دورة الأمثال في القرآن الكريم - سورة الرعد- د.محمد بن عبد العزيز الخضيري

دورة الأمثال في القرآن الكريم

الأمثال في سورة الرعد

د.محمد بن عبد العزيز الخضيري

تفريغ مدونة في رحاب التنزيل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه..

نستكمل ما بدأناه قبل الصلاة وقد تبقى معنا المثل الذي في سورة الرعد، يقول الله عز وجل :

{أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}

هذا المثل ضربه الله عزوجل للحق والباطل وبيان أن الحقّ مُتمكِّن وباقي ومستمر ودائم، وأما الباطل فإنه مُضمحِل، نعم ينتفش ويكبر ويُظهِر نفسه فوق الحقّ لكنه لا يبقى قال الله عزوجل {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا} هذا المثل الأول وهو المثل المائي شبّه الله عزوجل الوحي الذي ينزل من السماء بالمطر الذي ينزل على الأرض فإذا نزل فإنه يجري في الأودية وكل وادٍ يأخذ من الماء بقدرِ ما يحتمل، كذلك الناس لهم قلوب وعندهم أفهام وقدرات وقوة إيمان فهم يأخذون من الوحي بقدر ما تتسِع له قلوبهم، فإذا نزل الوحي على قلوب الناس فإنه يحدث لهذه القلوب مثلُ الذي يحدث للأرض إذا نزل عليها المطر، ما الذي يحدث للأرض إذا نزل عليها المطر؟ نلاحظ شيئا واضحا نراه بأعيننا ونُدرِكه تمام الإدراك وهو أنه إذا نزل المطر من السماء فإنه ينزل معه الماء فإذا جاء في الأودية حمل معه الأعواد والأشواك والأوراق والأوساخ وأشياء كثيرة حتى يصبح فوقه مثل الرغوة من الزبد والوسخ والأوراق والأشجار والأعواد والنفايات وغيرها (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) هذا الزبد نراه نحن في مجرى الأودية عندما يأتي السيل (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) وهذا هو مثل الحقّ والوحي عندما ينزل من السماء سواء في قلوب الناس أو في الواقع أول ما ينزِل ينزِل بالحقّ يُقابل شبهات وشهوات كثيرة جداً يجرِفها هذا السيل فتبدوا أمام الناس وتظهر لماذا قال الله كذا.. هذا كيف .. هذا لا يُعقل.. هذا يُخالف أهواءنا .. هذا يخالف ما نرغبُه، تبدأ النفوس تتحرك  والأهواء تغلي، هنا لا يبقى إلا الحقّ (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) فالباطل له صولة ينتفِش ويعلو أحياناً فوق الحقّ لكن لا يلبث أن يذهب ويزول وينقضي لأنه لا أساس له (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)[سورة إبراهيم ٢٤-٢٥] فكذلك الحقّ أول ما ينزل يُصادف شهوات وشُبهات، وشكوكا وأمراض يقتلع هذه من جذورها فتثور وتبدأ التساؤلات وتبدأ عملية مواجهة الحقّ ببعض هذه الشهوات أو ببعض تلك الشبهات. هذا مثل مائي.

/ ولنأتي بعد ذلك إلى المثل الناري:

يقول الله عز وجل (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ) كذلك يحدث عندما يريد الناس أن يستخرجوا المعادن الثمينة فإنهم يصهرونها بالنار ، إذا صهروها بالنار ماذا يحدث ؟ يحدث أن يكون فوق هذا المعدن النفيس يطفو فوق القدر أو فوق الإناء يطفو فوقه زبد مثل الزبد الذي يطفو فوق الماء قال (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ) أي لطلب (حِلْيَةٍ) كالذهب أو الفضة (أَوْ مَتَاعٍ ) كالحديد والفوسفور والصوديوم وغيرها من المعادن التي يطلبها الناس لا بد أن يظهر عند غليها لابد وأن يظهر فوقها شيء من الزبد، هذا الزبد لا يبقى، يذهب.. يزول، الذي يمكث في أسفل الإناء أو القِدر هو الذي ينتفِع به الناس كالذي يمكث في أسفل الوادي من الماء هو الذي ينتفع به الناس،وهكذا الوحي عندما ينزل من السماء يفعل بالناس هذا الفعل، تُقابله شكوك شبهات شهوات اعتراضات شُبه يُلقيها الأعداء، كل ذلك يزول -بإذن الله- ثم لا يبقى بعد ذلك إلا الحقّ.

هذا يُحِسّ به الإنسان في نفسه عندما يأتيه شيء من الحقّ، يُحِسّ به المجتمع عندما يعلن أحد العلماء شيئا من الحقّ يتسلّق الرويبضات ويكتبون في الصُحف والمجلات يُندِدون بهذه الفتوى أو بتلك المقالة لأحد من أهل العلم ويحاولون النيل منه أو منها ثم يذهب هؤلاء جميعاً ولا يبقى منهم أحد ويبقى الحقّ وحده.

اليوم -يا إخواني- مرّ على نزول هذا القرآن أ كثر من ألف وأربعمائة وخمسة وثلاثون عاما ، كم هي الفِرق؟ كم هي القُوى الظالمة .. الباغية.. الطاغية.. الزائغة، المُزيغة المُضِلة التي اعترضت على الحقّ ونددت به وألقت في طريقه الشبهات والشهوات وصدت عن سبيل الله، ذهبت كلها بقي الحقّ (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) وانظروا كيف خُتمت الآية قال (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) أي يُرمى به بعيدا، ولا يبقى منه شيء (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) ولذلك على أهل الحقّ أن يقولوا بالحقّ ولا يُبالوا بصولات أهل الباطل فإن صولة الباطل ساعة وصولة الحق إلى قيام الساعة، نعم قد يكون لأولئك زئير ونُباح ونهيق وأصوات عالية وإرجاف لكن كل ذلك لا يغير من الحق شيئا وعليك أيها المسلم ألا تنخدع بمقالات هؤلاء وشُبهاتهم وزخارف أقوالهم، استمسك بالحق، اتْبَع العلماء الراسخين، عليك بالهدى النازل من الله ، اعتصم بحبل الله ولو كثّروا وقالوا ما قالوا، زيّنوا باطلهم بأنواع من الزينة والزخارف كل ذلك لا يُغير من وجه الباطل شيئا ، كله زبد سيذهب عما قريب (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ) أي مثل هذا الذي فعلناه وضربناه لكم من الأمثال يضرب الأمثال ، مثلما فعلنا في بيان هذه الحقيقة التي تخفى على كثير من الناس يضرب الله عز وجل الأمثال للناس.

تأملوا معي -يا عباد الله- كيف جاء هذا المثل العجيب في بيان الصراع بين الحق والباطل وأثر الوحي عندما ينزل في عالم الناس ، لابد أن تتحرك أمامه الشهوات والشبهات والزيغ والصد عن سبيل الله، ويُلقي الكفار والطُغاة والظالمون بكل ما عندهم من قوة في مواجهة هذا الحق فيذهب كل ذلك الباطل ويبقى الحق وحده هو الذي ينفع الناس. فإيّاك إيّاك أن تزيغ عن الحق لأنك ترى انتفاشت الباطل وزبده فهذا كله يذهب جفاء ويبقى الذي ينتفع به الخلق.

يا إخواني: أعداء الإسلام عبر قرون طويلة حاربوا الإسلام بكل ما يستطيعون ، فعلوا معه ما لم يُفعل مع دين آخر، ماذا حصل؟ ذهبوا جميعاً بقي الإسلام، أين هم التتار الذين اجتاحوا بلاد المسلمين وأرادوا أن يجتثوا الإسلام من أعزّ بقاعه ومن دار الخلافة، ذهب التتار وبقي الإسلام. الحروب الصليبية كم استمرت من قرن؟ وكم كانت من حملة؟ ماذا حصل؟ حصل أن الحروب الصليبية رجعت خاسئة خاسرة وبقي الإسلام صامدا أمام كل هذه العوامل وكل هذه الضربات (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ).

هذا هو مثل عظيم من الأمثال التي نحتاجها لمعرفة حقيقة الوحي ماذا يفعل في قلوب الناس وفي عالم الأحياء وماذا علينا تجاهه أن نستمسِك به وألاّ ننخدع بالباطل.

وكما ترون أمثال القرآن من مزاياها العظيمة أنها لا تضرب لنا الأمثال إلا بشيء نشاهده ونراه بل هذه المعاني المعقولة المعنوية تُضرب لنا بأشياء حسية واقعية نراها..نلمسها.. نُحِس بها..نشاهدها لكي يتضح لنا الحقّ لأن من أعظم مزايا الأمثال هو بيان الحق وإظهاره وهذا مما تميّز به القرآن، الله عز وجل بيّن لنا الحق عبر القصص، بيّن لنا الحق عبر الأدلة العقلية، بيّن لنا الحق عبر الأدلة النقلية، بيّن لنا الحق عبر قضايا التاريخ، بيّن لنا الحق عبر الآيات الكونية، بيّن لنا عبر الأمثال القرآنية، فهي من أعظم ما يُبين الحق ويُظهِره ويوضحه.

 آخر ما معنا -أيها الإخوة- قول الله عز وجل :

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) [سورة الرعد ٣٥]

(مَثَلُ) هنا ليست على الباب الذي نحن نُريده ولذلك -الحقيقة- وضعها ضمن الآيات ليس صوابا ﻷن كلمة (مثل) تأتي في القرآن يُراد بها المثل القياسي كالمثل الذي مر بنا قبل قليل، ويُراد بها أحيانا (مثل) بمعنى صفة (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي صفة الجنة التي وُعد المتقون فلا يُقصد بها المثل الذي نحن بصدد بيانه وإيضاحه وإنما كلمة (مثل) هنا مثل كلمة (مثل ) في قول الله عز وجل في سورة محمد (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [سورة محمد ١٥] (مثل ) بمعنى صفة.

ومثل قول الله عز وجل (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) أي وصفهم في التوراة (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ) أي وصفهم في اﻹنجيل (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ...) اﻵيات [سورة الفتح ٢٩]  .

/ فيأتي المثل يُراد به الكلمات السائرة مثلكل فتاة بأبيها معجبةوغيرها من الكلمات التي يرددها الناس موجزة ومختصرة ويُراد بها الاستدلال على مشهد أو حال معين.

/ ويأتي ويراد به الأمثال القياسية التي مرت بنا قبل قليل.

/ويراد به أيضا صفة.

/ ويراد به أيضا النموذج والمثال الذي يُحتذى ويُقتدى به (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [سورة التحريم ١١] هذا مثل خذوه مثلا، إما بأن تحتذوا حذوه بالفعل أو تحذروا من فِعله الذي فَعله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) [سورة التحريم ١٠].

إذا فهذه اﻵية ليست هي المراد من دروسنا اليوم وغدا من باب الأمثلة القياسية.

والتشبيهات واﻷمثال القرآنية نوعان: أمثال مفردة وأمثال مركبة  ، اﻷمثال المفردة أن أقول "فلان كالبحر في كرمه" هذا مثل مُفرد .

واﻷمثال القياسية أو التمثيلية أو التركيبية هي اﻷمثال التي تكون مركبة من أجزاء متعددة يُراد قياس شيء على شيء من زوايا متعددة مثل ما قال الله عز وجل قبل قليل في الآية التي مرّت بنا في سورة الرعد (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) ثم ذكر مثلا آخر (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [سورة الرعد ١٧] فهذا مثل مركب من زوايا متعددة شبّه القرآن بالماء النازل وشبّه قلوب العباد باﻷودية قال (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) وادٍ يأخذ من القرآن شيئا قليلا ووادٍ يأخذ من القرآن شيئا كثيرا، وما يأتي القرآن على هذا الوادي أو ذاك الوادي إلا ويُثير عددا من اﻹشكالات والشُبُهات ويُحرِّك كثيرا من الشهوات التي لا تلبث أن تذهب وتنطفئ ويبقى الحق وحده بإذن الله.

أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. وأن ينفعنا بهذه المجالس وأن يجعلنا ممن ينتفعون بما يستمعون إليه من الذِكر والقول الحكيم. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

/ولعلنا نأتي على اﻷسئلة التي وردت :

س: في قول الله تعالى: (آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) فكأن هذا الإيتاء للعِلم والآيات كان في منزلة بين منزلتين، هاتان المنزلتان هما : العلوّ إلى المولى، والأخرى هي الركون إلى الدنيا، أما منزلة الإيتاء فهي منزلة بين هاتين المنزلتين ومن أراد العُلوّ فليلزم التحرّك والسعي بهذا العلم حتى يعلو إلى مُراد الله. نرجو من فضيلتكم التوضيح وهل يصح هذا الفهم؟

جـ: لا يا أخي، الله عزوجل يؤتي بعض عباده آياته ويؤتيه العِلم النافع ويُقيم عليه الحُجّة فيعود هذا الإنسان إلى طبعه وهواه ويميل أو يركن إلى الدنيا، يُغرى بالدنيا أو هو يركن إليها ويتبِع هواه ويطرح الآيات التي عرف من خلالها الحقّ فيُقيم حُجّة الله على نفسه.

 

عرف الحقّ وقام له، وبان له من كل وجه ومع ذلك طرحه جانبا ورغِب في العاجلة وآثر القريبة الدانية -نسأل الله السلامة والعافية-.

وهذا مثلما يحصل للمنافقين قال ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) جاؤا يطلبون الحق (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ*أَوْ) وهذا المثل الثاني وهو المثل المائي قال (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) فهؤلاء يأتون لطلب الحقّ فإذا بان لهم الحقّ رجعوا إلى مافي قلوبهم من محبة العاجلة فآثروها على ما بان لهم من الحق فأركسهم الله عزوجل (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [الصف ٥] .

س: بِم يكون تعظيم الله بحيث لا يكون في القلب حب ولا خضوع لأي شيء سوى الله؟ كتب الله أجركم

س: أيهما يكون أفضل في صلاة الليل طول القيام أم طول السجود ؟

جـ: أما بِم يكون تعظيم الله فأول ما يكون به تعظيم الله معرفة الله، أن تعرف الله بأسمائه وصفاته وتُدمن القراءة في هذا الباب حتى يحصل بسبب ذلك قوة في الإيمان وتعلّق بالرحمن سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني هو: تلاوة القرآن بالتدبر فإن القرآن ما تلاه أحد مُتدبرا طالبا للهدى إلا نفعه ذلك بأن يتعلّق بالله وبكلامه.

الأمر الثالث: الدعاء الكثير أن تُكثر من الدعاء أن يرفع الله من قلبك محبة الدنيا وإيثارها وأن يجعل في قلبك محبة الله ومحبة رسوله ومحبة المؤمنين ومحبة الحق وأهله فإن الله سبحانه وتعالى لا يخذل من انطرح بين يديه وصدق في اللجؤ إليه.

ثم الاستكثار من العبادات كما قال النبي في الحديث القدسي (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كتت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به ويده التي يبطش بها...) الخ الحديث. وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من أولئك.

/ أما أيهما أفضل هل هو طُول القيام أم طول السجود؟

 ينبغي للإنسان إذا صلى أي صلاة - فريضة أو نافلة - أن يجعلها قريبة من السواء، ركوعها وسجودها والقيام من الركوع والجلسة بين السجدتين قريبة من السواء ماخلا القيام للقراءة والجلوس للتشهّد فيكونان أطول من بقية الصلاة لكن إن أطال في القيام أطال في الركوع وأطال في السجود، وإن قصّر في القيام قصّر في الركوع وقصّر في السجود، وينبغي أن يكون في الصلاة اعتدال -مثلا- يقرأ الإنسان الفاتحة ثم (قل هو الله أحد) ثم إذا ركع ركع ركوعا طويلاً بقدر ما تُقرأ سورة الكهف ، ما يصير هذا ، هذا عدم انسجام في هيئة الصلاة، بل كان من عادة النبي ومن هديه أن يكون هناك اعتدال وانسجام وتوازن في جميع ركعات أو هيئات الصلاة.

فإن قلت: أيهما أفضل لي؟ أن أُكثر من الركعات وأُخفف الصلاة أو أُطيل؟

قلنا: لاشك أن الإطالة أفضل لمن أطاقها ومن لم يُطِقها فعليه أن يُخفِف ويُكثِّر الركعات، ولذلك كان بعض السلف إذا لم يُطِق طول القيام يستعيض عن ذلك بكثرة الركعات ولهذا السبب اختلفت صلاة أهل مكة عن صلاة أهل المدينة فكان بعضهم يُطيل القيام جدا ويقتصر على ركعات محدودة في قيام رمضان وآخرون يستعيضون عن ذلك بكثرة الركوع والسجود. والله أعلم.

 س: ما معنى التدبر؟

جـ: التدبر هو أن تفتح قلبك للقرآن تقرأه بوعي وحضور قلب هذا هو التدبر، سواء فهمت المعنى كاملا أو فهمت شيئا منه، فمن فتح قلبه للقرآن فقد تدبّره. وهل يحصل له كل ما يريد ويُحصِّل كل مافي المعنى هذا بحسب ما عنده من القدرات والقوى وبحسب حرصه وجهده وسعيه، ولكن على الإنسان إذا سمِع القرآن أن يستمِع له بقلب حاضر كما قال الله عزوجل (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [سورة ق ٣٧] فإذا فعلت ذلك فقد أديت ما عليك، والقرآن سهل مُيسر (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي للتذكر والاتعاظ (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [سورة القمر ١٧] فمن استمع إلى القرآن بقلب حاضر لابد أن ينتفِع به، والله قد يسّره وبيّنه (هذا بيان للناس) وجعله هدى للناس كلهم (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) [سورة البقرة ١٨٥] فهو بيّن (تلك آيات الكتاب المبين) فكل من استمع إلى القرآن بحضور قلب فقد تدبّره وقد برئت ذمته من عهدة الوجوب -وجوب التدبر- لكن إن يسر الله له أن يتعلم المعنى كاملا ويتفقّه في كتاب الله ويجمع التفسير فهذا لاشك أنه هو الخير والواجب على العباد هو أنهم يُصغون إلى كتاب الله إذا نزل أو إذا استمعوه كما قال الله عزوجل (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ ) وقال (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص٢٩] وقال (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد٢٤] وأعظم ما يمنع التدبر هو وجود القُفل في القلب، قُفل من شهوة أو شُبهة أو كثرة معاصي وذنوب تمنع أن يستقبل القلب كلام الله الطاهر المُطهّر. وأشبه شيء لنزول القرآن على القلب هو نزول المطر على الأرض، المطر واحد -يا إخواني- الذي ينزل هنا في الأرض الخِصبة والأرض السبخة واحد لكن هناك أرض تقبله وأرض لا تقبلُه بسبب ما فيها من العوامل التي تُمكّن هذا المطر أن ينفع أو لا تُمكِّنه من أن ينفع، فقلبك مثل الأرض والوحي مثل المطر النازل من السماء هو نافع بكل حال، يعني هو عذب نمير لذيذ مفيد لكن إن نزل على قلب كالأرض السبخة فإنه لا ينتفع ولذلك لتستقبل القرآن وتنتفع به انتفاعا عظيما طهّر قلبك من التعلّق بغير الله، من الذنوب والمعاصي، من الحسد، من الكِبر ستجد أن القرآن بإذن الله ينتفع به قلبك أعظم الانتفاع، قد قال ابن عمر "كان أحدنا يؤتى الإيمان ثم يؤتى القرآن فينتفع به ".

س: ما معنى قوله (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) وقوله (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ)؟

(أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) هذا وعيد من الله عزوجل لهذا الذي آثر العاجلة في قوله (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) فهو تهديد له ووعيد له. وقوله (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) فيها قولان للمفسرين:

القول الأول: التفت ساق الإنسان بساقه عند الموت وأخذ روحه. وهذا يظهر عند الموت من شدته أن يلتفّ ساقا الميّت من شدة سكرات الموت عليه.

والقول الثاني: (التفت الساق بالساق) يعني التقت شدة آخر الدنيا بأول شدة الآخرة لأن الساق تُطلق عند العرب على الأمر المهول الشديد يُقال قامت الحرب على ساق أي على شدة وهول فمعنى (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) يعني التقت على الإنسان شدة الدنيا بشدة الآخرة فهو الآن يُودِّع الدنيا ويستقبل الآخرة، بين شدتين عظيمتين تسليم هذه الروح ونزعها وأن يُقبِل على الآخرة وأسئلتها ونعيمها وعذابها وروحِها وسُمومها ...الخ. والله أعلم.

س: ماهي الطريقة المُثلى لتعلّم علم التفسير؟

جـ: الطريقة المُثلى هي:

أولا: أن تتعلّم معاني غريب القرآن.

ثانيا: أن تحاول أن تُفكِّر في الآية قبل أن تقرأ في تفسيرها حتى إذا قرأت في التفسير إن كان ما فهمته صحيحا اطمأننت أن عقلك قد اشتغل بفهم الآية قبل معرفة التفسير، وإن كان خطأ عرفت من أين أخطأت، ثم تأخذ تفسيرا مختصرا مثل التفسير المُيسّر أو المختصر في التفسير ونحو ذلك من التفاسير القريبة السهلة فتفهم الآية وتتحقق من مُراد الله عزوجل، ثم بعد ذلك تبدأ بالتفاسير المطوّلة شيئا فشيئا كتفسير ابن كثير والبغوي وغيرها، ثم إن كانت لديك إشكالات تنظر إلى إجابة هذه الإشكالات بحسب اختلاف كتب التفسير ، كان إشكال في اللغة تذهب إلى كتب التفسير المعنية باللغة، كان في الأحكام تذهب إلى كتب التفسير المعنية بالأحكام، كان في البلاغة تذهب إلى كتب التفسير المعنية بالبلاغة وهلم جرا. وأحسن من ذلك كله أن تتلقى التفسير على أهل التفسير قال الله عزوجل (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل٤٣] لأن المُعلِّم يقيك الوقوع في الخطأ ويختصر لك الزمن فالشيء الذي قد تصل إليه في شهر يُوصِلك المعلِّم إليه في سويعة وفي جلسة واحدة .

 

والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل