وقفات مع سور القرآن

وقفات مع سور القرآن
هذا القرآن روحنا
د. أحمد نوفل

الروح سرّ لا يعلمه إلا الله، إذا نفخ في موات أو طين أو تراب.. دبّت فيه الحياة، وإذا نزع من حياة عادت هموداً ومواتاً وانطفأت شعلتها..
وهذا القرآن روح، هكذا سمّاه الله وهكذا أراده إذا نفخ في أمة موات أحياها، وفي قحط ومحل أخصبه ونضّره.. وإذا نزع من الحياة عاد الموات إلى ذاك الذي نزع منه القرآن.. هكذا قال الله: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122]، وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52].

نسق من سورة الشورى أنها بدأت بالوحي {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ} وختمت بالوحي {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}، وتكرّر الوحي بين ذلك، ليكون الوحي هو مرجع الشورى الجامع للشعب والقيادة

*****************

الهدى واحد من أهم محاور سورة النحل واقرأ 
" ولو شاء الله لهداكم أجمعين "
" لعلكم تهتدون "
" وبالنجم هم يهتدون "
" فمنهم من هدى الله "
" تحرص على هداهم "
" وهدى ورحمة "
" ويهدي من يشاء "

{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120]*

المعنى:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}: يؤكد النص الكريم بـ(إنّ) التي هي من أقوى أدوات التوكيد {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} وليس مجرد فرد، و(الأمة): الجماعة من الناس مطلقاً بالمعنى اللغوي، والجماعة من الناس على فكر واحد وقلب واحد ومنهج واحد وهدف واحد.. بالمعنى الاصطلاحي.. وإبراهيم أمة بالمعنيين: أي جماعة كبيرة من الناس، وكل من سار على نهج الأنبياء في الدعوة والإمامة فهو أمة، لكن كل أمة بقدرها، فليس كإبراهيم أحد إلا سيد الأنبياء عليه الصلوات، فهو في هذا أعظم من إبراهيم.
ومعنى (أمة): أنه يحمل من الطاقة والقدرة والدعوة ما يجعل أمة تتبعه وتهتدي على يديه فكأنه هو هذه الأمة.. تماماً كما تقول لبذرة في يدك: إن هذه البذرة غابة من الأشجار. وأنتَ صادق، فإن زرعتها ستنبت بإذن الله شجرة، ومن بذورها ستنبت أشجار لتكون غابة.. والفكر والدعوة كالبذور تنتقل مع الريح من مكان إلى مكان، فالآن يسلم عشرات الآلاف في أوربا وأمريكا والعالم عموماً، مع سوء أحوال المسلمين، وكل هؤلاء وكل المسلمين معهم وقبلهم هم في رصيد سيد الرسل عليه وعليهم أزكى الصلوات، فهو من بدأ الله به الدعوة.. في هذه الأمة.. وما أجمل أن نتفكر في هذه الآية ثم نحاول أن نقتبس وأن نهتدي ونقتدي.. نهتدي بهدي الأنبياء ونقتدي بهم، فلا يكفي أن يكون الفرد مسلماً في ذاته لذاته.. وإنما تحمل الخير للعالم وتهدي الناس إلى ربهم لا تريد منهم جزاء ولا شكوراً إلا لهم أن يدخلوا الجنة، فكل مسلم ينبغي أن يكون أمة، ولو كنا كذلك ما غُزينا في عقر دورنا، وتبنى أبناؤنا ومفكرونا تقاليع الغرب الفكرية والأزيائية والعنف والمخدرات وما إلى ذلك.. ولكنا شمساً تسطع على الغرب فتنيره بدل أن يصدر هو الظلمات إلى العالم.. والإجرام.. والعصابات.. والقتل..
{قَانِتاً لِلَّهِ}: مطيعاً لأمر الله منفذاً له بكل ما أوتي. والقنوت: الخضوع والطاعة والامتثال، ومنه: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238].
{حَنِيفاً}: الحنف: الميل. قال الزمخشري: فكأن الميل عن الباطل المائل هو عين الاستقامة على نهج الحق.

{وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}: تأكيد للاستقامة على نهج الحق والقنوت للإله الحق، فنفى أنه كان يوماً من المشركين ولن يكون، ومعاذ الله أن يكون، فإبراهيم عليه الصلوات والتسليم من أعمدة الهدى في هذا الوجود ومن مثل التوحيد العليا فلا يفوقه، إلا سيد الأنبياء عليهم الصلوات.
من دروس الآية:
1. كل قصة من القصص في سورة من السور متسقة تماماً مع سورتها.
2. إبراهيم أعظم رسول من رسل الله بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
3. إبراهيم عليه الصلوات والتسليم أمة في رجل، وقال الله عنه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة:124].
4. نفي الشرك عن الأنبياء، وإبراهيم في طليعتهم، إن قبل النبوّة أو بعد النبوّة.
5. على المؤمن والمسلم أن يقتدي بالأنبياء في الدعوة وإمامة الناس.

* من مشروع تفسير القرآن الكريم للدكتور أحمد نوفل.

 
 
 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل