النبأ العظيم - سورة الإنشقاق - د. أحمد نوفل

النبأ العظيم – تفسير سور جزء عمّ

د. أحمد نوفل

سورة الإنشقاق

 (تفريغ موقع إسلاميات حصريًا)

فنحن في هذه الحلقة مع سورة الإنشقاق في أنوارها وأفيائها وظلالها ومعانيها ومغانيها نحاول أن نفهم جو هذه السورة، موضوعها، منهجها، ما تفرّدت به من كلمات، وكنت أود لو في كل سورة كان الوقت يتسع لأقول لك كل كلمة تفردت بها هذه السورة بحيث لم ترد هذه الكلمات إلا في هذه السورة، سنحاول أن نصنع هذا في سورة الإنشقاق وأنت تقيس على باقي السور.

موضوعها، قطعاً موضوع الجزء أي القيامة لكنها منهجها الخاص. السورة مقطعان، خمسة عشر آية وعشر آيات مقسومة السورة إلى هذين المقطعين بهذا التقسيم. هذه السورة رقمها سبعة بترتيب الجزء وأربع وثمانين بترتيب المصحف. عدد آياتها خمس وعشرون آية تتكلم عن القيامة من إنهيار النظام الكوني. جو هذه السورة وبعض معانيها، هذا ما سوف نقف عليه إن شاء الله تعالى.

(إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2)وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4)وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7)فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10)فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11)وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13)إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14)بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15))

هذه السورة من السور التي موضوعها القيامة طبعاً، لكنها تبتدئ مثل (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ(1)) بالجملة الشرطية، وتتكلم عن إنهيار النظام الكوني بإعتباره هذا مقارن للقيامة وليست مقاربة، لا، تكون اقترنت هذه الإنهيارات بالقيامة، أي علامة القيامة إنهيار النظام الكوني، هذه السماء الشديدة المتماسكة (رَفَعَ سَمْكَهَافَسَوَّاهَا) [النازعات:28] ستنهار وتندّك وتتساقط قِطَعاً (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ) [الرحمن:37]. إذاً (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ(1)) انفطرت، انشقت، اتسع الشقّ، (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2)) أذنت، أي استمعت لنداء ربها وأمر ربها (وَحُقَّتْ) حُقّ لها أن تستمع أمر مولاها وربها، سبحانه. (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)). ما معنى (الأرض مدّت)؟ لأن الأرض مستويات، لا يوجد كيلومتر على نسق واحد، جبال، وتلال، وسهول، ومنعرجات، الأرض يوم القيامة ستصبح كلها في مستوى واحد، يصبح عاليها واطيها، أي يندّك الأعلى في الأسفل فتصبح مستوية تماماً. إذاً ((وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ(3)) ليست (مُدَّتْ) يعني صارت منبسطة كالزجاج، لا، بل بقيت على ما هي عليه ولكن الطالع فيها صار يندك النازل حتى يصير كله في مستوى واحد.

(وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) ما الذي فيها؟ الأرض فيها أشياء كثيرة جداً، (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُأَثْقَالَهَا) [الزلزلة:2] مثل ما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ)، (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُأَثْقَالَهَا) بمعنى إما مخزونها من الحمم ستقذفها الأرض والله أعلم، أو (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) فيما يخص يوم القيامة الأمانة المستودعة في بطن الأرض وهي، نحن، البشر المدفونون (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَكِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا(26) [المرسلات:25-26] الأرض نعيش عليها وندفن في باطنها، يوم القيامة كما تقذف الأرحام ما فيها من الأجنّة، تقذف الأرض ما فيها من الموتى، كلهم يخرجون من القبور، كلهم يخرجون يوم النشور، الكل يخرج. إذاً (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)) استمعت، أن يا أرض أخرجي ما فيكِ، ويخرج كل ما في الأرض بكلمة، يا أيها الناس اخرجوا من قبوركم، يا أرض اقذفي ما فيكِ وإذ بهم (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا) [المعارج:43]، خارجين يجرون.

(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) كادحٌ كدحاً، ليس في القرآن غير هذه الكلمات: أَذِنَتْ، حُقَّتْ، ليست هناك غير هذه الكلمة، أيضاً (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) ليست هناك غير هذه، أقصد في المصحف الشريف، هذه السورة تفرّدت بهذه الكلمات (شَّفَقِ)، (وَسَقَ) لم ترد إلا في هذه السورة الكريمة، (يُوعُونَ) ليست موجودة إلا هنا، (مَسْرُورًا) ليست موجودة إلا هنا، (تَخَلَّتْ)، لم ترد إلا هنا. كنت أود أعمل استقصاء والوقت لا يتسع، لكن نعطي عينة لكي تقيس عليها الله تعالى جعل لكل سورة مفردات تفرّدت بها. هذا القرآن مدهش معجز، أتعلمون أن القرآن استخدم ثلث جذور اللغة العربية،، وسق، الجذر وسق، لا يوجد غيرها ولكن استخدمنا الجذر. بمعنى لا يوجد كاتب مطلقاً في الكون يستخدم ثلث جذور اللغة، مستحيل! القرآن فعلها، في كتاب من حيث المساحة محدود.

نداء، إذاً بعد الجملة الشرطية جاء النداء (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ) هذا بعد القيامة؟ لا، هذا قبل القيامة (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) الكدح، هو العمل الشاق، أنت مخلوقٌ في كبد، مختصر الكلام، ومطلوب منك الكدح، ولذلك البطالة ليست من طبيعة الدين ولا طبيعة الحياة ولا طبيعة الإنسان إطلاقاً، لصالح الإنسان أن يكدح ويعمل، سبحان الله! لماذا الأمراض كثرت؟ الجلطات والسكري؟ كله من الجلوس، لأن هذا الجسم مبرمج إلهيًا أن يعمل وينصَب ويتعب ويعرق ويكدح، الجلوس والكسل والبطالة خيبة ليس فيها إنتاج ولا تطور وفيها قلة عافية! ولذلك من ينصب فليحمد ربه أنه أعطاه جسمًا يتحمل النصب وشرف لنا أن نتعب وأن نعمل وأن نكدح ونجعل هذا الكدح في سبيله، أياً كان الكدح، إن زراعةً، إن صناعةً، إن دراسةً، الطالب يدرس ويقول يا رب أنا أتعلم ابتغاء مرضاتك ليكون عندي حجة وسلاح انصر به دينك ووسائل اتصال أبلغ بها كلمتك ودعوتك، والله يحتسب له كل كلمة يقرأها أجر. إذاً (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) كادح، واحد يمشي في الطريق إلى أن يبلغ الله عز وجل، ما في مكان، لكن أقصد في النهاية ستلاقي رب العالمين سبحانه!.

(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) يارب اجعل كتبنا جميعا بأيماننا وإياكم إن شاء الله. الجائزة للنفوس الفائزة كتابه بيمينه، فلان استلم كتابك بيمينك، (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)) أحياناً نقول لطلابنا، إذا أردنا نحاسبكم على النقير والقطمير ربما لا ينجح أحد، نحن عباد نتعامل مع طلابنا بالرحمة فكيف الإله العظيم؟!! سبحانه، لو يتعامل مع خلقه بالحساب الدقيق نرسب كلنا، لكن مولانا يعاملنا باللطف، بالحساب اليسير. (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10)) نسأله العافية، بشماله، (فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11)) بالهلاك، يدعو على نفسه بالهلاك والموت، في سورة الفرقان (لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُواثُبُورًا كَثِيرًا) [الفرقان:14] أي لا تكفي مرة واحدة، ادعي على نفسك حتى تتعب، لن يُسمع لك طبعاً، يارب خذني، لن تموت، في الآخرة يموت الموت، ما في موت، أسوأ خبر على الكافرين، وأحسن خبر للمؤمنين، مات الموت، انتهى، يا فرحنا لأنه سنظل في النعيم إلى ما لا نهاية، والكافر إذا قلنا له مات الموت، قال يا خيبتنا، سنظل في العذاب إلى ما لا نهاية قلنا له نعم. جاءك رسل حذروك يا سيد، جاءت كتب سماوية حذرتك أم لا؟! كنت في غفلة ولا تعرف أنه هناك آخرة وبعث وحساب أم كنت تعرف؟! لا يا رب كنت أعرف، إذاً ذق! أما كنت تقل اثبتوا لي أن الجنة حق والنار حق والميزان حق والآخرة حق، سنثبت لك يا سيد، بالمنهجية لديك، لأنك لا تؤمن إلا بالمحسوس وأنت ماديّ، سنطبق منهجك عليك فادخل النار لكي تتأكد أنه هناك نار، وبعد ما أدخلناه النار وأخرجناه قلنا له هل هناك نار؟ قال والله هناك نار، إذا أنا ءآمنت، نقول له لا، الإيمان في الدنيا أما تؤمن بعد المعاينة، لو أتينا للبهيمة بالشعير ستأكل فوراً ولا تقول اثبت لي أن هناك شعير! لا، ستأكل فوراً. وهذا الإنسان إن أدخلناه النار ما معنى الإيمان بالآخرة وبالنار وبالحساب وبالقيامة بعد أن ترى بعينيك ما بقي قيمة لهذا إطلاقاً إنما قيمة الإيمان الآن، أن تؤمن بالغيب، (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة:3]. إذاً الذي (أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ) هذا المسكين الخسران سيدعو على نفسه بالهلاك والموت والفناء ولن يستجاب له، (لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًاوَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) [الفرقان:14].

(وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13)) كنت زمان مسرور، وانتهى زمان السرور، وبدأ الآن زمان الويلات والثبور، نسأل مولانا اللطف بنا والرحمة لنا وللمؤمنين.

أخذنا السياق إلى ساحة الآخرة مع تطاير الكتب واستلام كل إنسان كتابه، إما بيمينه، وإما بشماله وراء ظهره. الذي يستلم بيمينه يحاسب حسابًا لطيفا يسيرًا (ويَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا)، فرحًا مستبشرًا للنتيجة التي حصلها؛ أما الذي أوتي كتابه بشماله وراء ظهره فهذا سيحاسب حسابًا عسيرًا، هذا الذي كان في أهله مسرورًا، الآن يرجع لهم وهو يدعو على نفسه بالثبور، والهلاك، والموت ولكنه لن يُجاب له، فقد كان في أهله مسرورًا وانتهى زمان السرور بالنسبة لهذا الإنسان.

(إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ) كلمة (يحور) غير موجودة إلا في هذه السورة؛ وهي بمعنى: يرجع، فالحوار هو رجع الكلام بين اثنين، هذه هي اللغة العربية العبقرية، (إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ) أي لن يرجع مرة ثانية.

الطغيان من هنا يبدأ؛ من اعتقاده أنه لا يرجع إلى الله، فإذا اعتقد هذا يفجر الإنسان (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) (سورة القيامة: 6) إذن لمَ ينكرون القيامة؟ لأنه يريد أن يُترك على هواه، ويفجر، تماما كالنعامة هذا المنكر للقيامة سلوكه كسلوك النعامة؛ فيدفن رأسه في الرمال أو الطين؛ ظنًا منه أنه إذا لم ير الصياد فإن الصياد لن يراه أيضًا! وكأننا لو أنكرنا الموت فلن يأتينا، بل إن تنكره أو تثبته فالموت قادم قادم، البعث تنكره أو تثبته فسيأتيك سيأتيك، الحساب تثبته أو تنكره هو قادم قادم، الجنة والنار تنكرهما أو تؤمن بهما ستلاقيهم حتمًا يوم القيامة، إن كنت عاملًا للصالحات فمصيرك الجنة –نحن وإياكم إن شاء الله- نسأل الله الجنات، وإن كانت الأخرى نسأله السلامة، فمصير أهل المعاصي والفسوق، والفجور والإنكار، والجحد، والكفر والكبر والغطرسة، والأذى لعباد الله؛ مصيرهم إلى جهنم وبئس المصير!.

إذن (إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ) بلى والله لترجعنّ.

(بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) إني أراك؛ ومحصي أعمالك! في الدنيا الأجهزة تراقب والناس يراقبون بعضهم البعض، ويسجلون لبعضهم البعض بالتوثيق والصوت والصورة والمكالمات وغيرها بحيث متى أتى زمن الحساب يقول له: أنت اتصلت بفلان وفلان وفلان وهاهو بالصوت والصورة! هذا بشر يراقب بشرًا؛ فكيف الرقيب سبحانه؟! كيف الشهيد سبحانه؟! (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجاثية: 29) كله مسجل بالثانية صوتًا وصورة، كله مقيد ومكتوب ومحسوب.

إذًا نبتدئ الآن بالمقطع الثاني (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) صيغة (لا أقسم) في القرآن معناها (أقسم) والدليل واضح كما في قوله تعالى ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (الواقعة: 75-76) إذًا (لا أقسم) معناها قسم؛ إذن فمتى نستخدم (لا أقسم)؟ حينما يكون الأمر في غاية الوضوح فلا يحتاج لقسم، نقولها بالعامية أن الأمر أوضح من أن يقسم عليه؛ هذا أولًا، أو أن يكون المقسم به والمقسم عليه سواء، مثل: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة: 1-2) لتقومنّ القيامة، لا أقسم بيوم القيامة لتقومنّ القيامة؛ فالمقسم به والمقسم عليه واحد فنستخدم صيغة (لا أقسم). بقي معنا من صيغ (لا أقسم) الثمانية:

(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) (الواقعة: 75)

(فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) (المعارج: 40)

(وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة: 2)

(فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وما لا تبصرون) (الحاقة: 38)

(فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ* وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) (الانشقاق: 16-17)

وجاء معنا (لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ) وبقيت معنا واحدة وهي:

(فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ) (التكوير: 15)

ثلاث من صيغ (لا أقسم) شملها جزء عمّ؛ هذه المرة قبل الأخيرة، وسيأتي معنا (السجدة) بعد قليل أيضًا المرة قبل الأخيرة، فهذه المنهجية المتوازنة. على كل حال مولانا يقسم بصيغة (لا أقسم) وكل صيغ (لا أقسم) جاءت على لسان الله عز وجل، أي انفرد بها مولانا هذه الصيغة، فهو الذي إذا أراد أن يقسم استخدم ثمان مرات صيغة (لا أقسم).

(الشفق) معروف؛ فهو الحمرة التي تبدو في الشرق قبل الشروق بقليل، وفي الغرب قبل الغروب الكامل بقليل؛ تتلون السماء والغيم بألوان جميلة، كل يوم ألوان وتشكيلات هائلة. الشفق منظر يأخذ الألباب، انظر إلى القطب ستجد الشفق أخضر، ويستمر أحيانا أيامًا ولياليًا طويلة هذا الشفق، فيأخذ الألباب ويسحر الأبصار جمالًا. (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ* وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) أي وما احتوى هذا الليل، والقمر إذا تتامّ (إِذَا اتَّسَقَ) أي إذا اكتمل، وأصبح بدرًا كاملًا.

علام يقسم الله عز وجل؟ (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) وطبقًا عن طبق بمعنى؛ أستتفننون في المعاصي؟ ممكن، أستتفننون في النظريات الإلحادية؟ أم ماذا، فكل يوم تخرجون بنظرية إلحادية؟ ممكن. ستتفننون في وسائل إعلام المروجة للكفر والباطل؟ ممكن. (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) معاني مفتوحة، لكن هذا هو جوّها، فيقسم الله تعالى بهذه الأشياء أن الإنسان سيطلع طبقًا عن طبق، ويعلو درجة بعد درجة، لكن في معاندة الحق للأسف!.

(فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ* وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) لو كان هناك مجالًا لكان ينبغي علينا أن نسجد، ولكن المقام لا يسمح، فنسجد بعدها إن شاء الله وإياكم. إذا كانوا لا يؤمنون هؤلاء الكافرين لم لا يؤمنون؟ أنقص في الأدلة؟ معاذ الله فالأدلة أوضح من الشمس، وهائلة وعديدة، وكثيرة، شمس، وقمر، ونجوم، فضاء، سماء، هواء، إنسان، ألوان، ثمار، لا تعد ولا تحصى، مليارات من الأدلة حولك على الله عز وجل، وفي كل شيء له آية؛ فمجرد الألوان آية تدلك على الله، الثمار أفنان وألوان، وأشكال، وطعوم، ومذاقات تدلك على الله، من قال أن الأرض تخرج هذه الفاكهة كلها؟ اذهب إلى القمر وازرع هناك؛ هل سيطلع لك برتقال مثلا؟! بل لن يخرج شيئًا! إذًا ليس بالضرورة أن الأرض تنتج هذه الثمار والفاكهة لولا أن الله تعالى أراد أن ينتجها سبحانه، وأن يكون هذا الزرع وأن تكون هذه الخيرات الحسان. (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) هذه السجدة قبل الأخيرة في القرآن الكريم.

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) والكافر متخذ قرار وقد أسماه رب العالمين كافرًا لمَ؟ فكافر وكفر بمعنى واحد؛ أي غطى الحقيقة، وغطى الفطرة في داخله، الحقيقة في الكون، وغطى الفطرة في داخله فهو كفر فهي بالمعنيين. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) فهو متخذ قرار الكفر مع سبق التصميم والترصد، ومتخذ قرار التكذيب عنادًا وكبرًا (إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرمَّا هُم بِبَالِغِيهِ) (غافر: 56) فأنت ستبقى عبدًا مأسورًا بضعفك، مقيدًا بقيود أجلك؛ وحدود طاقتك، لا تحاول، أنت أسير (َّنحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) (الإنسان: 28) أنت مأسور.

(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ) يوعون: أي يحملون في داخلهم، مثل (جمع فأوعى)؛ أي حمل معه حاجاته، فيوعون أي يحملون في داخلهم.

(فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أصل البشارة الأخبار السارة، هذا أصلها؛ لكن هنا فمن باب الاستهزاء، قال (فَبَشِّرْهُم) فاشرأبت أعناقهم؛ لكن حينما سمعوا الباقي خارت قواهم (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). - الله سبحانه وتعالى يبشر المؤمنين إن شاء الله ونحن وإياكم منهم بالرحمة والمغفرة والجنة يا رب العالمين- (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) سيخرجون من بشارة السوء تلك سالمين، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) وغير ممنون أي لا منّ معه، وغير مقطوع، فلا نفاد لرزق الله في الآخرة إطلاقًا، إنما عطاء وإلى مزيد إلى ما لا نهاية، كل يوم مزيد إلى ما لا نهاية.

هذا جو سورة الانشقاق. رزقنا الله وإياكم أحسن الفهم في أحسن الكلِم، وفّقنا الله للالتصاق بهذا الكتاب، وحسن التأتي مع هذا الكتاب، وحسن التدبر والعمل بهذا الكتاب، فإلى الملتقى بكم في حلقة تالية إن شاء الله، أستودعكم الله، حياكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رابط المشاهدة

http://www.fawaed.tv/episode/8620

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل