تفسير سورة ص - المجلس الأول - د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري - دورة الأترجة

تفسير سورة ص - المجلس الأول

د . محمد بن عبد العزيز الخضيري - دورة الأترجة القرآنية

 

 (ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ ﴿١﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴿٢﴾ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴿٣﴾ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٤﴾ أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿٥﴾ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿٦﴾ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ ﴿٧﴾ أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ﴿٨﴾)

هذه السورة سورة ص سورة مكية وهذه السورة فيها موضوعات السور المكية من معالجة العقيدة وتقويتها وتثبيتها وتذكير الناس باليوم الآخر وبتوحيد الله U ونفي الشرك. وموضوعها فيما يبدو لي والله أعلم أنه في الخصومة فهي سورة جمعت أنواع الخصومات فمنها:

خصومة المشركين لنبينا محمد e وكيف أنهم أنكروا عليه وقالوا (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6)) إلى آخر ما حصل فيه هذه الخصومة التي كانت بينهم وبين رسول الله e ثم بيّن الله له المخرج من هذه الخصومة وأنه هو المنتصر هو في نهاية المطاف.

ثم عقّب ذلك بذكر خصومات الأمم المكذبة لأنبيائهم فقال جلّ من قائل (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) هذه الخصومة الثانية.

والخصومة الثالثة هذان خصمان اللذان تسورا على نبي الله داود ففزع منهم وطمأناه وقالا له لا تخف وبيّنا له أنهما جاءا في خصومة معينة عرف من خلالها داود أنه ابتلي في تلك الخصومة لأنه استعجل في الحكم فسمع من أحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر وحكم له قبل أن يستوعب القضية من جميع أطرافها عليه الصلاة والسلام. فلما غابا عنه عرف أنه قد ابتلي فخر راكعاً وأناب. ثم جاءته موعظة الله U له (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)).

ثم جاءت خصومة رابعة هي خصومة بين الإنسان وبين نفسه وذلك في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام عندما أحب حب الخيل عن ذكر ربه فانشغل بمتابعة الخيل وعرض الصافنات حتى فاتته صلاة العصر فنجح في هذا الأمر حتى إنه ذبح هذه الخيل كلها لله U من أجل أن يقضي على هذا الطغيان النفسي الذي يجتاح الإنسان فيصدّه عن ذكر الله U ويرغِّبه في الدنيا فيشغله بها عن الآخرة.

ثم ذكر الله U بعد ذلك الخصومة التي تقع بين أهل النار (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) إلى آخر تلك الخصومة التي سنعرفها خلال هذه السورة.

ثم ذكر الله U الاختصام في الملأ الأعلى عندما قال الله U (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)).

ثم ذكر الله بعدها خصومة إبليس لربه جل وعلا عندما أبى أن يسجد لآدم قال (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62)) وكانت نهاية هذه الخصومة أنه أقسم بالله U أن يُضِلّ بني آدم إلا من كان مخلِصاً لله U.

إذاً هذه السورة موضوعها الخصومات ولذلك قال بعضهم افتتحت بـ(ص) التي هي حرف من حروف هذه الخصومة للدلالة على هذا الأمر والعلم في ذلك عند الله عز وجل. هذه السورة مناسبة تمام المناسبة أولها لآخرها قال الله عز وجل (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) وفي آخرها (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)). وهي أيضاً مناسبة لسورة الصافات ففي سورة الصافات ذُكر جملة من الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس وذكر لوط ويونس وفي هذه السورة جاء ذكر داوود وسليمان وأيوب تماماً كالذي حصل بين سورتي مريم وطه والأنبياء أو بين هذه السور الثلاث.

يقول الله U (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (ص) أحد الحروف المقطعة التي افتتحت بها جملة من سور القرآن، والمقصود بـ(ص) هو الإشارة إلى أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف التي تتحدثون بها وتنطقونها وتؤلِّفون منها كلامكم ولكنكم لا تستطيعون أن تأتوا بمثل هذا القرآن الذي أُلِّف من حروف مثل الحروف التي تتحدثون بها. ولذلك قلّ أن يأتي ذكر هذه الحروف إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن الكريم (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)، (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، (يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)، (حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إلى آخره، وهذا يؤكد أن ذكر هذه الحروف لأجل هذا المعنى. ولذلك يقول بعض العلماء هذه الحروف المقطعة لا معنى لها لكن لها حكمة ومغزى، وحكمتها ومغزاها هو الإشارة إلى أن القرآن من عند الله U وأنكم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله مع أنه من مؤلف من الحروف التي تنطقون بها وتألفون بها كلامكم.

قال الله U (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) أقسم الله بالقرآن ووصفه بأنه ذو الذكر أي صاحب الذكر. والمقصود بالذكر إما أن يكون الشرف وإما أن يكون الذكرى والموعظة ولا مانع من اجتماع المعنيين لأن عندنا قاعدة من قواعد التفسير وهي أن اللفظ إذا أمكن اجتماع المعاني فيه من دون تضادّ واحتمل ذلك السياق فلا بأس بحمل اللفظ على معنييه، فيكون معناها والقرآن ذي الشرف والمنزلة العالية وذي الذكرى والموعظة ففيه ذكرى وموعظة وفيه شرف ومنزلة عالية ولذلك لا يأخذ به أحد إلا شرّفه الله كما قال النبي e: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». وقوله (ذِي) يقول العلماء إنها ما تأتي إلا مع الأشياء المفخّمة كما قال الله U (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، (إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) فتأتي مع الأشياء المفخمة والمعظمة.

قال الله U (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) دائماً إذا جاءنا القسم نسأل أين المُقسَم عليه؟ مثل إذا جاءنا الفعل نبحث عن الفاعل وإذا جاءنا المبتدأ نبحث عن الخبر، فهنا جاء القسم فأين هو جواب القسم؟ جواب القسم كثيراً ما يُحذف إذا دلّ القسم عليه فقوله (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) لم يذكر بعده ما هو المُقسَم عليه وإنما حُذِف وقُدِّر فصار الجواب والقرآن ذي الذكر إنه لحقٌ من عند الله أو نحو هذا الجواب.

قال الله عز وجل (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) أي إن هؤلاء الكفار في عزة منعتهم من الإيمان بهذا القرآن ومن التذكّر به ومن قبوله وقبول الشرع العظيم الذي جاء به. (وَشِقَاقٍ) أي خلاف فهم مختلفون فيما بينهم منهم من يقول ساحر، ومنهم يقول كاهن، ومنهم من يقول هذا سحر، ومنهم من يقول (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).

قال الله عز وجل (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) كم هي القرون والأمم التي أُهلِكت من قبلهم! وهذا تهديد من الله عز وجل لهم بأنه إن سلكتم هذا المسلك مسلك التكذيب والامتناع عن قبول القرآن فإن الله عز وجل يهلككم كما أهلك من كان قبلكم (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) أي من أمة سبقت.

قال الله U مبيناً حالهم عند وقوع العذاب بهم (فَنَادَوْا) عندما نزل بهم العذاب وصاحوا مستغيثين (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) أي لا مناص ولا مفرّ لهم من عذاب الله U. فإن قلت ما معنى لات؟ قلنا لات بمعنى لا وزيدت فيها التاء كما زيدت في ثمّ يقال: ثم وثمت، ورُبّ وربت، فالتاء تزاد في مثل هذا لتعطي مزيداً من المعنى (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) أي ولا حين مناص أي قد ذهب وقت النوص والفرار والنجاة والفوز.

قال الله U (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) تعجب هؤلاء الكفار كيف يأتي منذر ويكون من بني الإنسان؟ لا يمكن إذا أراد الله أن يأتي بمنذر فليأتِ بمنذر من غير جنسنا نحن البشر. ولكن لو جاء الله بمنذر من غير البشر لجعله في صورة البشر وللبس الله عليهم ما يلبسون قالوا هذا بشر لأنهم لا يطيقون أن يروا الملائكة في صورهم، ولا يطيقون أن يروا الجن في صورهم، فالإنسان محدود القدرات والطاقات، ثم ما أرسل الله U قبل محمد e إلا رسولاً من الناس من الرجال (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ)

قال الله U (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) قال الكافرون ذلك بموجب كفرهم وإلا ليس في الأدلة العقلية ولا في الواقع ما يدل على أن محمداً e كان يتعاطى السحر حتى يُنسَب إلى السحر ولا كان كذاباً في تاريخه كله عليه الصلاة والسلام فهو المعروف في تاريخ أهل مكة بأنه الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام.

ثم قالوا متعجبين (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) كيف هذا؟! كيف يجعل الآلهة التي نعبدها شيئاً واحداً فلا نعبد إلا واحداً! هذا غير مقبول. نقول إذا كان غير مقبول عندكم فهو المعقول وهو لا يجوز غيره ولا يصح سواه. قال الله U (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) يقولون إن هذا لشيء عجيب، لأن عُجاب وعُجَّاب وعجيب بمعنى واحد مثل كَبير وكُبَار وكُبَّار، وكريم وكُرام وكُرَّام، كلها بهذا المعنى. (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) أن يكون الإله المعبود واحداً وهذا شيء غريب لو استعملوا عقولهم لعرفوا أن الذي يقولونه هو العجيب وليس الذي جاء به محمد e

قال الله U (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) انتدب جماعة منهم للدعوة لكن دعوة إلى ماذا؟ للدعوة إلى الشرك والثبات عليه والاستقامة عليه حتى الممات. (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ) الملأ هم أشراف الناس الذين يملأون الأعين ببهجتهم وحسن مناظرهم وحسن منطقهم وكثرة أموالهم وأولادهم ولأنهم أصحاب الجاه والمنزلة والرفعة والمناصب. (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا) اثبتوا على دينكم الذي لقيتم عليه آباءكم واصبروا على آلهتكم المتعددة وإياكم أن تسمعوا إلى من يقول إن إلهكم إله واحد. (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) هذا الذي يأتي به محمد يراد به قطع صلتنا بآبائنا أو هذا الذي نراه من زيادة أصحابه يراد به الكيد لنا هذا مخطط يرد منه القضاء على أصالتنا ووطنيتنا وجذورنا التي ننتمي إليها. وبمثل هذه الأساليب يُردّ الحق كلمات عامة وجمل مفعمة بكثير من التفخيم الذي ليس وراءه أي معنى ولا عقل ولا فطرة ولا شرع "ننتبه للحمة الوطنية، للتراث، للأصالة، للحقيقة" دون أن يكون هناك لا حقيقة ولا أصالة ولا دين ولا شرع ولا عقل. قالوا (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ) يعني ما سمعنا في دين اليهود والنصارى أنهم كانوا يقولون إن الإله إله واحد وهذا من كذبهم وإلا لو رجعوا إلى أهل الكتاب الحقيقيين الذين يعلمونه حقاً لعلموا منهم أن الذي جاء في الكتب السماوية هو توحيد الله وأن الأنبياء كلهم قد أطبقوا على هذا المعنى. (إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) أي ما هذا الذي جاء به محمد إلا كذب من عند نفسه حاشاه بأبي هو وأمي أن يكون مختلِقاً أو كذاباً أو مفترياً ولكنهم من مزيد كذبهم ولاحظوا هذا الآن نجده هذا اليوم تجد هؤلاء الكفار لا يزالون يكذبون ثم يكذبون ثم يكذبون حتى يصدقهم من في قلبه مرض ومن لا يعود إلى عقله ورشده والهدى الذي أنزله الله U على رسوله e

ثم يقولون حاسدين (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) لماذا ينزّل عليه القرآن من بيننا جميعاً؟ لماذا؟ يعني يتميز بماذا؟ هو رجل مثلنا ما عنده أيّ مميزات خلقية يتميز بها علينا فلماذا يختص بذلك دوننا؟! وأنتم ماذا تريدون أن ينزل الوحي على كل واحد منكم؟! لا بد أن يختار واحد من بينكم وقد اصطفى الله عز وجل من بينكم هذا الرجل الذي تعلمون أنه خيركم في كل شيء، في عقله، في أمانته، في خُلُقه، في نسبه، فهو من أنسب أهل مكة بل هو أنسبهم عليه الصلاة والسلام، وولد عليه الصلاة والسلام من نكاح لم يقارنه أدنى سِفاح من آدم u إليه عليه الصلاة والسلام. (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) أي القرآن (مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي) يعني هم متشككون لأنهم يجدون كلاماً لا يستطيعون أن يقولوا مثله ولا أن يتكلموا بمثله وفي الوقت ذاته تأتيهم مثل هذه الأباطيل والكلام والأقاويل التي يروجها الملأ عندما يقولون (امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) فيحدث عندهم الشك والريب كان الأجدر بهم أن يأخذوا بموعظة الله U (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) إجلس وحدك وفكّر هل الذي يقوله حق أو باطل؟ هل هذا الرجل دعيّ أو صادق؟ فكّر من دون أن تخضع لمؤثرات خارجية أو لضغط البيئة والمجتمع أو الصحافة والإعلام أو غيرها من الوسائل التي تضغط عليك حتى تغيّبك عن الحقيقة، إعرف الحقيقة من خلال الحقيقة بالتفكير الناقد، الناظر، الذي يزن الأمور، ويصل إلى الحقائق، والله يعلم أن كل من فكّر طالباً الحق، مبتغياً له، متجرّداً عن أي شيء يمنعه من قبول الحق، فإن الله لا بد أن يهديه إليه ويدلّه عليه ويجعله ملتزماً صادقاً في قبوله.

قال الله U (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي) قال الله (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) فلو ذاقوا العذاب فنزل بهم لعرفوا حينها أنه هو الحق ولنطقوا بذلك كما نطقت الأمم السابقة عندما ينزل بهم العذاب يقولون آمنا (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) لأن كل هؤلاء في حقيقة أنفسهم يعلمون الحق، وذلك لأن الحق بيّن، وواضح، ويضع الله له من الدلائل ما تقوم به الحُجّة على الخلق، ولكن الخلق لكبرهم ولحسدهم ولموانع أخرى هم يرضون بها يمتنعون بها من قبول الحق (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)

ثم قال الله U رادّاً عليهم حسدهم عندما قالوا (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) قال (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) بل أعندهم خزائن رحمة ربك حتى يضعوا هذه النبوة فيمن يريدون أو يمنعوها ممن يريده الله I؟ هذه رحمة الله وحده يضعها فيمن شاء من عباده فمن هو الذي يجترئ على قسمة الله U؟! (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)

(أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) يعني هل هم أصحاب النفوذ والتصرف في هذا الكون حتى يقترحوا من يشاؤون أن تنزل عليه النبوة أو يمنعون منها من يشاؤون؟! ليس هذا لكم ولا إليكم ولستم أهلاً لذلك بل هذا لله الواحد الذي بيده ملكوت كل شيء يضع هذه النبوة فيمن شاء من عباده (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)

قال الله U (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) يعني ليست النبوة بأيديهم فإن ادّعوا أن مُلك السماوات والأرض بأيديهم وأن لهم أن يتصرفوا (فَلْيَرْتَقُوا) فليصعدوا في السماء ويفعلوا ما يشاؤون، لا يستطيعون، ولا يقدرون، ولا يطيقون ذلك.

قال الله U (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ) أي جند مهزوم من الأحزاب أي هم أتباع مقلِّدون ليس فيهم عالم راشد إنما هم جنود للباطل يتبعون إبليس ويتبعون أنفسهم الأمّارة بالسوء ويتبعون الملأ الذين يغطّون عليهم الحقائق (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ) أي سيُهزمون كما هزم من قبلهم من الأحزاب، فهي أحزاب تتجمع على الباطل ويؤزّ بعضها بعضاً على التكذيب وعلى الكفر بالله U، ثم تحيق بهم لعنة الله وينزل بهم غضب الله فلا يبقي منهم أحداً.

ثم ذكر الله U من هم هؤلاء الأحزاب الذين هزموا قبلهم؟ قال (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) فماذا فعل الله بهم؟ أغرقهم (وَعَادٌ) أرسل الله عليهم الريح العقيم (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)، (وَفِرْعَوْنُ) أيضاً مثلهم كذّب بعدما جاءته البينات قال الله عنه (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) هم موقنون بها ويعرفونها حقاً لكنهم جحدوا بها جحداً في الظاهر وإلا فإن قلوبهم تعلم أن ما جاء به نبي الله موسى حق وصدق (وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ) وصفه الله بأنه ذو أوتاد، وكلمة (ذو) تدل على التفخيم، فما هي الأوتاد؟ إما أن يكون الأوتاد هي الجنود التي تثبّت ملك فرعون وقد كان له جنود كثيرون لأنه في ملك عظيم عريض وقيل ذو الأوتاد ذو البناء المُحكم فإن كانت هذه الأهرامات من ترِكة فرعون فإن هذا يدل على أن فرعون كان عنده أبنية شاهقة وكانت عنده قصور فارهة وكان عنده قوة في التشييد والبناء فوصفه الله U بذلك، لكن هل أغنى عنه بنائه شيئاً؟ ما أغنى عنه شيئاً، إذا نزل عذاب الله ما أغنى عن الناس شيء مما يملكون أو يؤثّرون، وإما أن تكون (ذُو الْأَوْتَادِ) أي أوتاد يضعها في الأرض ثم يشد بها المؤمنين فيعذبهم بها وقد فعل ذلك مع زوجه آسية رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

قال الله U (وَثَمُودُ) وهم قوم صالح (وَقَوْمُ لُوطٍ) وهم أصحاب المؤتفكات الذين أهوى الله U قراهم وأنزل عليهم مطراً من حجارة (وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ) وهم قوم شعيب عليه الصلاة والسلام الذين أخذهم عذاب يوم الظُلّة (أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ) هؤلاء الأحزاب أبعدهم الله وهزمهم شر هزيمة لأنهم كذّبوا بشيء قد ظهر صدقه وأبوا أن يتبعوا ما أمر الله U باتباعه.

ثم قال (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) يعني عقوبة هؤلاء كان أعظم أسبابها أنهم كذبوا رسل الله فلما كذبوا بشيء لا يمكن التكذيب به لظهوره وجلائه ووضوحه وعدم خفائه جعل الله U العقوبة حقاً عليه.

ثم قال مهدداً هؤلاء من مشركي مكة (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ) ما ينتظر هؤلاء (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) إلا نفخة ينزلها الله U عقوبة عليهم (مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) وتُقرأ (مَا لَهَا مِنْ فُوَاقٍ) والمقصود ما لها من راحة ولا إفاقة مأخوذاً من حَلْب الناقة كما يقولون إذا ارتضعت البهيمة أمها ثم تركتها حتى تنزل شيئاً من اللبن فتلك يسمونها الإفاقة، يعني يأتيهم العذاب متتابعاً من دون انقطاع ومن دون راحة.

(وقالوا) عاد مرة أخرى إلى مقالاتهم فقال (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) أي هؤلاء مستحقون للعذاب وهم مع تكذيبهم يستعملون الاستهزاء والسخرية بما يأتي به رسول الله e عندما هددهم بالعذاب قالوا (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) أي عجِّل لنا نصيبنا وقسطنا وصحيفتنا وحسابنا قبل يوم الحساب، وإما أن يكون مقصودهم عجّل لنا الجنة التي كنت تعدنا بها فلا يوم الحساب، أعطنا شيئاً منها ننظر إليه في الدنيا أو يكون عجّل لنا عذابنا وهذا هو الموافق لكثير من آيات القرآن، عجّل لنا العذاب قبل يوم الحساب، لماذا يتأخر علينا العذاب؟ نحن نطالبك بأن ينزل علينا العذاب والله U يستأني بهم ويمهلهم ويأمر نبيه e أن يصبر عليهم ولذلك قال (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) يعني لا تستعجل لهم بالعذاب. قال الله U (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) يا محمد إياه أن يستفزّوك بما يقولونه من كلام فإنهم سيقولون كلاماً شديداً ويؤذونك بمطالبهم فاصبر عليهم.

ثم قال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ) ما المناسبة بين قوله (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) و (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ)؟ يقال إن الله U يذكّره بما كان عليه داوود من القوة في دين الله والصبر والثبات ولذلك مدحه في قوله (ذَا الْأَيْدِ) ذا القوة وقد كان داوود عليه الصلاة والسلام مشهوراً بالقوة في التعبد، وهذا يبين أن القوة في التعبد تعين الإنسان بإذن الله U على الصبر على ما يقوله الكافرون (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) فأعظم زاد يتزود به الإنسان في مواجهة طغيان الكفرة وردّهم للدعوة وعدم قبولهم للإيمان هو كثرة التعبد والسجود بين يدي الله إنها زاد حقيقي، ولذلك انظروا في أوائل سور القرآن سورة المزمل عندما قال الله (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) يعني إذا فعلت ذلك يا محمد فقد تزودت بالزاد الحقيقي الذين يعينك على الصبر على مقالاتهم، فلا يستفزونك ولا يلجئونك إلى أن تدعو عليهم أو تطلب من الله U أن ينزل العذاب عليهم. (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا) وصفه بصفة العبودية لأنها أعظم الصفات، ولذلك مدح الله نبيه محمداً e فوصفه بالعبودية في مقامات المدح (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ)، (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) إلى آخره. (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ) ذا القوة في دين الله قال النبي e: «أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داوود - والمقصود بالصيام والصلاة هنا صلاة النافلة وصيام النافلة - كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» قال النبي e في نهاية الحديث: «وكان لا يفرّ إذا لاقى» يعني أنه مع صيامه هذا ومع قيامه هذا إذا لاقى العدو لا يفر يعني لم يضره صيامه ولا قيامه، بل كان قوي البدن، قوياً على الطاعة، قوياً على العبادة، لا تؤثر عليه في المجالات الأخرى. (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي إنه رجّاع إلى الله عز وجل بالتوبة كلما وقع في شيء مما لا يرضاه الله I رجع إلى الله مباشرة كما سيأتي بذلك خبر داوود بعد قليل، أو إنه أواب مخلِص لله عز وجل ومسلمٌ أمره إلى الله يرجع إلى الله في كل شيء، ويقال في معنى أواب إنه المسبِّح أو المطيع لله U، لكن الأوبة مأخوذ من آب أي رجع فكأنه كلما غفل أو سهى أو لهى أو وقع في مخالفة رجع إلى الله مباشرة كما سيأتي معنا في القصة التالية.

قال الله U مبيناً نعمة أنعمها على داوود (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) كان إذا جلس لتلاوة الزبور سمع دوي الجبال، الجبال تسبح معه فيسمع ترجيعها لكلام الله U المنزّل في الزبور، وكان صوت داوود صوتاً جميلاً إذا سمعه كل أحد خشع له واطمئن وسكن، حتى إن الطير لتمر على داوود وهو يقرأ في الزبور فإذا مرّت وقفت في السماء تستمع لتلاوته وترجع معه. قال (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً) أي مجموعة له (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) أي رجّاعٌ لداوود أي كلما ذكر الله U ودعاه رجّعت معه وتلت معه الذكر، أو (كُلٌّ لَهُ) أي لله U (أَوَّابٌ) أي كل هذه المخلوقات داوود والجبال والطير تؤوب إلى الله جل وعلا، والأول أولى.

 

قال الله (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) شد الله ملكه قوّاه بالأجناد وبالأموال وبحسن الإدارة والتدبير، فقد كان داوود ملكاً عظيماً، ونبياً صالحاً عابداً، وتالياً لكلام الله U، وقد مكّنه الله من الملك تمكيناً عظيماً فشدّ الله ملكه وهذا جاء في مقام المدح مما يدل على أن الإنسان إذا مُكِّن أو ملك ينبغي له أن يسعى في تقوية هذا المُلك حتى لا يُعبث به ولا يكون هناك دور للمفسدين والسارقين وقطاع الطريق ومن يريدون العبث بأمن الناس وأديانهم وأبدانهم. (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) أي أعطيناه الحكمة وهي كل ما يصح أن يقال فيه إنه إحكام للأمور، الحكمة في القول، والحكمة في الفعل وهي الإصابة والفهم والسداد في القضاء، كل ذلك يسمى حكمة. ويعبّر عنها بعضهم بأنه وضع الشيء في موضعه، وهذا لا شك أنه أثر من آثار الحكمة فإن الإنسان إذا أوتي الحكمة وضع كل شيء في موضعه. (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) أوتي الحكمة وأوتي فصل الخطاب، ما هو فصل الخطاب؟ هو أنه يفصل في القضايا فصلاً عظيماً موفّقاً مسدّداً وهذا من عند الله عز وجل، آتيناه الحكمة والعدل في القضاء، فإذا قضى بين المتخاصمين قضى قضاءً مضرماً عادلاً لا حيف فيه ولا جور. وأيضاً إذا قال كلاماً بيّنه ووضّحه حتى لا يحتاج إلى إيضاح بعده. وقيل من فصل الخطاب أنه كان يكلِّف المدّعي بالبيّنة ويكلّف المدّعى عليه باليمين، ولا شك أن هذا لون من ألوان فصل الخطاب، فإن هذه طريقة حكيمة جاء الشرع بها وجاء بها نبينا محمد e وهي أن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، وأما من قال: "إن فصل الخطاب هي أما بعد" فإن أراد أنها هي المقصودة بفصل الخطاب فهذا غير صحيح، لأن هذا ليس بشيء، لكن إن قيل إنها لون من ألوان فصل الخطاب والبيان فهذا لا بأس به، علماً بأنها كلمة عربية وداوود لم يكن يتكلم العربية.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل