تفسير سورة ص - المجلس الثاني- د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري -دورة الأترجة

تفسير سورة ص - المجلس الثاني

د. محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

(وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴿٢١﴾ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴿٢٢﴾ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴿٢٣﴾ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩﴿٢٤﴾ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ)

يقول الله U (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) بعدما مدح الله U نبيه وعبده داوود ذكر شيئاً مناسباً لما وقع له مما يتصل بموضوع السورة الذي تحدثنا عنه وهو الخصومات، وبيّنا أن هذه السورة ذُكِرت فيها خصومات متعددة الخصومة الأولى كانت بين المشركين ورسول الله e فقد خاصموا رسول الله e في دعوته وألجمهم الله عز وجل الحُجّة. وهنا جاءت خصومة من نوع آخر وهي الخصومة في القضاء ذكرها الله U بعدما أثنى على نبيه وعبده داوود عندما وصفه بقوله (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) وذكرنا أن فصل الخطاب هو الفصل في القضاء والحكم بالعدل وتبيين الكلام وأن منه أيضاً من جزيئات القضاء أن البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر. ذكر الله U شيئاً مناسباً فقال (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) (هل) هنا بمعنى (قد) يعني قد جاءك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب، هذا استفهام للتقرير ويراد به شد الانتباه ولفت الانتباه. قال الله U (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) والخصم مصدر فيصلح للواحد والاثنين وللجماعة فيقال هذا خصم، وهذان خصم، وهؤلاء خصم وخصوم. (إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) أي جاءوا إلى المكان الذي قد اعتزل فيه داوود للعبادة متسوّرين متسلقين مما يدل أن داوود عليه الصلاة والسلام قد اعتزل الناس، ولعل هذه الكلمة (تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) تدل على الذي وقع فيه داوود وهو أنه اعتزل الناس في وقت كان للناس، وإلا فإنه لا يمكن أن يأتي هذان الخصمان في وقت هو لداوود، كأن يكون مثلاً في وقت نومه وإنما كان في النهار وكان يتعبد وقد اعتزل الناس عليه الصلاة والسلام فتسوروا عليه المحراب. قال الله U (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ) أي أصابه فزعٌ من دخولهم بهذه الطريقة لأن العادة أنه لا يُدخل عليه إلا بإذن ومن الباب، فدخول هذين تسوّراً ومن غير إذن يورِث الفزع، ولذلك لما لاحظوا ذلك (قَالُوا لَا تَخَفْ) لا تخف يا داوود (خَصْمَانِ) نحن متخاصمان (بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) أي بغى أحدنا على الآخر (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ) جئنا إليك لتقضي بيننا وتفصل بيننا (بِالْحَقِّ) أي بالعدل (وَلَا تُشْطِطْ) لا تمِل عن الحق (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) أي دلّنا عليه وألزمنا به، لأن القاضي ليس يبين الحق فقط بل يبين الحق في الخصومة ويُلزِم بذلك الحق، وبهذا يختلف القاضي عن المفتي فالمفتي يبين الحق لكن القاضي يبين الحق ويُلزِم به فإذا قال لرجل وامرأته قد طلقت منك امرأتك خلاص هذه المرأة تصبح طالقاً بحكم الله U، لأن هذا القاضي قد حكم فيها بهذا الأمر فيلزم المرأة أن تجتنب هذا الرجل وبذلك يحق لها أن تتزوج بعد أن تعتدّ إلى آخره.

قال (فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ) أي لا تجُر علينا ولا تظلِم (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) أي دلّنا على الطريق السوي. ما هي القضية؟ (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) وانظروا مع خصومتهما لم يتنكرا لأخوّتهما وهذا يدل على أن الخصومة لا يجوز أن تقدح في الأخوّة فالأخ تبقى له حقوق الأخوّة وإن خاصمك وإن قاضاك في المحكمة. (إِنَّ هَذَا أَخِي) ولم يقل: إن هذا له تسع وتسعون نعجة، بل ذكر الأخوة ليدل على أنه وإن حصلت الخصومة فإنها لا تؤثر على الأخوة المقتضية للمحبة والنصرة والدفع وغير ذلك. (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) أي ضمّها إليّ واجعلها عندي (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي ما زال يقاولني ويتكلم معي حتى أخذ نعجتي فضمّها إلى نعاجه. مباشرة داوود عليه الصلاة والسلام وقبل أن يسمع من الطرف الآخر (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) لقد ظلمك صاحبك بسؤال نعجتك إلى نعاجه (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي كثير من المتشاركين يبغي بعضهم على بعض وهذا حقيقة أكثر من يتخالطون يحصل بينهم بغي بسبب أن بعضهم يكون أقوى أو أكثر علماً أو مزاولة للعمل فيبغي على بقية الشركاء. قال (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) من كان عنده إيمان صادق راسخ وعمل صالح فإن ذلك يمنعه ويحجزه بإذن الله U عن البغي. وهذا يدلنا على أنه لا مانع من الظلم بين الناس ومن بغي بعضهم على بعض إلا الإيمان والعمل الصالح، وإلا مهما وضعنا من كاميرات ومن رجال أمن ومن شُرَط وسيارات ومن مراقبة ومن عقوبات رادعة وغير ذلك فإنها ستبقى مؤثرة لكنها ليست هي الحاسمة، الحاسم هو الإيمان والعمل الصالح. ولذلك النبي e نجح في أن يستتب الأمن في دولته بالإيمان ما كان عنده شُرَط عليه الصلاة والسلام، ولا كانت عنده سجون، ولا كان يفعل ما يفعله الملوك من بعده، لأنه زرع الإيمان ولما نزل قول الله U (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) امتلأت أزقّة المدينة بالخمر وما أرسل النبي e صحابياً واحداً يبحث في بيوت الناس أو يسأل الناس ماذا عندكم من دِنان الخمر وقِرَبها وجرّاتها وغيرها لماذا؟ لأنه u نجح في زراعة الشرطة داخل قلوب الناس، زرع في قلب كل مسلم شرطياً، ما هو هذا الشرطي؟ الإيمان ولذلك بقي كل إنسان معه مركز شرطة كل ما أراد يعصي الله تذكّر عقوبة الله ورقابته وخاف وخشي من ربه جل وعلا فترك المعصية وأقبل على الطاعة وصارت أوامر الحاكم أو القائم بالأمر أوامر يلتزم بها الناس خوفاً من الله وطاعة لله لأن الله أمرهم بطاعة من ولّاه الله عليهم.

قال (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) أي هؤلاء المؤمنون العاملون بالصالحات قليلون ليسوا كثيرين وهذا حق ويصدّقه الحديث الذي ذكره النبي e عن آدم عندما يقول الله له يوم القيامة يا آدم أخرِج بَعْث النار، فيُخرج آدم بَعْث النار من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين فذلك حين تشيب ناصية الصبي.

قال الله U (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) يقال في القصة أنه افتقد الخصمين فلم يرهما فعرف داوود أنه وقع في فتنة وأن هذا كان اختباراً من الله له في كيف يقضي ويحكم بين الناس وأن هذا من تعليم الله إياه كيف يقضي بين الخصوم إذا تخاصموا إليه (وَظَنَّ دَاوُودُ) أي أيقن داوود (أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) أي اختبرناه وابتليناه، ماذا فعل؟ (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) مباشرة لجأ إلى الاستغفار (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) خرّ راكعاً إما أن تكون خرّ إلى السجود راكعاً يعني مارّاً بالركوع وإما أن تكون خرّ راكعاً أي ساجداً والركوع يأتي بمعنى السجود لأنهما يأتيان بمعنى الانحناء. قال (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) أي رجع إلى الله مستغفراً مما في وقع منه، لأنه وقع في ثلاثة أمور كما هو ظاهر النص:

الأول: احتجب عن الناس وكان وقتاً للناس ولا يجوز لمن ولاه الله أمراً من أمور الخلق أن يحتجب عنهم واحتجابه عنهم إثم في حقه وذنب في حقه لأن هذا الوقت للناس وإلا كيف تتولى أمور الناس وتجعل بينك وبينهم حُجّاباً لا يستطيعون الدخول إليك، يجب على من ولّاه الله شيئاً من أمور المسلمين أن يتيح لهم الفرصة في أن يأتوا إليه في الوقت الذي قد خصص لهم، ولا يجوز أن يحتجب عنهم، ويجب عليه أن يمكِّن الضعفاء وأصحاب الحاجة والمظلومين من الوصول إليه وأن يتحدثوا إليه بحاجاتهم وأن يرفعوا إليه ظلماتهم، ومن احتجب فقد أثم وسيسأله الله سبحانه وتعالى عن احتجابه. وكثير ممن ولّاهم الله أمور المسلمين يجعلون بينهم وبين أصحاب الحاجات حُجّاباً أصحاب مصالح يدخلون من شاءوا ويمنعون من شاءوا لأنهم يزيّنون للوالي إن الأمور على أحسن ما يكون، وإنك أنت أفضل إنسان جاء للوجود، وإنه لا يعرف في الخلق أحدٌ عَدَل مثل عدلك أو استقامت به الأمور والأحوال مثل ما استقامت بك، والدليل انظر كل الذي يأتونك يمدحونك، يقولون فيك الشعر، ويدعون لك، ويثنون عليك، ولا يأتون بالأشياء التي لا تكون من مصالحهم، ولذلك ليتقي الله من ولّاه الله شيئاً من أمور المسلمين أن يجعل بينه وبين الناس حُجّاباً وذوي مصالح يمنعون الناس من الوصول إليه والإدلاء بحاجتهم وبيانها له وإلا فليترقّب عقوبة الله إما عاجلاً، وإما آجلاً، وفي الغالب أنهم لا يوفّقون للعدل ولا يوفّقون للحكم بين الرعية بما يجب أن يحكموا فيه من أمر الله U (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ).

قال الله (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) إذاً نجح داوود عليه الصلاة والسلام بعد أن وقع فيما وقع فيه من الابتلاء في أنه أسرع في التوبة وهذا درس لي ولك ولكل مسلم ومسلمة أنه عندما تقع في ذنب لا تقل سأتوب إذا اعتمرت، أو إذا جاء الحج، أو رمضان، أو في العشر الأواخر، بل بادر بالتوبة في تلك اللحظة فهو أدعى لقبولها وأيضاً آمن من أن تخترم قبل أن تذهب نفسك. (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى) أي غفرنا له ذلك ولا تظنوا أنه قد نقص بهذا الذنب الذي قد وقع فيه، بل إن له منزلة عالية عند الله U، فإن الذنب لا يحطّ من قدر الإنسان إذا تاب الإنسان منه بل يحطّ من قدر الإنسان إذا أصرّ الإنسان عليه وما قدّر الله الذنوب على العباد إلا ليرفعهم بها وليجعلها باباً من أبواب قربهم من الله جل وعلا «والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون، فيغفر الله لهم». قال (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى) هذا من حيث القرب والمنزلة (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي حسن مرجع وهي الجنة العالية.

فإن قلت هل هذه القصة كما حكيت ورويت؟ قلت: هذا الذي ذكرناه موافق لألفاظ القرآن. هل رأيتم شيئاً زدناه عن القرآن؟ أبداً، هذا هو الموافق لألفاظ القرآن. وهل هذان الخصمان ملكان أو بشران؟ خلاف، أنا يظهر لي أنه ابتلاء من الله عز وجل، ابتلى به داوود ليعلمه وليفطّنه وليربيه. قال بعض العلماء: إنهما هم خصمان حقيقيان تسورا على داوود المحراب وحكم بينهما داوود بهذه الطريقة التي عاتبه الله عليها، أما ما يُذكر في كثير من كتب التفسير وما جاء في كثير من الآثار التي لا زمام لها ولا خِطام وكثير منها مأخوذ من روايات بني إسرائيل فإننا والله ننزّه ألسنتنا أن نتحدث بها لأنها تنسب إلى داوود u ما لا يصح نسبته إلى آحاد المؤمنين، كيف يقال أن نبي من أنبياء الله وملك من ملوك العدل في الأرض يأتي إلى قائد من قواده فيرى امرأته فيعجبه جسمها ولونها وشكلها فيرسله إلى المغازي مرة بعد مرة حتى يعرِّضه للقتل فيموت ثم يتزوج امرأته، هذه ما تليق والله! لو ملك عادي من ملوك الأرض يعني لو نسبت هذه القصة إليه لقلنا هذه قد تكون مكذوبة عليه فكيف بنبي من أنبياء الله؟! كيف يوثَق بالأنبياء ويُنسب إليهم مثل هذه السخافات؟! ولكن ما السر في ذلك؟ اليهود يعتقدون أن داوود وسليمان ليسا نبيين وإنما هما ملِكان، ولذلك ينسبون لهما السحر وينسبون لهما كثيراً من هذه الأفعال والظلمات التي لا تليق بهما، ونحن نعتقد أنهم نبيان ملكان، وأما محمد e فهو نبي رسول ولم يرضى أن يكون ملكاً، ولما خيرّه الله بين أن يكون ملكاً رسولاً أو عبداً رسولاً أشار إليه جبريل أن تواضع فسأل الله أن يكون عبداً رسولاً. ولذلك لم يُعطى ما أعطي سليمان من الريح والمُلك على الجن ومُلك الأرض والقوة فيها وشدة الملك وبساط الريح والقصور من الزجاج وغيرها، ما أعطيت محمد e بل إنه يجوع يوماً ويشبع يوماً، ويمر به ثلاثة أشهر ما يوقد فيه بيته نار، ويأكل كما يأكل العبد، وينام على الحصير وعلى التراب عليه الصلاة والسلام، ويسكن في بيوت الطين، ويمرض، ويتأثر، وتصيبه ما يصيب كثير من الفقراء والمساكين، وعاش عليه الصلاة والسلام حياة البسطاء لكنه عاش عظيماً عليه الصلاة والسلام لأنه رضي بالعبودية التامة لله U ولذلك نال مقام الخُلّة التي لم ينلها معه أحد إلا إبراهيم عليه الصلاة والسلام. هذه هي القصة، القصة أن داوود عليه الصلاة والسلام تسور عليه متسوران هل هما ملكان أو بشران؟ واحتكما إليه في هذا الأمر، هل النعجة هي المرأة كما يقول بعضهم؟ هذا تفسير متأثر بالرواية الإسرائيلية، لما قال: لي تسعة وتسعون نعجة ولصاحبي نعجة واحدة قالوا النعجة تطلق عند العرب على المرأة، ونحن نقول لا ينبغي تفسير اللفظ بظاهره وأن النعجة هي نعجة وأن الخصومة كانت في نعاج حقيقة، وكان هذا إما ضرب مثل لداوود ليتعلم أو قصة حقيقة وقعت بين خصمين فحكم بينهما داوود بهذا الحكم الذي عرف منه أنه لم يصب حكم الله U، فتعلم منه داوود وتعلمنا نحن وكل من جاء بعد داوود عليه الصلاة والسلام من هذه القصة العظيمة.

قال الله U (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) جاءت هذه وصايا من ربنا سبحانه وتعالى لداوود في أن يحكم بالحق (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) أي قائماً بأمر الله U في الأرض (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) أي بالعدل الثابت ولا تحكم بينهم بالظنون وبالهوى. (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) لاحظوا أن النهي هنا عن اتباع الهوى ولم يأت النهي عن الهوى، لأن النهي عن الهوى تكليف ما لا يطاق، من تكليف ما لا يطاق، فإن قيل لك لا تهوى فهو تكليف لك بشيء لا تستطيعه ولا تطيقه، مثل لو قيل لك لا تحدِّث نفسك بشيء من السوء، فإن الإنسان لا يملك هذا الأمر أبداً، لكن الذي يلام عليه الإنسان هو اتباع الهوى فإذا هويت نفسك شيئاً فعلمت أنه مما لا يرضي الله وليس من الهدى فلا يجوز لك أن تتبعه ولا أن تستمع إليه. قال (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) لأن اتباع الهوى أحد أعظم الأسباب الموصلة إلى الضلال. (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) أي لهم عذاب شديد عند الله U بسبب نسيانهم ليوم الحساب، وهذا يبين لنا أن اتباع الإنسان للهوى أعظم أسبابه نسيان الحساب، فما يتبع الإنسان هواه إلا لأنه نسي الآخرة وأعرض عنها، ولذلك سيأتينا في أوصاف الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن الله قال فيهم (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) ما هي هذه الخالصة؟ أنهم يذكرون الدار في الليل والنهار، يذكرون الجنة والنار فيخافون ويرغبون ويخشون ويرجون.

قال الله U (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا) ليس شيء منهم باطل بل لحكمة. قال الله U (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي خلقهم باطلاً هو ظنّ الكافرين وأما المؤمنون فيعلمون أن الله خلقهما لحكمة عظيمة. قال (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) أي عقوبة شديدة تنتظرهم بسبب ظنّهم ذلك وتهديدٌ لهم ووعيد أكيد لهؤلاء الذين يظنون مثل هذا الظن أن الله خلق هذا الخلق باطلاً، سدىً، لغير حكمة، خلق الناس مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وخلق سماء وأرض، وجبال ومطر، وشمس وقمر، وغير ذلك، لكن ليس لذلك أيّ شيء من الحكمة. قد قال أحد العلماء لرجل من النصارى: يا هذا عينك هذه هل لها حكمة؟ قال: نعم لها حكمة. قال: وأذنك؟ قال: نعم. قال: ورأسك؟ قال: نعم. قال: وبطنك؟ قال: نعم. قال: ورجلاك؟ قال: نعم لها حكمة. قال: هل خلق الله فيك شيئاً من غير حكمة؟ قال: أبداً كل شيء نحن بحثنا عنه وجدناه أنه خلق لحكمة ووضع في مكانه بحكمة، قال: وأنت هل خلقت لحكمة؟ هل يعقل أن كل شيء منك قد خلق لحكمة وأنت ما خلقت لحكمة؟! قال: ها! ينظر ويتعجب، صحيح كيف يخلق الله كل ذرة من ذرات جسدي لحكمة وأنا أكون لغير حكمة؟ هذا لا يليق بالحكيم العليم I.

قال الله جل وعلا (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) يعني أتريدون أن يكون الأمر كذلك؟ هذا من الباطل الذي ينزَّه الله I عنه، بل الله خلق كل شيء وفرّق I بين المفسدين والمحقين المصلحين، بين المؤمنين وبين الكافرين، بين المتقين وبين الفاسقين، فرّق بينهم ولا يمكن أن يجعلهم الله سواء، ولا يمكن أن يجعل الله مبعثهم سواء، نحن نرى في الدنيا هذا ظالم، منتصر، ملك، قائد قد تمكّن ويموت ميتة عزة وشرف وقوة ونصر، وهذا مظلوم صاحب حق قد بُغيَ عليه ويموت في أشد الأوضاع بغياً وعدواناً وظلماً هل هذه نهاية العالم؟! هل يليق بالله U أن ينتهي المشهد بهذه الصورة؟! هذا المظلوم ما أخذ حقه ولا انتصر له؟! وهذا الظالم قد أخذ حق غيره وقد بغى ومات شريفاً عزيزاً! لا يمكن، هناك موعد آخر، هل يجعل الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؟ ولا ينتقم لهؤلاء من هؤلاء، ولا يعطي كل ذي حقٍ حقه، ولا يكون هناك موقف ينال كل واحد منهم جزاءه بعدل وقسط وميزان؟! لا يمكن، هذا لا يليق بالناس فكيف بالله جل وعلا.!

قال الله U (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) يثني الله على هذا الكتاب الذي افتتح هذه السورة بمدحه والثناء عليه عندما قال (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) قال هنا (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ) أي هذا كتاب أنزله الله U عليك يا محمد، وأنزله عليكم أيها الناس، وهذا كتاب أنزل إليكم ليكون هداية لكم، ثم وصفه الله U بما يرغِّب بقبوله والأخذ به قال (مُبَارَكٌ) وأبهم من أي نوع من أنواع البركة؟ كل أنواع البركة، ما وقع في بالك وما لم يقع، فمن بركاته أنه يهدي للتي هي أقوم ويدلك على ما يرضي الله U ومن بركاته أنه يهدي للتي هي أقوم فتصلح به أحوال الناس، ومعاشهم، وأرزاقهم، وحياتهم، وصحتهم، وأبدانهم، ومن بركته أن الله جعله لذة، وجعله حكمة، وجعله حاكماً، ومن بركته أنك تستنبط من ألفاظه القليلة المعاني الكثيرة، ومن بركته أن الله جعل ألفاظه وحروفه شفاء فإذا تليت هذه الآيات على بدنٍ مريض صح واستقام، وإذا وضعت في شيء تبارك وزاد، وقد رأيت من ضمن التجارب التي ذكرها بعض الناس أنهم وضعوا في حقلين متساويين واحد آيات القرآن تتلى آناء الليل وأطراف النهار، والثاني ليس فيه قرآن، فوجدوا أن الزرع الذي يتلى فيه القرآن أفضل، وأحسن، وأتم من الزرع الذي لم تتلى فيه آيات القرآن، وهذه بركة من بركات القرآن، وبركات القرآن لا تنتهي.

قال (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) فالتدبر جيء به بعد البركة ليبين لك أن من بركات القرآن كثرة معانيه فكلما تدبرته انفتحت لك من بركاته ومعانيه أشياء لم تقع في بالك عندما قرأته أول مرة. وهذا من معاني التدبر إنه كلما تتدبر وتنظر إلى ما وراء هذه الآيات تجد من المعاني ما لا طاقة للناس به من كثرتها، ولذلك المفسرون ما زالوا من قديم الزمان يؤلفون وإلى اليوم ولم تنتهي هذه المعاني ولم تنفد، وكل ما قلنا انتهت معاني الآيات وإذا به ينفتح لنا من معانيها أشياء لم تظهر لنا من قبل فهذا من بركة القرآن. ولذلك قال (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أي ليحصل لهم التذكّر بعد التدبر، فإن التذكر هو الاتعاظ متى يحصل الاتعاظ؟ بعدما تتدبر، ما هي حقيقة التدبر؟ حقيقة التدبر أن تستمع إلى القرآن بقلبك، تجعل هذا القرآن ينزل على قلبك فإذا نزل القرآن على قلبك وفتحت له قلبك وتجردت لسماعه فإنك لا شك ستنتفع به وتتعظ بآياته وتهتدي بهديه.

قال الله U (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ) وهب الله لداوود سليمان، وليس المقصود بالهبة هنا أنه أنعم عليه بنعمة الذرية فإن داوود كانت له ذرية كثيرة وكان له نساء كثير وهذا معروف عنه وعن سليمان عليهما الصلاة والسلام، كان لسليمان مئة امرأة، وقيل: سبعين أو تسعين، وداوود كذلك كان له نساء كثير من الحرائر، ومن الإماء، لكن وهب الله لداوود سليمان هبة خاصة بأن جعله خليفة له في الملك وفي النبوة، قال الله في سورة النمل (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) والعجيب إن سورة النمل تشبه سورة ص حيث إن هذه جاءت بعد الشعراء وهذه جاءت بعد الصافات، وسورة الصافات تشبه سورة الشعراء، وسورة ص تشبه سورة النمل حتى في ذكر الأنبياء.

قال الله U (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ) أي نِعْم العبد سليمان في طاعته لله U وعبوديته له. ثم دلّل على عبوديته فقال: (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي كثير الأوبة إلى الله والرجوع إليه. (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) عرض على سليمان (بِالْعَشِيِّ) أي في العصر (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) الخيل الصافنة وهي التي تقف على ثلاث قوائم وتحني الرابعة فتقف على حافر الرابعة، وهذا أجود ما يكون في منظر الخيل. (الْجِيَادُ) يعني السِراع التي إذا جاءت في ميدان السبق سبقت من شدة جريها وعدوها. (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) يعني إني أشغلني عرض هذه الجياد الصافنات عن صلاة العصر (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يعني حتى غابت الشمس واختفت وراء حاجبها وهو الأفق لأن الأفق هو الذي يحجبنا عن الشمس، فإن قلت إن الشمس لم يرد لها ذكر حتى يقال حتى توارت الشمس بالحجاب، قلنا نعم، لم يجري لها ذكر لكن مرّ شيء قريب منها وهو قوله (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) فقوله (بِالْعَشِيِّ) يدل على الوقت وهو العصر الذي دليله وأعظم آية فيه هي الشمس.

قال من كمال عبوديته وكمال أوبته ورجوعه إلى ربه (رُدُّوهَا عَلَيَّ) أرجعوها إليّ هذه التي أشغلتني عن ذكر الله ردّوها عليّ (فَطَفِقَ) أي أقبل (مَسْحًا) أي ضرباً (بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) يعقر سوقها وأقدامها ثم يقطع رقابها لله U، فإن قلت كيف يتلف المال؟ قلنا نعم هذا المال الذي أشغله عن الله لو عاقب نفسه بأن يجعله لله ويخرج منه لله كان ذلك مشروعاً، مثل ما روي عن عمر بن الخطاب t أنه ذهب إلى بستان له فانشغل به حتى فاتته صلاة العصر فتصدّق بالبستان كله، وهذا هو الذي فعله سليمان عقر هذه الجياد وجعلها لله U ولا يعني أنه عقرها أنه أتلفها بمعنى أنه لم يجعل أحداً ينتفع بها، لكن هذا الذي أشغله عن الله قد قضى عليه وهذا مستحب للإنسان أن يُري الإنسان ربه من نفسه خيراً إذا رأى شيئاً من الدنيا قد أشغله عن ربه جل وعلا.

قال الله U (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) هذه أيضاً فتنة أخرى وقع فيها سليمان وقد اختلف الناس فيها ففي كتب التفسير كثير من الكلام الذي قد يقبل وقد لا يقبل لأنه لا يليق بنبي الله سليمان. وفي السنة النبوية ما يشير إلى معنى هذه الآية وهذا الذي أخذ به ابن كثير وبعض المفسرين كشيخنا العلامة ابن عثيمين قال: هذا شيء أبهمه الله عز وجل فينبغي لنا أن نبقيه مبهماً ولا نسأل عنه لأنه لم يتضح لنا ولم يأتي في القرآن أو السنة ما يبين لنا حقيقة هذه الفتنة التي وقعت بسليمان عليه الصلاة والسلام. لكن الذي وقع يقول ابن كثير: هو ما جاء في الحديث من أن سليمان حلف أن يطأ مئة امرأة أو سبعين امرأة تأتي كل واحدة منهن بغلام يقاتل في سبيل الله فلم تأتي واحدة منهن بشيء لأن الملك الذي معه قال له: قل إن شاء الله فنسي فجامعهن جميعاً ولم تأت واحدة منهن بشيء إلا واحدة جاءت بنصف غلام، قال فهذا الذي قال الله فيه (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) لأن نصف الغلام جسد لا روح فيه. (ثُمَّ أَنَابَ) أي رجع إلى الله U واستغفر لأنه حلف يميناً على أمر مستقبل ولم يستثني فيه ولم يعلّقه بمشيئة الله فلم يقل إن شاء الله، نسي أن يقولها، وكان المطلوب في حقه أن يقولها، وأما المفسرون فقد ذكروا قصصاً أخرى وهو أن سليمان وضع خاتمه عند امرأته، فجاء جني أو شيطان بصورة سليمان إليها وطلب منها الخاتم الذي فيه ملكه، فأخذ يتصرف في الملك، وجلس على الكرسي حتى صار يدبر الأمور بغير ما كان سليمان يدبرها، وصار الناس ما يعرفون سليمان ولا يلقون له بالاً، وإنما ينظرون لذلك الجني أو الشيطان. وبعضهم قال: إن هذا الشيطان قد سرق هذا الخاتم عندما أراد سليمان أن يدخل الخلاء، والمهم قصص كثيرة جداً قيلت في هذا الباب أكثرها لا يليق بمقام نبي الله سليمان، وقلنا لكم إن السبب في ذلك أن اليهود يعتقدون أن سليمان ملك وليس نبياً ولذلك يقولون في حقه قولاً عظيماً.

(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي) بعد تلك الفتنة اِستغفر الله (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) سأل ملكاً لا ينبغي لأحد سواه (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أنت الله الذي تهب ما تشاء، كثير الهبات والعطايا. قال الله مجيباً دعوته (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ) أعطاه الله الريح، ولم تعطَ أحداً مثلما أعطيت لسليمان، كان يجلس هو وجنوده كلهم على شيء مثل البساط فتأتي الريح فتقلّهم (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) يعني في حال الغداة في الصباح تسير مسيرة شهر، وفي المساء تسير مسيرة شهر، فإن قلت: الطائرات تفعل ذلك، قلنا: الطائرات كم تحمل؟ خمسمائة، ألف، هذه تحمل سليمان وجميع جنوده الذين يبلغون ستمائة، سبعمائة ألف، بكل ما معهم بأحمالهم وعتادهم وأثقالهم يذهبون جميعاً في رحلة واحدة من الصباح فيصلون إلى ما يريدون الوصول إليه ويقضون حاجتهم ويرجعون في المساء، ما هذه الطائرة الغريبة؟! هذا أعطيه سليمان من ملك الله U ومن عطاء الله. (تَجْرِي بِأَمْرِهِ) إلى المكان الذي يريد (رُخَاءً) لينة لا يجدون فيها عنت أرأيتم المطبات الهوائية التي في الطائرات كيف تؤذي الناس؟ وكيف تتعبهم؟ كانت الريح التي يركبها سليمان ليس فيها شيء من ذلك (رُخَاءً) وجاء وصفها في سورة الأنبياء قال (عَاصِفَةً) إما أن يقال: عاصفة من حيث سرعتها كسرعة الريح العاصف، ورخاء من حيث لينها وطواعيتها لمن كانوا فيها، وإما أن يقال: بأنها تارة تكون عاصفة، وتارة تكون رخاء.

قال الله U (تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) أي حيث أراد وتوجّه، فكلمة (أَصَابَ) بمعنى قصد وأراد. يقول الناس أصبت الصواب فأخطأت الجواب، يعني قصدت الصواب فأخطأت الجواب.

 

قال (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) أي سخّرنا له الشياطين، وهذا لم يحصل لأحد قبله ولا لأحد بعده أن يسخّر له الجن والشياطين يعملون عنده عمالاً. (كُلَّ بَنَّاءٍ) أي يبنون له القصور والدور والمدن، (وَغَوَّاصٍ) أي يغوصون في البحار فيستخرجون اللآلئ. (وَآخَرِينَ) من هؤلاء الشياطين (مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ) أي قد صفّدوا بالأغلال لتمرّدهم عليه وعدم طاعتهم إياه. (هَذَا عَطَاؤُنَا) هذا عطاؤنا لك يا سليمان إجابة لدعائك وإكراماً منا لعبوديتك لأن الله وصفه بقوله (نِعْمَ الْعَبْدُ) ووصفه بقوله (إِنَّهُ أَوَّابٌ). قال (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أعطي من شئت واحرم من شئت، ولن نحاسبك على شيء من ذلك، كرمٌ من الله عز وجل أفاء به على نبيه وعبده سليمان عليه الصلاة والسلام، وهل هذا نقص من مكانته عند الله؟ قال (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى) أي لمكاناً عالياً قربناه وأدنيناه وجعلناه ذو منزلة عالية (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي حُسن مرجع ومنزلة في الآخرة وهي الجنة العالية نسأل الله I أن يجعلنا من أهلها



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل