أصول في التفسير - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - المجلس الأول

البناء العلمي (1) - برنامج البناء العلمي التابع للأكاديمية الإسلامية المفتوحة

أصول في التفسير - د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - المجلس الأول

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حياكم الله مشاهدي الكرام في المجلس الأول من مجالس شرح كتاب شيخنا الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، أصولٌ في التفسير، وهذا الكتاب -أحبتي الكرام- يتحدث عن فصولٍ في تفسير القرآن، ينبغي لمن يمارس تفسير القرآن أن يتعلم هذه الأصول، وأن يلم بها، وشيخنا -رحمه الله- كتب هذا الكتاب في وقتٍ مبكرٍ، قبل قرابة أربعين سنةً، وكان عبارةً عن مقدماتٍ لمنهج التفسير في المعاهد العلمية، ثم أشار عليه من أشار من أهل العلم أن يجمع هذه المقدمات المتفرقة، ويجعلها في هذا الكتاب.

درسنا -بإذن الله - عزَّ وجلَّ- سيكون حول هذا الكتاب شرحًا وإيضاحًا وبيانًا لمشكله، وتنويرًا لإخواننا القراء، وأيضًا للحاضرين معنا في الاستوديو عن هذا العلم بشكلٍ عامٍ؛ حتى يستطيع الطالب بعد ذلك أن يُبحر في علوم القرآن، وفي أصول التفسير، وفي تفسير القرآن، وقد عرف أهم القواعد والأصول التي يحتاج إليها في هذا الباب.

حياكم الله مشاهدي الكرام، وحيى الله إخوتي الحاضرين معي في هذه القاعة -قاعة الدرس-، وأسأل الله أن يجزيهم عنا وعن الإسلام والمسلمين خيرًا.

أحبتي الكرام هذا الكتاب كما ذكرت لكم قبل قليلٍ، ألفه شيخنا العلامة محمد بن عثيمين -رحمه الله-؛ ليكون مقدمةً لمن يريد أن يدخل في عالم التفسير، فهي معلوماتٌ مهمةٌ، وقواعد متينةٌ يحتاجها طالب العلم في تفسير القرآن، ولم يؤلفها الشيخ في الأصل على أنها كتابٌ مستكملٌ لهذا العلم، ولذلك عبر عنها الشيخ بعبارةٍ متواضعةٍ، فسماها "أصولٌ في تفسير القرآن" ولم يقل: "أصول التفسير"، لو قال: أصول التفسير، لكان عليه أن يراعي أن يأتي بكل الأصول المطلوبة للتفسير، ولكنه عبر بعبارةٍ تدل على أن هذا الكتاب يُطلع طالب العلم على جملةٍ من الأصول التي يحتاجها لكي يفسِّر القرآن، أو يفهم تفسير القرآن الكريم.

وهذا الكتاب قام شيخنا -رحمه الله- بشرحه أكثر من مرةٍ، كانت المرة الأولى في وقتٍ مبكرٍ، بعد تأليفه لهذا الكتاب، وإصداره إياه، ثم قبل وفاته بأربع سنواتٍ تقريبًا، في عام ألف وأربعمائة وستة عشر، شرحه شرحًا لطلابه في الجامع الكبير في عنيزة، وبعد ذلك بثلاث سنواتٍ في عام ألف وأربعمائة وتسعة عشر أعاد ذلك الشرح، أو شرحه مرةً أخرى بناءً على طلبٍ من طلابه، فهذان الشرحان جُمع بينهما وفُرِّغا ثم خرجا في هذا الإصدار، في هذا الكتاب الذي هو شرحٌ للأصل، فلدينا الآن كتابان لشيخنا الشيخ العلامة محمد بن عثيمين، الأول: أصولٌ في التفسير، وهو عبارةٌ عن متنٍ ميسرٍ، سهل العبارة، أيضًا ليس موسعًا، ولا يغوص في دقائق هذا العلم وشوارده، وإنما يقتصر على كلياته ومهماته.

ثم إن الشيخ شرح كتابه، فأصبح هذا الكتاب الذي بين أيدينا، هو عبارةٌ عن المتن، وعن الشرح، وكلاهما لشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين.

هنا يأتي سؤالٌ: من هو الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين؟

هذا من شيوخ هذا القرن الكبار، الذين يصح أن يُطلق عليه لقب علامة، وقد أكرمني الله -عزَّ وجلَّ- بالتتلمذ على الشيخ، وإن كنت لست من الملازمين للشيخ، ولا من طلابه المداومين، لكن كنت أحضر مجالسه، خصوصًا في الإجازات الصيفية، حسب ما يتيسر لي، فضلًا عن كوني حظيت بمرافقته في الحج مرتين، ثم وفقني الله -عزَّ وجلَّ- للاستماع لأكثر من ثمانمائة ساعةً مما أصدره الشيخ، من تسجيلاته، سواءً كانت شرحًا لمتونٍ أو كانت دروسًا في رمضان، من تلك الدروس التي كانت يلقيها الشيخ في كل عامٍ، لأن الشيخ رحمه الله قد أتيحت له الفرصة أن يلقي درسًا في الحرم من عام 1402 واستمر عليه رحمه الله إلى أن مات سنة 1421.

ولد الشيخ سنة 1347، وبدأ دراسته العلمية في عنيزة، ثم انتقل إلى الرياض وتتلمذ فيها على أيدي كثيرٍ من الشيوخ، ومن أبرز شيوخ الشيخ، العلامة عبد الرحمن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، ثم شيخنا وشيخ مشايخنا، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وأيضا الشيخ العلامة محمد أمين الشنقيطي، وعددٌ من العلماء البارزين سواءً كانوا في عنيزة أو كانوا في الرياض، عندما جاء الشيخ لدراسة العلم في المعهد العلمي وفي كلية الشريعة في الرياض. ثم رجع الشيخ إلى عنيزة فصار مدرسًا بالمعهد العلمي إلى عام 1398 ثم انتقل إلى كلية الشريعة بالقصيم، واستمر بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى.

والشيخ كان ملازمًا للعلم ومعلمًا من الطراز الأول، حباه الله تعالى أسلوبًا جذابًا وسهلًا، وصبرًا عجيبًا على تعليم الطلاب، وحسن إيصال العلم إليهم، فالعلم الصعب الجاف الذي لا يلين على ألسنة كثير من العلماء،  يُلينه الشيخ حتى يصبح كالزبد تأكله ميسرا سهلا، ومن يقرأ كتب الشيخ يدرك ذلك، والعجيب أن كتب الشيخ التي تصل إلى مائةٍ وعشرين كتابًا كلها من دروسٍ ألقاها الشيخ، وهذا مما يدل على هذه الملكة العجيبة التي كان الشيخ عليها في طريقة إلقاء العلم، لا تكاد تجد في كلماته حشوًا كثيرًا، وكان رحمه الله تعالى بليغًا في عباراته سهلًا فيها، يستطيع أن يوصل لك العويص من المعلومات بأيسر ما يكون حتى لا تجد أي مشقةٍ في فهم العلم، وهذه الخصلة قل أن تجدها عند غيره من المدرسين والعلماء والذين انتدبوا لتدريس الطلاب، وقد نذر الشيخ نفسه لهذا الأمر، فلا تجده يتخلف عن دروسه ولا يترك طلابه إلا للمهمات التي لابد له منها، وتعرف مؤلفات الشيخ كثيرةً جدًا ليس بنا حاجةٌ أن نستعرضها.

أما طلاب الشيخ فكُثر لا أقول بالعشرات، ولا بالمئات بل بالألوف لأن الشيخ أينما حل وحيثما وُجد يلقي العلم، لا يدع فرصةً إلا ويلقي فيها العلم، ويدرس فيها للناس، ثم إن الله عزَّ وجلَّ هيأ له أن تُسجل دروسه وكانت تنتشر في الأمة، من حين ما تخرج تجد الأشرطة وصلت إلى الصين، وإلى أقصى الشمال وأقصى جنوب الأرض، وإلى الأمريكتين وإلى أوربا يتلقفها طلاب العلم وينهلون من معينها، لأنهم يجدون أنهم يستلذون بسماع صوت الشيخ وهو يلقي الدرس، خصوصًا أن الملقي رجلٌ راسخٌ في العلم وفي الوقت ذاته يُبين عما يريد ويحسن عرض المادة التي يريدها.

هذا العلم، أصولٌ في التفسير الذي كتب فيه الشيخ، حقيقة أن الشيخ في كتابه هذا جمع بين علمين عند المتخصصين، العلم الأول: علوم القرآن فأخذ جملةً من أبواب علوم القرآن وكتب فيها كتابة ميسرة سهلة، والعلم الثاني: أصول التفسير، فإن قلتَ هل بينهما فرق؟ أقول عند أهل الفن، بينهما فرقٌ، فعلوم القرآن هي تلك البحوث التي تدور حول التعريف بالقرآن، كيف نزل القرآن؟ كيف أُوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟، كيف وصل إلينا، وما هي قراءاته؟، ما هي قصصه، القسم فيه، أشياء من هذا القبيل، هذه هي موضوعات علوم القرآن، المكي، المدني، الناسخ، المنسوخ، نزول القرآن، أسباب النزول، ... إلخ تسمى مباحث في علوم القرآن، تعرفك في القرآن وما يحتويه هذا الكتاب من حيث الجملة، وتبين لك كيف بدأ هذا القرآن وكيف جمع وكيف وضع، كيف قُسِّم، كيف عُشِّر، هذا الفن يسمى فن علوم القرآن،  من ضمن فنون علوم القرآن فنٌ يسمى أصول التفسير، هذا واحدٌ من بحوث علوم القرآن،  هذا الفن لما صارت له أصول وقواعد وأُلفت فيه مؤلفات، استُل من علوم القرآن واستقل عنه، وصار فنا مستقلا بذاته وسمي أصول التفسير، ولذلك في كليات القرآن، أو في الأقسام المتخصصة بالدراسات القرآنية يدرس الطلاب علمين، العلم الأول علوم القرآن، يدرسون فيه أسباب النزول والمكي والمدني، ويدرسون فيه قصص القرآن وأمثال القرآن، وقسم القرآن، وجدل القرآن، وغير ذلك، وهناك مادة أخرى يسمونها أصول التفسير،  وهي القواعد التي يسلكها ويتعلمها الطالب ليعلم تفسير القرآن الكريم، حتى يتقن فن التفسير، ويعرف كيف يرجح بين الأقوال، وكيف يقرأ في كتب التفسير وكيف يرجح بين أقوال المفسرين؟، وما هي أفضل كتب التفسير؟

هذا العلم استقل، الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب الي سماه أصول في التفسير جمع بين هذين العلمين، وسيتبين لنا ذلك منةخلال المقدمة التي سنقرأها بعد قليل.

علوم القرآن وأصول التفسير نشأت مع نزول القرآن، فمن حين ما نزل القرآن نشأت علوم القرآن، الصحابة تلقوا تفسير القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أشاعوا التفسير وهذه العلوم  في الأمة، وتميز كل صحابيٍّ ممن اشتهر بعلوم القرآن بطريقةٍ معينةٍ، ولهم تلاميذ، فابن مسعود كان في الكوفة وله تلاميذ، وابن عباس كان في مكة وله تلاميذ، وزيد بن ثابت،  وأبيّ بن كعب كانا في المدين ولكل منهما تلاميذه، ولذلك نجد لكل مجموعةٍ من هؤلاء تخرج على أيديهم أناسٌ لهم ما يميزهم عن غيرهم وإن كانت المشتركات بين هؤلاء كثيرةٌ جدًا. ثم بدأت المؤلفات تنشأ.

وللمؤلفات أبوابٌ صغيرةٌ في علوم القرآن كالناسخ والمنسوخ، ونحو ذلك، ثم جاء المحدثون فأفردوا كتاب التفسير في كتب الحديث، ثم جاء المفسرون وكتبوا في تفسير القرآن من أوله إلى آخره في كتبٍ مستقلةٍ، فاستقل علم التفسير عن علوم القرآن، وصار علمًا مستقلًا بذلك، وتتابعت كتب التفسير وكثرت حتى لا نكاد نجد رقما لهذه الكتب، وما يزال الناس إلى الآن يكتبون في تفسير القرآن، وبعد أن كثرت الكتب في علوم القرآن كان هناك ضرورة لجمع هذه الكتب التي كتبت في أنواع علوم القرآن لتكون في كتابٍ واحدٍ.

وهنا اختلف الناس من هو أول من بدأ، وإلى الآن لم تحرر هذه المسألة، تحريرا قطعيا، لكن من أفضل الكتب التي كتبت في هذا الفن وتعتبر من أوائل ما جمع فيه، كتاب البرهان للزركشي رحمه الله تعالى، وهو كتابٌ يقع في أربعة أجزاءٍ، وقد جمع فيه مؤلفه أنواع علوم القرآن، ووضع هذا الكتاب على نحوٍ سلسٍ جميلٍ جدًا يُشكر لمؤلفه رحمه الله تعالى.

ثم جاء من بعده السيوطي رحمه الله تعالى، فألف كتابين، ألف كتابًا قبل أن يطلع على البرهان، سماه التحبير في أصول التفسير، وجعل فيه أكثر من مائة نوعٍ من أنواع علوم القرآن، مثلًا المكي والمدني، الصيفي والشتائي، الليلي والنهاري، السفري والحضري، أسباب النزول، جمع القرآن، إلى آخره.

ثم اطلع بعد ذلك على كتاب البرهان للزركشي -رحمه الله-، فرأى أن يعيد النظر في ما كتب أولًا، فكتب كتابه الثاني الإتقان في علوم القرآن، وهو هذا الكتاب، ويقع في ست مجلداتٍ، وهذا الكتاب، الإتقان يعتبر أجمع كتابٍ في علوم القرآن؛ لأن مؤلفه الحقيقة يتميز بالاطلاع الواسع، والجمع الكثير، فاجتمع له بسبب ذلك معلوماتٌ كثيرةٌ جدًّا، وكتبٌ كثيرةٌ ورثها عن من قبله، فلخصها في كتابه هذا، وجمعها جميعًا، وجعلها على أنواعٍ، ما ترك نوعًا من أنواع علوم القرآن إلا وكتب عنه.

فمن أراد أن يطلع على علوم القرآن فعليه أن يرجع إلى هذا الكتاب، وهو كتاب الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي المتوفى عام تسعمائة وإحدى عشر.

ثم جاء المعاصرون بعد ذلك، وكتبوا في علوم القرآن، وأصبحت هذه الكتابات كثيرةً جدًّا ولله الحمد والمنة، وكلٌ يتميز بشيءٍ معينٍ، فمثلًا نجد محمد عبد العظيم الزرقاني وهو من علماء الأزهر كتب كتابًا مميزًا في علوم القرآن، سماه "مناهل العرفان في علوم القرآن" وهو كتابٌ يقع في مجلدين، كتابٌ نفيسٌ في بابه، خصوصًا أنه بحث المسائل التي بحثها من أنواع علوم القرآن بحثًا مستفيضًا وفي كل المباحث التي يجد فيه شبهات المستشرقين، يذكر تلك الشبهات، ويرد عليها ردًا علميًّا مستفيضًا.

من الكتب المعاصرة المشهورة جدًّا، والتي قررت في الجامعات، كتاب شيخنا الشيخ مناع القطان -رحمه الله-، وهو كتابٌ أيضًا نفيسٌ في بابه، وهو عبارةٌ عن كتابٍ عصريٍّ لخص فيه الشيخ مناع القطان كتاب الإتقان، جاء إلى الإتقان، وصاغه صياغةً عصريةً، وانتقى أهم البحوث والأنواع من علوم القرآن منه، وجمعها في هذا الكتاب، فصار كتابًا عصريًّا جامعيًّا، ولذلك قُرر في كثيرٍ من الجامعات والكليات، وأصبح منهجًا دراسيًّا معتبرًا في كل أو أكثر الجامعات التي قُرر فيها هذا الكتاب.

ثم تتابع الناس من أفضل الكتب المعاصرة حقيقةً في هذا الباب، كتاب الشيخ الدكتور فهد الرومي، وهو شيخنا وأستاذنا الجليل، الأستاذ الدكتور  فهد الرومي، كتب كتابًا لطلابه في كلية المعلمين، سماه دراساتٍ في علوم القرآن، هذا كتابٌ طبع طبعاتٍ كثيرةً، تجاوزت ستة عشر طبعةً، وهو الآن أصبح كتابًا ينافس كتاب مباحث في علوم القرآن، لشيخه وشيخنا مناع القطان، والحقيقة أن الشيخ فهد وفِّق توفيقًا بالغًا في كتابه، من حيث سهولة الأسلوب، وغزارة المعلومات، ودقتها، وتحري الصواب في ذلك.

من الكتب النفيسة في علوم القرآن، كتاب المقدمات الأساسية في علوم القرآن، للأستاذ عبد الله بن يوسف الجديع، وهذا كتابٌ نفيسٌ في بابه، وقد طرق كل البحوث التي ليست مختصةً في علوم القرآن، يعني مثلًا بحث العام والخاص، والمطلق والمقيد، ونحوها من البحوث التي أُخذت من أصول الفقه لم يُدرجها هنا، قال: اكتفيت بالبحوث التي تختص بعلوم القرآن، فيعتبر كتابه كتابًا مميزًا في هذا الباب.

من الكتب المتأخرة التي صدرت، كتابٌ لأخي فضيلة الشيخ الدكتور مساعد الطيار، اسمه المحرر في علوم القرآن، والشيخ مساعد تميز في بحوثه وكتاباته بالتحقيق والتحرير، ولذلك يوصى بمراجعة كتبه.

هذا بالنسبة لعلوم القرآن.

أصول التفسير، منذ فترةٍ طويلةٍ بدأ يستقل، لعل من أوائل الكتب التي كُتبت في أصول التفسير، مقدمةٌ لشيخ الإسلام ابن تيمية تعتبر من أنفس ما كُتب في بابها، لكن لكون الشيخ -رحمه الله- كان كالبحر يُسهب في المسائل التي يطرقها، فإنه كتب كتابًا نفيسًا في بابه، واعتمده العلماء من بعده، لكنه ليس كتابًا منهجيًّا، وينبغي للطالب الذي يتخصص في علوم القرآن، أو في أصول التفسير، أن يستزيد، أو يستشرح هذا الكتاب النفيس في بابه، وابن كثير -رحمه الله- أخذ خلاصة ذلك الكتاب ووضعها في مقدمة تفسيره، بل إنه -رحمه الله- سار في تفسيره، تفسير القرآن العظيم على هذه القاعدة والأصول التي وضعها شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته، ولذلك تعتبر هي مقدمةٌ نفيسةٌ جدًّا في هذا الباب.

ثم تتابع الناس يكتبون في أصول التفسير كنوعٍ من أنواع علوم القرآن، لكن مستقلةٌ، مما جعل أصول التفسير تعتبر نوعًا مستقلًا من أنواع علوم القرآن، وفنًا انفرد عن علوم القرآن الكريم.

من الكتب المعاصرة فيه، كتابٌ لأستاذنا الدكتور فهد الرومي بحث في أصول التفسير ومناهجه، وهذه طبعةٌ قديمةٌ منه، وهناك طبعاتٌ حديثةٌ صحح فيها المؤلف، وزاد وغيَّر في الكتاب.

هناك كتابان للدكتور مساعد الطيار، كتاب فصولٌ في أصول التفسير، كتابٌ نفيسٌ في بابه الحقيقة، جمع فيه قواعد وأصول ومباحث مهمةً جدًّا في هذا الفن، وتفرد بها في الحقيقة، بحيث لا نكاد نجد أحدًا سبقه إليها ممن كتبوا في أصول التفسير، ثم إن الناس من بعده تتابعوا على الكتابة فيها.

ثم كتب كتابًا أخيرًا صدر قبل سنةٍ تقريبًا، وهو التحرير في أصول التفسير، وهو كتابٌ منهجيٌّ، حُكِّمَ وَرُجِعَ قبل فترةٍ يسيرةٍ، وصدر عن مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، وهو كتابٌ نفيسٌ في بابه.

أنا أيضًا شاركت في هذا العلم بكتابٍ سميته الركيزة، وألفته قبل ثلاث سنواتٍ تقريبًا، اختصرتُ فيه هذا العلم اختصارًا كثيرًا، اختصرت فيه على أهم ما ينبغي للطالب أن يعلمه، لكي يُبحر في علم التفسير، في رسالةٍ سميتها الركيزة في أصول التفسير، وقد شرحتُه -ولله الحمد والمنة- قرابة خمس أو ست مراتٍ، وهذه الشروح موجودةٌ في اليوتيوب، وفي الإنترنت لمن أراد أن يستشرح، أو يسمع إلى هذا الشرح لهذا الكتاب، أو المذكرة التي ألفتها، ثم طبعها مركز التفسير جزاهم الله خيرًا.

هذه إطلالةٌ عامةٌ على هذا العلم.

ماذا يقول الشيخ في مقدمة كتابه؟

لعلنا نسمع مقدمة الشيخ ثم نعلق عليها.

{قال المؤلف -رحمنا الله وإياه: "الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ وسلم تسليمًا. أما بعد}.

هذه مقدمة الشيخ في كتابه، وهذه تسمى عند العلماء: خطبة الحاجة.

هذه الخطبة عظيمةٌ جدًّا في معانيها، والشيخ في شرحه لهذا الكتاب شرح شرحًا جميلًا وافيًا، أنصح طلاب العلم بالاطلاع عليه.

طبعًا فيها الثناء على الله -عزَّ وجلَّ-، بقوله: "الحمد لله نحمده"، وفيها طلب العون منه، بقوله: "نستعينه"، وفيها طلب المغفرة، والمغفرة تجمع معنيين: ستر الذنب، والتجاوز والعفو عنه.

ولماذا نستغفر الله -عزَّ وجلَّ- في بداية كلامنا؟ لأن الذي يحول بين الإنسان وبين التوفيق، إما ألا يعان من الله -عزَّ وجلَّ-، وإما أن تحول ذنوبه بينه وبين توفيق الله -جلَّ وعلَا-، ولذلك يُثني العبد على ربه، ويطلب عونه، ويستغفر الله من ذنوبه، ثم في الوقت ذاته، يتبرأ من حوله وطوله وشرور نفسه، فيقول: "ونعوذ بالله" أي نلتجئ لله -سبحانه وتعالى- من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، فالنفس فيها شرٌ، يستعيذ بالله من ذلك الشر، وسيئات الأعمال تدرك الإنسان فتحول بينه وبين التوفيق.

ثم يأتي هذا الاعتراف :"من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له" أنت الآن في مقدمة أمرٍ عظيمٍ، تحتاج فيه إلى هداية الرب الكريم، فأنت تقول: من تهده يا الله يُهدى، ومن تتخلى عنه أو تضله فإنه يَضل، فكأنها توسلٌ إلى الله -عزَّ وجلَّ- بالاعتراف لله بهذا الأمر العظيم، وهو أن الهداية والضلالة بيد الله -جلَّ وعلَا-، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.

ثم تعلن التَّوحيد، فتقول: "وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.

{فإن من المهم في كل فنٍ أن يتعلم المرء من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه، وتخريجه على تلك الأصول، ليكون علمه مبنيًا على أسسٍ قويةٍ، ودعائمَ راسخةٍ، وقد قِيل: من حُرم الأصول حُرم الوصول}.

يقول الشيخ: من المهم في كل فنٍ أن تتعلم أصول ذلك الفن، وهذه حقيقةٌ نرسلها لطلاب العلم، إياك أن تخوض في التفاصيل قبل أن تعلم الأصول والتأصيل، الأصول تهديك وتجمع لك المسائل الكثيرة في الفن، بكلماتٍ يسيرةٍ، فإذا عرفت القاعدة، سهل عليك معرفة النماذج والمسائل التي تدخل تحت تلك القاعدة، وحريٌّ بكل طالب علمٍ، قبل أن يخوض في تفاصيل العلم، أن يعرف أصول ذلك العلم، ومقدماته، وأهم ما يُبنى عليه ذلك العلم، و لذلك قال الناس: من حُرم الأصول، حُرم الوصول، ففي كل علمٍ نجد أصولًا قد وضعها العلماء لذلك العلم، ينبغي لك أن تتعلمها قبل أن تخوض في المسائل الدقيقة، والجزئيات الكثيرة التي لا تحد، ولا تعد، ولا تنتهي، ويؤسفني أن أقول: إن بعض طلاب العلم يخطئ الطريق في هذا، فيبدأ بتعلم المسائل، فهو لا يدري كيف يجمعها، ولا كيف ينظمها، ولا ما علاقة بعضها ببعض، لكن إذا تعلمت الأصول، والمباني العظيمة، والقواعد المهمة لكل علمٍ، سهل عليك بعد ذلك أن تجمع ما تفرق من المسائل التي تنتظمها تلك القواعد.

{ومن أجل فنون العلم، بل هو أجلها وأشرفها، علم التفسير، الذي هو تبيينُ معاني كلام الله -عزَّ وجلَّ-، وقد وضع أهل العلم له أصولًا كما وضعوا لعلم الحديث أصولًا، ولعلم الفقه أصولًا}.

يقول الشيخ: "ومن أجلِّ فنون العلم، بل هو أجلها وأشرفها" لماذا هو أجلها وأشرفها؟ لأنه اكتسب هذه الجلالة والشرف، بشرف موضوعه، وهو القرآن الكريم، لأن أصول التفسير مرتبطةٌ بالقرآن العظيم، والقرآن العظيم العلم به أجل العلوم؛ لأنه أعظم الكلام، وعليه مدار الشريعة، وهو أصل الرسالة، وينبوع الحكمة، فإذا علمته فقد أخذتَ أساس العلم، ولكون أصول التفسير مرتبطًا بالقرآن الكريم، أخذ هذه الجلالة، وأخذ هذا القدر، والعلماء يقولون: شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في أصول التفسير هو القرآن العظيم، إذن فيشرف هذا العلم بشرف هذا المعلوم، وهو القرآن الكريم.

قال: "وقد وضع أهل العلم له أصولًا كما وضعوا لعلم الحديث أصولًا، ولعلم الفقه أصولًا"، فعلم الفقه معروفٌ، له أصولٌ، تسمى أصول الفقه، وهو علمٌ يُدرس، وله كتبٌ مستقلةٌ، ومراحل معروفةٌ، ويتخصص فيه جماعةٌ من العلماء، ينتدبون له، ويتقنونه ويدرسونه، ويلقنونه للأمة، الحديث كذلك له أصولٌ وضعها العلماء، وتعبوا في وضعها، حتى استقرت على ما هي عليه.

أيضًا تفسير القرآن، وعلوم القرآن لها أصولٌ معتبرةٌ، وضعها العلماء وقرروها، حتى استقرت على ما هي عليه، وهذا ما سنأخذه -إن شاء الله- من خلال هذا المتن، الذي ألفه شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين.

{قال -رحمه الله: وقد كنت كتبت من هذا العلم ما تيسر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فطلب مني بعض الناس أن أفردها في رسالةٍ؛ ليكون ذلك أيسر وأجمع، فأجبته إلى ذلك، وأسأل الله -تعالى- أن ينفع بها}.

إذن الشيخ -رحمه الله- كتب هذه بناءً على تكليفٍ من الجامعة، في مناهج التفسير، وضع منهجًا لأولى ثانوي، ثاني ثانوي، ثالث ثانوي في تفسير القرآن، وكان الشيخ هو المؤلف لذلك، ثم قيل له: اكتب مقدمةً لهذه الكتب الثلاثة في التفسير، تتضمن أصولًا في التفسير، وفُرِّقت على السنوات الثلاث، ثم طلب بعض المحبين من الشيخ أن يجمع هذه المقدمات الثلاث، ويجمعها في كتابٍ، فجمعها الشيخ، وسماها أصولٌ في التفسير، ثم زاد على ذلك بأن شرحها في الكتاب الذي عرضناه قبل قليلٍ "شرح أصول في التفسير"، وهو موجودٌ في المكتبات، وموجودٌ أيضًا في الإنترنت لمن رغب أن يقتني نسخةً مصورة من الكتاب الأصلي، في ما يسمى بنظام الـPDF اكتب "شرح أصول في التفسير" ثم اكتب بعدها PDF بالحروف اللاتينية، يخرج لك كتاب اطلب نسخةً منه، صورةً من الكتاب بين يديك، كأن الكتاب معك.

{فيتلخص ذلك في ما يأتي، القرآن الكريم:

1- متى نزل القرآن على النبي -صلى الله عليه وسلم؟ ومن نزل به عليه من الملائكة؟}.

هنا الشيخ -رحمه الله- يريد أن يبين لنا ما هي أبواب هذا الكتاب، أو على ماذا يحتوي هذا الكتاب،  فذكر الشيخ أنه يحتوي على قسمين: القسم الأول: يتحدث فيه عن القرآن، يعني كأنه تعريفٌ بالقرآن، متى نزل؟، وكيف نزل؟، وأسباب نزوله، وأنواع هذا النزول، وما يتصل بذلك.

القسم الثاني: في تفسير القرآن يتحدث فيه عن كيفية التفسير، وطرائقه، واختلاف المفسرين، ومن أشهر المفسرين من الصحابة والتابعين، وما يتصل بذلك.

والآن يستعرض لنا الشيخ قائمةً بأهم الأبواب التي سيمر عليها في الكتاب، كنوعٍ من التشويق لمادة ذلك الكتاب الذي سنشرحه -إن شاء الله- في هذه المجالس المباركة.

{2- أول ما نزل من القرآن.

3- نزول القرآن على نوعين: سببيٌّ وابتدائيٌّ.

4- القرآن مكيٌّ ومدنيٌّ، وبيان الحكمة من نزوله مفرقًا وترتيب القرآن.

5- كتابة القرآن وحفظه في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم}.

أتمنى يا إخواني إذا سمعنا الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- نصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه من صلى على النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى الله عليه بها عشرًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «البخيل من ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ»، ولو لم نخرج من مجلسنا هذا كله إلا بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنا كسبنا بذلك مكسبًا عظيمًا، نفرح به إذا لقينا الله -جلَّ وعلَا-، يصلي الله علينا بكل صلاةٍ عشرًا، ويكتب لنا بها عشر حسناتٍ، ويرفعنا بكل صلاةٍ عشر درجاتٍ، ويحط عنا بكل صلاةٍ سيئاتٍ، أربعين، عشر صلوات من الله، عشر حسناتٍ، عشر سيئاتٍ تُحط، عشر درجاتٍ تُرفع، من منكم لا يحب ألا يُكتب له ذلك؟! كلنا نحب أن نكسب هذا المكسب العظيم، فهي شرفٌ والله من أعظم الشرف، ومن أعظم الخير، وأيسره أيضًا؛ لأنه ميسرٌ، ما تأخذ منك الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، كم دقيقةٍ تأخذ؟

{ما يتجاوز ثواني}.

يعني ممكن خمس ثوانٍ، لماذا نزهد بهذا الخير العظيم على ثوانٍ معدودةٍ.

{6- جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما}.

لاحظوا في الأبواب التي ذكرها الشيخ كلها تتصل بعلوم القرآن، أول ما نزل، نزول القرآن، القرآن مكيٌّ ومدنيٌّ، بيان الحكمة من نزوله مُفَرَّقًا، كتابة القرآن وحفظه في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما-، هذا كله في علوم القرآن، الآن سيأتي إلى التفسير.

{التفسير:

1- معنى التفسير لغةً واصطلاحًا، وبيان حكمه والغرض منه.

2- الواجب على المسلم في تفسير القرآن.

3- المرجع في التفسير إلى ما يأتي:

أ- كلام الله تعالى بحيث يُفسَّر القرآن بالقرآن.

ب- سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأنه مبلِّغٌ عن الله تعالى، وهو أعلم الناس بمراد الله تعالى في كتاب الله.

ج- كلام الصحابة -رضي الله عنه- لاسيما ذوي العلم منهم والعناية بالتفسير؛ لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم.

د- كلام كبار التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة -رضي الله عنهم.

ه- ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق، فإن اختلف الشرعي واللغوي، أُخذ بالمعنى الشرعي، إلا بدليلٍ يرجح اللغوي.

4- أنواع الاختلاف الوارد في التفسير المأثور.

5- ترجمة القرآن، تعريفها، أنواعها، حكم كل نوعٍ.

خمس تراجم مختصرةٌ للمشهورين بالتفسير، ثلاثٌ للصحابة، واثنتان للتابعين.

أقسام القرآن من حيث الإحكام والتشابه، موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه، التشابه حقيقيٌّ ونسبيٌّ، الحكمة في تنوع القرآن إلى محكمٍ ومتشابهٍ، موهم التعارض من القرآن، والجواب عنه، وأمثلةٌ من ذلك.

القسم، تعريفه، أداته، فائدته.

القصص، تعريفها، الغرض منها، الحكمة من تكرارها واختلافها في الطول والقصر والأسلوب.

الإسرائيليات التي أُقحمت في التفسير، وموقف العلماء منها.

الضمير تعريفه، مرجعه، الإظهار في موضع الإضمار وفائدته، الالتفات وفائدته، ضمير الفصل وفائدته}.

إذن الشيخ ذكر تقريبًا ستة بحوثٍ من علوم القرآن، معرفةً بكتاب الله -عزَّ وجلَّ-، ثم ذكر اثني عشر بحثًا مرتبطةً بأصول التفسير، وعلوم القرآن، والشيخ -رحمه الله- لم يقصد إلى التأليف في هذا الباب على وجهٍ يكون متنًا محررًا من كل وجهٍ، ولكن كانت مقدماتٍ -كما ذكرنا- ثم جمعها، وطُبعت مستقلةً، وجمعت هذه الأبواب الكثيرة من أصول التفسير، وعلوم القرآن على وجهٍ يعرِّف الإنسان بكتاب الله -عزَّ وجلَّ-، ويعينه على فهم ما فيه من معانٍ وأيضًا ما يتميز به القرآن عن غيره، كالحديث النبوي، والحديث القدسي، ونحو ذلك.

{هل نستطيع الآن أن نقول: إن التفسير وعلومه أصبح فنًا مستقلًا وله فروعه؟ أم مازال فرعًا من فروع القرآن؟}.

هو بمسمى علوم القرآن العام، هو فرعٌ من علوم القرآن، لأنك إذا قلت: ما هي علوم القرآن؟ دخل فيها كل علمٍ من علوم القرآن، أما إذا أردت الاصطلاح الذي اصطلح عليها المعاصرون، واستقر الآن بين المعاصرين، فإذا قيل علوم القرآن، يُقصد به المباحث التي تعرِّف الإنسان بكتاب الله -عزَّ وجلَّ-، مثل الوحي، ونزول القرآن، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وأقسام القرآن، وقصص القرآن، ونحو ذلك. والتفسير أصبح علمًا مستقلًا بذاته، فعلوم القرآن من حيث العموم يدخل فيها كل علوم القرآن، علم التجويد من علوم القرآن، علم القراءات هذا الذي يتخصص فيه الإنسان أربع سنواتٍ، حتى يتقنه، هو واحدٌ من علوم القرآن بالمعنى العام، بالمعنى الاصطلاحي المعاصر الذي اصطلح الناس عليه، واصطلح أهل الفن عليه، أصبحت علوم القرآن علمًا على فنٍ معينٍ، وعلوم التفسير، أو التفسير وأصوله مستقلةٌ بذاتها، والقراءات مستقلةٌ بذاتها، والتجويد مستقلٌ بذاته وكل واحدٍ منها له كتبٌ مستقلةٌ، وطرائق، ومراحل تختلف عن الآخرين.

{القرآن في اللغة مصدر قرأ بمعنى تلا، أو بمعنى جمع، تقول: قرأ قرْأً وقرآنًا، كما تقول: غفر غفرًا وغفرانًا، فعلى المعنى الأول: تلا يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول، أي بمعنى متلو، وعلى المعنى الثاني: جمع يكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، أي بمعنى جامعٍ لجمعه الأخبار والأحكام}.

الشيخ -رحمه الله- جرى على عادة العلماء في التعريف بالشيء قبل الدخول في مسائله وأحكامه وتفاصيله، فبدأ بتعريف القرآن، الآن نحن في الموضوع الأساس لنا هو القرآن الكريم، أصول التفسير موضوعها الأساس هو القرآن، فما هو القرآن؟ عرَّفه أولًا من حيث اللغة، فقال: إن القرآن في اللغة مصدر قرأ، فهو قرأ قرأً فهو قرآنٌ، قرآنٌ مصدرٌ لكلمة قرأ.

ما معنى قرأ في اللغة؟

قال الشيخ: قرأ في اللغة تأتي بمعنيين، المعنى الأول بمعنى تلا، فإذا تلوت شيئًا يُقال قرأ، ويأتي بمعنى جمع، ومنه القرية سميت قرية؛ لأنها تجمع البيوت والناس في مكانٍ محددٍ، ومنه ما نسميه نحن في العامية "القرو" وهو الحوض الذي نجمع فيه الماء، يسمى "قروًا" لأنه يُجمع فيه الماء، فالحاصل أن هذه الكلمة في اللغة العربية تأتي بمعنى تلا، وتأتي بمعنى جمع.

إذن إذا قلنا إنها بمعنى تلا، أو بمعنى جمع، ما معناها، ما معنى كلمة قرآن؟ قرآن بمعنى متلو، تلا فهو متلوٌ، كما قال الشيخ هنا: متلو يكون مصدرًا لمعنى اسم المفعول، قرآن بمعنى متلو، أي مقروء؛ لأنه يُقرأ يُتلى، أو على المعنى الثاني، معنى جمع، يكون مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي قرأ قرآنًا، أي جمع، فهو جامعٌ للأحكام والأخبار والأوامر والنواهي، ويمكن أن يكون قرأ قرآنًا بمعنى جمع على معنى اسم المفعول، وليس على معنى اسم الفاعل، بمعنى قد جُمع في كتابٍ واحدٍ، جُمعت آياته وسوره في مكانٍ واحدٍ.

فالحاصل أن هذا الذي ذكره الشيخ يبين لنا أن كلمة قرآن مصدرٌ مشتقٌ من قرأ. هناك من العلماء من يرى أن قرآن اسمٌ جامدٌ وليس مشتقًا، ليس مشتقًا لا من قرأ ولا من غيرها، وإنما أُطلق في البداية على هذا الكتاب العظيم، ولم يُشتق من أي كلمةٍ أخرى، وهذا مذهبٌ حُكي عن الشافعي -رحمه الله-، مثل كلمة أسد، اسمٌ جامدٌ، لم يُؤخذ من فعل.

القول الثاني وهو جماهير أهل العلم، أن كلمة قرآن مشتقةٌ من قرأ، وهذا رأي الشيخ، من قرأ.

وهناك رأيٌ آخر أنها مأخوذةٌ من قَرنَ، وليست من قرأ، والذي يظهر -والله أعلم- أنها مأخوذةٌ من قرأ بمعنى تلا، كما قال الله -عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ﴾ [القيامة: 18]، يعني إذا تلوناه عليك يا محمد، فاتبع قرآنه، أي اتله بعدما يُتلى عليك، أو ينزل به جبريل عليك. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ﴾، فدلت هذه الآية على أنه مصدرٌ مأخوذٌ من كلمة  قرأ بمعنى تلا، ولا مانع أن يكون من قرأ بمعنى جمع، ولا مانع أن يجتمع أن يكون هذا الاسم وهو قرآن مأخوذ من مادة بمعنى تلا، وبمعنى جمع، والله أعلم.

<

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل