تفسير سورة غافر - المجلس الثاني- د. ناصر الماجد - دورة الأترجة

تفسير سورة غافر - المجلس الثاني

د. ناصر الماجد - دورة الأترجة القرآنية

(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ﴿١٣﴾ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿١٤﴾ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴿١٥﴾ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴿١٦﴾ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)

قال الله U (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) هذه الآيات الكريمة تشير إلى فضل الله U وإنعامه على خلقه بأنواع المنن وأنواع الفضل والإحسان، وهذه النعم سيقت مساق الامتنان أولاً على الخلق والأمر الثاني الاستدلال بها على أن الله U هو المستحق للعبادة وحده دون سواه. فالذي خلق ورزق وأنعم هو المستحق أن يُعبد هو المستحق أن يُشكر وأن يُذكر فلا ينسى وإلا كان من الظلم أن الله هو الذي يخلقك ويرزقك ويعطيك أنواع النعم ثم تعبد غيره وتدعو غيره وتلتجئ إلى غيره ولذلك أظلم الظلم الشرك (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) لقمان) ولهذا قال في الآية بعدها (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) يعني فأخلصوا لله وحده الدعاء. ونلحظ هنا أن الله ذكر الدعاء ما قال "فاعبدوا الله" بل قال (فَادْعُوا اللَّهَ) لأن الدعاء هو حقيقة العبادة، ما هي العبادة في حقيقتها؟ الذُلّ، كمال الذل مع كمال المحبة هذه هي حقيقة العبادة، وتظهر جلياً في الدعاء لأن الدعاء وهو طلب يقوم على كمال الذُلّ ولذلك جاء في الحديث «الدعاء هو العبادة» لأنه هو حقيقة العبادة تظهر بها عبادة الإنسان لله U ولذلك على المؤمن أن يُكثر من دعاء الله U وأن يظهر له الضراعة فالله يحب عباده الذين يدعونه ويحب من يُلِحّ في العبادة ويفرح أن يسأله عبده بخلاف الخلق حتى ملوك الأرض تسأله مرة مرتين قد يستجيب لك ثم الثالثة لكن بعد ذلك يملّ وقد ينهرك لكن الله U كلما ازددت سؤالاً ازداد عطاء لك لأنه U هو الغني.

قوله U (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) قوله (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) يعني هو تعالى رفيع الدرجات الذي ارتفعت درجاته ارتفاعاً بيّناً عن خلقه فارتفع U عن خلقه وعلا عن خلقه ذاتاً وصفة وقهراً وقدراً U (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) وهو أيضاً مع ارتفاعه عن خلقه وعلوه عليهم فهو (ذُو الْعَرْشِ) والمقصود بذو العرش هنا عرش الرحمن U وهو أعظم المخلوقات بإطلاق العرش هو أعظم المخلوقات. (ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) وقوله (يُلْقِي الرُّوحَ) المقصود بالروح هنا الوحي وتأملوا أن الله U سمى وحيه لرسله سماه روحاً لأنه هو الحياة الذي تحيا به الأرواح هو الحياة الحقيقة ولهذا قال الله U (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا (122) الأنعام) ويقول في الآية الأخرى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا (52) الشورى) روح يحيا بها القلب وتحيا بها النفس فمن اهتدى إلى هذا الروح وإلى ما جاءت به الشريعة فهو الحيّ ومن أعرض عنها فهو الميت. ولهذا هذه الشريعة هي في حقيقتها رحمة ومنّة من الله U ولذلك يسميها الله روحاً ويسميها هدى ويسمي ما أنزله شفاء ورحمة هذه هي معاني هذه الشريعة أنها هدى وروح ورحمة. يقول U (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) هو الذي يشاء U وهذا يدلك على أن بلوغ منزلة النبوة والرسالة ليست في قدرة أحد، يعني لا يستطيع الإنسان أن يُربي نفسه وأن يريضها الرياضات الروحية حتى يصل إلى مقام النبوة فيختاره الله بل هي اصطفاء محض اصطفاء من الله U يصطفي من يشاء ويختار من يريد (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) فهو الذي يصطفي وهو الذي يختار قال (مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) وهذه الآيات أيضاً فيها إشارة إلى ما لله من صفات الكمال والجلال حيث يقول (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ). قوله U (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) يوم التلاق يعني يوم تلاقي الخلق جميعاً، تلاقي الخلق كلهم منذ أن خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة فيلتقون عربهم، عجمهم، أبيضهم وأسودهم، شريفهم ووضيعهم، إنسهم وجنّهم، كلهم يلتقون في ذلك اليوم ولذلك سمي يوم التلاق يعني يلتقي الناس كلهم. ومنهم من قال: إن يوم التلاق المقصود به أن تلتقي الروح بالأجساد وهذا معنى أيضاً، ومنهم من قال: يلتقي الإنسان بعمله، ومنهم من قال: يلتقي بمشاكله وزوجه المشابه له، وكل هذه المعاني صحيحة لأنها كلها فيها معنى اللقاء فكلها صحيحة وكلها من الأمثلة على معنى اللقاء في ذلك اليوم.

يقول U بعد أن ذكر هذا اليوم ذكر صفته فقال (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ) يعني البروز الظهور على مكان مرتفع عالي وهذا إشارة أن الخلق كلهم بارزون ظاهرون والظهور هنا ظهور تام بكل معانيه فهم ظاهرون عياناً بيّنين وأعمالهم أيضاً ظاهرة بيّنة لا يخفى على الله منهم شيء ولذلك قال (لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) يعني أيّ شيء وهذه نكِرة في سياق النفي وهي قاعدة تفسيرية "النكرة في سياق النفي تفيد العموم" يعني لا يخفى على الله منهم أيّ شيء مهما كان صغيراً وهذا يدلك على كمال إطلاع الله U وعلمه بأحوال خلقه وعبيده. ولهذا قال U بعد ذلك (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) هذا الاستفهام وقد جاء في الأثر ما يدل على هذا المعنى على معنى أن الله U يسأل الخلق جميعاً في ذلك اليوم (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ فلا أحد يجيب، لا أحد يجيب لأنه لم يبق إلا هو U فيقول الله U (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) وانظر هذا الختم العظيم للآية الكريمة حينما يرد السؤال (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) وهذا المناسب فهو الواحد الذي انفرد في ذلك اليوم بالمُلك وهو القهّار الذي قهر الخلق بمُلكه U لهم، وتخصيص المُلك في ذلك اليوم لله مع أن الله مالك ذلك اليوم وسائر الأيام تخصيص ذلك اليوم لأن في ذلك اليوم يظهر كمال مُلك الله U الذي لا يشاركه فيه أيّ أحد في الدنيا كلٌ يملك بحسبه فقد يملك الانسان منزلاً وقد يملك متاعاً وقد يملك دياراً وقد يملك بلاداً فكل الناس لهم نوع مُلك لكن في ذلك اليوم لا يبقى أي صورة من صور الملك لأحد ولذلك يظهر تمام الملك وكماله لله في ذلك اليوم ولهذا ناسب أن يرد السؤال (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).

قال U أيضاً في صفة ذلك اليوم (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) في ذلك اليوم تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر فإن عملت خيراً جزيت به وإن عملت شراً جزيت به، وهذا يدلك على كمال عدل الله U فإنه يجازي كل إنسان بعمله إن خيراً وإن شراً. وهذا أيضاً فيه تربية الخلق على مبدأ المسؤولية الفردية في الجزاء فكل إنسان يتحمل جزاء أعماله إن عمل خيراً جزي بخير وإن عمل شراً جزي على شرّه.

ثم قال U (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) وأنذرهم أصل الإنذار الإخبار بمخوف إذا أخبرت بأمر مخوف فيسمى ذلك إنذاراً والتبشير إخبار بما يسُرّ ومهمة النبي e هي النذارة والبشارة لكن لم يرد ذكر البشارة هنا بل اقتصرت الآية على ذكر الإنذار (وَأَنْذِرْهُمْ) وهذا مراعاة لحال المخاطبين فإن الذين خوطبوا من كفار مكة كانوا على كفر وعناد وصدّ وهؤلاء الذي يناسب من حالهم أن يُنذروا لا أن يُبشروا لأن البشارة للذين آمنوا (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ (2) يونس) فالبشارة للذين آمنوا وأما النذارة فهي للمكذبين. وأنذرهم بأيّ شيء؟ أنذرهم يوم القيامة (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ) الآزفة هي اسم فاعل من أزَفَ الأمر إذا قَرُب فالآزفة هنا صفة لموصوف محذوف مقدّر بما يناسب، يقال الساعة الآزفة أو اليوم الآزف يعني الساعة القريبة أو اليوم القريب والمراد بها يوم القيامة. وسميت آزفة لقربها فهي قريبة إما لأنها قريبة باعتبار ما مضى من عمر الدنيا فقد مضى من عمر الدنيا الآف السنين وما بقي منذ نزول هذه الآيات إلى أن تقوم الساعة قليل باعتبار ما قُضي هذا وجه بمعنى أن الساعة قريبة. والوجه الآخر يقولون إن كل آتٍ قريب حتى ولو كان بيننا وبينه مئات السنين ما دام أنه سيأتي فهو قريب وهذا وجه آخر في معنى وصف الآخرة بالقُرب. إما إن القُرب نسبي يعني باعتبار أن ما بقي من عمر الدنيا أقل مما ذهب أو على اعتبار أن كل آتٍ قريب حتى ولو كان بقي عليه آماد طويلة. قوله (إِذِ الْقُلُوبُ) يعني في ذلك اليوم تكون القلوب (لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) وهذا الوصف العظيم الذي يصف أحوال الناس في ذلك اليوم يقول (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) وهذا كناية عن شدة الخوف والهلع الذي يصيب الناس في ذلك اليوم، في ذلك اليوم العظيم الشديد حتى قبل أن يُقضى بين الناس عندما يجمع الناس في المحشر يعني هول عظيم جداً حتى إن الناس يأتون إلى الأنبياء يستشفعون بهم الواحد تلوا الآخر يستشفعون ليس لدخول الجنة يستشفعون لأن يُقضى بينهم حتى يروا سبيلهم إما إلى جنة وإما إلى نار يظنون أن ما هم فيه من الشدة ما بعده لن يكون مثله، فقط في مجرد انتظار الحساب فكيف بالحساب؟ ثم كيف بالعذاب بعده؟! نسأل الله U أن يجيرنا ووالدينا وجميع المسلمين. ولذلك (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) يعني بلغ بهم الحال من شدة الهلع والخوف مبلغاً عظيماً. (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) قوله كاظمين هذا اسم فاعل من كظم كظوما والمقصود به من حبس النَفَس عن الهواء حبسه فلم يخرجه مع الغضب يسمى ذلك كظم فهم ساكنين لا يستطيعون كلاماً (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) يعني بلغت قلوبهم الحناجر من الخوف وأطبقوا على أفواههم فلم يستطيعوا الكلام. ثم قال U (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) في ذلك اليوم ليس للظالم حميم، الحميم هو القريب سواء كان قرابة نسبية أو قرابة صحبة ومحبة وخُلّة، ما لهم في ذلك اليوم (مِنْ حَمِيمٍ) من صاحب ولا قريب (وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ) فنفى عنهم كل أنواع النفع لا من القرابة ولا من الشفاعة لا توجد في ذلك اليوم. وهذه الآية الحقيقة تدل على عظم ذلك اليوم، هذا اليوم الذي تبلغ به أحوال الناس هذا المبلغ ولا يوجد في ذلك اليوم من يعينك أو ينصرك، كلٌ يقول نفسي، نفسي، حتى من يريد أن يشفع مهما كانت منزلته ومقامه لا يشفع إلا بإذن الله، الأنبياء الكرام على رفعة مقامهم وجلالة قدرهم لا يشفعون إلا إذا أذِن الله لهم.

قال U (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) سبحانه يعلم خائنة الأعين يعني ما تختلسه الأعين من النظر الذي تختلسه دون أن يعلمها أو يراها أحد، نظرات العين واختلاساتها التي لا يطّلع عليها أحد فهو U يعلمها. (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) فجمع بين أكثر أمرين مما يخفى على الناس: اختلاس العين فيما يسمى خائنة الأعين وما يخفي الصدر. والنصّ على هذين المعنيين لأنهم أعظم ما يخفى على الناس فإذا كان الله عالماً بهذا الحال فما دونها أولى أن يكون عليماً به، فالله U مُطّلع على عبده يعلم خطرات نفسه وساوسها ويعلم لحظات عينه وتصرفها وهذا يدلك على كمال علمه U واطّلاعه على خلقه. ومما ورد عن السلف رحمه الله ما يشير إلى معنى خائنة الأعين ما يدلك على الفهم الدقيق لكلام الله U، ابن عباس t ورد عنه في الأثر قال: هو الرجل يكون جالساً مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر بمعنى إن التفتوا عنه نظر إليها فإن التفتوا إليه صرف نظره قال فيسارقهم النظر إليها، هذا خائنة الأعين مسارقة النظر. وجاء عنه في لفظ آخر قال: هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه صرف نظره عنها فإذا صرفوا نظرهم عنه نظر إليها قال فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر فإذا نظر إليه أصحابه غضّ بصره وقد علِم الله U هذا ما تخفيه النفس وقد علم الله U منه أن بودِّه لو نظر إلى عورتها هذه من خيانة العين ومما تُخفي النفس وهذا من دقيق المعاني عن السلف رحمهم الله ورضي عنهم.

قال U بعد ذلك (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) إذا كان يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فهو سيقضي بالحق لكمال علمه وكمال قدرته. القضاء الحق متى يكون؟ بشرطين: كمال العلم مع كمال القدرة، لأنه قد تكون عالماً وتعرف أن هذا يستحق العقوبة لكنك لا تستطيع أن تنفذ العقوبة لعجزك، وقد تكون قادراً لكنك ما تعلم أين المخطئ من المصيب. ولهذا فالله U يقضي بالحق لاتصافه بصفتين بصفة كمال العلم مع كمال القدرة ولذلك يقضي بالحق. (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) وهذا يشير إلى العجز المفظع الذي عليه الآلهة التي يعبدون من دون الله أنهم لا يقضون بشيء وانظروا لا يقضون بأي شيء حتى على أنفسهم هم، وهذا من أظهر الأدلة التي يُردّ بها على المشركين في عبادتهم لآلهتهم، يقال لهم: هذه الآلهة التي تعبدونها هذه الأصنام هذه الأحجار هؤلاء الأولياء هل لهم قضاء يقضونه في أنفسهم فضلاً أن ينفعوا غيرهم؟! وهذا من أظهر ما يرد به على أهل الشرك أنكم تعبدون ما لا ينفع ولا يضر بل حتى لا يضر نفسه لو أراد أن يضر نفسه ما يستطيع. (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) في قوله (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) يقف عند هذه بعض أهل العلم ويستدلون بهذا الموضع على أن القاضي يجب أن يكون مكتمل الحواس يعني سميعاً بصيراً قالوا إن الأعمى أو الأصمّ أنه لا يصح للقضاء هذا قول لبعض أهل العلم استدلالاً بهذه الآية لأن الله قال (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) هذا تعليل لمعنى قضائه بالحق فمن شروط من يتولى القضاء أن يكون سليم الحواس وهذا على كل حال محل نظر لكن هذا منزعهم في الآية الكريمة.

قال الله U بعد ذلك (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ). قوله U (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) هذه دعوة للكفار الذين كذّبوا وشكّوا أن يسيروا في الأرض ليس سفر نزهة وقضاء الوقت وانما سفر سير اعتبار وتأمل ولذلك قال (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ) وهذا هو الذي يجب على الإنسان حينما يسير في الأرض أن ينظر في آثار قدرة الله U في الخلق آثار قدرته وما حلّ بالسابقين المكذبين. هذا السير هو الذي يورِث العبرة والعظة وينتفع بها الإنسان في حياته. قال (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) يعني هؤلاء كفار مكة الذين كذبوا الله وكذبوا رسله لم يكونوا أشد من قوم نوح ولا أشد من عاد ولا أشد من ثمود هؤلاء الذين نحتوا الصخور نحتاً عظيماً غاية في الدقة وغاية في الدلالة على القوة هؤلاء لم يكونوا أشد منهم وإذا حلّ بهم العذاب وأهلكهم الله وأنتم تعلمون أن الله أهلكهم فكيف تُعرضون وتكذبون (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ) يعني الآثار التي خلّفوها في الأرض أعظم وأشدّ من آثاركم ومع ذلك أهلكهم الله. (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) لم يكن لهم من أحد يقيهم من عذاب الله وعقوبته، وهذا دعوة ألا يغترّ الانسان بقوته فإن الذي أعطاك هذه القوة قادرٌ على سلبها منك وإذا كنت شاكّاً في قدرة الله على أن يسلب منك قوتك فانظر إلى من سبقك من كان أقوى منك هل بقي على قوته أم سلبت منه؟

بعد هذه المقدمة في السورة الكريمة التي ذكر فيها المكذبين وأحوالهم وبعض مظاهر قدرة الله U وما حلّ بالأمم السابقة ستنتقل الآيات إلى الحديث عن قصة موسى u مع فرعون وسيكون التركيز فيها على قصة مؤمن آل فرعون وهذه القصة من حيث معانيها وألفاظها واضحة الدلالة ولذلك سنمر عليها سريعاً ونقف عند بعض المعاني والهدايات التي تدل عليها. يقول الله U (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) قوله U (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا) الآيات هي الحجج البينة الواضحة (وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) السلطان هو الحجة الواضحة فمعنى الآيات هنا المراد بها الآيات الشرعية والسلطان المبين الحجج البينة الدالة على ما جاء به النبي e. ومن البينات والحجج التي جاء بها موسى تسع آيات كالعصا والجراد والقُمّل والضفادع والدم الآيات التي نزلت عليه وأُرسل بها إلى فرعون فهذه من الحجة (بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) هكذا كان موقفهم من دعوة موسى u. (إِلَى فِرْعَوْنَ) الملك (وَهَامَانَ) وزيره (وَقَارُونَ) صاحب الأموال والكنوز (فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) استكبروا عن الإيمان وقالوا وصفوه بهذا الوصف، يقول U (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا) لما يأتي الإنسان بالحق ماذا يكون على العاقل أن يفعل؟ على الأقل أن ينظر في هذا الحق وأن يتبصّر فيه فينظر هل هو حق أم لا؟ لكن هذا مباشرة كذبوا وانتقلوا إلى التعذيب وإلى مواجهة هذه الدعوة بالشِدّة والغِلظة فقالوا (اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) قال (اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ) استحياء النساء يعني استعبادهنّ واتخاذهنّ خَدَماً لهم. وقد يستغرب الإنسان حينما يقول U (وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) ما علاقة ذكر الكيد في هذا الموقف الذي وقع منهم؟ لأن فعلهم هو فعل كيد أرادوا به أن يوهنوا من عزيمة موسى في دعوته هذا الايهان كيف يكون؟ بإخافة كل من يتبعه بقتلهم، بإيذائهم، باسترقاقهم واستحيائهم، فهذا كيد يراد به أن يضعف موسى عن دعوته وأن يضعف أتباعه عن الاستمساك بدعوته فسماه الله U كيداً قال (وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) لأن المؤمن إذا آمن ودخل الحق في قلبه لا يمكن أن يخرج منه أبداً. وهذا ما قاله عظيم الروم قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ما يمكن يرجع عنه، ولذلك كان من حيلة اليهود - قاتلهم الله- في المدينة أن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره من أجل أن يشككوا الناس لأنهم ما وجدوا أحد يؤمن ويرجع, قال، والحظوا أن هنا لم يكتفوا بالتكذيب بل تجاوزوه إلى البغي والعدوان على غيرهم بالاستحياء والقتل، قال فرعون (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) قال فرعون لأشراف قومه وملئه (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى) هو لا يستأذنهم في الحقيقة وإنما يريد الموافقة موافقتهم له على هذا الأمر وإلا لا أحد يمنعه ولا أحد يقف في وجهه. (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) فرعون الطاغية فرعون الجبار الذي استعبد الناس وأذلّهم حريصٌ على أديان الناس، خائف عليهم ممن؟ من موسى u ولذلك يقول (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) فرعون يخاف على الناس من إضلال موسى لهم ويخاف عليهم أيضاً من أن يظهر موسى الفساد في الأرض وهذه طريقة الطغاة على مدى التاريخ، دائماً إذا جاءهم رسل الله إذا جاءهم دعاة الحق دائماً يظهرون حرصهم على الناس، حرصهم على أديان الناس، حرصهم على حفظ أمن البلاد وألا تصاب بالفساد الذي لن يكون هذا الفساد إلا بدعاة الحق، أما إفسادهم في البلاد هم وطغيانهم وتجبرهم وتفرعنهم في البلاد فذلك لم يكن فساداً وهذا يصدق عليه أن يقال "رمتني بدائها وانسلّت".

(وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) فعاذ موسى u بربه، والعَوْذ الالتجاء بمن يعين (إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) وانظروا وصف التكبر هو الوصف الدقيق الذي يكشف عن حالة فرعون أنه كان متكبراً هذا الذي منعه من الإيمان.

ثم قال الله U بعد ذلك (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ)، (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) كان هذا الرجل من قوم فرعون هذا هو الصحيح أنه كان يشهد مع فرعون ويجلس معه ويستمع لفرعون وعنده مكانة بحيث أنه يناقش ويتكلم وهذا لا يكون إلا إذا كان من قوم فرعون لأنه قد قال بعض المفسرين أنه كان من قوم موسى والصحيح أنه من قوم فرعون لأن هذا الوصف لا يكون إلا إذا كان من قوم فرعون. ولذلك قال (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) كان يكتم إيمانه، آمن بموسى لكن خاف من بطش فرعون، كتم إيمانه فترة لكن بعد أن علم من فرعون عزمه على قتل موسى وأنه بدأ يتكلم ويتشاور مع الملأ على ذلك ما استطاع أن يكتم إيمانه فجهر بالإيمان وأعلنها وصاح بها صيحة مدوية فقال (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) يعني هذه ما هي جريمة يستحق الإنسان عليها أن يقتل إنما الذي يُقتَل المجرم القاتل المعتدي على الناس أما من يقول ربي الله فهذه ليست جريمة، ليست جريمة يؤذى عليها الناس أو يُتعرَّض لهم فضلاً عن أن يُسعى إلى قتلهم. (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) وليس فقط هو يقول ربي الله وانتهى، لا، (وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني جاء ببينات وأنتم لم تردوا عليها وعندئذ قال هو أراد فقط أن يتكلم عن نجاة موسى قال (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) هذه الآية فيها إشارة إلى ثناء الله على هذا الرجل حيث قال U (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ) فشهد الله له بالإيمان هذه واحدة. فالآيات فيها ثناء بالغ على هذا المؤمن من آل فرعون فهو مؤمن وأيضاً وقف موقفاً عظيماً وهو أن تكلم بالحق عند هذا الطاغية فرعون وتعلمون قول النبي e في الحديث الصحيح قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر». وفي لفظ «كلمة حق» هذا من أعلى منازل الشهداء ولذلك قال :أكرم الشهداء حمزة والآخر من هو؟ ورجل قام إلى إمام أو إلى أمير فأمره ونهاه حتى قتله. فلأجل هذه المنزلة العالية التي بلغها هذا المؤمن ولموقفه العظيم الذي وقفه أثنى الله عليه بهذه الآيات بقرآن يُتلى إلى قيام الساعة هذه واحدة. في قوله (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) وقع خلاف بين أهل العلم أو بحثوا مسألة وهي مسألة صحة إيمان من كتم الإيمان، صحة من كتم الإيمان فلم يتلفظ به فبعض أهل العلم قال هذه الآية دلالة على صحة إيمان الإنسان حتى ولو لم يتلفظ بالإيمان لأن الله قال (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) لم يتلفظ بإيمانه إلا في هذا الموضع أما قبل ذلك فلم يتلفظ به. وضحت المسألة؟ هم يقولون صحح الله إيمانه دون أن يتلفظ بالإيمان لكن إنعقد عليه قلبه جازماً به فبنوا على ذلك مسألة أخرى وهي من عزم على شيء عزماً جازماً هل يؤخذ به أم لا؟ صورة ذلك لو عزم إنسان على طلاق امرأته عزماً جازماً ولم يتلفظ به، وكذلك لو عزم على الكفر عزماً جازماً ولم يتلفظ به هل يؤخذ بأحكامه أم لا؟ وقع فيها خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة والحقيقة أن الاستدلال بهذه الآية على هذا المسألة محل نظر لأن المقصود بكتم الإيمان هنا عدم إظهاره لا عدم التلفظ به وفرق بين أني لا أُظهر إيماني للناس فلا يعلموا أني مؤمن وبين أني لا أتلفظ بإيماني، فقد يتلفظ بإيمانه مع نفسه وقد يتلفظ به مع خاصته من المؤمنين فكونه يكتم إيمانه عن هؤلاء معلوم السبب أنه خائف لكن لا يلزم منه أنه كتمه فلم يتلفظ به.

 

يقول الله U ذاكراً تمام كلام هذا المؤمن (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) يقول لهم يا قوم إن لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض لكم التسلّط والغلبة وهذا حق يوجب شكر الله U والاعتراف بفضله لا الطغيان في الأرض ولهذا قال (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) من يحمينا من يعصمنا من بأس الله وغضبه إذا نزل بنا وحلّ؟. فرعون لم يعتد على مثل هذا الخطاب ولا على أن يتكلم بين يديه بما يخالف رأيه وهواه ولهذا ماذا قال؟ قال كلاماً عجيباً (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) يعني بلغ مرحلة من الغرور لا توصف في الحقيقة ويكفي أنه قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) فعندئذ ما قاله بعد ذلك فهو أهون! هنا ماذا يقول؟ قال (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) يعني لا أريكم أنتم أيها الناس إلا ما أراه لتفسي فأنا أنزلتكم منزلة نفسي فكل الذي أراه وأعتقده لنفسي أراه لكم فعطّل عقول الناس كأن يقول قد كفيتكم المؤونة فأنا الذي أرى وأنتم ما لكم إلا اتّباع ما أقوله. إذا كنت لا أريكم إلا ما أراه فما النتيجة؟ (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) يعني يقول لا يمكن أني أنا أرى لكم رأياً إلا ما أراه لنفسي ولا يمكن أن يكون رأيي إلا رشاد، قمة في الطغيان، قمة في الغرور، انخداعه بالنفس! وهو بهذا الكلام أيضاً يعرّض بكلام المؤمن وكأنه يقول أن هذا الرأي الذي رآه خارج عن رأيي وهو أيضاً خارج عن أي شيء؟ عن سبيل الرشاد ولأجل ذلك فاتبعوا قولي واسمعوا له. وهذا هو الذي جعل المؤمن وهو شعر بما يقوله فرعون شعر به فجعله ينتقل إلى درجة أعلى في الكلام فقال (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) هذا الترقي في الخطاب يبدأ في تهديدهم وتخويفهم ليس بتهديدهم بأعيانهم وإنما بذكر أحوال من سبقهم (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ) وستلحظون أن الآيات كلها يبدأ كلامه بقوله (يَا قَوْمِ) فهو يقول أنا مثلكم وواحد منكم، أشعر بشعوركم وأنتم مني وأنا منكم، يهمني ما يهمكم والخير الذي يصيبكم أنتفع به وكذلك الشر الذي يصيبكم يسوؤني أيضاً فأنا واحد منكم. (يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ) قلنا إن الأحزاب من التحزّب وهو التجمع وهي الأمم التي تجمعت على أنبيائها تكذيباً وشكّاً وإعراضاً وضرب لهم مثالاً (مِثْلَ دَأْبِ) الدأب هو العادة والطريقة (مِثْلَ دَأْبِ) مثل عادة (قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) دأب هذه الأمم المكذبة ما هو؟ دأب الله U في هذه الأمم المكذبة؟ الإهلاك، دأبه U الإهلاك ولذلك قال مما يدل على أن المقصود بالدأب هنا الإهلاك أنه قال (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) يعني أهلكهم وإهلاك الله لهم ليس فيه ظلم لِمَ؟ لأن الله لا يريد ظلماً للعباد فهو يخاف عليهم مثل مصير هؤلاء الأمم السابقة التي كذّبت رسل الله فأهلكها، والآية أيضاً تدل على عدل الله U وأنه لا يُعذِّب إلا من يستحق العقوبة ولا يُظلَم عنده أحد سبحانه وبحمده. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل