تفسير سورة ص - المجلس الثالث- د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري -دورة الأترجة

تفسير سورة ص - المجلس الثالث

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١﴾ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖهَـٰذَامُغْتَسَلٌبَارِدٌوَشَرَابٌ﴿٤٢﴾وَوَهَبْنَالَهُأَهْلَهُوَمِثْلَهُممَّعَهُمْرَحْمَةًمِّنَّاوَذِكْرَىٰلِأُولِيالْأَلْبَابِ﴿٤٣﴾وَخُذْبِيَدِكَضِغْثًافَاضْرِببِّهِوَلَاتَحْنَثْۗإِنَّاوَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚنِّعْمَالْعَبْدُۖإِنَّهُأَوَّابٌ﴿٤٤﴾)

 (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) أي اذكر يا محمد حال هذا النبي العظيم الذي صار مثالاً وقدوةً للناس من بعده في أمر الصبر اذكره ليقتدي به الناس وليتعظوا بحاله ونسبه إلى العبودية لأن مقام العبودية هو أجلّ المقامات وأسناها. قال (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) وهو أن أيوب قد أنعم الله عليه بالرزق الوفير والذرية الكثيرة فابتلاه الله U بأن ذهبت أمواله وبساتينه ثم أهلك الله U أبناءه ثم سُلِّط عليه إبليس في جسده حتى تمرَّق شعره ويبس جلده ورقّ عظمه فلما طال ذلك به قال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) الأنبياء) ولم يكن طيلة بلائه يزيد على أن يذكر ربه I ويستغفره، فلما طال به الضر أو حصل أمر ذكره بعض القُصّاص مما رُوي عن بني إسرائيل دعاه إلى أن يقول هذا الدعاء (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) والمقصود بالنُصب يعني بتعب وبلاء وعذاب أي ألم فأنزل الله U العلاج له بقوله (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) يعني حرِّك رجلك بالأرض أو اضرب برجلك الأرض لينبع ماء من الأرض تغتسل منه فيشفى ظاهرك وتشرب منه فيشفى باطنك. (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي ردّ الله له أهله أي أحياهم بعد أن ماتوا وهم ذريته الذين ذهبوا في وقت الابتلاء وجعل له مثلهم معهم رحمة من الله U وجزاءً له على صبره لأنه ضرب مثلاً عظيماً للمؤمن الصابر الذي لا يشكو حاله إلى المخلوقين ولا يشكو الرب إلى المربوبين وإنما يشتكي إلى الله وحده فقال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) الأنبياء) ولم يقل اِرفعه عني يا رب وإنما ذكر الحالة فقط وهذا لون من ألوان التوسل إلى الله U وهو أن يتوسل العبد إلى ربه بحاله كما قال موسى (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) القصص) كما يقول الإنسان في استغفاره "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً" فهو يتوسل إلى الله بحاله وهو أنه ظلم نفسه ظلماً كثيراً فيقول أنا اعترف بذلك وأنت حقيقٌ بأن تغفر لمن اعترف لك وانطرح بين يديك. قال (وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي موعظة لأصحاب العقول لكي يأخذوا من حال أيوب عبرة ويعلموا أنه سبقت لهم في الأنبياء قدوة فإذا ابتُليت فاعلم أنه قد ابتُلي من هو خيرٌ منك. وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ويُبتلى الرجل على قدر دينه، وما يزال البلاء بالعبد المؤمن حتى يدعه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة. وشبّه النبي e المؤمن بخامة الزرع وهي الزروع الصغيرة مثل الخس والكراث والقمح وغيرها تتفيؤها الريح يميناً وشمالاً وهذا معناه كثرة البلاء الذي يصيبه لكنه ثابت في مكانه لا تقلع الريح الزرع إنما تقلع الشجر. وشبّه المنافق والكافر بالأرزة وهي الشجرة العظيمة التي تأتي إليها الريح ما تحركها لكنها بعد أن تأتي عليها مرتين أو ثلاث تقلعها بالكامل فتسقطها فتذهب ولا يبقى لها باقية. قال (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ) الضغث هو الحزمة من الحطب أو العِذق الذي يكون فيه شماريخ كثيرة خذ هذا الضغث فاضرب به. ولم يُذكر في الآية مَن يضرب؟ لكن دلّت الآثار على أن أيوب عليه الصلاة والسلام حلف أن يضرب امرأته مئة جلدة وذلك لأمر فعلته خالفت فيه مراده فحلف أن يضربها ولكن لئلا يفتح باب لضرب النساء قال الله (فاضرب به) ولم يذكر المضروب لأن الحالة التي أبيح لأيوب أن يفعل فيها هذا الفعل هي حالة خاصة وهي أن امرأة أيوب فعلت فعلاً اجتهدت فيه خالفت فيه مراد أيوب. قيل أنها ذهبت فلقيها الشيطان على شكل طبيب فسألته هل لك أو عندك من طب؟ فقال قولي لزوجك يذبح سخلة ولا يذكر اسم الله وسيشفى، فجاءت مستبشرة تظن أو شيئاً من هذا القبيل، فعلت فِعلاً اجتهدت فيه وقد كانت امرأةً صابرة لما نفر الناس من أيوب عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه أحد بقيت هي معه تخدمه وتقوم عليه وتمرضه وتنفق عليه t عنها وأرضاها فأكرمه الله وأكرمها. أما إكرامه لها فجعل هذه الضربة الواحدة تقوم مقام مئة ضربة، وأكرمه بأن لم يحنث في يمينه فالذي حلف عليه قد وقع ولم يكن في شرعهم كفارة اليمين وإلا لو كان في شرعنا لقيل له كفّر عن يمينك وانتهى الموضوع. قال النبي e: "إني لأحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها فآتي الذي هو خير وأكفّر عن يميني". ولذلك إذا قال الإنسان والله ما أزور فلان، والله لا أسلم على فلان، والله لا أنفق على فلان يُقال له الأفضل أن تحنث في يمينك وتكفّر عن يمينك كما قال الله في سورة البقرة (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّـهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗوَاللَّـهُسَمِيعٌعَلِيمٌ (224) البقرة)يعنيلاتجعلواليمينباللهمعترضةبينكموبينالبروفعلالصلاح. قالاللهجلوعلا(وَخُذْبِيَدِكَضِغْثًافَاضْرِببِّهِ)وهليفتىبهذالمن احتاج إلى مثله مثلاً لو كان عندنا إنسان احتِيج إلى أن يضرب مئة جلدة مثلاً زنى أو قذف ولكنه لا يتحمل إقامة الحد عليه لكونه ضعيف البدن أو يُخشى من تلفه فيقال نعم إذا احتِيج إلى مثل هذا فُعل. قال (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا) هذه شهادة من الله يعني ابتليناه ثم ابتليناه ثم ابتليناه ثم ابتليناه، ابتلاه الله ببساتينه ثم بهائمه ثم أمواله ثم أولاده ثم بدنه فصبر مع ذلك كله لم يشتك ولم يتسخط ولم يجزع، فالله U أعطاه هذه الشهادة وأعظِم بها من شهادة (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا) أي ذو صبر عظيم (نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖإِنَّهُأَوَّابٌ)كلمانزلبهبلاءآبإلىاللهورجعإليهوسلّمالأمورله.

قالاللهجلوعلا (وَاذْكُرْعِبَادَنَا)اذكرهمذكرتشريفوإكراموإعظامحتىيقتديبهمالناس(وَاذْكُرْعِبَادَنَاإِبْرَاهِيمَوَإِسْحَاقَوَيَعْقُوبَ)ويعقوبهوابنإسحاقبن إبراهيم وإسحاق هو ابن إبراهيم مِن سارّة وليس مِن هاجر (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) انظر مدح إبراهيم وإسحاق ويعقوب بأن الله جعل لهم قوة، قوةً في الحق قوة في أبدانهم فهم يأخذون دين الله عز وجل بقوة لا يتَّسمون بالضعف وللك النبي e قال: "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير". والمستحب للمؤمن أن يتقّوى دائماً ويأخذ بجميع أسباب القوة ولا ينتظر أن يكون ضعيفاً نحن لا حول لنا ولا قوة لنا ماعندنا شيء ما نستطيع أن نفعل شيئاً، هذه أمور قد غلبنا عليها الكفار، لا، يجب عليك أن تبادر وأن تقوي نفسك وأن تتعلم العلوم والصناعات والمهارات لكي تكون قوياً وتجعل قوتك هذه في سبيل الله ولأجل إعزاز ونصر دين الله وما ذلّ دين الله وذلّ المسلمون في هذا العصر إلا لأننا تركنا الأخذ بأسباب القوة. وأسباب القوة لا تعرف دين يعني ليست للمؤمنين دون الكافرين أو للكافرين دون المؤمنين أو للغربيين دون الشرقيين كل من أخذ بها نال القوة، فالغربيون أخذوا بأسبابها وسعوا في طلبها وبذلوا الجهد في الوصول إليها فوصلوا إليها ولو بذلنا نحن الجهد في الوصول إليها وسعينا في طلبها لوصلنا إليها. اليابانيون ليسوا من الغربيين وهم وثنيون أخذوا بأسباب القوة بعد أن ضُربوا ضربة قاصمة عندما ضربتهم أميركا بالقنبلتين النوويتين فصاروا بعد الضربتين أقوى منهم قبلها علماً أنهم خسروا بسبب ذلك خسارة عظيمة جداً لكنهم لم يتلبّثوا ولم ينتظروا بل أخذوا بأسباب القوة حتى أصبحوا الآن من أقوى دول العالم اقتصادياً وصناعياً. قال الله U (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) لا يراد منا أن نكون من أصحاب القوة البدنية والمالية دون أن يكون لنا بصيرة نافذة وفكر متّقد وعقول ناضجة وفهم لدين الله ولواقع الحياة ولأسباب النصر والتمكين ولأسباب الوصول للعزّ الدنيوي والأخروي بل يجب أن يكون عندنا القوة في الأبدان والأموال والأحوال والبصر النافذ والعقل الناجح والفقه التام والفهم العميق هذا هو المطلوب لا أن يكون الواحد منا درويشاً رُخواً ضعيفاً لا يقدّم ولا يؤخّر ولا ينفع ولا ينجح ولا يسود ولا يرتاد موارد العزّ والتمكين والنصر والإعزاز لهذه الأمة. (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) ذكر الله مما اصطفاهم به أنه أخلصهم بخالصة ما هي هذه الخالصة؟ قال (ذِكْرَى الدَّارِ) يعني أنهم يذكرون الدار الآخرة في كل أحوالهم ولذلك قوتهم وعملهم وبصرهم كله لله وما مُدحوا إلا لأنه كان لله وليسوا كمن يستعمل قوته في تكثير ماله وتكثير شانه والرفع من سمعته في الدنيا وتعظيم جاهه بل إنه يسعى في كل هذه الأمور من أجل الله، من أجل أن ينال رضا الله، من أجل أن يحقق الدرجات العالية في الدار الآخرة إذا تصدّق وإذا عمل وإذا زرع وإذا صنع وإذا قام وإذا قعد وإذا جاهد وإذا سافر وإذا حضر وإذا أكل وإذا شرب لا يريد بذلك إلا وجه الله والدار الآخرة.

قال الله U (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) أي قد اصطفيناهم وأخلصناهم وجعلناهم خلاصة في عبادنا وهم أخيار ثم قال (اذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ) وهو ابن إبراهيم u (وَالْيَسَعَ) وهو أحد أنبياء بني إسرائيل (وَذَا الْكِفْلِ) وقد اختُلف فيه هل هو رجل صالح أو نبي لكن ذكره مع الأنبياء في سورة الأنبياء وفي هذه السورة يدل على أنه نبي ليس واختلف في شأنه اختلافاً ليس عندنا فيه بيّنة. (وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ) أي كل هؤلاء المذكورين داوود وسليمان وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذا الكفل كل هؤلاء من الأخيار أي من خير عباد الله في أخلاقهم وأعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم. (هَـٰذَا ذِكْرٌ) أي هذا شرفٌ وثناءٌ جميل يُذكرون به أو هذا تذكير منّا لكم بحال هؤلاء الذين ذكرنا لكم أحوالهم أو أمرنا نبينا أن يذكر لكم أسماءهم لتقتدوا بهم. (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) من اتقوا الله لهم حسن العاقبة والمرجع وهي الجنة، ما هو حسن المآب؟ قال (جَنَّاتِ عَدْنٍ) جنات وليست جنة (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) الرحمن) (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ). (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي جنات إقامة فيها خلود دائم لا انقطاع له ولا فناء. (مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ) إما مفتحة لكثرة الأبواب أو مفتحة لكثرة فتح الأبواب عليهم بسبب أن الخَدَم يأتون إليهم بأنواع الأطعمة والأشربة والملاذ وهذا يدل على أن في الجنة غرفاً وقصوراً كثيرة جداً ذات أبواب. قال الله U (مُتَّكِئِينَ فِيهَا) أي أنهم لا عمل عندهم في الجنة ما في سعي ولا كسب ولا شقاء ولا نكد دار راحة ولذة وحضور وسرور. (مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ) أي لا همّ لهم إلا نيل الطيّبات والحصول على المشتهيات (يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ) منوعة لا يمكن أن تأتي فاكهة مثل الفاكهة التي سبقتها وإن تشابهتا في المنظر فإنهما يختلفان في الرائحة والطعم (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا (25) البقرة). (وَشَرَابٍ) أشربة أيضاً متنوعة (وَعِندَهُمْ) باقيات مقيمات (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) أي زوجات قد قصرن عيونهن على أزواجهن لا يطمحن إلى غيرهم ولا يرين أن هناك أحسن أو أجمل منهم فهن مكتفيات مقتنعات بما خلق الله لهن من الأزواج. (أَتْرَابٌ) أي على سنٍّ واحدة وهذا أجمل في المنظر وألذ لأن الإنسان لو كان عنده كما هو الحال في الدنيا زوجة عمرها أربعون وأخرى عمرها عشرون لا شك أنه سيقع إذا نظر إلى هذه وإذا فُتوة وجمال وصحة ورطوبة ونعومة وإذا نظر إلى تلك وإذا سن كبيرة وعالية وترهل وضعف وشيب ولا بد له من العيش بهما لأنه لا يستغني عن واحدة منهما أما في الآخر فلي فيها شيء من هذا التردد ولاضطراب كلهم سن واحدة فأنت أينما نظرت وأينما توجهت وأينما التفت وجدت الذي تهوى وتعشق ترتاح إليه وتطرب لرؤيته. (هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) هذا هو وعد الله لكم الذي يعدكم به إذا جئتم إليه وبُعثتم وحصل لكم منه الجزاء العظيم. (إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا) وعطاؤنا الذي نعطيه لعبادنا (مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ) لا ينفد ولا يبلى ولا يصيبه الفناء. قال الله U (هَـٰذَا ۚوَإِنَّلِلطَّاغِينَلَشَرَّمَآبٍ)هذاالذيذكرناللمتقينأماالطاغونوهممنطغىوبغىوتعدىالحدود في البغي والكفر والتكذيب والاستكبار عن أمر الله (لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ) للطاغين شر مرجع فهم يرجعون إلى نار تلظى (جَهَنَّمَ) وهي النار التي أعدها الله U لمن بغى واستكبر عن طاعة الله (يَصْلَوْنَهَا) يصلونها قال بعضهم يدخلونها وهذا غير دقيق في المعنى بل يمكن أن يُقال يَصلونها أي يدخلونها ويُصلون بحرِّها يُصلون أي يُشوون بحرِّها وليس مجرد الدخول يصلونها من الصلي يعني يصطلون ويشقون بصلاها ونارها نسأل الله العافية والسلامة. (فَبِئْسَ الْمِهَادُ) بئس الفراش الذي يُعد لهم لأنه سيكون فراشهم من النار وغطاؤهم من النار (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) المهاد من النار والغاشية التي تغشيهم تغطيهم أيضاً من النار فهم محوطون بالنار من كل اتجاه. (هَـٰذَا) أي العذاب (فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) أي يبتليهم الله عز وجل بعذابات متنوعة ومن أشدها ذلك الحميم الذي لا يُأتونه في النار إلا بعد شدة العطش فيستغيثون لشدة العطش (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ (29) الكهف) قال العلماء المهل هو ما يتبقى من الزيت كَدُرْدِيّ الزيت (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) إذا قرّبه الواحد منهم وهو عطشان قد اشتدّ عطشه سقطت جلدة وجهه في النار كما قال الله عز وجل (نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ) الشوى جلدة الوجه (هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ) أي ماء حار قد بلغ الحرارة العالية قد بلغ المنتهى في الحرارة. (وَغَسَّاقٌ) قيل الغسّاق والغسَاق هو صديد أهل النار يعني ما يخرج من جروحهم وقروحهم وفضلاتهم يكون في أودية يسقى به أهل النار. وقيل غساق هو الماء الذي بلغ الغاية في البرودة يعني من الزمهرير أو هو الزمهرير وعلى كلٍ لا مانع أن يجتمع هذا وهذا فيكون الصديد المنتن يقدم لهم بارداً بحيث لا يستسيغونه ولا يلتذون بشربه نسأل الله العافية والسلامة. قال (وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ) أي من جنسه (أَزْوَاجٌ) أي منوع حارٌ وبارد يعني كل نوع من أنواع العذاب يأتي زوجاً نسأل الله العافية والسلامة. يعني يُعذبون قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم ويُعذّبون بالحرارة وبالبرودة ويعذبون باجتماع وبانفراد وهكذا.

 

(هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ) أي تقول لهم الملائكة أو يقول بعضهم لبعض (هَـٰذَا فَوْجٌ) أي جماعة كثيرة قد جاءت (مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ) أي يقتحمون النار وسبب اقتحامهم النار كما يقول العلماء هي أن الملائكة تسوقهم سوقاً شديداً فهم يخشون من سياط الملائكة العظيمة التي عذابها شديد فإذا جاءوا إلى النار وهم يعلمون أنها النار يقتحمون فيها اقتحاماً ويرمون فيها أنفسهم رمياً خلاصاً من العذاب الذي يلاحقهم ويعلمون أنه شديد عليهم. (هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ) فيقولون (لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ۚإِنَّهُمْصَالُوالنَّارِ)نحنلانرحببهم،فيالدنياكانتتفتحلهمالأبوابويُصورونإعلامياًويجلسونفيالقصوروفيالمؤتمراتيُضربلهمالسلامالرئاسيأوالعسكريأوالملكيويركبونأفخمالطائراتوأفخمالبواخروأفخموأفخم وأفخم، في الآخرة لا أحد يرحّب بهم ولا أحد يفرح لمجيئهم ولا أحد يناديهم بأسماء حسنة ولا يجدون مكاناً يلتذون به، لا يجدون إلا العقوبة والنار(إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ). (قَالُوا بَلْ أَنتُمْ) أي يقول هؤلاء المقتحمون (بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) أنتم قدمتم لنا هذا العذاب أو قدمتم لنا التكذيب الذي تبعناكم عليه فدخلنا معكم (فَبِئْسَ الْقَرَارُ) لنا ولكم. (قَالُوا رَبَّنَا) أي قالوا جميعاً أو قال هؤلاء المتأخرون (رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ) لأنهم يختلفون ويختصمون من هو السبب في دخولهم النار كما ذكر الله U في سورة سبأ وفي سورة الأعراف وفي سورة البقرة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ وَالَّذِينَآمَنُواأَشَدُّحُبًّالِّلَّـهِوَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿١٦٥﴾ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَيُرِيهِمُاللَّـهُأَعْمَالَهُمْحَسَرَاتٍعَلَيْهِمْوَمَاهُمبِخَارِجِينَمِنَالنَّارِ﴾ فهميلعنبعضهمبعضاًويسبّبعضهم بعضاً ويؤذي بعضهم بعضاً ويخاصم بعضهم بعضاً (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰإِذَاادَّارَكُوافِيهَاجَمِيعًاقَالَتْأُخْرَاهُمْلِأُولَاهُمْرَبَّنَاهَـٰؤُلَاءِأَضَلُّونَافَآتِهِمْعَذَابًاضِعْفًامِّنَالنَّارِقَالَلِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ ﴿٣٨﴾ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ يعني نحن ما زدنا على أن دعوناكم وأنتم عملتم فأنتم مُحاسبون بكسبكم ومجازون بعملكم لماذا لم تعصونا؟ لماذا لم تتبعوا عقولكم وتتبعوا الهادي الذي جاءكم من ربكم؟. قال الله U (قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ) بعد ما يدخلون في النار ويتفقدون يأتي سؤال (وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ) وهم أهل الإيمان أولئك إرهابيون أصوليون رجعيون ظلاميون (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا) هل نحن بالفعل سخرنا بهم والحقيقة أنهم لا يستحقون السخرية؟! (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ) أم أننا لم نشاهدهم وهم موجودون معنا في النار؟ (إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) هذا التخاصم سيكون حقاً وسيكون بين أهل النار حق واقع ثابت لا شك فيه ولا مرية. قال الله U قل لهم يا محمد جميعاً (أَنَا مُنذِرٌ) ليس لي من أمركم شي لا أملك أن أهديكم أو أضلكم لا أملك أن أقسركم على الإيمان ولكني أنذركم فهذا هو الذي سيكون منكم في الدار الآخرة. (وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) ليس لهذا الكون إله يستحق العبادة إلا الله (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) الذي قهر كل شيء. فهو قهّار لكثرة من يقهرهم وقهّار صيغة نسبة مثل ما تقول خياط ونجار لأنه منسوب إلى الخياطة والنجارة ونحوها فقهّار أيضاً نفس العملية صيغة نسبة لأنها صفة لازمة لله U. قال الله U (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) ذو العزة وعزة الله U أنواع: عزة غلبة لأنه غالب وعزة امتناع لأنه ممتنع لا يستطيع أحد أن يصل إليه بسوء وعزة قدر فلله عزة القدر وعزة القهر وعزة الامتناع Y. (الْغَفَّارُ) سمّى نفسه غفاراً لكثرة ما يغفر جل جلاله ولعِظَم أيضاً ما يغفر فهو غفور لأنه يغفر كل الذنوب كبيرها وصغيرها وغفار لكثرة من يغفر لهم فهو I كلما آب إليه عباده وتابوا إليه غفر لهم. وجمع بينهما لأنه قلّ أن يكون عزيزٌ في المخلوقين ويكون غفاراً أو يكون غفاراً ويكون عزيزاً أما الله فله العزة المطلقة وله المغفرة جل جلاله فهو العزيز الغفار. ثم قال الله U لمحمد (قُلْ هُوَ) أي القرآن الذي أوحيته إليك ومدحته لكم وجعلته ذي الذكر وقلت (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) والنبأ هو الخبر المهم جداً كما يُقال وكالات الأنباء أي الأخبار المهمة وليست الأخبار العادية. نبأ خبر مهم عظيم أي عظيم الشأن والقدر والمنزلة (أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أنا لم آت بهذا القرآن من عند نفسي ولا علم لي بشيء إلا ما علمنيه ربي فأنا ليس لي علم في الخصومة التي تقع في الملأ الأعلى وكل خصومة تكون بين الملائكة عليهم الصلاة والسلام، فما هي الخصومة التي وقعت؟ سيأتي ذكرٌ لشيء منها وهي خصومتهم في خلق آدم (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواأَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَإِنِّيأَعْلَمُمَالَاتَعْلَمُونَ (30)البقرة)وسيأتيهذابعدقليل. ومنخصومةالملأالأعلىخصومتهمفيالكفّارتوالدرجاتكماهوفيالحديثالذيرواه الترمذي وغيره لما ذكر النبي e أنه نام فرأى ربه في أحسن صورة ثم إن ربه وضع يده بين كتفيه حتى وجد برد أنامله بين كتفيه عليه الصلاة والسلام ثم قال فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قال فعلمت كل شيء أو اطلعت على كل شيء فرأيت الملائكة يختصمون في الكفّارات والدرجات وذكر النبي e بقية الحديث. قال (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ) أي الملائكة (إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٦٩﴾ إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) يعني ليس لي من العلم شيء إلا ما أوحاه الله إلي فأنا موحى إلي بالنذارة أنذركم وأكتفي بذلك أما هدايتكم ودخولكم في دين الله فهذا أمره إلى الله ليس إليّ. (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ) هذه خصومة الملأ الأعلى التي وقعت قبل أن يخلق الله U آدم. (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ) أي قال الله لملائكته إذا سويته وكمّلت خلقه ونفخت فيه من روحي التي خلقتها لكي تكون سبباً في حياة الأجساد (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) أي اسجدوا له. وهذا السجود سجود عبادة لله وتحية وإكرام لآدم فالملائكة سجدوا عبادة لله لأن الله أمرهم بالسجود وهي نوع من أنواع الإكرام والاحترام والتحية لآدم الذي خلقه الله وميّزه عن سائر المخلوقات بأن خلقه بيده ونفخ فيه من روحه. (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) لم يتخلّف منهم أحد (إِلَّا إِبْلِيسَ) إبليس ليس منهم لكنه كان مشتركًا معهم في العبادة قال (إِلَّا إِبْلِيسَ) أظهر الله U خبيئته ودسيسته الفاسدة وما في نفسه من الكِبر والحسد في تلك اللحظة ابتلاءً من الله U له لما أمر الله الملائكة بالسجود وكان معهم أبى أن يسجد (اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) ما الذي منعك أن تسجد لهذا الذي كرّمته عليك فسويت خلقه بيدي الكريمتين وهما يدان حقيقيتان لله U ولا يجوز تفسيرهما بغير ذلك لأن غير ذلك لا يليق بالسياق، كيف يُقال بنعمتَيّ أو بقدرتَيّ يعني إبليس ما خُلِق بالقدرة أو ما خلق بالنعمة، كيف هذا؟! فالله U يقول (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) يدين حقيقتين لله U (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَالسَّمِيعُالْبَصِيرُ) [الشورى: 11]يقولاللهU(أَسْتَكْبَرْتَأَمْكُنتَمِنَالْعَالِينَ)أوَقعتَفيالكبرأمكنتمن

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل