تفسير سورة غافر - المجلس الأول - د. ناصر الماجد - دورة الأترجة

تفسير سورة غافر - المجلس

د . ناصر بن محمد الماجد - دورة الأترجة القرآنية

(حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٢﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣﴾ مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ ﴿٤﴾ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ)

 هذه السورة تسمى سورة غافر لذكر لفظ "غافر" فيها في أولها كما أنها تسمى "سورة المؤمن" لذكر خبر المؤمن من آل فرعون على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وهذه السورة سورة مكية بإجماع أهل العلم ووقع لبعض السلف استثناء آيتين أو ثلاث منها والصحيح كما ذكر ابن عطية وغيره أن هذه السورة كلها سورة مكية من أولها إلى آخرها، بل الذي يظهر أيضاً أن هذه السورة متقدمة في النزول من السور المكية التي تقدم نزولها دلّ على ذلك ما رواه البخاري وغيره في خبر طويل وفيه يذكر النبي e أشد ما لقي من كفار مكة فذكر مرة أنه كان بفناء الكعبة إذ اقبل عليه عقبة ابن أبي معيط أخزاه الله فتعرّض للنبي e ولوى ثوبه وخنقه وجرّه جرّاً شديداً والنبي لا يستطيع الانتصار منه ولا ينصره أحد حتى جاء أبو بكر الصديق t مسرعاً إليه إلى النبي e فخلصه منه وهو يقول (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) فذكر هذا الجزء من الآية الموجودة في هذه السورة الكريمة. جاء في رواية أخرى عند الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وفيها أن هذه الواقعة وقعت بعد وفاة أبي طالب بثلاث ليال ونحن نعلم أن وفاة أبي طالب تقدمت فهذا يدلك على أن هذه السورة قد تقدّم نزولها. ثم أيضاً هذه السورة تسمى في ضمن عدد من السور تسمى "الحواميم" وسميت بذلك لأنها ابتُدئت بالحروف المقطعة حم وهي سورة غافر وسورة فصلت والشورى والزخرف والدخان والأحقاف والجاثية، هذه السور تسمى سور الحواميم وقد ورد في فضلها مجتمعة آثار موقوفة ومرفوعة ولكنها لا تخلو من مقال. فمما ورد فيها أنها "ديباج القرآن" ومما ورد أيضاً أنها "ثمرة القرآن" ولكن كما ذكرت أن هذه الآثار لا تخلو من مقال. وأما موضوع هذه السورة الكريمة فالحقيقة يظهر عند التأمل في آياتها أنها نزلت والحديث فيها عن تسلية النبي e والرد على المشركين في تكذيبهم للنبي e وشكِّهم في نبوته عليه الصلاة والسلام وسيظهر لنا عند استعراض هذه السورة الكريمة ما يدل على ذلك. فجانب التسلية فيها للنبي e وتصبيره وتثبيت فؤاده والربط على قلبه بيّنٌ فيها كما أن الردّ على المشركين وبيان ضلالهم وانحرافهم حين كذّبوا الرسول e وشكّوا فيه وترددوا فيما أنزل عليه سيظهر ذلك إن شاء الله جلياً.

قول الله U في أول السورة (حم) هذه الحروف المقطعة فيها خلاف طويل بين أهل العلم يزيد عن ثلاثين قولاً في هذه الحروف بين أقوال وآراء متعددة وكلها جارية مجرى الاجتهاد والنظر ليس فيها شيء عن المعصوم بل هي اجتهاد من المفسرين من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من المفسرين. والله أعلم بمراده من هذه الأحرف إلا أن لذكرها حكمة ولا شك وتلوح هذه الحكمة حينما نعلم أن هذه الأحرف المقطعة قد استُفتحت بها ثلاثون سورة من القرآن الكريم، ثلاثون سورة استفتحت بها هذه الحروف المقطعة وأشير فيها جميعاً إلى القرآن الكريم، فبعد أن تُذكر هذه الحروف يُشار بعدها إلى القرآن الكريم إلا أربع سور منها وهي سورة مريم والعنكبوت والروم والقلم فإنه لم ترد الإشارة إلى القرآن الكريم بعد ذكر الحروف مباشرة وإنما أشير إلى القرآن الكريم في أثناء هذه السور الكريمة. ومما يلوح من هذا المعنى الدلالة على إعجاز القرآن الكريم وتحدي العرب وهم الذين بلغوا الغاية في الفصاحة ولا يدانيهم أحد في الفصاحة وأبلغ ما يفتخرون به وأعظم ما يتنافسون عليه هو فصاحة اللسان وبلاغة المنطق، فتشير هذه الحروف إلى أن هذا القرآن الذي أنزله الله U على رسوله أنتم أيها العرب يا من بلغتم هذا الشأو في اللغة لا تستطيعون أن تعارضوه وقد تحداهم أن يعارضوه بمثله أو بعشر سور بل بسورة واحدة فما استطاع أحد منهم أن يعارضه مع أنه مكوَّن من هذه الحروف التي تتكلمون بها هذه الحروف التي استفتحت بها هذه السور الكريمة. فإذن من حكمة الإشارة إلى القرآن الكريم بعد هذه الحروف من الحكمة إظهار عجز المشركين وعدم قدرتهم على المجيء بمثل هذا الكتاب العزيز.

قوله U (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) لفظ التنزيل كما يشير بعض أهل العلم إلى أن لفظ التنزيل يدل على نزول الشيء شيئاً فشيئاً وهذا حال القرآن الكريم فإنه أُنزِل نجوماً وأُنزِل شيئاً فشيئاً طوال بعثة النبي e قوله (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).

وقوله (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) هذا دلالة على أنه حينما يطلق لفظ الكتاب في القرآن الكريم فإن المراد به القرآن، إذا أطلق لفظ الكتاب فإنه ينصرف مباشرة إلى القرآن الكريم الذي ختم الله به كتبه إلا إن دل دليل على تخصيص غيره أو جاءت قرينة في السياق تدل على أن المراد غيره. قوله (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) ختم الآية الكريمة بهذين الاسمين الكريمين تعريضٌ بمن شكّ وكذّب بهذا الكتاب وبمن أُنزل عليه فإن هذا الكتاب هو تنزيل العزيز الذي لا يُقهَر الذي به الملك والتصرف والعليم أيضاً بأحوال خلقه بأحوال المؤمنين وأحوال المكذبين.

قوله U (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) هذه الأوصاف التي ذُكِرت لله U أيضاً فيها ذكر الشيء ومقابله، الصفة ومقابلها (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) وفي مقابلها (شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) فيها جانب الترغيب والترهيب وهذا من أحد معاني كون القرآن مثاني أنه يذكر الشيء ومقابله، تذكر الجنة ومقابلها النار، يذكر المؤمنون ومقابلهم الكفار، يذكر النعيم ومقابله العذاب، وهكذا، فهذا من أحد معاني كون القرآن مثاني يعني يذكر الشيء ويثنى ما يقابله. قوله (ذِي الطَّوْلِ) يعني السعة والفضل سبحانه وبحمده فهو غافر الذنب للمستغفرين وقابل التوب منهم ونلحظ أن الآية الكريمة قدم فيها مغفرة الذنب قبل ذكر قبول التوبة مع أن مغفرة الذنب فرع عن قبول التوبة وهذا التقديم للاهتمام بمعنى مغفرة الذنب لأنه إذا قبل توبتك فقد غفر ذنبك وهذا هو المقصود أن يغفر الذنب ولذلك قُدِّم من باب الاهتمام به. (ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) هذا الاستفتاح في السورة الكريمة هذا الاستفتاح القوي في ألفاظه، في دلالته، في معانيه، يشير إلى مقصود السورة، ولذلك يقول ابن عاشور رحمه الله: استفتحت السورة بهذه الأغراض والأوصاف وهذا من كمال ما يطلب من فواتح الأغراض مما يسمى براعة المطلع والاستهلال فهذا الاستهلال الذي استهلت به السورة بالغ القوة، بالغ المعنى والدلالة على ما سيأتي ذكره في أثناء هذه السورة ولذلك جاء بعدها مباشرة قوله (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) فهذا استئناف بياني نشأ عن قوله (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فكأن أحداً يقول إذا كان هذا صفة القرآن وأنه تنزيل من العزيز العليم فما بال أولئك المكذبين؟! ما بال أولئك الشاكين في هذا الكتاب؟! فيأتي الجواب والبيان يقال له (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) هؤلاء فقط هم الذين يجادلون في آيات الله، في هذا الكتاب العزيز.

ثم قال U (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) وهذا إشارة إلى أن المؤمن عليه أن لا ينخدع بما عليه أهل الكفر من زخرف الدنيا، من التقلب فيها، من التمكن من أسبابها ووسائلها فإن ذلك زينة والدنيا كلها غرور (مَتَاعُ الْغُرُورِ) ولهذا فالله U لأن الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة يعطيها من أحب ومن لم يحب، أما الآخرة فإنه لا يعطيها إلا من أحب، ولذلك لا ننغرّ حينما نرى أهل الكفر قد تسلطوا في الأرض وأصبحت لهم القوة والمنعة فإن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولذلك يجب أن لا نخدع وأن لا نُغر حينما نراهم في تسلط وفي قوة وفي تمكن منها، لماذا لا نُغر؟ يقول U (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) إن تقلب هؤلاء الكفار في الدنيا وتمكنوا من أسبابها ووسائلها فإن من قبلهم من الأمم التي كانت أعظم منهم (قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ) كل هؤلاء قد كذبوا رسل الله U فكان مصيرهم وجزاؤهم أن عاقبهم لله وأخذهم قال (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ) الأحزاب هذا لفظ يطلق على كل أمة كذبت رسولها وتحزبت عليه يعني اجتمعت على تكذيبهم ومعاندتهم تسمى أحزاباً، كل الأمم التي تحزبت على رسلها وكذبت داخلة في هذا اللفظ في لفظ الأحزاب. قوله (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) أصل الأخذ من الألفاظ العامة التي يطلق ويراد بها الأسر، ويقال أخيذ بني فلان يعني أسيره، ويطلق ويراد به التعذيب (فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) يعني عذبتهم ويطلق ويراد به القتل أيضاً وهذه المعاني كلها مرادة في الآية فأخذتهم بمعنى عذبتهم وبمعنى أهلكتهم فالآية دالة على هذه المعاني كلها. قوله (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) قوله (جَادَلُوا بِالْبَاطِلِ) لأن هناك جدال لا يكون بالباطل وإنما جدال بالتي هي أحسن، قوله (بِالْبَاطِلِ) الباء هذه تسمى باء الملابسة كأن الباطل وهم يجادلون كأن الباطل أصبح لباساً لهم فهم عارين عن أي صورة من صور الحق عارين عن أي صورة من صور العدل في جدالهم بل جدالهم متلبس بالباطل وهذا معنى باء الملابسة (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) الدحض الإزالة أصل الدحض الإزالة (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) يعني ليزيلوا الحق عن مكانه ويبعدوه. (فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) هذا الاستفهام مقصود به التهويل والتعظيم، كيف كان عقاب؟ يعني كيف كان عقوبتي لهم؟ كانت عقوبة عظيمة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة فيها دلالة على أن غالب الأمم قد كذبت رسلها وأعرضت عنهم ولم تقبل الحق وهذا معنى قوله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (116) الأنعام) وفيها أيضاً من فوائدها ودلالتها أن من صفة أهل الباطل والتكذيب أنهم يجادلون بغير حق ويجادلون بالباطل وهذا إذا نظرنا في أحوال الناس وفي أحوال أهل الباطل سنجد أن هذه صفة لا تبارحهم، نادراً من يوجد من أهل الباطل من يجادل وهو يريد أن يصل إلى الحق ويهدى إليه، بل الغالب والأصل فيهم أنهم يجادلون وقصدهم الباطل، ولهذا يحرمون من التوفيق فلا يوفقون إلى الحق ولا يهدون إليه مع أن الآيات أمامهم بينة واضحة والحجج ظاهرة ومع ذلك لا يهدون إليه لأن قصدهم الباطل وليس الحق.

قوله U (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذه فيها إشارة إلى أن من قضاء الله U أن الذين كفروا أن الله قد حكم وقضى بأن العذاب بأنهم أصحاب النار وأنهم يصلون النار وأنهم يدخلونها فيقيمون فيها ويلازمونها لأنه قال (أَصْحَابُ النَّارِ) وأصل المصاحبة الملازمة فهم أصحابها الملازمون لها الذين لا يبرحونها.

ثم قال U بعد ذلك (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) لما ذكر حال المكذبين لرسل الله المعرضين عن دينه وما نزل بهم من العقوبة أعقب ذلك بذكر صفة من صفات خلق الله المطيعين له، المخبتين له، المنيبين له، وهم الملائكة ليشير إلى صورة المقابلة فقابل التكذيب والكفر بذكر الملائكة وما هم فيه من العبادة لله U، ليشير إلى أن الله U حينما دعاهم إلى الهدى وأمرهم به ودلهم عليه ليس لحاجة فيهم بل له U الكمال المطلق والغنى سبحانه وبحمده، ولهذا ذكر أن له من الملائكة الكرام من يعبده ويسبحه آناء الليل وأطراف النهار ولذلك قال (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) وذكر حملة العرش وهم من أكرم الملائكة ومن حولهم، نص عليهم لأنهم من أكرم الملائكة وأشرفهم ولهذا نص عليهم في الآية الكريمة، وهم خلق عظيم تبارك الله الذي خلقهم. يعني قد جاء في الحديث عن النبي e فيما رواه البيهقي وغيره بإسناد حسن أن النبي e قال: «أُذِنَ لي ان أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش» يقول عليه الصلاة والسلام: «ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» شحمة الأذن طرف الأذن، إلى عاتقه إلى منكبه مسيرة سبعمائة عام يعني ما يقطعها السائر إلا في سبعمائة عام، فقط هذا القدر الذي بين شحمة أذنه وعاتقه فكيف بخلقه كله؟! فهم خلق عظيم فهؤلاء الخلق العظيم يسبحون الله U آناء الليل وأطراف النهار فهؤلاء يسبحون الله يعني ينزهونه ويعظمونه هذه أول وظائفهم تسبيح الله وتنزيهه (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) وأيضاً من وظائفهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا، وهذا مقام عظيم أي أن هؤلاء الملائكة الكرام حملة العرش يستغفرون للذين آمنوا ويدعون لهم بأن يغفر لله لهم بل يدعون لهم ولذريتهم وآبائهم ماذا من دعائهم يقولون (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) هذه الدعوات الكريمة من هؤلاء الملائكة الكرام تضمنت دعواتهم معاني عظيمة أولاً أنهم يستغفرون للذين آمنوا ويكفي الإنسان شعوره أن يعلم أن هناك ملائكة لله آناء الليل وأطراف النهار يستغفرون لك، أنت نائم في فراشك وهؤلاء الملائكة يستغفرون لك، أنت تكدح في عملك وهؤلاء الملائكة يستغفرون لك. يستغفرون للذين آمنوا ماذا يقولون؟ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) وهذا من السنن أن المرء يقدم بين يدي دعائه تعظيم الله U فيذكر بعض صفات الله U مما يليق بالمقام ومما يتناسب مع حاجته ومطلبه (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ) جنات عدن المقصود بها حينما قال (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أصل عدن الإقامة الطويلة والمكث الطويل يعني الجنات التي إذا دخلها أهلها مكثوا فيها فلم يبارحوها (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ) ثم قال (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ومن فضل الله U على المؤمنين أن يُلحِق بهم ذرياتهم وأزواجهم حتى ولو لم يبلغوا مبلغهم في العلم والعمل وهذا من فضل الله U (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) يعني نرفع الذرية إلى مقام الآباء وإن كانوا أقل منهم عملاً وإن كانوا أقل منهم درجة وهذا من فضل الله U ورحمته بعباده. (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) كذلك يدعون الله U أن يصرف المؤمنين عن السيئات وأسبابها الموصلة إليها، لأن من وقي السيئات فقد رُحِم لأنه سيُعصَم عندئذ من أسباب العقوبة وغضب الله U. ونلحظ هنا أن دخول الجنة ليس بعمل المرء، لا ينال المرء بعمله بل حتى النبي e أكرم الخلق وأدناهم من الله منزلة لن يدخل الجنة بعمله قال النبي e: «لا يدخل أحدٌ الجنة بعمله» حتى قام أحد الصحابة وقال: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله برحمته» فلا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله U، فنسأل الله من رحمته وفضله وإحسانه.

ثم قال U بعد ذلك وقبل هذا قوله U (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) دلالة على أن الفوز الحقيقي هو دخول الجنة وتأملوا ذكر الفوز العظيم في مقابل (فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ) ذاك غرور ونعيم زائل لكن في مقابله الجنة وهي الفوز العظيم نسأل الله من فضله وكرمه. قال الله U بعد ذلك (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) ينادون النداء هنا تعددت صوره قد ينادون في الدنيا وقد يكون النداء في قبورهم وقد يكون النداء في الآخرة يوم العرض على الله وذلك كله مناسب لمعنى ندائهم ومقتهم. وقوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ) المقت أشدّ الغضب فهو أعلى صور الغضب ولماذا ينادون بهذا النداء؟ (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) جاء بيانه قال (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ) تُدعون إلى الإيمان بالله U فتكفرون وتكذّبون ولأجل ذلك استحقوا المقت. وقوله U (يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) يعني أن سُخْطَ الله عليكم وغضبه عليكم أشد من غضبكم على أنفسكم وذلك يوم القيامة حينما يرون مصيرهم ويرون النار التي أُعدَّت لهم فيمقتون أنفسهم لِمَ لَمْ يقبلوا الهدى لما جاءهم؟! لِمَ لَمْ يؤمنوا بالله ورسله؟! فيأتيهم النداء أن مقت الله غضب الله عليكم أشد حتى من غضبكم على أنفسكم. (قَالُوا رَبَّنَا) يعني قال أهل النار (رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) قد وقع خلاف بين أهل العلم في معنى الموتتين وما يلزم عليها من الحياتين على قولين:

·       القول الأول : أن المراد بالموتة الأولى حينما كانوا نُطَفاً في أصلاب آبائهم هذا موت والحياة المقابلة لها هي إحياؤهم وهذه الحياة بأن جعلهم في بطون أمهاتهم ثم تدرّجوا في الحياة بعد ذلك وتطوروا فيها، وعلى هذا فالموتة الثانية هي الموتة المعروفة من الدنيا والحياة الثانية هي الحياة يوم القيامة، وهذا القول ينسب إلى جمهور المفسرين

·       القول الثاني : الذي قال به السُدّيّ قال إن الموتة الأولى هي الموتة المعروفة التي يموتها كل الخلق وعليه فالحياة بعدها هي الحياة في القبر ويستدل على ذلك بأن المرء في القبر يُعذَّب ويُنعَّم وأنه في القبر كما جاء في الحديث تُردّ عليه روحه ويُسأل الأسئلة الثلاثة المعروفة، قال هذا دلالة أن المقصود بها هذه الموتة والحياة في القبر ثم بعد ذلك إذا سُئل يموت الموتة الثانية في القبر. ما هي الحياة الثانية على هذا القول؟ هي الحياة الثانية التي فيها البعث للجزاء والحساب.

هذان القولان في المسألة والقول الأول هو قول الجمهور وغالب المفسرين على هذا القول. وقوله U (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) يقولون نحن أقررنا يا ربنا بأنك قد أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين واعترفنا بخطئنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل؟ يسألون الله U يريدون الخروج من هذا العذاب الذي هم فيه وتأملوا قالوا (هل إلى خروج) يريدون فقط الخروج إلى أين؟ لم يطلبوا وما مصير هذا الخروج وإلى أين يكون وكيف يكون وإلى أي سبيل؟ لم يسألوا، فقط يريدون الخروج عن هذا العذاب الذي هم فيه وهذا يدلك على أنهم في عذاب عظيم حتى لم يفكروا فيما يريدون بعد الخروج فقط يريدون مجرد الخروج (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) لكن هذا يدلك على أن الاعتراف والإقرار بعد فوات محله لا ينفع صاحبه، هؤلاء أقروا واعترفوا لكن بعد فوات محل الاعتراف، العاقل هو الذي يُقرّ ويعترف حينما ينفعه هذا الاقرار وهذا الاعتراف.

 

قال الله U الآن هم ألم يسألوا سؤالاً قالوا (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) ماذا كان الجواب؟ هل نفى خروجهم أو رد عليهم بما يدل على عدم إجابتهم إلى طلبهم؟ كلا، وإنما قال (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) لم يجبهم إلى طلبهم، لم يردّ عليهم حتى بأن يقول لهم ما يُشعِر بردّ طلبهم هذا وعدم الاستجابة إليهم بل عَدَلَ عن ذلك ليبين سبب العذاب الذي نزل بهم وهم يعرفونه لأنهم قالوا (فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) لكن ذكر هذا مرة أخرى وإعادته من باب التبكيت لهم بسبب كفرهم الذي استحقوا به هذه العقوبة. ونلحظ هنا أن الله قال (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) التعبير بصيغة المضارع في الآية دلالة على تجدد الكفر منهم، يعني الآية فيها دلالة على معنى كلما يُدعى إلى الله تكذبوا وكلما يُشرك به تؤمنوا ليس مرة ولا مرتين ولا ثلاث بل هذه صفتكم وذاك دأبكم وديدنكم فأنتم استحققتم دخول النار عن جدارة لأنه كلما دُعيَ الله وحده كفرتم وكلما أُشرِك به آمنتم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل