (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) يعلم U المقصود بالعلم الذي يعلمه U عن كل أنثى يعلم كل ما يتعلق بهذا الذي في بطنها من صفته وقدَرِه وجنسه ونوعه وما كتب له كل هذا لا يعلمه إلا الله. ولا يشكل على هذا أن الطب الحديث في الأشعة تبين جنس الجنين ونوعه هذا لا يُشكِل لأنه أصلاً قبل أن يستبين الجنس فقد علم الملائكة بهذا، أليس الله يبعث الملائكة فينفخ فيه الروح ويأمر بكتب أربع، هذا الملك يعلم صفته وجنسه، فانتقل من العلم الإلهي إلى أن يظهر من ذلك أن الملائكة تعلم بذلك. فلا إشكال عندئذ لأن هذا لم يعد خاصاً بعد ذلك، هذا أمر. والأمر الآخر أن علم الجنس هو جزء مما في هذا الرحِم ولكن الله يعلم تفاصيل هذا المخلوق وما الذي سيكون عليه في حياته وما يستقبل من عمره. قال U (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) أي هؤلاء الكفار المشركين (أَيْنَ شُرَكَائِي) الذين زعمتم أنهم شركاء يشفعون لكم عندي فيقولون (قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ) أصلها من أذِن، ومادة أذِن تُطلق على الإعلام وعلى العلم وعلى الجارحة المعروفة التي هي الأذن. الإعلام إعلان بدخول الصلاة، آذناك يعني أعلمناك ما منا من شهيد يشهد على هؤلاء الشركاء وأنهم ينفعون في هذا الموقف. (قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ) أعلمناك أن ما منا من أحد يشهد أن هذه الآلهة تنفع وأن لك شريكاً في هذا اليوم. ولهذا قال U (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ) ضل عنهم أي غاب عنهم ما كانوا يدعون في الحياة الدنيا، ما كانوا يدعون من قبل غاب عنهم. (وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ) تقدم معنا أن الظن بمعنيين معنى الشك وبمعنى اليقين وهنا بمعنى اليقين (وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ) المحيص يعني المكان الذي يحيدون إليه ويلجأون إليه، ليس لهم محيص عن عذاب الله وعقوبته ودخول النار ليس لهم محيص.

ثم بعد هذا الاستعراض للسورة الكريمة المتعلق موضوعها بالقرآن الكريم وموقف المشركين منه والرد عليهم تختم الآيات بذكر حال الإنسان وطبعه وبعض من خصائصه وفيها تعريض بالمشركين فيقول U (لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ) ما يمل الإنسان من دعاء الخير، هل رأيتم أحداً يمل من دعاء الخير ومن طلب الخير؟ لا أحد يمل منه ولا أحد يمل من الخير لو جاءه ألف يريد ألفين ولو جاءه خير يتمنى ضعفه، لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وطلبه، لا يمكن لأحد أن يقول يكفيني ما عندي. والخير كل أنواع الخير، المال وأي نوع من أنواع الخير قال (مِن دُعَاء الْخَيْرِ) تستغرق كل أنواع الخير المقصود في طلبه. في المقابل (وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ) فيه نوع من الجزع وهذا سبحان الله موجود عند كثير من الناس تجده عاش سنين طويلة في خير وبركة وصحة وموسّع عليه ثم إذا اصابه أدنى شر تجد علامات اليأس على محيّاه والقنوط والتسخّط وربما تخرج منه بعض الألفاظ تنافي الرضا بالله وبقضائه وقدره، أين هذا السنوات التي رفلت فيها بنعم الله وفضله؟! عندما أصابك أدنى مصيبة جزعت وأصابك اليأس والقنوط. فهو يصيبه اليأس من رحمة لله ويصيبه القنوط من فضل الله لأن هذا الأمر سيبقى عليه وأنتم إذا رأيتم أحوال الناس تجدون هذا الأمر تجده يقنط وتسود الدنيا في عينيه ويظن أن هذه نهاية الدنيا ونهاية حياته ويسيء الظن حتى بربه. ثم قال U بعد ذلك وهي تكشف عن الصفات النفسية للإنسان (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ) رحمة هنا جاءت مطلقة تشمل كل أنواع الرحمة إما في نفسه أو في ماله وولده أو أي أنواع الرحمة (لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى) إن أصابه الخير قال هذا لي أستحقه وأنا الذي تعبت عليه وهذه طبعاً صفات الكافر (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) وهَب أن الساعة قائمة وهناك ساعة ولقاء إن رُجعت إلى الله (إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى) لماذا تثق؟ هو ينكر الآخرة ويقول هب أن الساعة قائمة أكيد لي حسنى عند الله لماذا؟ يقول لأني أصبت الحسنى في الدنيا فإذا أصبتها في الدنيا فمعناها أني سأستحقها في الآخرة هذا تفكير المنطق الدال على خلل في الإنسان وعوج وعيّ فيه يفكر هذا التفكير. ولذلك قال U (فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) لننبئنهم بعملهم ونذيقهم جزاء عملهم من عذاب غليظ يعني من عذاب شديد عليهم. ثم قال (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ) إذا أصاب الإنسان نعمة ينسى ووهذا نجده في أحوال الناس إذا أصبته نعمة أعرض وتكبر على الناس وإذا عُيّن في منصب كبير بدأ يستكبر على الناس ثم ترك ذلك رجع كما كان. ولذلك يقول ابن القيم: في كل إنسان نفس فرعونية إما أن يهزمها بالتقوى والإيمان أو إذا وجدت أسبابها إما المال وإما المنصب أو الجاه تخرج هذه النفس ولا يمنعها إلا تقوى الله U. (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ) دعاء واسع لا يملّ من هذا الدعاء، دعاء عريض في كثرته وعريض في طلبه أن يكشف الله عنه وأن يرفع ما به من شدة وأن يبدله إلى الرخاء وإلى السراء.

ثم قال U (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أيها الكفار (إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ) الذي كان من عند الله هو القرآن وهو عود على موضوع السورة ويتناسب مع اسم السورة (فصلت) فهذا وصف للقرآن (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) وهذا سؤال من الحسن أن نختم به هذه السورة (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) وهذا لكل كافر لكل معاند لكل معرض عن الحق يُسأل هذا السؤال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) تقول للكافر وللمنافق والمجادل في الباطل هب أن هذا الكلام الذي أدعوك إليه هب أنه حق توقف! ماذا ينفعك هذا الشقاق وهذا الجدال؟ الشقاق أي المنازعة هذه المنازعة لا تنفعك ولو كنت أفصح الناس وتملك من الحجج ما يُسكتني فإن هذا لا ينفعك عند الله U إذا كان الذي أدعوك إليه هو الحق! هب أنك تغلبت عليّ بأسلوبك ومنطقك ومقدرتك فإن ذلك لا ينفعك عند الله عز وجلّ لا يغني عنك من الله شيئاً (مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) لا أحد أضل ممن هو في جانب بعيد عن الحق بعيد عنه حتى لا يلتقي معه لا أحد أضل منه وإن كان أفصح الناس وأبلغهم

 

ثم قال U (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (سنريهم) هذا التعبير يدل على التجدد يدل على أن الله لا يزال يُري عباده آياته في الكون وفي أنفسهم ولا نزال إلى أن يشاء الله يرينا الله آياته الدالة على وحدانيته والدالة على قدرته في الآفاق وفي أنفسنا إلى درجة أن يتبين لنا الحق لكن المعاند لا يستطيع المرء معه شيئاً. وبعض أهل العلم يحمل هذه الآية على الفتح الذي سيكون للمسلمين مثل ما قال النبي e "لا يدع الله بيت مذر ولا وزر إلا بلغه هذا الدين بعزّ عزيز أو ذل ذليل" هذه من آيات الله U والمعنى أعم أن الله U لا يزال يكشف ويبين لهم عن الآيات الدالة على عظمته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم الحق. (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) على معنى قد كفى بربك، هذا استفهام تقريري، قد كفى بربك أنه على كل شيء شهيد شاهد تعالى على صِدقك أيها النبي وشاهد على هذا القرآن بأنه الحق وشاهد على أفعالهم وكفرهم. ثم قال الله U (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) ألا إن هؤلاء الكفار في مرية أي في شك عظيم من لقاء الله يشكون في قدرة الله على بعثهم ويشكون في مرجعهم إلى الله U بعد مماتهم ولذلك قال (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) قد أحاط U علماً وقدرة وملكاً وتدبيراً بخلقه فلا يعزب عنه شيء ومن أحاط بخلقه على هذا النحو لا يعجزه أن يردّهم وأن يجازيهم على أعمالهم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل