تفسير سورة فصلت - المجلس الأول - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة

تفسير سورة فصلت - المجلس الأول

د . ناصر بن محمد الماجد - دورة الأترجة القرآنية

(حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿٤﴾ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴿٥﴾ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)

هذه السورة الكريمة سورة فصلت هي سورة مكية باجماع المفسرين وهي من ضمن سور الحواميم السور التي استفتحت بالحروف المقطعة (حم) وهي ثاني سورة من سور الحواميم. وهذه السورة كغالب السور المكية تنحو منحى تقرير الألوهية والرد على المشركين في تكذيبهم وشكهم في الله ورسله لكنها تركز في هذا السياق على قضية شكهم بالقرآن الكريم وتكذيبهم له وموقفهم منه وسنرى في أثناء استعراضنا للسورة مظاهر شكهم في القرآن مظاهر تكذيبهم له، أيضاً سنرى موقفهم من القرآن وطريقة تعاملهم معه يمكن يرد لنا وقفات خاصة بهذا الموضوع في ثلاث مواضع أو أربع مواضيع في هذه السورة. وأول هذه السورة حديث عن القرآن الكريم حديث عن فضل القرآن الكريم، حديث عن منزلته، حديث عن مكانته وشرفه ولذلك استفتح U السورة قال (حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِكِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) هذا القرآن هذا الكتاب هو تنزيل من الرحمن الرحيم وإذا كان تنزيلاً من الرحمن الرحيم فلا شك أن هذا الكتاب سيكون فيه الرحمة وسيشتمل على الرحمة ويدعو إلى الرحمة ولهذا قال (كتاب) هو كتاب هذا التنزيل كتاب (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ). بدأ بذكر الرحمن الرحيم ولعله تقدّم في هذه الدورة العلمية الوقوف عند معنى الرحمن الرحيم وأنهما اسمان لله U مشتقان من الرحمة وقوله الرحمن هذه يشير إلى الذات والرحيم يشير إلى آثاره U في رحمة خلقه جميعاً فهو الرحيم بكل خلقه حتى بالكافر منهم حتى بالفاجر هو رحيم U بهم ولذلك يرزقهم ويمتن عليهم ويعافيهم ولكن أكمل رحمته أتمها تكون للمؤمنين. ثم قال U (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) هذا التنزيل هو كتاب فصلت آياته (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). (فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) التفصيل يعني التوضيح والتبيين لأن فصل الشيء عن الشيء إبانة له فإذا فصلت هذا عن هذا ميّزته ومن آثار هذا التمييز أن يكون بيناً ولهذا قال (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فمعنى فصلت بينت آياته فآيات القرآن غاية في البيان غاية في الوضوح في ذاتها هي بينة وفيما تدل عليه وترشد إليه هي أيضاً بينة ولذلك قال (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) هذه أوصاف كريمة للقرآن أولاً تنزيل، من الرحمن الرحيم، كتب، فصلت، قرآن، عربي، لقوم يعلمون، والصفة الأخرى (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) لأنه لما كان الكلام على ذكر صفة القرآن وما تضمنه استفتح أنه بشير ونذير (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وهذا هو الأصل في مهمة النبي e وفي الكتاب المنزل أن يكون أولاً بشيراً لمن أطاع ونذيراً لمن كذب. هذا القرآن الذي احتف بهذه الصفات الكريمة بكل هذه الصفات العظيمة كيف كان موقف كفار مكة ومن تابعهم منه؟ قال U (بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) أكثر الكفار أعرضوا لا يسمعون، أعرضوا عن سماعه أعرضوا عن قبوله أعرضوا عن الاهتداء به (أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) نفى السمع عنهم مع أنهم يسمعون لانتفاء فائدة السمع ولذلك قال U (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ (179) الأعراف) أثبت لهم الجارجة جارحة القلب وجارحة العين وجارحة الأذن لكن نفى الفائدة منها فإذا انتفت الفائدة منها كأنها لم توجد ولذلك يصح نفيها لا يبصرون لا يسمعون لا يفقهون لا يعقلون لأنهم لم ينتفعوا بها وهكذا كل من ملك نعمة فلم ينتفع بهذه النعمة فكأنه قد فقدها. ولذلك قال (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) وإذا كنا قلنا في بدائة الكلام عن السورة أن السورة تركز على موقف المشركين من القرآن فإن السورة استفتحت بهذا الموقف ولذلك ذكرت أوصاف القرآن ثم ذكرت موقفهم منه، الأول الإعراض. ثم قالوا بعد ذلك يخاطبون النبي e (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) انظر كيف هذه الأغشية التي جعلوها على أنفسهم وقلوبهم وعقولهم قالوا (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) في غطاء ما يستكنّ به الإنسان ويقيه إما لفح الشمس أو شدة البرد مما يستكن به الإنسان (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) في مثل الغطاء فلا يخلص لها هذا القرآن الذي تقول وتقرأ (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) ثقل ثقيلة آذاننا وهذا كناية عن عدم السمع قالوا لا نسمع (وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) القلوب مغلقة والآذان لا تسمع ولم يكتفوا بهذا بل قالوا (وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) يعني لا مجال لأن نقبل منك ولا أن نسمعك وهل هذا موقف العاقل؟! العاقل إذا سمع كلاماً يزنه إن رآه حسناً قبِلَه وإن رآه سيئاً ردّه لكن لا يقول أنا لا أسمع منك لأني أنا بيني وبينك حجاب وأنا لا أسمع وأنا لا أفقه، كل ذلك تردّ ما يأتي به هذا دلالة على ضعفك وشكّك فيما عندك وأجل هذا تضعف عن مواجهة هذا الذي جاءك ويدعوك ولهذا قالوا له (وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) دعك أنت في حالك ونحن في حالنا، لا تدعونا ولا تخاطبنا وهذا يشير ويمكن إن شاء الله أن يأتي في الآيات ما يؤكد هذا الأمر يشير إلى شعور الكافرين بعجزهم المفظع أمام القرآن الكريم ما استطاعوا أن يواجهوا ما فيه من الحق، ما استطاعوا أن يواجهوا ما فيه من الهدى والنور ولذلك ما وجدوا سبيلاً إلا أن أغلقوا أعينهم وصموا آذانهم وغطوا قلوبهم عن سماعه وسيأتي في الآيات الكريمة ما يشير إلى أمر مضحك يدل على العجز المفظع في مواجهة الحق الذي جاء به القرآن الكريم فيما نستقبل من الايات الكريمة.

ثم قال U يرشد نبيه ليجيب عن قولهم هذا (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٨﴾) فيرشد الله نبيه إلى أن يرد عليهم ومعنى هذا الرد ومقتضاه أنني لا أملك هدايتكم، لا أملك أن أُدخل الإيمان في قلوبكم فأنا بشر مثلكم. وهذا مع ما فيه من دلالة على تواضع النبي e وهو الخُلُق الذي يجب أن نتربى عليه، أن نتربى على معنى التواضع مهما بلغنا من العلم والشأو والمكانة فهذا رسول الله e أكرم الخلق يقول له الله U (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ولكن الذي ميّزني أني يوحى إلي (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) لا أملك أن أهديكم ولست ملكاً أو أملك القدرة على تغيير قلوبكم كلا، فأنا بشر مثلكم لكن الله أوحى إليّ أن أبلغكم (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) التعدية بحرف (إلى) ليبين عن المقصود غاية الاستقامة، ليس الغرض أن تستقيم فقط فقد تستقيم إلى طريق غير موصل إلى الغاية ولذلك قال (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) عدّاه بـ(إلى) الدالة على أن هذه الاستقامة تنتهي إلى الله U ولذلك قال (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) فأمرهم بالاستقامة إلى الله U والاستقامة دوام اللزوم لزوم طريق الحق الموصل وأن لا يحيد عن هذه الاستقامة وسيأتي أيضاً ما يدل على معنى الاستقامة في السورة الكريمة فقال (وَاسْتَغْفِرُوهُ) من تقصيركم وذنوبكم ثم قال (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) الويل هو النار وقيل هو الثبور ومعناها واحد. (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) من هم المشركون؟ صفاتهم (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) فهم لا يؤتون الزكاة، والزكاة الأصل في اللغة التطهير والنماء زكى الشيء بمعنى طهر وزكى بمعنى نما والمقصود في الآية مطلق الزكاة مطلق تزكية النفس وتزكية المال ولا يقصد بها الزكاة المعروفة لأن الزكاة المعروفة نزلت بعد ذلك وكما قلنا السورة نزلت مكية فهي تشير إلى مطلق التزكية يبدأ الإنسان من ماله الذي أعطاه الله U دون نقييد بصفة وقدر معين. (وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) المجيء بضمير الفصل (هم) للتأكيد ومزيد التشنيع عليهم بسبب كفرهم وفي مقابلهم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) غير مقطوع ولا ممنوعين منه.

جاء في خبر وقع للنبي e مع عتبة بن ربيعة وكان من وجهاء قريش ومن عظمائهم وهي تحكي صورة من اضطراب المشركين من النبي e ومما يدعو إليه فقالوا لو ذهبنا إلى رجل عالم بالكهانة عرف كلام الكهان وعرف كلام السحرة فكلمه فلعله يرجعه عما فيه، قال عتبة والله قد خبرت السحر وخبرت الكهان وعرفتهم – وذكر من فضله ومكانه- فذروني فآتِه فذهب إليه وقال يا محمد  قال أأنت خير أم قصي بن كلاب؟ أأنت خير أم هاشم؟ أأنت خير أم عبد المطلب؟ أأنت خير أم عبد الله؟ ثم بدأ يتكلم مع النبي e قال إن كان بك رئي من جن أو مسّ طلبنا لك طبيباً وإن كنت تريد النساء زوجناك من عشر من نسائنا وإن كنت تريد المال جمعنا لك وإن كنت تريد الرئاسة لم يتكلموا معه فيما كان يدعو إليه لأنهم أصيبوا بالعجز عن مواجهة ما يدعو إليه فانتقلوا إلى محاولة إغرائه وإطماعه في الدنيا، ما الذي تريده نفعله. جاء في بعض الروايات أن سكت النبي e ولم يرد عليه ولم يجب فلما فرغ قال أفرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، فاستفتح النبي e فقال (حم (1) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ثم بدأ يقرأ الآيات الكريمة وهم أهل اللسان يعرفون ما تدل عليه هذه الآيات من المعاني العظيمة حتى بلغ (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) فقام عتبة بن أبي ربيعة فأمسك بفم النبي وقال ناشدتك الرحم ألا تُكمل!. وقد نستغرب لماذا قال هذا الكلام؟ يقول في الرواية – وهو خبر طويل - أنه رجع إلى قومه وكانوا ينتظرون وفي رواية أنه رجع إلى بيته ما كلّم أحداً لأنه قد صدمته هذه الآيات بمعانيها ودلالالتها وفي بعض الروايات أن أبا جهل دخل عليه فرأى أن وجهه تغيّر قال أصبأت؟ أغرّك محمد بطعامه؟ فأغضبه حتى أخذته الحميّة فخرج وقال في تكذيب النبي e وفي بعض الروايات أنه رجع إلى ناديهم فقالوا والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، تغير، حتى جاء في بعض الروايات وهو يحكي ما كان منه - قال فوالله استفتح فقرأ حتى بلغ (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) فأمسكت بفمه وناشدته الرحم خوفاً عليكم فوالله ما تكلم بشيء إلا وفّى به فخفت أن تنزل بكم الصاعقة. فهم يعلمون صدقه وأنه جاء بالحق وأنه لا يكذب لكن قلوبهم مغلقة لا يقبلون الحق ولا ينقادون إليه. بعد أن ذكرت الآيات واستفتحت بذكر القرآن الكريم ومكانته وشرفه ومنزلته وذكر تكذيبهم انتقلت الآيات الكريمة إلى ذكر بعض مظاهر قدرة الله في الكون الدالة على استحقاقه للعبودية وحده دون سواه فقال U مرشداً نبيه أن يقول (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴿١٠﴾ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿١١﴾ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿١٢﴾) يقول الله U لرسوله قل لهم يا كفار مكة إنكم لتكفرون بالله U بالخالق تكفرون بالذي خلق الأرض التي أنتم عليها في يومين (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) أصل الندّ في اللغة المماثل، فلان ندّ فلان يعني مماثله، (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) يعني شركاء وأمثال (ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) عود الإشارة في (ذلك) إلى الذي خلق الأرض في يومين. (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا) المقصود بالرواسي هنا المثبتات التي ترسيها فلا تضطرب ولا تميد ولا تتحرك وهي الجبال (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا). (وَبَارَكَ فِيهَا) أولا خلق الأرض وثبتها مستقرة وبارك فيها ملأها بالخيرات وأنواع الرزق من مطعوم ومشروب ومأكول وغير ذلك مما ينتفع به فهذه الأرض كلها خيرات وأنواع الانتفاع بما في باطن الأرض. دعك من الزروع ومن الطعام ومن الشراب بل باطن الأرض من أنواع المعادن مما ينتفع به الناس نفعاً عظيماً وهذا كله من البركة التي بثها الله U في الأرض (وَبَارَكَ فِيهَا). ثم قال (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) التقدير أصله القضاء المستقيم (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) يعني قضى الأقوات والأرزاق (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) فقدر فيها أرزاق الخلق ومعاشهم وغذاءهم وما يصلح أحوالهم في تمام أربعة أيام. قوله (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) يعني ليستوي فيها كل من يسأل ليستوي في العلم بهذا الخلق وهذا التقدير على هذا المدة كل من يسأل، هذا جواب لكل من يسأل وهو جواب يستوي فيه كل من يسأل لأنه حقيقة، فكل من سأل تجيب بهذا الجواب لأن هذا هو الحق لا يوجد شيء غيره. (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ). (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء) معنى استوى هنا بمعنى قصد الاستواء يأتي في اللغة بمعنى القصد وبمعنى العلو والارتفاع فاستوى هنا بمعنى قصد، قصد إلى السماء وهي دخان (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) (وهي دخان) مع أننا لا نريد أن ندخل في تفاصيل النظريات الحديثة المعاصرة في نشأة الكون وسبب وجوده لكن مما يقولون – والله أعلم بصحة هذا لكن القرآن يشهد له- أن الكون كان قبل ذلك سديم دخان أسود قبل أن تتشكل الكواكب والأفلاك وظاهر الآيات الكريمة يشير إلى هذا المعنى (وَهِيَ دُخَانٌ) الدخان فيه معنى الظلمة والأبخرة (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) اِئتيا مستجيبين أمري لكما إن شئتما طوعا إن شئتما كرهاً فلى الحالين لا بد أن تأتيا ولا يسعمها إلا الاستجابة لخالقهما U. فانقادتا مذعنتين لله U (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ذالّين منقادين لأمره U. قوله (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) قضى بمعنى قدر وحكم (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا) ما أمر به وما قضاه وما قدره U (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فبعد أن قدّرهن سبع سموات وقضى في كل سماء أمرها قضى فيها ما قدّره فيها من الأفلاك وما فيها مما لا نعلمه ومما لا يعلمه الخلق

ثم قال U (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) قضى الله U السموات سبع سموات بمعنى قضى وحكم أن تكون سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء من هذا السموات السبع أمرها ما قضى فيها وما قدّره فيها من الخلائق والأكوان ومما لا نعلمه مما يوجد في هذه الأفلاك والأكوان مما لا يحيط بعلمه إلا الله U. (وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا) السماء القريبة من الأرض (بِمَصَابِيحَ وحِفْظاً) المصابيح زيناها بهذه النجوم التي من وصفها أنها مصابيح تضيء وأنها أيضاً تحفظها (وحِفْظاً) فهي نجوم مضيئة وهي أيضاً حافظة من الشياطين ولهذا قال في آية أخرى (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ (5) الملك) فبهذه النجوم تتحقق زينة للسماء تكون بالمصابيح المضيئة وتحفظها من الشياطين الذين يسترقون السمع. ثم قال (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ذلك الخلق البديع المحكم المتقن هو تقدير الله العزيز في ملكه الذي لا يعجزه شي العليم الذي أحاط بكل شيء علماً. وتأملوا هذين الوصفين اللذين ختمت بهما الآية (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فإن الخلق المتقن يحتاج إلى هذين الوصفين وصف العزة والعلم أما العزة دال على كمال القدرة الذي يحتاجه من يخلق والعلم دال على كمال الخبرة لما يخلق حتى يتقن خلقه لأن الإنسان قد يكون عالماً غير قادر أو يكون قادراً غير عالم فينقص، ولكن القرن بين هذين الوصفين إشارة إلى كمال القدرة مع كمال العلم وبهما يكون الخلق متقناً محكماً ولهذا قال (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)

بعد ذكر هذه الآيات وذكر صفة القرآن وموقفهم منه والاستدلال بعض مظاهر الكون يقول U (فَإِنْ أَعْرَضُوا) بعد هذا كله إن أعرضوا (فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) إن أعرض هؤلاء المكذبون من كفار مكة ومن كان على شاكلتهم فقل إنني جئتكم منذراً لكم بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود يعني جئتكم منذراً لكم بصاعقة تستأصلكم كما وقع لعاد وثمود. (إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) النص على عاد وثمود لأن ديارهم كانت على ممر قوافلهم فيرونها ويعرفون أخبارهم، هذه واحدة والثانية أن قوم عاد وثمود من أقوى الأمم ولذلك فإهلاك هذه الأمة على ما فيها من القوة يورث في النفس المهابة إذانت الأمة بهذه القوة وهذه المهابة فلا يعجزه إهلاك كفار مكة. ولهذا قال U (إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) جاءتهم الرسل متوالين رسول إثر رسول متتابعين. من بين اليد يعني أمامك وهذا إشارة إلى التتابع وقد لا يكون إلى التابع ولكن إشارة إلى أن الرسل قد جاءتهم من كل جانب احتالت عليهم وحاولت هدايتهم من كل طريق مرة من أمامهم مرة من ورائهم والقصد أنهم لم يدعوا طريقة ولا طريقاً يؤثر في أممهم إلا سلكوه ومع ذلك ما نفع! (إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) على تقدير محذوف قائلين لا تعبدون إلا الله. فكان جوابهم (قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) إعترضوا على أن يكون الرسول من جنسهم، ولماذا يُرسل الله واحداً منا؟! مقام الرسالة مقام عظيم فكيف يأتي بواحد من البشر وهم بهذا فقط يذكرون ذرائع يتذرعون بها على تكذيب رسلهم. والسؤال هل أنتم أيها الكفار الذين تختارون الرسل أم الله U؟ الأصل أن الله هو الذي يختار الرسول فكان الواجب أن تسألوا هل هذا الرسول صادق فيما جاء به أم لا لا أن تعترضوا على مبدأ أن الرسول بشر. وهب أن الرسول جاء على ما يريدون ملكاً قالوا كيف يكون الرسول ملكاً؟! لا نستطيع أن نسمع عنه ولا الأخذ منه، لا نستطيع أن نفعل مثل فعله ولا أن نمتثل ما يدعونا إليه. ولذلك قال (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) أصل صورة الملك لا يستطيع البشر أن يتلقى عنه، طاقة الإنسان لا تستطيع أن تقارن طاقة الملك ولا روحه تماثل روحه، فما يستطيع! النبي e المؤيد من الله U ما استطاع أن يرى جبريل u مجرد الرؤيا ولذلك قال دثّروني، زمّلوني!!. بل كان إذا نزل عليه الوحي يفصِم عنه وقد اشتد به الأمر شدة عظيمة لذلك لا يستطيعون التلقي عنه لذلك لا بد أن يأيتهم بصورة بشر وإذا جاءهم بصورة بشر وقعوا في الإشكال نفسه ولهذا قال (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) لن يستطيعوا التلقي عنه هم لم يريدوا بشراً فإذا أرسل لهم ملكاً لن يستطيعوا لتلقي عنه فلا بد أن يأتي بصورة بشر وإذا كان بصورة بشر رجعنا إلى ما كان في الأول وهذا معنى قوله (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ).

بعد أن ذكر هذا التكذيب المجمل بدأ في تفصيل أحوالهم فقال U (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) بدأ بعاد قال (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) استكباراً متلبساً بغير الحق والأصل أن الاستكبار يكون بغير الحق لأنه لا يكون الاستكبار بحق أبداً لا يوجد استكبار والمستكبر مُحِقّ لأن الاستكبار مذموم وهذه من الأوصاف الكاشفة أن هذا الاتكبار أيضاً بدون حق فهو وصف يكشف صفة الاستكبار وليس تقييداً له لأن الاستكبار في أصله لا يكون بالحق (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ). وقالوا (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) هذا سبب استكبارهم قوتهم، جاء في وصف خلقهم ما يدل على شيء من هذا أنهم كانوا غاية في القوة حتى أنهم قالوا من أشد منا قوة؟ لا يرون أحداً من البشر أقوى منهم، حيث قالوا (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) يعني لا أحد أشد منا قوة! انظروا سبحان الله هذا الرد المختصر الموجز لكن الغاية في الإفحام (َوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) هب أن الخلق كلهم اضعف منكم لكن من الذي خلقكم؟ لا شك أن الذي خلقكم أشد منكم قوة ومحال أن يكون المصنوع أقوى من الصانع وهذا من جهل الإنسان وغرور القوة والقدرة تعمي الإنسان أن ينظر في أصله. ثم قال (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) يكذبون بها ويعرضون عنها. ثم قال U بعد ذلك (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) أي جزاء تكذيبهم أرسلنا عليهم ريحاً شديدة البرودة عالية الصوت حيث قال ريحاً صرصراً لها صوت شديد جمعت بين قوة الهواء وشدة البرودة وكون الصوت عالياً فهي تأتي بهذه الصورة على أشد أحوالها (أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ) أيام شديدة النحس عليهم ومشؤومات عليهم أيام نحسات عليهم. (لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) العذاب المخزي في الحياة الدنيا (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى) أشد خزياً لهم وإذلالاً (وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ)

ثم قال U (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) الهداية هنا المقصود بها الدلالة بيّنا لهم الحق دللناهم على الحق وبيّنا لهم الطريق (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) اختاروه عن رضى وقبول وانشراح ما كان الأمر ملتبساً عندهم بل انقادوا إليه عن رضى وقبول فاستحبوا العمى على الهدى فكان جزاؤهم (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ) يعني العذاب المهين الصاعقة الشديدة التي أهلكتهم مرة واحدة (صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) بسبب ما كسبوه، والذي كسبوه هو التكذيب والإعراض عن أمر الله وأمر رسوله. وفي مقابل إهلاك هؤلاء المكذبين قال الله U (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فذكر U في مقابل إهلاك المكذبين ذكر نجاة المؤمنين وانظر الوصف الذي اقترن بالنجاة قال (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وهما وصف النجاة في الدنيا والآخرة الإيمان وتقوى الله U (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فكانت تقواهم سبب نجاتهم. هذه الآيات التي استعرضناها تأملوها من بدايتها فيها ذكر الكتاب، القرآن الكريم ومصدره وصفاته وما تضمنه من البشارة والنذارة ثم تنتقل الآيات لتذكر موقف المشركين وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وقلة حيلتهم في مواجتهم وعجزهم المفرط. ثم تنتقل الآيات إلى ذكر مظاهر قدرة الله وقوته في الكون وبديع صنعه ثم مظاهر قدرة الله وقوته في إهلاك المكذبين برسله حيث أهلك عاد وثمود وذكرنا أنه نصّ على هاتين الأمتين لأنهما من أشد الأمم وأقوى الأمم ولذلك جاء النص عليهم. وهذا الترتيب غاية في الانسجام مع مقصود السورة وغايتها حيث الحديث عن القرآن الكريم وتكذيبهم وشكّهم فيه وفيمن نزل عليه. وبعد أن ذكر هذا الحال انتقل إلى موضوع آخر وإلى مجال آخر وهو ما يكون في يوم القيامة حيث قال U (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٩﴾ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٠﴾) بعد أن ذكر مصيرهم في الدنيا والعقوبة التي حلت بهم إنتقل للحديث عن الآخرة ما الذي ينتظرهم قال (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ) الحشر هو الضم والجمع، (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) قوله أعداء الله المقصود بهم الكفار (فَهُمْ يُوزَعُونَ) يعني يُردّ آخرهم على أولهم ويُردّ أولهم على آخرهم بمعنى أنهم يُحشرون جميعاً بحيث لا ينفلت منهم أحد ولا يغيب منهم أحد بل كلهم محشور موزوع بعضهم إثر بعض رد أولهم على آخرهم ورُدّ آخرهم على أولهم فلا يفوتون ولا يخرجون عن هذا الحشر.

 

ثم قال U (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) يساقون إليها والعياذ بالله سوقاً. قال U (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إذا جاؤوا إلى النار تشهد عليهم جوارحهم فتشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وهذا من كمال عدل الله U أنه مع تسجيل الكرام الكتبة على الإنسان ما عمله وحفطهم له وشهودهم عليه هم يكتبون ويشهدون وقبل ذلك علم الله U ومع ذلك فإن الله U من كمال عدله أن يقيم الشاهد على المرء من نفسه فيُخرس اللسان ثم يأمر الله جوارحه فتنطق جوارح العبد بما كسب الأذنان تنطق، اليدان، الرجلان، حتى الجلد ينطق فإذا شهدت بما عمل أطلق الله لسانه فيقول بعداً لكنّ وسُحقاً فعنكنّ كنت أنافح. ولذلك لا يهلك على الله هالك لأن الله يقيم الحجة على الإنسان من ذات نفسه. قال U (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تأمل الحوار الذي يجري بين الإنسان وبين نفسه وجوارحه وبين جلده، يحاور جلده (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أن الذي أنطقنا هو الذي خلقنا وهو الذي أمرنا بأن ننطق ونحن إليه راجعون وأنتم ايها الكفار لن تستتروا على الله حتى لو لم تشهد عليكم أسماعكم وأبصاركم وجلودكم فإنكم لا تستترون عن الله لأنه U مطّلع على العباد يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل