برنامج هدى للناس- وقفات مع الجزء 11 - د. محمد السريّع

برنامج هدى للناس - رمضان 1436هـ

تقديم د. عيسى الدريبي

أبرز موضوعات أجزاء القرآن الكريم

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا بالتعاون مع طالبات معهد معلمات القرآن جنوب الرياض جزاهن الله خيرا

الحلقة 11 – الجزء 11

د. محمد بن سريع السريّع

الجزء الحادي عشر من كتاب الله عز وجلّ هذا الجزء الذي يتقاسم جزء منه في سورة التوبة وفي سورة يونس كاملة وخمس آيات من سورة هود.

موضوعات سورة التوبة جرى الحديث عنها في الحلقة الماضية، وحديث سورة التوبة هو في براءة الله جلّ وعلا ورسوله من المشركين، حديث عن المنافقين، حديث في تثبيت علاقة المجتمع المسلم بالله جل وعلا وبرسوله صلى الله عليه وسلم، أما الحديث عن المنافقين فهو ظاهر. هذا الجزء يفتتح بقول الله جلّ وعلا: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ)[التوبة:75] حديث في مثل مسجد الضرار: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ)[التوبة:107]، حديث أيضاً عن المنافقين في مثل قول الله جلّ وعلا: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون (120) التوبة).

فإذن الحديث في سورة التوبة هي كما قال ابن عباس رضي الله عنه في صحيح مسلم: التوبة بل هي العذاب ما زالت تنزل ومنهم ومنهم بل هي الفاضحة مازالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظننا أنها لا تبقي أحداً. كما في صحيح مسلم . 

أما سورة يونس وهذه السورة سورة مكية كما ثبت في الأثر عن جمع من الصحابة والتابعين، وهي سورة مكية من خلال موضوعاتها وأسلوبها الذي جاءت به.

والقرآن كله جاء لتثبيت العقيدة وتقرير التوحيد وتقوية الصلة بالله جلّ وعلا، والقرآن المكي على وجه الخصوص جاء لهذ الأمر، ولذلك إذا قرأت آي هذه السورة من أولها إلى آخرها تجد هذا الآمر حاضراً، لا تستطيع أن تستثني آية من آيات هذه السورة إلا وتجد المشهد العقدي فيها ظاهراً وبقوة، ولاحظ أن العقيدة التي نتكلم عنها ليست العقيدة التي هي مجرد المعرفة وإنما العقيدة الحيّة العقيدة الدافعة، العقيدة الفاعلة التي نقلت جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من مجرد أرقام وخامات ونقلتهم هذه النقلة العجيبة فجعلتهم خير أمة أخرجت للناس وهدى الله جلّ وعلا بهم البشرية، ارتباط الانسان بالله وثيق في هذه الآيات: ارتباط من خلال مشاهد الربوبية، من خلال أدلة التوحيد، من خلال ارتباط الإنسان بربه في السراء والضراء، من خلال حتى عرض مشاهد الكفار الذين جحدوا التوحيد وتنكّبوا لفِطَرهم فكانت حياتهم بعد ذلك في العاجل والآجل.  

محور سورة التوبة الرئيس هو في الحديث عن المنافقين، ومحور سورة يونس التوحيد والعقيدة وارتباط الإنسان بالله عز وجلّ.

وقفات مع بعض آيات سورة التوبة

كثيرا ما تعرض صفات المؤمنين في القرآن ولا شك أن لهذا هدف ولدينا آية جامعة مانعة، جمعت الكثير من صفات المؤمنين بعد أن أثنى الله عليهم في الآيات السابقة (ِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا)[التوبة:111]، قال بعد ذلك في وصف هؤلاء (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) التوبة). من منهج القرآن أنه إذا ذكر الفجار ذكر الأبرار، وإذا ذكر المؤمنين ذكر الكفار، وهذا أحد الأوجه في تسميته مثاني كما ذكر بعض المفسرين.

لما عرضت الآيات مشاهد النفاق والمنافقين، تنكبهم، تلونهم، تحللهم من ارتباطات العقيدة، جاء بيان حال المؤمنين فقال الله جلّ وعلا (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)[التوبة:111]، كما قال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في بيعة العقبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعوه قبل أن يهاجر إلى المدينة، فبايعهم على كل شيء، فقالوا ما لنا يارسول الله؟ قال:الجنة. لم يعدهم بتمكين، خلافة، ملك، غنائم، كل هذا ليست عليه البيعة، البيعة: الجنة، قالوا: قبلنا لا نقيل ولا نستقيل. يعني: لا نسمح لك ترجع ولا نحن نرجع عن هذه الصفقة الرابحة، فالله جلّ وعلا يقول: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) كل ما لديهم وأغلى ما لديهم (أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)[التوبة:111]، يعني أن العملية دائرة في داخل الجهاد هم يقتلون الأعداء وأيضاً ربما قتلهم الأعداء فكان ثوابهم الجنة، بعد ذلك جاء عرض هذه الصفات العظيمة صفات المؤمنين فقال الله جلّ وعلا فيهم: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ )[التوبة:112] والمؤمن ليس من شأنه أن لا يقع في الخطأ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولكن من شأن المؤمن أنه أوّاب يتوب إلى الله جلّ وعلا "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم"، وفي سورة آل عمران قال الله جلّ وعلا في معرض ذكر الجنة التي عرضها السماوات والأرض (عِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 133]، قال:( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ)، إنما امتدحهم الله جلّ وعلا بأوبتهم وتوبتهم بعد الذنب ولذلك نعود ونقول ليس الشأن أن لا يذنب الإنسان فإن أكرم الخلق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأنبياء، والرسل وقع منهم ما وقع، ولكن الشأن أن يتوب الإنسان، والنبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم الواحد أكثر من مئة مرة، كانوا يحفظون له في المجلس الواحد كما في الصحيح أكثر من سبعين مرة: ربي اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. إذا كان هذا هو شأن محمد صلى الله عليه وسلم فما هو شأننا نحن؟! وأعرف الناس بربه وأبصرهم بنفسه هو أكثرهم توبة لله جلّ وعلا لذلك في سيد الإستغفار نقول: أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي. لذلك جعلت أول صفة هي التوبة ولذلك ابن القيم عليه رحمة الله في كلام نفيس له أنصح بمراجعته في مدارج السالكين يقول: التوبة هي أول منازل السائر إلى الله وأوسطها وآخرها بعد ذلك.

الصفة الثانية قال: العابدون، العابدون فهم في عبادة دائمة لله جلّ وعلا، والعبادة ليس لها شعيرة واحدة فقط وإنما يستطيع الإنسان أن يتعبد حتى بالعادات النية الصالحة تجعلها عبادات، أنت حين تخرج وتأتي لأهلك برغيف خبز تنوي به النية الطيبة فإنك تؤجر عليه، وقد قال أحد الصحابة: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي يعني قومتي لأداء صلاة الليل.

ثم قال: الحامدون، يحمدون الله جل وعلا في السراء وفي الضراء، والدين: نصف صبر ونصف شكر لله جلّ وعلا.

والسائحون: الراجح أن السائحون معناها الصائمون، وسياحة أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي الصيام، ولذلك الله جلّ وعلا امتدح أمهات المؤمنين بأنهن سائحات، والنساء ليس عليهن جهاد.

الراكعون الساجدون: من صفاتهم إقبالهم على الصلاة ركوعاً وسجوداً، وإنما خص هذين الركنيين لأنهما من أعظم وأبرز أركان الصلاة .

الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: دين الإسلام ليس مجرد انكفاء على الذات أنا مسؤل عن نفسي وفقط، ولهذا في مثل هذا الفكر المتنصل تغرق سفينة المجتمع، وإنما هو في نفسه صالح وعليه أن يسعى لإصلاح غيره .

والحافظون لحدود الله: وهذه عامة تدخل فيها كل حدود الله سبحانه وتعالى، يقوم عليها، لا ينتهكها، يحذر من مواقعتها يكون عنده حساسية أن لا يقع منه شيء نهاه الله جلّ وعلا عنه.

ننتقل إلى ختام السورة المباركة سورة التوبة، وهنا آية مهمة جداً ينبغي أن نقف معها فهي تبين لنا كيف نتعامل مع أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الرسول الذي جاءنا بهذا الخير العميم، وهذه الآية تصف الحرص الذي كان يحرصه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته فقال سبحانه وتعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[التوبة:128]، لاحظ ختم السورة بهذه الآية الكريمة، هذه السورة سورة براءة، سورة التوبة، سورة العذاب، السورة الفاضحة، التي فيها آية السيف ونبذ العهود، فيها تكاليف فحتى لا يظن ظانّ بأن محمداّ صلى الله عليه وسلم جاء بالمشقة، جاء بالعسر قال الله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) هو منكم (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) يعز عليه كل ما يُدخل عليكم العنت والمشقة (حَرِيصٌ عَلَيْكُم) النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثلي ومثلكم: كمثل رجل استوقد ناراً فجاءت هذه الفراش تتساقط فيها تتسارع إلى الضوء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول أنا آخذ بحُجَزكم عن النار، لاحظ هذا التعبير: الأخذ بالحُجَز عن النار، أُمسك بما استطيع أن أمسك به، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يظهر سروره وبِشره وفرحه ويتهلل وجهه كأنه فلقة قمر إذا الناس أقبلوا على طاعة الله، ولذلك لما خرج الشاب اليهودي وهو يحتضر وعرض عليه الإسلام ونظر إلى أبيه وقال هذا الأب اليهودي:أطع أبا القاسم، فشهد شهادة التوحيد خرج النبي صلى الله عليه و سلم ووجهه يتهلل ويقول الحمد لله الذي أنقذه بي من النار.   

وقفات في سورة يونسهذه السورة سورة التوحيد والعقيدة، توحيد الربوبية التي فيها ربط الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى من خلال ما يشاهده الإنسان من آثار قدرة الله في الكون فيتأمله، ونقف مع قوله سبحانه وتعالى:

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) يونس)

هذه السورة العظيمة هي توحيد من أولها إلى خاتمتها وأنا أدعو نفسي وأدعو إخواني وأخواتي في قيام الليل في التهجد في الخلوات في الجلسة بين يدي الله جلّ وعلا، اقرأ كتاب الله جلّ وعلا ولا تستكثر من قراءته، اقرأ ولو صفحة واحدة ولكن بتأمل وتدبر وحضور، اقرأ قراءة من يخاطبه ربه، اتصلت بي إحدى الأخوات وهي تشكو مشكلة وقعت عليها في داخل المنزل، وفي الحقيقة أنها مشكلة كانت في أعلى درجات التعقيد، حتى أنه يخيل للإنسان في بعض الأحيان أنه لا يوجد لها حل بشري، كل الحلول استنفذت والطرق قد أغلقت والأبواب قد أوصدت، كنت أقول لها: اختي في الله أقبلي على كتاب الله جلّ وعلا وانطرحي بين يديه، واقرأي القرآن قراءة مستشعرة لما أنتِ فيه، ستجدين أن كل آية بل ربما كل جزء من الآية هو يعالج هذا الموضع الذي أنتِ فيه، والله لو أننا قرأنا القرآن على هذا النحو لانحلّت كثير من مشاكلنا.

في مثل هذه السورة العظيمة يقول الله جلّ وعلا: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ)[يونس:5] لم يكن كفار قريش ينكرون أن الله هو الخالق لهذه الأشياء وهو المقدّر المدبِّر لكن الله جلّ وعلا يقول لهم الذي خلق هذه الأشياء يجب أن تتوجهوا إليه وتفردوه بالعبادة دون من سواه، ولذلك قال الله (إن في ذلك لآيات لقوم يتقون) يتقون الله فيوحدونه ثم قال الله جلّ وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (8) يونس )

المقصود من توحيد الربوبية أن يكون منطلقًا إلى توحيد الألوهية، الذي يؤمن بأن هذا الرب هو الذي خلق هذه الأكوان، وبالتالي العقل يُلزمه أن يسلِّم بأنه هو المستحق للعبادة ولهذا الله عز وجلّ يخاطبنا: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) يونس) فهذا هو التوحيد.

في الحقيقة أنا قبل أن أبدأ الحلقة كنت مذهولاً أمام هذه السورة العظيمة، نحن أحياناً نعرف معرفة اجمالية ولكن يغيب عنا التفصيل حتى نقف عليه، ما عرفت ماذا أختار من هذه الآيات وماذا أستثني؟. لذلك انظر إلى آية أو آيات متجاورة، حين تزعجك الهموم، حين تتكالب عليك الغموم، حين تأتيك المخاوف من كل مكان، حين يجلب عليك الشيطان بخيله ورَجله، سواء كنت رجلاً أو كنت امرأة ارجع إلى مثل قول الله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) يونس) (ألا إن أولياء الله) هذه صفة ليست لفلان ولا لعلّان، كلّ من كان ولياً لله، تولى الله، أسلم أمره لله جلّ وعلا لا خوف عليهم مما يستقبلونه ولا هم يحزنون مما خلّفوا وراءهم، من الذي يستطيع؟ أيّ قوى في الأرض تسكب الطمأنية في نفس المؤمن، إذا كنت جاراً لله مقبلًا على الله واثقًا به راجٍ لما عنده؟ من الذي يستطيع أن يغالبك؟ من الذي يستطيع أن يعتدي عليك؟ قال الله في بيانهم بعد ذلك: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (66) يونس) الولاية سهلة ليست كتعقيدات الصوفية المنحرفة، الولاية الحقّة أن تصوم هذا اليوم حقاً، وأن تُقبل على الله بصلاتك وتراويحك ومحبتك وانطراحك بين يديّ الله، أن تصدُق مع الله، أن تصدُق مع عباد الله. والتقوى: أن لا يجدك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك. قال الله بعد ذلك ولاحظوا كأن هذه الآيات تُتابع نفس المؤمن، تتابع ما قد يتسلل إليها من نزغات الشيطان، قال الله جلّ وعلا بعد ذلك: (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ)[يونس:66]، لا تخف من أحد، ولا تبتئس من أحد (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا )[يونس:62]، إذا كنت ولياً لله والعزة كلها لله جلّ وعلا فمن الذي يستطيع أن يؤذيك أو ينال منك؟! (إنه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[يونس:65] سميع لأقوالك ولأقوالهم، عليم بأفعالك وأفعالهم مطّلع أي أنت إذا تذكرت أنك إنما تدعو وتثق وتلتجئ إلى ربٍ كريم عليم وهو على كل شيء قدير فعند ذلك تعلم وتثق أن كل ما ترجوه فإن الله جلّ وعلا سيحققه لك بإذن الله، وهذا مرتبط بما جاء بعد ذلك (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ)[يونس:66]، نحن كثير من الأمور التي تحيط بنا وتخيفنا وتنزل بنا، والإنسان يبحث عن مصدر الإطمئنان فكيف إذا التجأ إلى من بيده كل من في السموات ومن في الأرض، فأنت تتعامل مع رب جلّ وعلا هو مالك الملك (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82) يس)، يجير ولا يجار عليه، يُطعِم ولا يُطعَم وهكذا...

نختم بربط هذه المعاني العميقة في هذه الآيات بما جاء في ختام السورة: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) يونس)، في هذه الآية حقيقة ونحن نحتاجها، كثير منا تمر به لحظات صعبة ولحظات ضنك لحظات ألم لحظات فتن أحياناً ومشاكل تسيطر على الإنسان فهذه الآية ترفع الثقة بالله.

هذه الآية وقبل ذلك الآيات التي وردت في قصة نوح عليه السلام وفي قصة موسى حين يقول موسى (مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)[يونس:81] والسحر من الأشياء التي إذا حلِّت نعوذ بالله منها! ولكن إذا كنت تعلم أن الله هو خالق السحر وخالق الساحر والقادر عليهم وأن الله سيبطله (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)[يونس:81]، ولذلك موسى يقول لقومه (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)[يونس:84].

في ختام هذه الآيات يقول الله جلّ وعلا: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ)[يونس:107] لاحظ كلمة "يمسسك وكاشف"، و"يردك ولا رادّ" هذه ألفاظ دقيقة في التعبير عن الحالة، واستخدام صيغ العموم في هذه الآية: لا كاشف له إلا الله، وإن يردك بخير فلا راد لفضله جلّ وعلا، هذه الأمور حين يستشعرها المسلم وهو أيضاً يتعبّد لله يستشعر صفات ما اتصف به جلّ وعلا من صفات الكمال والجلال هو الغفورالرحيم الكريم الودود، على كل شيء قدير، السميع البصير الذي يسمع كلامنا ويرى مكاننا، عالم الخفيّات، مغيث اللهفات، فارج الكربات، رب الأرض والسماوات ، عند ذلك يوقن أن الله جلّ وعلا فقط يريد أن يسمع دعاءك حتى يجيبك .

التعليق على هذه الآيات وربطها بالإنسان وصلاح قلبه واستقامة حاله وتفريج كربه وارتباطه بالله عز وجلّ، وهاهو القرآن الكريم لا زال بين أيدينا ونحتاج حقيقة كلما أصابنا شيء أن نفزع إلى كتاب الله عز وجلّ ونقرؤه بهذه النفسية وأن القرآن يرفع عنا البلاء وأن القرآن يهدينا إلى الله سبحانه وتعالى أن القرآن يخفف من مصابنا، أن القرآن يساعدنا على الخروج من اشكالاتنا ومن الأشياء التي قد تصيبنا ونعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده كل شيء.  

 https://t.co/rUISDm4lyC



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل