تفسير سورة فصلت - المجلس الثاني - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة

تفسير سورة فصلت - المجلس الثاني

د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

قال U وهو يُخبر عن شهادة أعضاء الكفار عليهم يوم القيامة حيث قال U (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٢﴾ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴿٢٤﴾) لما شهدت عليهم جلودهم وسمعهم وأبصارهم وأنطقها الله قالوا لم شهدتم علينا؟ فردّت عليهم جلودهم في هذه المحاورة العجيبة التي تقع بين الإنسان وبين أعضائه، بين الإنسان وبين سمعه، بين الإنسان وبين بصره، بين الإنسان وجلده، أقرب شيء إليك أبعاضك هي التي تشهد عليهم (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ) ما كنتم تخفون عن الله وتستترون عن الله حتى ولو لم نشهد عليكم لأن الله U يعلم السرّ وأخفى ولا يخفى عليه شيء ولكن الذي منعكم من ذلك هو أنكم كنتم تظنون بل ظنكم السيء بربكم هو الذي منعكم من ذلك حيث ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً من عملكم فهو الذي أسلمكم إلى هذه الحال وقادكم إلى ما أنتم عليه. (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) هذا الظن السيء هو الذي أهلكهم فأصبحتم من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وخسروا أهليهم وخسروا جنته U ورضوانه ودخلوا النار (فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ). جاء التعقيب قال U (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) إن يصبروا على هذا العذاب فالنار هي مقامهم لا يخرجون منها ولا يتحوّلون عنها (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) إذا لم يحدث منهم الصبر، الإنسان إما إن يصبر أو لا يصبر فيطلب الغوث، إن يصبر فهذا مقامه ولن يخرج منه وإن لم يصبر فسيستغيث (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا) يطلبوا المعاتبة والاعتذار استعتبت فلاناً يعني طلبت عذره فيعذرني (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) ليسوا من المعذورين فإذن لا مصير لهم ولا ملجأ والعياذ بالله. ثم قال U (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ) لهؤلاء الظالمين الجاحدين المكذبين المعاندين قيضنا لهم شياطين قيضنا لهم قرناء يعني أصحاباً من الجن والإنس (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم) زينوا لهم هذه القبائح التي عملوها وجعلوها حسنة وهذه من أعظم الخذلان للعبد أن يخذله الله فيرى سيئاته حسنات وتزيّن له أعماله هذا من أعظم الخذلان لأن المؤمن قد يقع في المعصية وكلنا كذلك لكن لا يزال يرى نفسه تعاتبه وتلومه على ذلك لا يزال يرى في نفسه حسرة المعصية لكن المنافق والكافر تزين له معصيته فيراها حسنة فلا يوفق للتوبة ولا إلى الرجوع. قال الله U (فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) فزينوا لهم قبائح أعمالهم في الدنيا وركنوا إلى لذاتها وشهواتها وزينوا لهم ما خلفهم في الآخرة  فزينوا لهم أعملهم في الدنيا وزينوا لهم عاقبتهم في الآخرة (إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى) إذا رجع يطمع في ثواب الله وفضله جمعوا بين إساءة العمل في الدنيا والأمن في الآخرة فزينوا لهم أعمالهم في الدنيا وزينوا لهم عاقبتهم في الآخرة كقوله U (وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى (50) فصلت) فهو يسيء في الدنيا وإذا رجع إلى الله يطمع أيضاً في ثواب الله وفضله. هذا التزيين أنساهم الآخرة وأنساهم الاستعداد لها (فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) لما نسوا (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ) وهو قول الله U الذي كتبه وقضاه على أهل النار وما قدّره U وقضاه قبل خلق السموات فقضاؤه U حق عليهم وتحقق وظهر وقضاؤه U هو قوله (إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) هالكين ومصيرهم النار.

بعد أن ذكر الله U من بداية السورة إلى هذا الموضوع هذه الموضوعات المتعلقة بموقف المشركين من القرآن حيث قال U (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) هنا تعود الآيات الكريمة إلى ذات الموضوع مرة أخرى فتذكر جانباً من موقف المشركين من القرآن الكريم وما الذي يفعلونه في مواجهة هذا القرآن وما تضمنه، قال U (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) قال الذين كفروا يعني قال بعضهم لبعض يوصي بعضهم بعضاً قطعتهم الحجة القرآن غاية في الفصاحة، غاية في البيان تضمّن الهدى والرشاد، لا مدخل ولا مطعن فيه ولا مجال إلى الإنكار والتكذيب فماذا تواصوا عليه؟ قالوا نتواصى فيما بيننا أن لا نسمع لهذا القرآن (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ) لا تنصتوا، لو قرأ عندكم النبي e ماذا تفعلون؟ (وَالْغَوْا فِيهِ) اِرفعوا أصواتكم باللغو والكلام الذي يلهيكم عن سماع القرآن. أليس هذا هو الغاية في العجز؟ أنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا القرآن ولا أن يعارضوه ولا أن يردوا ما فيه من الحق فاستبدلوا ذلك بمحاولة صرف أنفسهم عن سماعه فلا يسمعونه ولو وقع لهم اتفاقاً سماعه فإنهم يلغون يرفعون أصواتهم باللغو في الكلام حتى ما يعلق في قلوبهم شيء من القرآن ولذلك صناديد قريش وكبراؤهم كأبي جهل والوليد كانوا في الليل يذهبون خلسة يستمعون لتلاوة للنبي e لأنهم أهل لسان ويعرفون مدى فصاحة هذا القرآن وهذا البيان وما فيه الهدى فيأخذ عليهم ألبابهم وعقولهم ولكنهم لعنادهم وتكبرهم لا يتبعونه مع أنهم يعلمون أنه الحق ولا يستطيعون سماعه عند الناس فكانوا يستمعون في الليل والنبي e كان يقرأ القرآن ويحيي الليل قرآناً فيأتون عند جدار بيته e يستمعون لتلاوته ويظنّون أن الليل يسترهم عن الناس فيقع بعضهم على بعض فكان كل واحد منهم يعيب على الآخر أنه يأتي ويستمع فيقول كيف نكذبه بالنهار ونأتي نستمع إليه بالليل؟! فيتعاهدون على أن لا يأتوا فإذا رجعوا لم يملكوا إلا أن يعودوا مرة أخرى كلٌ منهم يظن أن الآخر لن يأتي فيستمعون للنبي e فيقع منهم كل منهم يلتقي بالآخر اتفاقاً فيتعاتبون ثم يتعاهدون ويتكرر الأمر منهم مرة ثالثة حتى قالوا والله لئن بقيتم على ذلك وسمع بكم سفهاؤكم ليتبعنّ محمداً فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يأتوا. إذن كان لهذا القرآن سلطان عظيم عليهم فما استطاعوا إلا أن يفعلوا مثل الأطفال أن يصرخوا ويرفعون أصواتهم، يبدأون برفع الأصوات والكلام الذي لا معنى له الذي هو لغو الكلام وقصدهم بذلك أن لا يقع شيء من القرآن في القلوب. حتى أنهم كانوا يوصون أي شخص يأتي إلى مكة يقولون إن رجلاً منا هكذا صفته كلامه مثل السحر فاحذر أن تسمع منه! حتى السماع لأنهم يعرفون أنه لو سمع سينقلب. إذن كان تأثير القرآن تأثيراً عظيماً عليهم لدرجة أنه يبلغ بهم الأمر إلى أن يصلوا إلى هذا المستوى فيقولون (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ)، هل هذه الحيلة ستنفع؟ قالوا (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) الغلبة التي يطمعون فيها ألا يتأثروا بهذا القرآن، فهذا العجز المفظع الذي بلغه أولئك القوم. قال الله U جواباً عليهم (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿٢٨﴾) جزاء هذا الإعراض وهذا التعنت: (فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً). التعبير بلفظ الإذاقة ما قال فلندخلنّهم أو فلنعذبنّهم قال (فلنذيقنّ) لأن الذائقة هي أشد ما في الإنسان حساسية، الأعصاب الموجودة في ذائقة اللسان على طرف اللسان من أشد الأطراف حساسية وسريعة التأثر جداً فإما أن يكون المراد المعنى فليذوقوا أو يكون التعبير من باب الاستعارة والكناية فتشبيه العذاب الذي ينالهم بالذي يتذوقونه ليكون أشد في إيلامهم وأعظم في إيجاعهم بسبب تكذيبهم وكفرهم ولذلك قال (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا) لفظ العذاب جاء نكرة ليدل على التهويل والتعظيم (عَذَابًا شَدِيدًا) لفظ النكرة في القرآن الكريم يأتي ويراد به التفخيم وقد يأتي ويراد به التقليل والتحقير وقد يأتي ويراد به التهويل، ضابط التفريق بين هذه المعاني الثلاثة بحسب السياق الذي ترد فيه. إذا وردت في مساق الذم فإنها تفيد التقليل وإذا وردت في مساق الثناء فإنه يراد بها التعظيم وإذا وردت في مساق التخويف فإنه يراد بها التهويل مثل قوله (عَذَابًا شَدِيدًا) لفظ عذاب نكرة ما قال العذاب فيفيد التهويل هذا العذاب. (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) لنجازينّهم بأسوأ أعمالهم كما أن أهل الجنة يجازون بأفضل أعمالهم فإن أهل النار والعياذ بالله يجازون بأسوأ أعمالهم.

ثم قال الله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بعد أن ذكر عاقبتهم في النار أيضاً تنتقل الآية إلى عرض شيء مما يحصل لهم في النار والسورة تتنقل تنقلاً آخذاً بعضه بحُجز بعض، مراحل متتالية متسلسلة متعاقبة. قال الله U (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) بعد أن دخلوا النار ونالوا حرّها وصلوا من فَيْحِها وقلوبهم ملأى على من أضلهم من الجن والإنس قالوا (رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) ليكونا في الدرك الأسفل من النار، وما يغني ذلك؟! هب أنهم جعلوهم تحت أقدامهم، هب أنهم قطّعوهم، ما يغني عنهم شيء ولكن الألم الذي في أنفسهم من هذا المصير الذي انتهوا إليه بسبب إضلال هؤلاء لهم حداهم إلى أن يقولوا ذلك.

وبعد أن ذكر الله U مصير أهل النار والعذاب الذي ينزل بهم وشيئاً من أحوالهم ينتقل إلى الجانب الآخر، ينتقل إلى أهل الإيمان، إلى أهل الاستقامة فيقول U (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴿٣٢﴾) قوله U (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) قالوا ربنا الله ثم استقاموا جاء لفظ الاستقامة مطلقة ليدل على نوع من الاستقامة المطلق في كل أحوالهم استقاموا في عقائدهم استقاموا في أقوالهم استقاموا في أفعالهم وداموا على ذلك فجاء لفظ الاستقامة مطلقاً ليشمل كل صور الاستقامة. وورد عن السلف تفاسير في معنى الاستقامة منها ما جاء عن عمر t أنه قال "استقاموا فلم يروغوا روغان الثعالب" ومعنى ذلك بعض الناس على طريق الحق يعلم أن هذا طريق الحق لكن تجده مرة مستقيماً عليه ثم يروغ مرة أخرى يمنة أو يسرة ثم يرجع إليه هذه ليست هي الاستقامة التي أمرنا الله بها، الاستقامة هي الاستمساك بالحق الذي أنت عليه والالتزام عليه والثبات عليه والصبر عليه حتى تلقى الله U، هذه الإستقامة التامة. ولذلك قال النبي e عندما جاءه رجل يطلب وصية قال له: "قل آمنت بالله ثم استقم" استقم على هذا الإيمان التزم بهذا الإيمان وحافظ عليه. قال الله U هؤلاء الذين آمنوا واستقاموا ما مكانتهم؟ ما فضلهم؟ ما منزلتهم؟ قال (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) تتنزل عليهم قائلة لهم (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) تنزّل الملائكة ورد عن السلف تفاسير متعددة في التنزّل منهم من قال التنزل يكون في الدنيا ومنهم من قال عند الموت ومنهم من قال في القبر ومنهم من قال في الصراط ومنهم من قال في المحشر فذكروا أنواعاً من التنزلات والذي يظهر أن الملائكة تتنزل في كل هذه الصور. تتنزل عليهم ولكن يختلف في كل حال يختلف هذا التنزل بحسب الحال أو بحسب الموضع الذي وقع فيه التنزل وأعظم ما يكون التنزل عند قبض الروح لأن الإنسان إذا قبضت روحه أو عند وقت قبض روحه فقد قامت قيامته وعلم مقعده من الجنة أو النار وهذا الموضع هو أشد المواضع التي يحتاج الإنسان فيها للتثبيت ولذلك كثر عن السلف ذكر أنصحكم بمراجعتها لولا ضيق الوقت لذكرت بعضاً من آثار السلف في هذا الموضع في معنى التنزل وما يذكر من ذلك. هذا الموضوع وهو وقت قبض الروح من أشد المواضع وفيها يفتن الإنسان ويلقي فيها الشيطان آخر حباله ولذلك كان السلف يعظمون هذا الموقف ويسألون الله التثبيت نسأل الله العظيم أن يثبتنا وإياكم حتى نلقاه. ولهذا كثير من السلف يحمل التنزل على هذا الموضع لأنه من أشد المواضع التي يحتاج فيها الإنسان إلى التنزّل تثبيت القلب. قال تتنزل عليهم الملائكة قائلين لهم لا تخافوا ولا تحزنوا، لا تخافوا مما تستقبلون من الآخرة ولا تحزنوا على ما مضى وما تدعونه من الدنيا الإنسان يدع الدنيا يدع ماله وأولاده ويدع زوجه وأهله فيحزن على هذا فيقال لهم أنتم في مكان لا تخافون مما تستقبلون ولا تحزنون على ما فات. ومع عدم الحزن وعدم الخوف أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. أصل البشر والبشارة الخبر الذي يثير البشرة. الخبر الذي يثير البشرة يسمى بشارة ومن أجل ذلك تطلق البشارة على الأخبار السارة فتسمى بشارة وقد يخرج عن هذا المعنى إلى معنى التهكم إذا استعمل في البشارة بالشرّ فيكون معناه على سبيل التهكّم. قال (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ). قال عU (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) الولي هو النصير المعين، أولياؤكم في الدنيا يعني ناصروكم ومعينوكم وحافظوكم في الدنيا وفي الآخرة (وَلَكُمْ فِيهَا) أي في الآخرة نُرجِع الضمير على أقرب مذكور (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) والتعبير هنا بالاشتهاء الإنسان يشتهي شيئاً ليس من حاجة، مرة تكون محتاجاً إلى طعام فتأكل لأنك جائع هذا لا يسمى اشتهاء للطعام وإنما حاجة، لكن أنت قد شبعت من الطعام ولست بحاجة إلى طعام ولكن تجد في نفسك رغبة لكنك تشتهي شيئاً معيناً حلواً أو حامضاً أو نوعاً من الفاكهة، هذه تسمى حالة من حالات الترف والنعيم لأنها قدر زائد عن الحاجة وهذا التعبير مقصود في الآية أنه يلبى لك في الجنة الأشياء الترف فيها غاية في النعيم ما تشتهيه نفسك، أيّ شيء يخطر ببالك، (ولكم فيها مَا تَدَّعُونَ) ما تطلبونه وتدعونه فكل ما يتمناه المؤمن في الجنة يجده، بل حتى كما ورد في بعض الأخبار أن الخاطر إذا خطر ببالك شيء يأتيك قبل أن تتكلم به وقبل أن تدعوه وتطلبه.

ثم بعد أن ذكر صفة أهل الجنة وأهل النار وموقف هؤلاء انتقل إلى موضوع لصيق بمعنى السورة الكريمة قال U (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾). قوله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا) بمعنى لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله يعني إلى توحيده وعبادته وتوحيد القصد إليه ومع الدعوة، هذا القول قال بعد ذلك (وَعَمِلَ صَالِحًا) فجمع بين القول وبين العمل الصالح وقال (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) يعني في جملة المسلمين أسير سيرهم والتزم منهجهم وطريقتهم. أول من يدخل في هذه الآية النبي e فهو أكرم الداعين إلى الله وأكرم الذين عملوا صالحاً ثم يليه العلماء ولذلك يقول العلماء أن هذه الآية في فضل العلماء الداعين إلى العلم المرشدين له أن هؤلاء هم أحسن الناس قولاً وهذا بشهادة الله أن العالِم إذا دعا إلى العلم أنه أحسن قولاً وأن لا أحد أحسن منه قولاً هذه منزلة ومنقبة عظيمة لأهل العلم نسأل الله أن يسلك بنا سبيلهم وأن يأخذ بنا طريقهم. ثم قال U بعد ذلك (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) لا تستوي الحسنة مطلق الحسنة سواء حسنة قول أو حسنة فعل أو الحسنة الصادرة من المؤمن ولا السيئة ولا الفعل السيء ولا القول السيء لا يستوي وهذا المفهوم الحقيقة يجب أن يكون حاضراً في أذهاننا أنه لا يمكن أن تستوي الحسنة والسيئة أبداً في عُرف الناس وضمائرهم أن يستوي الفعل السيء والحسنة أو القول السيء والحسنة أنا أقول هذا لنستفيد منه في تعاملاتنا يعني مهما أساء لك الإنسان فإنك لا تقابل السيئة بمثلها لأنه لا تستوي الحسنة والسيئة ولا تظن أن دفعك بالحسنة أن هذا ضعفٌ فيك بل أنت تستصحب أن الحسنة والسيئة لا تستوي عند الله ولا تستوي عند خلقه. ولأن الحسنة والسيئة لا تستوي يقول الله U (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) لأن المؤمن حريص على الحسنة وعلى فعل الحسن وقول الحسن خلاف الكافر والفاجر والمنافق ولذلك يدفع بالحسنة السيئة التي تأتيه مهما استطاع إلى ذلك سبيلاً (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي فعل أي قول هو أحسن اِدفع به، مطلق الآية تقول ما دام هذا الفعل أو هذا القول حسن فادفع به ومتى ما استطعت أن تدفع السيئة بأي نوع من الحسنات فلا تتردد ولذلك قال (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) هذا الدفع بالتي هي أحسن يوصلك إلى منزلة عالية جداً إذا لازمها الإنسان (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). وإن وقع خلاف بين المفسرين في المراد به منهم من قال (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أنت تدفع بالتي هي أحسن حتى ننزل هذا العدو منزلة الصديق الحميم وإذا كان صديقاً حميماً فأنت تدفع بالتي أحسن قطعاً وهذا معنى وهو صحيح وتحتمل الآية أيضاً أن دفعك بالأحسن ومعاملتك له بالأحسن تورث فيه زوال هذا السيء الذي فيه وتورث في النهاية محبته حتى يكون صديقاً حميماً لك والآية تحتمل هذا وتحتمل ذاك. هذه المنزلة عظيمة كل منا فيه نفس تغضب إذا اعتدي عليها أو أسيء إليها خاصة إذا كان مظلوماً ولهذا تحتاج إلى كثير من الصبر وتحتاج إلى استحضار فضل الله وتحتاج إلى استحضار ثواب الله حتى ينكفّ الإنسان ولهذا قال U (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) هذه المنزلة ما يستطيع أن يبلغها الإنسان إلا بالصبر ولا بد أيضاً ذو حظ عظيم أي توفيق من الله فوفقه أن يصبر هذا الصبر ولذلك قال النبي e "ليس الشديد بالصُرعة لكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" هذا هو القوي حقيقة لأنه استطاع أن يتحكم في شهوة الغضب التي تفقد الإنسان عقله ورشده وتجره إلى المهاوي ولذلك كان من وصية النبي e لرجل جاءه يستوصيه قال لا تغضب، قال أوصني قال لا تغضب أعادها ثلاث مرات لأن الغضب سبب كل شرّ فيفقد الإنسان عقله ورشده فترى الإنسان العاقل الرشيد يتصرف تصرف المجنون لكن الوصول إلى هذه المنزلة تحتاج إلى صبر وإلى توفيق من الله U (إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). ثم قال U بعد ذلك (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) لأن الشيطان يوسوس لك فإذا ظُلمت أو اعتُدي عليك يأتيك من كل باب من باب الحمية وباب العزة للنفس ينبغي للمؤمن أن لا يذلّ نفسه وتستحضر النصوص الدالة على معنى الانتقام (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ (148) النساء) وهكذا (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا (40) الشورى) يبدأ ابليس الرجيم يذكّرك حتى بالآيات التي في القرآن الكريم التي تحملك على الغضب وهذا النزغ ينزغك حتى لا تدفع بالتي هي أحسن. الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدمّ ولا تستطيع أن تنفط عنه لأنه مسلّط عليك قد سلّطه الله عن وجل عليك لكن تستطيع بطريقة واحدة فقط أن تدفع شره عنك أن تستعيذ بسيده ومالكه وخالقه فتقول (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وهذه أعظم وصية في دفع الشطان أن يستعيذ الإنسان من الشيطان فإذا دخلت بيتك فسمِّ الله واستعذ من الشيطان وإذا أردت أن تفعل أو تقضي حوائجك أو تسعى في أمورك فاستحضر هذا المعنى معنى الاستعاذة من الشيطان الرجيم وخاصة عند الغضب (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) هو السميع لقولك والعليم بحالك، سميع لدعائك وعليم بحالك فإذا كان يسمع دعاءك ويعلم بحالك فقد كفاك ما أهمّك لأنه سميع يسمع دعاءك وعليم يعلم بحالك.

 

بعد هذا الحديث عن أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة والاستطراد إلى نزغ الشيطان للإنسان تعود الآيات إلى موضوع الألوهية والموضوع الذي ابتدأت به وهو عن القرآن الكريم فيقول الله U (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) من علاماته الدالّة عليه الآيات الظاهرة البيّنة التي تدل عليه (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) هذا التقابل بين الليل والنهار وبين الشمس والقمر (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿٣٧﴾ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ۩﴿٣٨﴾) ذكر الله U أن الليل والنهار والشمس والقمر أنها من آيات الله U وأنها خلقٌ من خلقه لا ينبغي أن تصرف العبادة لهم ولهذا قال (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ) بل الواجب أن يُسجد لخالق الشمس والقمر فإذا عظّمتم الشمس على أنها مخلوقة فمن باب أولى أن تعظّموا خالقها وأن تسجدوا له (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) إن كنتم تعبدونه وحده دون سواه. (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا) يعني أنِفوا عن السجود لله U وترفّعوا عن ذلك فإن الله غنيٌ عنهم غنيٌ عن خلقه ولذلك قال (فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ) أي الملائكة الكرام (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يُسَبِّحُونَ لَهُ) التسبيح التنزيه ينزهون الله في الليل والنهار (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) وفي آية أخرى (لا يفترون) إذن يسبحون الليل والنهار لا يصيبهم الفتر لا يتعبون ولا الكسل (وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) ولا يملّون فهو U غني عنا وعن تسبيحنا وعبادتنا فهذه نفعنها لنا فالله هو الغني الحميد ومع ذلك له الملائكة التي تسبحه ليل نهار لا تسأم ولا تفتر.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل