تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة - د. علي الصلابي

تعامُل النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة

د. علي الصلابي

سواعد الإخاء – 3

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات حصريًا


تعامُل النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة موضوع عظيم وأصوله وأسسه موجودة في القرآن لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما بدأ في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بدأ في غرس مجموعة من العقائد ومن القيم ومن العبادات وهذه المواضيع موجودة في كتاب الله في القرآن الكريم وخصوصًا في القرآن المكي فأول موضوع عاملهم به غرس في نفوسهم التوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى فكان الصحابة رضوان الله عليهم كما بقية العرب كما قال الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الزخرف) لكن هناك معاني أخرى غُرست من خلال القرآن الكريم (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59) الأنعام) بالتالي الخشية ومعرفة الله سبحانه وتعالى (و وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) لقمان) هذه المعاني غرست في نفوس الصحابة رضوان الله عنهم وبالتالي تحولوا من نظرة ناقصة في النظر إلى الله سبحانه وتعالى وعرفوا من هو هذا الإله العظيم الذي يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى لكل الصحابة لأبي بكر وعمر وعثمان ولكل الصحابة.

النظرة الثانية نظرة الكون، هم عندهم معرفة بالثقافة العربية وهذه معرفة ناقصة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم من خلال المنهج (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴿١٠﴾ فصلت) فأعطاهم نظرة جديدة من المنهج من القرآن في النظر لهذا الكون

أيضًا الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة الحياة بينها لكل الصحابة رضوان الله عليهم (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴿٤٦﴾ الكهف) هذه كلها آيات مكية وبالتالي التأمل فيها كيف عامل الرسول صلى الله عليه وسلم للنظر في الأصول فيما يتعلق بالله فيما يتعلق بالحياة فيما يتعلق بالإنسان جاءت قصة آدم عليه السلام كاملة واضحة مفصّلة وما هو أصله وبيّن طبيعة هذا الإنسان وهذا العدو المستقبلي المتمثل في إبليس والضعف الإنساني وكيف اللجوء إلى الله بالتوبة (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾ الأعراف) هذه كل القيم غرست في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية فجاءت منظومة كاملة فيما يتعلق بالكون، فيما يتعلق بالحياة فيما يتعلق بالإنسان فيما يتعلق بالله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بالمخلوقات التي حوله (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) الأنعام)  فأصبح الصحابي ينظر لهذه المخلوقات التي خلقها الله وهذه الأمم (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء) فنقلهم النبي صلى الله عليه وسلم في منظومة متكاملة عقائدية وأخلاقية ولذلك جاءت (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ المؤمنون) قال الله سبحانه وتعالى (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴿٦١﴾ الفرقان) ثم بعد ذلك تكلم عن الأخلاق فقال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴿٦٣﴾ الفرقان) فبالتالي هناك ربط بين العقيدة بين الأخلاق بين القيم

ثم ربّاهم على قيام الليل الجانب الروحي حتى تتصل أرواحهم بالله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ المزمل)

ثم بين الرسول صلى الله عليه وسلم منهجه للصحابة بكيفية التواصل مع الله من خلال قيام الليل ولذلك وصفهم بقوله (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) منظر عجيب! هذا ساجد وقائم في المظهر الخارجي في الجسد ولكن في الداخل (يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:9]

هذه الآيات كلها مكية فكان الرسول صلى الله عليه وسلم تعامل معهم معاملة متكاملة شاملة فيما يتعلق بالأخلاق فيما يتعلق بالعقائد فيما يتعلق بالعبادة فيما يتعلق بأصل الإنسان فيما يتعلق بالكون بالحياة وكل هذا مستمد وموجود بين أيدينا نقرأ منه كل يوم في كتاب الله سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴿٢٩﴾ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٣٠﴾ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴿٣١﴾ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿٣٢﴾ فاطر)

هذا منهج النبي صلى الله عليه وسلم موجود بين يديك اِلتجئ لكتاب الله تر فيه العجائب يفتح الله قلبك ويظهر الله عقلك ويطهر الله نفسك، كل ما يتعلق بالحياة بالوجود بالسعادة الإنسانية ما يتعلق بالحضارات بالأمم بالدول بالصراع كلها في كتاب الله وبالتالي الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو تفسير عملي لكتاب الله.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل